ماذا يقرأ في صلاة الوتر سبح اسم ربك الأعلى و قل يا أيها الكافرون و قل هو الله أحد : الحمد لله

ماذا يقرأ في صلاة الوتر سبح اسم ربك الأعلى و قل يا أيها الكافرون و قل هو الله أحد

ما يقرأ من السور في صلاة الوتر
قال رحمه الله: [ وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بـ(سبح اسم ربك الأعلى)، و(قل يا أيها الكافرون)، و(قل هو الله أحد) ) رواه أحمد و أبو داود و النسائي ، وزاد: ( ولا يسلم إلا في آخرهن ) ].
في هذا الحديث بيان ما كان يقرأ به صلى الله عليه وسلم في الوتر، وقوله: (كان رسول الله) يقول العلماء: (إن كان) هنا تدل على الدوام والاستمرار، ونظروا في هذه السور الثلاث (سبح) و(الكافرون) و(قل هو الله أحد)، وتقدم الكلام على السورتين الكريمتين: (قل يا أيها الكافرون) و(قل هو الله أحد) فيما يتعلق بالقراءة في سنة الصبح، وفي ركعتي الطواف، وهنا جاء تكرارهما، وكذلك في ركعتي سنة المغرب، وأن هاتين السورتين يسميان: سورتا الإخلاص، أو سورتا التوحيد، وأن في (قل يا أيها الكافرون) نبذ لعبادة ما سوى الله، وفيه أيضاً تميز الإسلام والمسلمين عن غيرهم { لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ } [الكافرون:2-4]، أي: في الحال وفي الاستقبال، و { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } [الإخلاص:1] تفردت هذه السورة الكريمة بموضوع واحد وهو: إفراد الله سبحانه وتعالى، وبيان أنه الواحد الأحد الفرد الصمد، واحد في ذاته، وواحد في صفاته، وأنه الصمد الذي يصمد إليه جميع الخلق، أي: يعمدون إليه ويقصدونه، وهنا يضيف إلينا أبي بن كعب : { سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى } [الأعلى:1]، وباجتماع هذه السورة مع تلك السورتين نجد افتتاحية السورة الأولى: { سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى } [الأعلى:1]، والتسبيح بمعنى: التنزيه والتقديس عما لا يليق بجلال الله، وقد جاءت مادة سبح في القرآن الكريم بكل تصاريفها، { سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ } [الحديد:1] { يُسَبِّحُ لِلَّهِ } [الجمعة:1] حتى المصدر { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ } [الإسراء:1] فجاء التسبيح بأنواع تصاريفه؛ لبيان تنزيه المولى سبحانه وتعالى عما لا يليق بجلاله، وقد أشرنا سابقاً أن معنى التسبيح من حيث مادته في اللغة أصلها (سَبَحَ) بمعنى: يسبح في الماء، والإنسان إذا وجد في ماء عميق لا بد أن يسبح وإلا غرق وهلك، ويقال: إن سبح وسبّح (سَبَحَ الله) أي: كأنه يبعد جلال المولى سبحانه عن كل ما لا يليق بجلاله، وإلا هلك هذا الإنسان، أو أنه يسبح ويطلب طرق النجاة بتنزيه الله سبحانه عن كل ما لا يليق بجلاله، بخلاف أولئك الذين اتخذوا الله ولداً، أو اتخذوا له صاحبة، أو اتخذوا له شريكاً، أو وصفوه بصفات لا تليق بجلاله سبحانه، كما وقع اليهود في وصف الله سبحانه بالفقر وبالغل إلى غير ذلك من الصفات التي لا تليق بجلاله سبحانه.
وقد بين لنا الحديث الصحيح في قوله صلى الله عليه وسلم: ( سبحان الله تملأ الميزان، والحمد لله تملأ ما بين السماء والأرض ) وكما جاء في الحديث الآخر: ( كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ) وهاتان الكلمتان جمعتا طرفي التوحيد؛ لأن (سبحان الله) تنزيه ونفي عن كل ما لا يليق بجلاله، و(الحمد لله) إثبات وإقرار بكل المحامد، وبهذا يجتمع للإنسان بهاتين الكلمتين تنزيه الله سبحانه، وتحميده بكل ما يليق بجلاله، وهذا هو طرفا التوحيد في حق الله.
