الحمد لله

telegram

ما حكم بول الرضيع وكيف يغسل

إن للأطفال من المحبة ما يجعل المرء يتعلق بهم ويكثر من حملهم، فلا يخلو عند ذلك من أن تصيبه النجاسة من بولهم، وقد فرق الشرع بين بول الغلام الرضيع والجارية الرضيعة، فالغلام إنما يرش من بوله والجارية يغسل من بولها، مع أن البول نجس في كل حال.
بول الرضيع وحكمه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول: المصنف رحمه الله: [وعن أبي السمح رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام )، أخرجه أبو داود و النسائي وصححه الحاكم ].
هذا موضوع جديد، وهو نجاسة البول بصفة عامة، وقد تقدم لنا ما يتعلق بنجاسة البول، وهو متعلق بهذا الباب، وكثير من المؤلفين يذكره في هذا الموضع.
وتقدمت لنا قصة بول الأعرابي حينما بال في المسجد، وكانت طريقة تطهيره مكاثرته بالماء، كما قال الشافعي رحمه الله: يكاثر بالماء مقدار سبع مرات وهذه ناحية نسبية تعتبر بغلبة الظن.
وهنا يأتي المؤلف رحمه الله بهذا النص عن أبي السمح ، وكان خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع أنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن لا يُعلم له حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا هذا، فنقل لنا عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام ) فمن الجارية، ومن الغلام؟ الجارية لغة: تطلق على الصغيرة الرضيعة، وتطلق على من هي دون البلوغ، وتطلق على الأمة الكبيرة، كما تقول: جارية فلان والغلام يطلق على الطفل الصغير الرضيع، وعلى من دون الأربعين سنة، كما قيل في الحجاج : غلام إذا هز القناة سقاها وهو قائد الجيوش، ومع ذلك سمي غلاماً.

علة التفريق بين بول الغلام وبول الجارية
قد يقال: هل يمكن أن نتطلع إلى سبب في التفريق بين بول الغلام وبول الجارية، أم أنه لا يوجد هناك فرق؟ قال بعض المتقدمين -وهو المتولي من أئمة الشافعية-: نعم هناك فرق؛ فإن بول الغلام أبيض رقيق خفيف، وبول الجارية أصفر ثقيل كثيف، فالفقهاء نبهوا على أن هناك فرقاً في الماهية، فبول الغلام رقيق خفيف يكفي فيه الرش، وأما بول الجارية فأصفر كثيف ثقيل والنضح لا يكفيه، ويحتاج إلى الغسل.
وبعض المتأخرين الذين يتكلمون عن التشريح أو عن الخواص يقولون: بول الجارية فيه من هرمون الأنوثة أكثر، فيحتاج إلى زيادة في الغسل، وهرمون الأنوثة -كما يقولون- أثقل من هرمون الذكورة، والله تعالى أعلم.
وبعضهم يعلل ذلك بقوله: الغلام ذكر والجارية أنثى، وأصل الخلقة -خلقة الإنسان- هو أبونا آدم، وآدم خلق من تراب وماء، والماء والتراب طهوران، فأصل التكوين في خلقة الذكر من طاهرين، والأنثى جاءت من حواء، وحواء خلقت من ضلع آدم، وضلع آدم فيه دم ولحم، والدم نجس، فالغلام يرجع إلى أصله، والجارية ترجع إلى أصلها، وهذا امتداد طويل وبعيد الاعتبار، وذكرناه من باب الفائدة.
وهناك من يقول -وهي قضية والله ما أدري كيف ساغ لهم أن يقولوها- فيقول: الرسول صلى الله عليه وسلم عامل الناس بحالة نفسية؛ إذ كان العرب في أول أمرهم إذا جاءهم المولود أنثى فهم كما قال تعالى: { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ } [النحل:58].
فكانوا إذا جاءت البنت لا يحبون حملها، أما الصبي فيحب، ودائماً يحمل، فخفف في بوله، لكن هذه العادة غير حميدة، فهل يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم ويقر الناس عليها، ويخفف لهم ويرخص لهم بسببها، أم يقضي عليها؟ لاشك أنه سيقضي عليها.
فهذه وإن كانت ساقطة فهي بعيدة بعد آدم وحواء، لكن تلك أقرب للتعليل من هذه.
ومهما يكن من شيء فإن المهم هو الحكم الفقهي، وهو أنه يكتفى بنضح بول الغلام ويغسل بول الجارية، وبعض الذين قالوا بالغسل قالوا: النضح بمعنى الغسل؛ لأنه جاءت رواية: ( رشه: نضحه ) ، والنضح غسل.
ولكن جاء في رواية علي رضي الله تعالى عنه: (فنضحه ولم يغسله) فهل النضح هو الغسل أم هو مغاير له؟ والجواب: مغاير له، ويكفينا في ذلك أن أصل البول نجس، وذلك في الأصل عند الجارية، ولكن الغلام الرضيع الذي لم يتناول الطعام خففت حالته، واكتفي فيه بالنضح، وما عدا الغلام الرضيع -سواءٌ أكان غلاماً يأكل الطعام، أم جارية من أول أمرها -فإنه يغسل، والله تعالى أعلم.

