شرح ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون

تفسير معنى الآية: ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون - تفسير الشعراوي

شرح ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون

ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون (الحجر97) 

تفسير الشعراوي : 

وفي هذا القول الكريم يتجلى تقدير الحق سبحانه لمشاعر النبوة ، فالحق يكلفه أن يفعل كذا وكذا ، وسبحانه يعلم أيضا ما يعانيه صلى الله عليه وسلم في تنفيذ أوامر الحق سبحانه .
ورد هذا المعنى أيضا في قوله سبحانه : { قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } [ الأنعام : 33 ] .
فأنت يا رسول الله أكرم من أن تكذب ، فقد شهدوا لك بحسن الصدق عبر معايشتهم لك من قبل الرسالة .
وهنا يقول سبحانه : 
 { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } [ الحجر : 97 ] .
ومعنى ضيق الصدر أن يقل الهواء الداخل عبر عملية التنفس إلى الرئتين؛ فمن هذا الهواء تستخلص الرئتان الأوكسجين؛ وتطرد ثاني أوكسيد الكربون؛ ويعمل الأكسجين على أن يؤكسد الغذاء لينتج الطاقة؛ فإن ضاق الصدر صارت الطاقة قليلة .
والمثل يتضح لمن يصعدون السلم العالي لأي منزل أو أي مكان؛ ويجدون أنفسهم ينهجون؛ والسبب في هذا النهج هو أن الرئة تريد أن تسرع بالتقاط كمية الهواء أكبر من تلك التي تصل إليها ، فيعمل القلب بشدة اكثر كي يتيح للرئة أن تسحب كمية أكبر من الهواء .
أما من يكون صدره واسعا فهو يسحب ما شاء من الهواء الذي يتيح للرئة أن تأخذ الكمية التي تحتاجها من الهواء ، فلا ينهج صاحب الصدر الواسع .
فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان يكذبه أحد ، أو يستهزيء به أحد كان يضيق صدره فتضيق كمية الهواء اللازمة للحركة؛ ولذلك يطمئنه الحق سبحانه أن مدده له لا ينتهي .
وأنت تلحظ عملية ضيق الصدر في نفسك حين يضايقك أحد فتثور عليه؛ فيقول لك : لماذا يضيق صدرك؟ وسع صدرك قليلا .
والحق سبحانه يقول في موقع آخر : { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام } [ الأنعام : 125 ] .
أي : يوسع صدره ، وتزداد قدرته على فهم المعاني التي جاء بها الدين الحنيف .
ويقول أيضا : { ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السمآء } [ الأنعام : 125 ] .
وهنا نجد أن الحق سبحانه يشرح عملية الصعود وكأن فيها مجاهدة ومكابدة ، وهذا يخالف المسألة المعروفة بأنك إذا صعدت إلى أعلى وجدت الهواء اكثر نقاء .
وقد ثبت أن الإنسان كلما صعد إلى أعلى في الفضاء فلن يجد هواء .
ويدل الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسم على علاج لمسألة ضيق الصدر حين يحزنه أو يؤلمه مكذب ، أو مستهزيء؛ فيقول سبحانه : { فسبح بحمد ربك . . } .

  • وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (الحجر:99) 

تفسير الرازي: 

  • اعلم أنه تعالى لما ذكر أن قومه يسفهون عليه ولا سيما أولئك المقتسمون وأولئك المستهزؤون قال له : { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ } لأن الجبلة البشرية والمزاج الإنساني يقتضي ذلك فعند هذا قال له : { فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ } فأمره بأربعة أشياء بالتسبيح والتحميد والسجود والعبادة واختلف الناس في أنه كيف صار الإقبال على هذه الطاعات سبباً لزوال ضيق القلب والحزن؟ فقال العارفون المحققون إذا اشتغل الإنسان بهذه الأنواع من العبادات انكشفت له أضواء عالم الربوبية ، ومتى حصل ذلك الإنكشاف صارت الدنيا بالكلية حقيرة ، وإذا صارت حقيرة خف على القلب فقدانها ووجدانها فلا يستوحش من فقدانها ولا يستريح بوجدانها ، وعند ذلك يزول الحزن والغم . وقالت المعتزلة : من اعتقد تنزيه الله تعالى عن القبائح سهل عليه تحمل المشاق ، فإنه يعلم أنه عدل منزه عن إنزال المشاق به من غير غرض ولا فائدة فحينئذ يطيب قلبه ، وقال أهل السنة : إذا نزل بالعبد بعض المكاره فزع إلى الطاعات كأنه يقول : تجب على عبادتك سواء أعطيتني الخيرات أو ألقيتني في المكروهات ، وقوله : { واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين } قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد الموت وسمي الموت باليقين لأنه أمر متيقن .

فإن قيل : فأي فائدة لهذا التوقيت مع أن كل أحد يعلم أنه إذا مات سقطت عنه العبادات؟
قلنا : المراد منه : { واعبد رَبَّكَ } في زمان حياتك ولا تخل لحظة من لحظات الحياة عن هذه العبادة ، والله أعلم .

 

  • وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) 

تفسير ابو السعود :

{ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ } من كلمات الشِّرك والطعنِ في القرآن والاستهزاء به وبك ، وتحليةُ الجملة بالتأكيد لإفادة تحقيقِ ما تتضمنه من التسلية ، وصيغةُ الاستقبال لإفادة استمرارِ العلم حسب استمرارِ متعلَّقه باستمرار ما يوجبه من أقوال الكفرة .
{ فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ } فافزَع إلى الله تعالى فيما نابك من ضيق الصدرِ والحرَج بالتسبيح والتقديس ملتبساً بحمده ، وفي التعرض لعنوان الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام ما لا يخفى من إظهار اللطفِ به عليه الصلاة والسلام والإشعارِ بعلة الحُكم ، أعني الأمرَ بالتسبيح والحمد { وَكُنْ مّنَ الساجدين } أي المصلّين يكفِك ويكشِفِ الغمَّ عنك ، أو فنزِّهْه عما يقولون ملتبساً بحمده على أنْ هداك للحق المبين ، وعنه عليه الصلاة والسلام أنه إذا حزَبه أمرٌ فزِع إلى الصلاة
{ واعبد رَبَّكَ } دُمْ على ما أنت عليه من عبادته تعالى ، وإيثارُ الإظهار بالعنوان السالف آنفاً لتأكيد ما سبق من إظهار اللطفِ به عليه الصلاة والسلام والإشعارِ بعلة الأمرِ بالعبادة . { حتى يَأْتِيَكَ اليقين } أي الموتُ ، فإنه مُتيقَّنُ اللحوق بكل حي مخلوق ، وإسنادُ الإتيان إليه للإيذان بأنه متوجِّهٌ إلى الحيّ طالبٌ إليه ، والمعنى دم على العبادة ما دمت حيًّا من غير إخلالٍ بها لحظة .
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قرأ سورةَ الحِجْر كان له من الأجر عشرُ حسنات بعدد المهاجِرين والأنصارِ والمستهزئين بمحمد صلى الله عليه وسلم » .