وهنا قوله: { سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى } [الأعلى:1] التسبيح هنا متوجه إلى ( ربك الأعلى)، ومن سبح اسم ربه فقد سبح ربه من باب أولى، فإذا سبح الإنسان وقدس ونزه أسماء الله العلي العظيم فإنه قد سبح ونزه وقدس المولى سبحانه وتعالى.
ثم جاء بعد هذا التسبيح وهذه الافتتاحية بقوله: { الأَعْلَى } [الأعلى:1]، والوصف بالعلو ثابت، وكذلك الاستواء على العرش، وكل ذلك مفهوم في العقيدة، ثم جاء بما يدل ويثبت القدرة الإلهية والربوبية للعالم، { رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى } [الأعلى:1-3] إلى آخر السورة الكريمة مما فيه جماع كمال الصفات لله سبحانه.
{ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى } [الأعلى:2]، لو وقف إنسان عند كلمة: (فسوى) طيلة عمره ما استطاع أن يستوفي مدلولها، لو نظرت إلى بني آدم من أبينا آدم إلى آخر إنسان في الوجود، ونظرت في تسوية خلقه لما وجدت اثنين متفقين تماماً متطابقين تمام المطابقة، ولكن كل مخلوق سواه الله تسوية خاصة به، ولو جئت إلى رعاة الحيوانات وبهيمة الأنعام لتجد الإبل والبقر والغنم كلها تتفق في صورة واحدة، ولكن تسوية كل واحدة منها تغاير غيرها من بني جنسها، وتجد الرعاة يختلطون بمئات من رءوس الغنم، فإذا آواهم المبيت تجد كل راع يعرف شياهه ويفصلها عن شياه شريكه ومن كان معه.
وكان والدنا الشيخ الأمين رحمة الله علينا وعليه يقول: إذا أردت أن تعرف هذه الآية وهذه القدرة الإلهية قف عند جمرة العقبة، وانظر تلك الوجوه التي جاءت من كل جنس، ومن كل قطر، ومن كل صقع يرمون الجمرات، لن تجد اثنين اتفقا في صفاتهما، بل إن علماء التشريح اليوم يقولون: إن بصمات الناس لا تتفق أبداً، بل إن أصابع الإنسان العشر في يديه لا تتفق بصمة إصبع مع بصمة إصبع أخرى، كم من ملايين الخلق مضوا وفنوا، ويوجدون الآن، ويوجدون بعد ذلك؛ ولا تتفق بصمة إصبع إنسان مع بصمة إصبع إنسان آخر!! هذه المغايرة لو وكل ذلك لأفراد الحذاق من العالم بأن يضعوا لها فيلمات، وأن يضعوا لها صوراً متفاوتة مختلفة لوقفوا عند مليون أو مليونين أو مائة مليون، أما أن يأتوا بأشكال متساوية من العالم كله فهذا يعجز عنه البشر، فالله هو الذي خلق فسوى، وأعطى كل شيء خلقه فهدى، خلق البعير على ما يتلاءم في خلقته، وخلق الأغنام على ما يتلاءم في خلقتها، وخلق الإنسان على ما يلائمه، وخلق عوالم البحار على ما يلائمها، فالإنسان والحيوان لا يستطيع أن يعيش في الماء؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يستخلص عنصر الحياة من الماء وهو الأكسجين كما يقولون، بينما حيوانات الماء خلقها وسواها على أنها تستطيع الحياة في ذلك الماء، وأيضاً منها ما يستطيع الحياة في الماء وفي البر كما يقال: برمائي، أي: يعيش في الماء وفي البر، فهذه التسوية وهذا الخلق لا يستطيع إنسان أن يحصي كنهها، ولا أن يستوعب مدلولها.
{ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى } [الأعلى:1-3] تقدير الخلائق، { وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ } [الرعد:8]، هذه المباني نحن نعلم أنها لو اختلت مقادير نسبة موادها البنائية لما استطاعت أن تقوم، حتى يقول المهندسون: لو زادت نسبة الحديد في التسليح لتكسر المسلح، ولو نقصت نسبة الإسمنت فيه لتشقق؛ فلابد من نسبة معينة محكمة، فإذا اختلت تلك النسبة فسد البناء! وأنتم تعلمون جميعاً الذي اكتشف الآن فيما يتعلق بفصائل الدم، وأنه مقادير معينة، ونسب معلومة، وكل شيء في هذا الوجود له تقديره الخاص، والله سبحانه هو الذي قدره.
