هل يجوز تفسير القرآن باللغات الأعجمية : الحمد لله

هل يجوز تفسير القرآن باللغات الأعجمية


#تفسير_القرآن_باللغات_الأعجمية
السؤال :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هل يجوز تفسير القران حسب اللغات الغير عربية كان نقول الم تعني في السريانية اصمت مع الأدلة جزاكم الله خيرا


الجواب :
من المعروف عند علماء التفسير أن القرآن الكريم كلام عربي مبين مركب من جمل عربية واضحة. أما المفردات فقد جاء فيه بعض من الألفاظ غير العربية. قال القرطبي - رحمه الله - في  مقدمة تفسيره  : 
لا خلاف بين الأئمة أنه ليس في القرآن كلام مركب على أساليب غير العرب ، وأن في القرآن أسماء أعلاماً لمن لسانه غير لسان العرب كإسرائيل وجبريل وعمران ونوح ولوط .
واختلفوا : هل فيه " ألفاظ أعجمية مفردة " ؟ .
فذهب الجمهور إلى عدم وجود ألفاظ أعجمية في القرآن ، وذهب آخرون إلى وجودها ، وتوسط طرف ثالث فتأول وجودها على أنها مشتركة بين العرب وغيرهم ، وعلى أن العرب استعملوها وعرَّبوها فصارت تنسب إليهم ، لا باعتبار أصلها ، بل باعتبار استعمالها وتعريبها.
فلا يمتنع أن تكون هذه الألفاظ مشتركة بين العرب وغيرهم ، وهو أمر غير منكر قديما وحديثاً .
قال الطبري :
" ولم نستنكر أن يكون من الكلام ما يتفق فيه ألفاظ جميع أجناس الأمم المختلفة الألسن بمعنى واحد ، فكيف بجنسين منها ، كما قد وجدنا اتفاق كثير منهم فيما قد علمناه من الألسن المختلفة ، وذلك كالدرهم والدينار والدواة والقلم والقرطاس " . 
وبالتالي فإن هذه الألفاظ أعجمية من حيث الأصل معربة من حيث الاستعمال ولها معاني عربية لا يخرج عن معانيها في التفسير بحال من الأحوال لأن الاجماع منعقد في معاني التراكيب أنه عربي فيفسر به ولا يفسر بلغته الأصلية.  قال تعالى : { وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ . نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ . بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } [ الشعراء / 192 – 195 ] .
 وقال تعالى : { وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً } [ الرعد / 37 ] . وقال تعالى : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً } [ الشورى / 7 ] . وقال تعالى : { إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [ الزخرف / 3 ] .وقال تعالى : { قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } [ الزمر / 28 ] .


هذا بالنسبة لعموم القرآن ويستثنى منه الأحرف المقطعة في أوائل السورفهي أحرف و الأحرف العربية مستقلة ليست ذات معنى مستقل بمفردها وردها إلى لغة أخرى يعد من ترجمة القرآن الكريم التي لا تصح حرفيا الا من باب التفسير أما أن نترجم حرفيا للغة أخرى ثم نقول معنى الترجمة كذا وكذا فهذا مما منعه العلماء في تفسير القرآن. فقولك الم بالسريانية تعني عندهم اصمت وعليك أن تفسر ألم العربية في القرآن بالمعنى نفسه ففي ذلك تناقض فلكل لغة معانيها ولا يشترط تطابق المعاني إذا تطابقت المباني.
وهذه المنهجية لو اتبعت لخرجنا بها عن المراد من التفسير ولوقعنا في أخطاء فاحشة ولعبثنا في كتاب الله فهو باب شر كبير فالله أنزله قرآنا عربيا لا ينقل الى غير لغة الا بالمعنى للفهم ولا ينقل حرفيا
وأما ماقيل في تفسيرها فهو من التأويل والقول بالرأي فهو ظني يقبل بشروط التأويل المعروفة عند العلماء. كما جاء في تأويل طه ب يا إنسان عند بعض المفسرين.
إذن لا ننكر على من يؤلها كما فعل بعض السلف والخلف من المفسرين لكن ننكر على من يترجمها بهذه الطريقة  لو رجعنا الى التفاسير لوجدنا أقوالا متعددة في تفسيرها كلها اجتهادية مع أن التوقف فيها هو الذي أفضله.
 والذي أعلمه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفسرها.
أما قول الصحابة فيما لم يرفع للنبي صلى الله عليه وسلم بمعنى أنه اجتهاد منه فهو كسائر الاجتهادات يصيب ويخطئ لكن ربما يستأنس بأقوالهم من غير جزم لأنهم أهل علم وفقه في الدين.
كما لم أطلع على من ذكر سببا لعدم تفسير النبي صلى الله عليه وسلم لفواتح السور وكثير غيرها. 
وأما الصحابة فلا يستغرب عدم سؤالهم عنها فقد كان جمع من أجلائهم يعتبرها من سر القرآن الذي انفرد الله تعالى بعلمه، ونقل ذلك عن الخلفاء الراشدين، فقد قال الإمام القرطبي في تفسيره عن معاني الحروف المقطعة في أوائل بعض السور: اختلف أهل التأويل في الحروف التي في أوائل السور، فقال عامر الشعبي وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين: هي سر الله في القرآن، ولله في كل كتاب من كتبه سر فهي من المتشابه الذي انفرد الله تعالى بعلمه، ولا يجب أن يتكلم فيها، ولكن نؤمن بها ونقرأ كما جاءت، وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وذكر أبو الليث السمرقندي عن عمر وعثمان وابن مسعود أنهم قالوا: الحروف المقطعة من المكتوم الذي لا يفسر، وقال أبو حاتم: لم نجد الحروف المقطعة في القرآن إلا في أوائل السور، ولا ندري ما أراد الله جل وعز بها، قلت: ومن هذا المعنى ما ذكره أبو بكر الأنباري: حدثنا الحسن بن الحباب حدثنا أبو بكر بن أبي طالب حدثنا أب


