شهادة بحق الداعية وليد العلي الكويتي رحمه الله : الحمد لله

شهادة بحق الداعية وليد العلي الكويتي رحمه الله

إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا على فراقك يا شيخ وليد لمحزونون.

لم أتمالك عيناي وأنا أُفجع بخبر مقتل جارنا الخلوق وصديق والدي المحب فضيلة الشيخ الدكتور وليد العلي الكويتي رحمه الله وتقبله في الشهداء، الذي قتل قبيل البارحة في عملية إرهابية غادرة من رصاصات آثمة، وهو يقوم بمهمة الدعوة إلى الله عزوجل في جمهورية بوركينا فاسو بإفريقيا.

الشيخ وليد رحمه الله هو إمام وخطيب الجامع الأكبر بالكويت، وخريج الدكتوراه من قسم العقيدة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، عرفته منذ صغري حينما جاورنا في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان نعم الجار، وأخلاقه الكريمة وخلاله النبيلة يشهد لها كل من عرفه ويشعر بها كل من قابله.
كان رحمه الله مثالاً عظيمًا لطالب العلم المجد المجتهد، الذي أفنى وقته في سبيل طلب العلم، ولما تخرج من الجامعة كرّس جل وقته وجهده في الدعوة إلى الله عزوجل، فبعدما عُيّن إمامًا وخطيبًا بالجامع الأكبر في الكويت، فرّغ نفسه للسفر والتنقل والترحال من بلد إلى آخر يدعو إلى الله عزوجل، وكان كلما قابل والدي في زياراته للمدينة يقص له حاكيا عن زياراته لهذه الدولة أو تلك، وعبوره للقرية تلو الأخرى، وأنا أستمع في اندهاش شديد من مشاهداته وما رآه ولاقاه في تلك المواطن من عجائب وغرائب.

كان الشيخ وليد رحمه الله من أهل السنة والجماعة، سائرا على منهج السلف الصالح في المعتقد والسلوك والأخلاق والتربية، وكانت رسالته في الدكتوراه المعنونة بـ: جهود الإمام ابن قيم الجوزية في تقرير توحيد الأسماء والصفات، خير شاهد على ذلك، ويزين ذلك كله عفة في اللسان، وابتعاد عن الخوض في الأعراض، أو تناول الأشخاص والولوغ في الغيبة والهمز واللمز بالآخرين، بل كان رحمه الله يكثر من الدعاء بالهداية لكل من يسمع بمخالفته أو انحرافه، ويوقف من يسترسل في الحديث في هذا أو ذاك، مع لطف في العبارة وتهذيب في السجية ورقة في المعاملة وحرص على صلة وهدية الجميع حتى من يخالفه.

كان رحمه الله رجلا جوادًا وصولًا كريمًا، وإحسانه المشهود إلى كثير من إخوانه من طلاب العلم في الجامعة الإسلامية وخارجها، وكان يضع سفر الطعام في المسجد النبوي لإطعام الصائمين وإفطارهم، وهذا يدل على سخاء نفسه، ونقاء معدنه، ويكلّل ذلك كلّه تواضعٌ جمّ وانبساط كبير.

كان رحمه الله أنيقًا في ملبسه، جميلًا في منظره، هادئا في دلّه وسمته، لا تراه إلا مكتسيًا أجمل الثياب، متوشّحًا بأكمل الهيئات، متضمّخًا بأطيب العطور والعود، تعلوه بشاشةٌ وابتسامةٌ لا تفارق مُحيّاه، ويُرى أثر العبادة والليل باديًا على وجهه، مع صوت معتدل تألفه القلوب وتأنس بسماعه.

لا زلت أذكر فرحته حينما أخبره عمي عمار بإكمال ابنه عبدالله وبنته فاطمة حفظهما لكتاب الله عزوجل بإتقان، وكانا لا يتجاوزان العاشرة، وحرص بعد ذلك باستمرار على مراجعتهما لمحفوظهما وعدم نسيانه.

تأثّر كثيرًا بشيخه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله والشيخ عبدالمحسن العباد، وكان ملازما للشيخ عبدالرزاق البدر، وكان الشيخ عبدالرزاق يجلّه ويؤثره ويكن له محبة وتوقيرًا.

كانت خطبه رحمه الله مليئة بالحديث عن أسماء الله تعالى وصفاته، عميقة بمعاني الإيمان، محشوةً بالمواعظ والحث على الأخلاق الحسنة، والاتساء بالنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام وتابعيهم بإحسان، وكان رحمه الله محبًّا لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وامتلأت خطبه بذكر فضلهم والثناء عليهم، والثناء على الخلفاء الراشدين الأربعة وسرد قصصهم ومآثرهم رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.

تأثر والدي كثيرا حينما فجع بخبر مقتله، وكانت بينهما محبة كبيرة في الله عزوجل، وتأثر أكثر من ذلك عمي عمار الذي كان صديقه الحميم ورفيقه الملازم، وكانت بينهما صلة وثيقة، وعشرة عمر لا يمكن أن تطويها الذاكرة.
قتل رحمه الله وهو في رحلة دعوية إلى الله عزوجل، أسلم على يديه فيها عدد من الأفارقة، وقتل هو والشيخ فهد الحسيني وثمانية عشر رجلا من طلاب العلم كانوا برفقته، وهم يتناولون طعام العشاء في أحد المطاعم بعد خروجهم من صلاة العشاء بالجامع الكبير في بوركينا فاسو، تقبلهم الله في الشهداء ورحمهم أجمعين.

نسأل الله بمنه وكرمه ورحمته أن يغفر للشيخ وليد وأن يرحمه وأن يتقبله شهيدًا عنده، وأن يجعل مقامه في عليين وأن يخلده في جنات النعيم، وأن يخفف مصاب أسرته وأبنائه ومشايخه وإخوته وطلابه ومحبيه.
رحمك الله رحمة واسعة يا فارس ميدان الدعوة، ويا صاحب الأخلاق الرفيعة والشيم الكريمة.

وكتبها: عبدالله بن عبدالمالك رمضاني.
الثلاثاء ١٤٣٨/١١/٢٣

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏‏لحية‏ و‏لقطة قريبة‏‏‏‏

ahmad

أحمد الشامي

أحدث التعليقات