وأيضاً: وهدى ما خلق وقدر إلى ما خلقه إليه، إذا جئت إلى الطفل، أو إلى الحمل، أو إلى الإنتاج من الحيوان فإنك ستجد الشاة تلد السخلة، وقبل أن تقف على قدميها أو على أرجلها تبحث عن ثدي أمها وتلتقمه وتمتص منه الحليب، من الذي علمها ذلك؟! هل أنت علمتها؟! لا، هو قدر لها الحياة بذلك، وهداها لطريق حياتها، وإذا جئت إلى جميع أنواع الحيوانات تولد النتاج صغاراً، من الذي علمها الازدواج، من الذي ألهم الذكر الذكورة، والأنثى الأنوثة، ثم جمع بينهما ثم كان التناسل، ثم كانت الزيادة والنماء وبقاء الجنس?! من الذي علمهم ذلك؟ إنه قدر لكل شيء حياته ومقاديره، وهداه إلى ما قدره إليه.
لو جئنا إلى عالم الحشرات تجد كما يقولون: مملكة النحل، من الذي هدى النحلة إلى ما هي عليه، ويعجز كبار حذاق المهندسين أن يوجدوا الأعمال التي تعملها النحل في بيتها، وفي جمعها للعسل، وفي بناء بيتها من الشمع، لا يوجد في خلية النخل سراب للهواء ألبتة، بل مسدسات متلصقات، بيت وبيت، وكيف تعمل؟ وكيف تتنظم؟ وكيف شكلت من جماعتها جماعات على أعمال مختلفة؟ كل هذا بتقدير الله، وهداها لما قدره إليها.
فإذا قرأ الإنسان ذلك ولو استمر الإنسان مع السورة الكريمة لما فرغ منها.
هذا مناسبة قراءة هذه السورة مع سورتي الإخلاص في الوتر؛ ليقف الإنسان في كل ليلة وفي صلاته للوتر على عجائب خلق الله، ومن وراء ذلك تجديد الإيمان واليقين بالله سبحانه وتعالى.
والله تعالى أعلم .

صلاة الوتر أفضل الرواتب مطلقاً، ولها أحكام كثيرة، وسنن متعددة، ينبغي معرفتها، ومن ذلك وقتها، وحكم من نسيها، وما يقرأ فيها، وغير ذلك.

شرح حديث: (كان رسول الله يوتر بسبح اسم ربك الأعلى )
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فيقول المؤلف رحمه الله: [وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بـ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى)، و(قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)، و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ) رواه أحمد و أبو داود و النسائي .
].
أرجو من الإخوة جميعاً أن يرجعوا إلى تفسير سورة الأعلى في كتاب أو كتابين، بل كل ما تناولته أيديهم من كتب التفسير، ويقرءوا تفسير هذه السورة الكريمة، وأول ما أنصح به التفسير الكبير للفخر الرازي ؛ لأنه في الواقع له توجيهات كونية عجيبة جداً، فإذا لم تتيسر ليلة من الليالي إيراد ما فيها من نقاط وتوجيهات، فلتكن هناك القراءة الفردية والرجوع إليها، وهي -كما يقال- جولة في سورة من كتاب الله، وسيجد القارئ الشيء العظيم جداً، وقد لا يخطر بباله ما يراه حول هذه السورة الكريمة.
يقول أبي : إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الوتر بهذه السور الثلاث، وقد تقدم عندنا: من شاء أن يوتر بواحدة بثلاث بخمس بسبع بتسع، وهنا ذكر أنه يوتر بثلاث، فإذا كان أوتر بخمس أو بسبع أو بتسع ماذا يقرأ فيها؟ يقرأ ما تيسر له، وليس هناك تعيين بسورة معينة إلا في الثلاث ركعات فقط؛ لأن أكثر وتر الناس بالثلاث، يصلي ركعتين ويسلم ثم يصلي ركعة ثالثة، وسواء جمع الثلاث أو فرق؛ ولهذا أبي رضي الله عنه إنما بيّن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في الثلاث الأواخر من الوتر، سواء اقتصر عليها الإنسان، أو أنه أوتر بأكثر منها، فيقرأ في كل ركعة ما تيسر له، ولكن يقرأ في الركعات الثلاث الأخيرة بهذه السور الثلاث الكريمة.