اختلاف العلماء في تطهير بول الغلام والجارية
موقف العلماء من بول الجارية وبول الغلام الرضيع يتلخص في ثلاثة مذاهب، كما نقل ذلك: الصنعاني و الشوكاني و ابن حجر في فتح الباري، وغيرهم.
المذهب الأول: يغسل الجميع، بول الغلام وبول الجارية وهذا مروي عن الأحناف والمالكية.
والمذهب الثاني: يرش من الجميع بدون تفرقة، فالأول لا يفرق بين ذكر وأنثى، وقال: يغسل الجميع.
والثاني لم يفرق بين ذكر وأنثى، وقال: يرش الجميع.
وهذا قول الأوزاعي المذهب الثالث: وهو مذهب الشافعي و أحمد رحمهما الله -ويؤيده الحديث- أنه يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام.
ووجهة نظر من قال بغسل الجميع، قولهم: هناك عمومات أخرى، منها: عموم غسل البول، ومنها: حديث القبرين: ( وكان أحدهما لا يستنزه من البول )، وهذا عام في البول، فيشمل الصغير والكبير، ثم ألحق الغلام بالجارية، وهذا الإلحاق يسمى عند الأصوليين إلحاقاً بنفي الفارق.
أي: ننفي فارق الذكورة والأنوثة، ونرجع إلى أصل البول فهو سواء عندهم، فنغسل الجميع، كما جاء في حديث: ( من أعتق شقصاً له في عبد )، فكلمة (عبد) تطلق على المملوك الذكر، فقالوا: كذلك من اعتق شقصاً له في أمه، ولماذا الأمة والنص جاء خاصاً بالعبد؟ قالوا: بإلغاء الفارق بين الأمة والعبد، وهو الذكورة والأنوثة، فمن أعتق شقصاً في مملوك له ذكراً كان أو أنثى قوم عليه ودفع الباقي لشريكه ويعتق العبد، هذا ما يسمى عندهم بنفي الفارق.
ولكن هذا حينما يأتي النص في أحد المتماثلين أو المتقابلين، فيكون هنا الإلحاق بنفي الفارق؛ لأن الأمة لم يأتِ في عتق شقصها نص ولكن هنا جاء النص مستقلاً في الغلام بالرش، وجاء مستقلاً في الجارية بالغسل، فنأخذ بالنص الموجود، أما القياس هذا فإنه يسمى عند الأصوليين قياساً فاسد الاعتبار، أي: اعتباره فاسد؛ لأنه في مصادمة النص؛ إذ يلحقون الغلام بالجارية، وهذا فيه نص صحيح صريح، وهو حديث أم قيس الذي رواه الجماعة، وحديث عائشة الذي رواه البخاري ، وعند مسلم زيادات.
فالغلام فيه نص مستقل، والجارية فيها نص مستقل، ولا يلحق أحدهما بالآخر؛ لأننا إذا ألحقنا أحدهما بالآخر ألغينا النص الذي يختص به، وهذا لا يجوز، وهو كما -يقول الأصوليون- قياس فاسد الاعتبار.

أحاديث في التفريق بين بول الغلام والجارية
في هذا الباب جاءت نصوص أخرى مع حديث أبي السمح ، منها: أنَّ أم قيس بنت محصن : أتت بابن لها إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحنكه -والتحنيك: هو أن يأخذ الكبير تمرة فيلوكها في فِيه، ثم يخرجها بعد المضغ وامتزاجها بلعابه، ويضعها بين فكي الطفل، فيبلغها أو يتلمض بها- قالت: فبال على ثوب النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا بماء ونضحه).
وكذلك جاء عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت: كانوا يأتون بالصبية إلى النبي صلى الله عليه وسلم للتبريك، والتحنيك -والتبريك: التماس البركة، ويحنكهم ليختلط ريقه صلوات الله وسلامه عليه بالتمرة، ويبتلعه الطفل الصغير- (فبال غلام على ثوب النبي صلى الله عليه وسلم، أو في حجره صلى الله عليه وسلم فأتبعه بالماء) .
وجاء عن أم قيس حديثان، أحدهما قالت فيه: ( أتي بغلام فبال على ثوبه صلى الله عليه وسلم فنضحه، وأتي بجارية فبالت على ثوبه فغسله ) .
وعن أم الفضل : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بغلام -الحسن ، أو الحسين- فصعد على بطن النبي صلى الله عليه وسلم فبال على صدره، قالت: قلت: أعطني ثوبك -يا رسول الله- أغسله والبس غيره قال: إنما ينضح من بول الغلام ) .
وعن علي رضي الله تعالى عنه: ( أن غلاماً بال على ثوب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يرش من بول الغلام ويغسل من بول الجارية )، قال قتادة : وذلك قبل الفطام، أو: وذلك للرضيع.
وكل هذه الآثار جمعها وساقها صاحب المنتقى، وتكلم عليها الشوكاني في نيل الأوطار، وغيره.
والقول الصريح بضم الفعل مع مجموع ذلك كله أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين بول الغلام الذكر، وبول الجارية الأنثى، وهذا التفريق محله قبل أن يستغني بالطعام ما دام رضيعاً، فأمر بغسل بول الجارية، واكتفى أو أرشد إلى نضح أو رش بول الغلام.

الكتاب : شرح بلوغ المرام
المؤلف : عطية بن محمد سالم (المتوفى : 1420هـ)

  • الإجابة عن الاستفتاءات
    الإجابة عن الاستفتاءات

    #حكم_بول_الرضيع
     السؤال ( 807) السلام عليكم ورحمة الله وبركاته/ماحكم/ بول الطفل سواء كان ذكر او انثى.اذا بال على جسم انسان) وجزاكم الله خير؟


     الجواب ( 807) وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
    الطفل الصغير الذي لم يأكل الطعام إذا كان ذكرا فينضح بوله بمعنى يرش عليه....أما إذا كان أنثى فلا بد من غسله
     ماجد عليوي