و المنذر الواسطي عن مالك بن مغول عن سعيد بن مسروق عن الربيع بن خثيم قال: إن الله تعالى أنزل هذا القرآن فاستأثر منه بعلم ما شاء وأطلعكم على ما شاء، فأما ما استأثر به لنفسه فلستم بنائليه فلا تسألوا عنه، وأما

الذي أطلعكم عليه فهو الذي تسألون عنه وتخبرون به، وما بكل القرآن تعلمون، ولا بكل ما تعلمون تعملون، قال أبو بكر: فهذا يوضح أن حروفاً من القرآن ستر معانيها عن جميع العالم، اختباراً من الله عز وجل وامتحاناً، فمن آمن بها أثيب وسعد، ومن كفر وشك أثم وبعد. انتهى.
ويؤيد هذا ما ذهب اليه ابن حزم من منع السؤال عن فواتح السور؛ لأنها من المتشابه فقد جاء في الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (4/ 124)  : 
فحرام على كل مسلم أن يطلب معاني الحروف المقطعة التي في أوائل السور مثل {كهيعص} و{حم عسق} و{ن} و{الم} و{ص} و{طسم} اهـ 

ويحتمل أنهم لم يسألوا عنها لوضوح المراد منها وهو تحدي العرب، فقد قال ابن عاشور في تفسيره في عرضه للأقوال الواردة في تفسيرها: إنها سيقت مساق التهجي مسرودة على نمط التعديد في التهجية تبكيتا للمشركين وإيقاظا لنظرهم في أن هذا الكتاب المتلو عليهم وقد تحدوا بالإتيان بسورة مثله هو كلام مؤلف من عين حروف كلامهم، كأنه يغريهم بمحاولة المعارضة، ويستأنس لأنفسهم بالشروع في ذلك بتهجي الحروف ومعالجة النطق تعريضا بهم بمعاملتهم معاملة من لم يعرف تقاطيع اللغة، فيلقنها كتهجي الصبيان في أول تعلمهم بالكتاب حتى يكون عجزهم عن المعارضة بعد هذه المحاولة عجزا لا معذرة لهم فيه، وقد ذهب إلى هذا القول المبرد وقطرب والفراء، قال في «الكشاف» وهذا القول من القوة والخلاقة بالقبول بمنزلة، وقلت: وهو الذي نختاره، وتظهر المناسبة لوقوعها في فواتح السور أن كل سورة مقصودة بالإعجاز؛ لأن الله تعالى يقول: فأتوا بسورة من مثله [البقرة: 23] فناسب افتتاح ما به الإعجاز بالتمهيد لمحاولته، ويؤيد هذا القول أن التهجي ظاهر في هذا المقصد؛ فلذلك لم يسألوا عنه لظهور أمره، وأن التهجي معروف عندهم للتعليم، فإذا ذكرت حروف الهجاء على تلك الكيفية المعهودة في التعليم في مقام غير صالح للتعليم عرف السامعون أنهم عوملوا معاملة المتعلم؛ لأن حالهم كحاله في العجز عن الإتيان بكلام بليغ، ويعضد هذا الوجه تعقيب هاته الحروف في غالب المواقع بذكر القرآن وتنزيله أو كتابيته إلا في كهيعص [مريم: 1] والم أحسب الناس [العنكبوت: 1، 2] والم غلبت الروم [الروم: 1، 2]. اهـ
إذن: خلاصة القول:
*  لا يوجد تركيب أعجمي في القرآن الكريم.
*  يوجد بعض الألفاظ أو الأسماء غير العربية وهي معربة أو مشتركة بين اللغات تفهم من معاني تعريبها حصرا ولا علاقة لأصلها في المعنى مطلقا.
*  الأحرف المقطعة في أوائل السور ليس فيها تفسير مأثور وغاية ما ورد فيها تأويل مجتهد يقبل بشروط المجتهد في التفسير وليس لكل من تقول أن يقول في كتاب الله بغير علم  لئلا نفتح باب شر كبير في تفسير القرآن الكريم .
والله أعلم.

د . حسام سكاف حفظه الله

فتاوى اسلامية مباشرة

الفتوى الاسلامية

أحدث التعليقات