قال: [ وزاد: ( ولا يسلم إلا في آخرهن ) ] .
هذا مما أوقف البعض عند صورة الثلاث ركعات: (لا يسلم إلا في آخرهن)، وأنتم إذا فرقتم الركعة عن الركعتين سلمتم قبل الثالثة، وهنا: (لا يسلم إلا في آخرهن)، معناه: أنه صلى الثلاث مجموعة، وهذا الذي يفعله الأحناف، فماذا توردون عليهم؟ قال الجمهور: نعم، نحن نقول: إنه لا يسلم إلا في آخرهن، أي: بسلام واحد، ولكن الذي نورده على الأحناف هو أنهم يتشهدون في الثانية ولا يسلمون، فلو أنهم تركوا التشهد في الثانية، ولم يسلموا إلا في الأخيرة فلا مانع، وهذا يدل عليه ظاهر هذا الحديث فإنه يتفق مع هذه الصورة؛ لأن الحديث مفهومه: أنه لم يكن يتشهد قبل الأخيرة، إذاً: الصورة التي ينطبق عليها هذا الحديث هو: أنك تسلم في آخرهن دون أن تجلس للتشهد في الثانية، فلا تتعارض الصورة مع هذا الحديث، ويسلم من معارضته النهي عن تشبيه الوتر بالمغرب.
إذاً: قوله: (ولا يسلم إلا في آخرهن) أي: يصلي ثلاث ركعات وتراً بتشهد واحد وسلام واحد، والأحناف حملوا قوله: (لا يسلم إلا في آخرهن)، أنها موصولة، وقالوا: إن صفة صلاة ثلاث ركعات يصلي مثنى مثنى، وإذا صلى ركعتين تشهد ولم يسلم إلا في آخرهن.
وبهذه المناسبة لا ينبغي لإنسان أن يجعل من صورة الخلاف بين الأحناف والجمهور موقع إشكال، أو مورد نزاع وخلاف؛ لأن أصل الوتر من حيث هو سنة ومندوب، فإذا ما اختلف في صورته فلا ينبغي التعارض فيه، ولكن ينبغي على الإنسان في شخصه وذاته أن يتطلب ما يترجح عنده؛ لأنه يفعل مندوباً، وفاعل المندوب يطلب الخير، وطالب الخير يطلب الأفضل، فعليه أن يبحث، وما ترجح عنده يعمل به لشخصه، لكن أن ينكر على غيره ما ترجح عنده فلا ينبغي ذلك، ولا سيما إذا وجدنا أن بعض النصوص فيها ما يوهم إلى ما ذهب إليه الغير؛ لأنهم يقولون: هؤلاء القوم قد مضوا إلى ما اقتنعوا به من الأدلة، وهؤلاء القوم قد مضوا إلى ما اقتنعوا به من الأدلة، إذاً: كل من الفريقين أخذ بما اقتنع به من الأدلة، فإذا كنت تعترض على ما اقتنع به الفريق الثاني فمن حق الفريق الثاني أن يعترض عليك فيما اقتنعت أنت به، وما دامت المسألة قابلة للاجتهاد والنصوص متقاربة فلا مانع أن يذهب كل بما اقتنع به، ولا ينبغي اعتراض أحد الطرفين على الآخر، والله تعالى أعلم.
مع العلم بأن الأحناف ينصون في كتبهم على أن الحنفي لو أوتر خلف غير الحنفي فله أن يوافقه على وتره، وقدمنا بالأمس قول الإمام أحمد رحمه الله فيما يتعلق بالقنوت في الوتر، أو فيما يتعلق بالقنوت بالصبح قال: لا أفعله، وإن صليت خلف إمام يقنت قنت متابعة للإمام، إذاً: الإمام الجليل أحمد بن حنبل رحمه الله وغيره إذا صلى خلف من يرى مخالفته في شكل من الأشكال لا يخالفه، ويتابعه وفاقاً للمسألة، ولما سئل أحمد بن حنبل : أتصلي خلف من لا يرى الوضوء من لحم الجزور؟ أحمد عنده أن من أكل لحم الجزور انتقض وضوءه، فقيل له: لو رأيت إنساناً أكل لحم الجزور ولم يتوضأ أتصلي خلفه؟ قال: وكيف لا أصلي خلف مالك وخلف فلان وفلان؟ أي: وهم لا يرون الوضوء من لحم الإبل، فهو يصلي خلف من يخالفه فيما يتعلق بالوضوء وهو أمر أساسي في صحة الصلاة؛ لأن المسألة اجتهادية، وهذا له رأيه، وهذا له رأيه، فما دام أنه ائتم به يوافقه، وهذا كله يعطينا صورة في تجنب السلف الخلاف والمنازعات.
والله تعالى أعلم.

شرح حديث: (كل سورة في ركعة، وفي الأخيرة قل هو الله أحد والمعوذتين)
قال رحمه الله: [ولـ أبي داود و الترمذي نحوه عن عائشة رضي الله عنها: وفيه: ( كل سورة في ركعة وفي الأخيرة: (قل هو الله أحد) والمعوذتين ).
] عن عائشة رضي الله عنها أنها ذكرت ( أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل مثنى مثنى، ثم يوتر بثلاث ) وهذا اللفظ من عائشة رضي الله عنها لم يرد فيه تفصيل في كيفية هذه الثلاث، ومن هنا أخذ الأحناف صورة الثلاث المعهودة وجمعوها، وآخرون يقولون: ثلاث لم يجلس في الثانية منهما، وبينت لنا رضي الله تعالى عنها أن هذه السور الثلاث مقسمة على الركعات الثلاث.
قال: [ وفيه: ( كل سورة في ركعة، وفي الأخيرة (قل هو الله أحد) والمعوذتين )].
المشهور (قل هو الله أحد)، فإذا أتى بالمعوذتين مع (قل هو الله أحد) في الركعة الأخيرة فلا مانع، والمنصوص عليها أنه يأتي بهما، والمشهور عند العلماء إفراد (قل هو الله أحد)، بما أنا أشرنا إلى السور الثلاث: (سبح اسم ربك الأعلى) وما فيها من إثبات الصفات الكريمة للمولى سبحانه، والقدرة الإلهية والربوبية إلى آخره، وكذلك في سورتي الإخلاص، إذا جئنا إلى المعوذتين نجد أن الوقوف عند هاتين السورتين الكريمتين يجعل المسلم فعلاً يقف إجلالاً لكتاب الله، ويقف متلمساً فضل الله أن يفتح عليه في نسق القرآن في هذا المصحف الشريف، إذا جئنا إلى (قل هو الله أحد) وإفراد الله سبحانه وتعالى وتوحيده في ذاته وأسمائه وصفاته.

سورة الفلق
ونأتي إلى سورة الفلق، ثم نأتي إلى سورة الناس، ثم نأتي إليهما معاً، تجد السورة الأولى: { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ } [الفلق:1]، وقد عارض بعض المتفلسفة -ليس الفلاسفة- على إيراد كلمة: (قل)، وقال: لماذا لا يقرأ الإنسان: (أعوذ برب الفلق من شر ما خلق)؟ فكلمة (قل) مقول القول، وتحصيل حاصل، ولكن لا، { قُلْ أَعُوذُ } [الفلق:1] ليعلم السامع والقارئ بأن هذا المقول يجب أن يقوله بأمر الله سبحانه الذي قال له: (قل)، أما إذا بدأ وقال: (أعوذ برب الفلق) قد يكون من عنده هو، قد تكون استعاذة شخصية، ولكن عندما يضمم: (قل) أي: أنك أمرت وكلفت من الله سبحانه وتعالى أن تقول، ولذا الذين نادوا بحذفها ما فقهوا كلام الله، وأن هذا تكليف من المولى لعبده.
{ قُلْ أَعُوذُ } [الفلق:1] بمعنى: ألوذ وألجأ وأحتمي، { بِرَبِّ الْفَلَقِ } [الفلق:1] الرب الخالق المدبر، وكلمة (رب) لها في اللغة نحو من عشرين معنى، وصفة الربوبية نجدها في أول سطر من كتاب الله، بسم الله الرحمن الرحيم { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [الفاتحة:2]، ونجدها هنا في آخر المصحف، وفي آخر سورة من كتاب الله، { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ } [الناس:1]، فنجد هنا: { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ } [ الفلق:1]، الفلق: كل ما انفلق عن غيره، فإذا جئت إلى السماء وأبراجها وما انفلقت عنه من كواكب وشموس وأقمار إلى غير ذلك، إذا جئت إلى البحار وما انفلقت عنه من جواهر وأصداف وكنوز وحيوانات وغير ذلك، وإذا جئت إلى الأرحام وما انفلقت عنه من نتاج في حيوان وطير وإنسان، وإذا جئت إلى الأرض وما انفلقت عنه من أنواع النبات والأشجار وما خلق الله فيها لوجدت الشيء العظيم، وكل الكائنات تندرج تحت هذه الكلمة { أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ } [ الفلق:1].
كيف فلقها؟ كيف أنشأها؟ تسبح في عالم بعيد جداً.
{ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ } [الفلق:2]؛ لأن كل مخلوق فرد من أفراد الفلق الذي انفلق عن قدرة الله سبحانه، فالشر الذي سيأتي من المخلوقات هي أفراد ما خلق، والذي فلقه هو الذي يدرأ عنك شره، { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا } [الفلق:1-2]، (ما) من الأسماء الموصولة التي تدل على العموم، فمدلولها عام، { مَا خَلَقَ } [الفلق:2] حتى قال ابن عباس : المعصية مما خلق الله، فإذا استعذت بالله من شر ما خلق استعذت بالله من كل شر تخشاه حساً كان أو معنى.
إذاً: دخلت في حماية الله من شرور خلق الله، التي انفلقت عن قدرة الله، ثم يأتي تفصيل بعد إجمال: { وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ } [الفلق:3]، قالوا: القمر في آخر الشهر؛ لأن ذلك الوقت من الشهر هو وقت عمل المفسدين من سحرة وغيرهم.
{ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ } [الفلق:4]، وهم السحرة يعقدون العقد وينفثون فيها بسمومهم، قال: { وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ } [الفلق:4]، ولم يقل: إذا نفثن في عقدهن، ولكن في العقد: { وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ } [الفلق:5] ليس على إطلاقه، بل { إِذَا حَسَدَ } [الفلق:5] إن وقع منه الحسد، ومن هنا جاءت السورة الكريمة بالاستعاذة بصفة واحدة لله: { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ } [ الفلق:1] هذه الصفة المستعاذ بها، من أي شيء؟ عموم ما خلق، (غاسق إذا وقب، نفاثات في العقد، حاسد إذا حسد) المستعاذ به صفة واحدة من صفات الرب سبحانه، والمستعاذ منه أربع شرور على الإجمال ثم التفصيل، وقبل ذلك: التفريق بين النفاثات على الإطلاق، وبين الحاسد بشرط: إذا حسد؛ لأن النفاثات في العقد لا ينفثن إلا عملياً عند السحر، وقبل أن يتناولن الخيط، ويعقدن العقد وينفثن فيها؛ لسن بساحرات، فلا يتحقق ولا يوجد سحرهن إلا بالعقد والنفث في الحال، إذاً: عندما يعقدن، وينفثن في تلك العقد هن ساحرات، وقبل ذلك لم يكن ساحرات، أما الحاسد فهو حاسد ولو لم يتوجه إلى الإنسان بالحسد، فيستعاذ من شره إذا توجه إلى المحسود، والحسد يوجد عند الإنسان الذي ابتلي بهذا الداء عافانا الله وإياكم، لكن شر حسده لا يظهر ولا يخرج ولا يقع تأثيره إلا إذا توجه بعينه للمحسود.
وكيف يقع الحسد؟ وكيف يتأثر المعيون من عين العائن؟ ذكرنا في الموطأ قضية سهل بن حنيف ، لما رآه أحد الصحابة وقد تجرد واغتسل، فقال: ما رأيت مثل جلدك اليوم ولا كالعذراء في خدرها؛ فسقط في الحال، فذهبوا إلى رسول الله، وقالوا: يا رسول الله! إن كان لك حاجة في سهل فلا يستطيع أن يذهب معك، كانوا في سفرة ما بين المدينة ومكة، قال: ( وما ذاك؟ قالوا: خلع لباسه، ونظر إليه فلان فقال: كذا وكذا، فتغيظ صلى الله عليه وسلم وقال: علام يقتل بعضكم أخاه؟ هلا بركت إذا وجدت ما يعجبك، من رأى ما يعجبه فليبرك، ثم أمر أن يغسل له ) وهذه قضية طويلة.
وإلى الآن يجمع المسلمون على وقوع أثر الحاسد في المحسود كسهم صائد، ولكن كيف ينفذ هذا السهم؟ ومن أين ينطلق؟ وكيف يؤثر؟! عجز العالم إلى اليوم، لا الأطباء القدامى ولا الأطباء الجدد، إنما كل ما قالوه: إن القلب يتغير، وإن العين تنظر، فيخرج إشعاع من القلب إلى العين ثم تخرج إلى المعين، فيتأثر بذلك، ويستدلون بأشياء عديدة، ولكن حقيقة ذلك الله تعالى أعلم بها.

سورة الناس
في هذه السورة يستعيذ المسلم بالله بصفة من صفاته، من كل الشرور مجموعة ومفرقة، بينما نجد السورة الأخيرة: { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ } [الناس:1] المستعاذ منه ماذا؟ { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ } [الناس:1-3] كم صفة من صفات الله جندت للاستعاذة بها؟ ثلاث وهذه صفات الجلال والعظمة: (رب ملك إله)، فهي صفات الكمال والجلال لله، فهي جوامع صفات العظمة لله، هناك: { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ } [الفلق:1] صفة من صفات الله، وهي صفة الخلق، ولكن هنا جوامع الصفات: (رب) و(ملك) و(إله).
المستعاذ منه من هو؟ { مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ } [الناس:4] إذاً: في السورة الأولى اكتفى المستعاذ به بصفة واحدة، يستعاذ بها من جميع شرور ما خلق، وانفلقت عنه الكائنات، وفي السورة الثانية ثلاث صفات تجمع ويستعاذ بها كلها من شر واحد ألا وهو الوسواس الخناس، فماذا نستفيد من هذا؟ نستفيد من هذا -والله تعالى أعلم- بأن الشر كل الشر، والخطر كل الخطر على الإنسان المسلم هو ذاك الشر الذي اجتمعت له صفات العظمة، وبالمناسبة كنا نسمع من والدنا الشيخ الأمين في قضية زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم: { وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ } [التحريم:4] يعني: ما بقي إلا الجن، يجمع الله سبحانه وتعالى في مناصرة رسوله أمام امرأتين كل هذا، (الله وجبريل، وملائكته، وصالح المؤمنين) كل ذلك يناصرونه عليكما! ولذلك قال الشاعر: ما استعظم الإله كيدهن إلا لأنهن هن هن فهنا الشيء بالشيء يذكر، ثلاث صفات من صفات الجلال والكمال تجند وتجمع، ويلجأ الإنسان إليها من خطر واحد؛ لأن أخطر ما يكون على الإنسان في حياته وآخرته الشك الوسواس، الخناس! فالإنسان في دنياه لو وقف موقف الشك من أي عمل ما تقدم خطوة، فبالشك يقدم خطوة ويؤخر خطوة؛ لأنه متردد شاك لا ينتقل من مكانه ولا يمضي، فأمور الدنيا يفسدها الشك، والتردد، ويفسدها الوسوسة في الذهن، وأمور الآخرة من باب أولى، والشيطان لا يفسد على الإنسان دينه إلا بالوسوسة، يأتيه ويوسوس إليه ويشككه في أمره إلى حد بعيد.
إذاً: لكأن القرآن الكريم في سياقه يفتتح بالفاتحة ثم البقرة، ثم ما بعدها بكل التشريعات في أصول وفروع ودنيا وأخرى إلى أن يأتي إلى آخر المصحف الشريف ثم يقول: قف! أنت بين أعداء كثيرين من المخلوقات، استعذ برب الفلق من جميع ما خلق، وأمامك العدو الخطير، استعذ بالله وبصفات جلاله وكماله من شره، لأنك إذ لم تلجأ إلى الله فلن تنجو منه { وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [الأعراف:200].
إذاً: تأتي هاتان السورتان وتبين لنا ما يحتاج إليه الإنسان في حياته.
ومرة أخرى ما يسميه علماء الأدب والبلاغة: عود على بدء، أول سورة الفاتحة: { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } [الفاتحة:2-4] الربوبية والألوهية والملك تجدها في سورة الناس مجتمعة، فكأن القرآن في آخره يردك إلى أوله لتكون كالكار الفار، وهكذا يرتبط آخر القرآن بأوله في تمجيد المولى سبحانه وتقديسه، والله تعالى أعلم.

شرح بلوغ المرام للشيخ عطية محمد سالم رحمه الله

boloogh-almaram

بلوغ المرام

أحدث التعليقات