بيان عدم أحتجاج الإمام الشافعي بمراسيل سعيد أبن المسيب : الحمد لله

بيان عدم أحتجاج الإمام الشافعي بمراسيل سعيد أبن المسيب

بيان عدم أحتجاج الإمام الشافعي -رحمه الله- بمراسيل سعيد أبن المسيب-رحمه الله-

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسولنا الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين

أما بعد

فإن مما ينبغي بيانه للقارئ الكريم، مسألة عدم أحتجاج الإمام الشافعي رحمه الله بمراسيل سعيد ابن المسيب، رحمه الله وهذا الأمر مما أختلف في نسبته للشافعي العلماء، لا سيما الشافعية مع تصريح الإمام الشافعي بعدم أحتجاجه بمراسيل كبار التابعين، وأنما قبلها ورجح بها بعد توفر شروط ذكرها في رسالته، ولا شك ان قبول المرسل والترجيح به لا يلزم الأحتجاج به فالحجة يلزم الأخذ به، وقد نص أئمة اهل النظر من المحدثين رحمهم الله على أنه لا يحتج إلا بالصحيح المتصل.

قال الشافعي في الرسالة: فمن شاهدَ أصحاب رسول الله من التابعين، فحدَّث حديثاً منقطعاً عن النبي: اعتُبر عليه بأمور:
منها: أن ينظر إلى ما أَرسل من الحديث، فإن شَرِكَه فيه الحفاظ المأمونون، فأسندوه الى رسول الله بمثل معنى ما روى: كانت هذه دلالةً على صحة مَن قبل عنه وحفظه.

وإن انفرد بإرسال حديث لم يَشركه فيه من يُسنده قُبِل ما ينفرد به من ذلك.
ويعتبر عليه بأن ينظر: هل يوافقه مرسِل غيره ممن قُبل العلم عنه من غير رجاله الذين قُبل عنهم؟
*فإن وُجد ذلك كانت دلالةً يَقوى له مرسلُه، وهي أضعف من الأولى.
*وإن لم يُوجَد ذلك نُظر إلى بعض ما يُروى عن بعض أصحاب رسول الله قولاً له، فإن وُجد يُوافق ما روى عن رسول الله كانت في هذه دلالةٌ على أنه لم يأخذ مرسَلَه إلا عن أصل يصح إن شاء الله.
*وكذلك إن وُجد عوامُّ من أهل العلم يُفتون بمثل معنى ما روى عن النبي.

قال "الشافعي": ثم يُعتبر عليه: بأن يكون إذا سمى من روى عنه لم يسمِّي مجهولاً ولا مرغوباً عن الرواية عنه، فيُستدل بذلك على صحته فيما روى عنه.
ويكون إذا شَرِك أحداً من الحفاظ في حديث لم يخالفه، فإن خالفه وُجد حديثه أنقصَ: كانت في هذه دلائل على صحة مخرج حديثه.
ومتى ما خالف ما وصفت أضرَّ بحديثه، حتى لا يسع أحداً منهم قبول مرسله
((قال: وإذا وجدت الدلائل بصحة حديثه بما وصفت أحببنا أن نقبل مرسله.
ولا نستطيع أن نزعُم أن الحجة تثبت به ثبوتها بالمتَصِل)).

وذلك أن معنى المنقطع مُغَيَّب، يحتمل أن يكون حمُل عن من يُرغب عن الرواية عنه إذا سُمّي وإن بعض المنقطعات - وإن وافقه مرسل مثله - فقد يحتمل أن يكون مخرجها واحداً، من حيث لو سمي لم يُقبل، وأن قول بعض أصحاب النبي - إذا قال برأيه لو وافقه - يدل على صحة مَخرج الحديث، دلالةً قوية إذا نُظر فيها، ويمكن أن يكون إنما غلِط به حين سمِع قول بعض أصحاب النبي يوافقه، ويحتمل مثل هذا فيمن وافقه من بعض الفقهاء.

قلت -أبو الأمين: ان الشروط التي وضعها لا تفيد الاحتجاج بالمرسل بل تفيد القبول والدليل على صحة كلامنا وفهمنا قوله:

وإذا وجدت الدلائل بصحة حديثه بما وصفت أحببنا أن نقبل مرسله.
ولا نستطيع أن نزعُم أن الحجة تثبت به ثبوتها بالمتَصِل.

(وهذا ما نص عليه الإمام عبد الرحمن ابن ابي حاتم)

قال ابن أبي حاتم في المراسيل: حدثني أبي قال، سمعت يونس بن عبد الأعلى الصدفي يقول، قال لي محمد بن إدريس الشافعي: نقول الأصل قرآن أو سنة، فإن لم يكن فقياس عليهما، وإذا اتصل الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصح الإسناد به فهو سنة، وليس المنقطع بشيء، ما عدا منقطع سعيد بن المسيب، قال أبو محمد ابن أبي حاتم - رحمه الله - يعني ما عدا منقطع سعيد بن المسيب أن يعتبر به.

(وهذا ما نص عليه الخطيب البغدادي)

قال في الكفاية: اختلف الفقهاء من أصحاب الشافعي في قوله هذا , منهم من قال: أراد الشافعي به أن مرسل سعيد بن المسيب حجة , لأنه روى حديثه المرسل في النهي عن بيع اللحم بالحيوان , وأتبعه بهذا الكلام , وجعل الحديث أصلا إذ لم يذكر غيره , فيجعل ترجيحا له , وإنما فعل ذلك لأن مراسيل سعيد تتبعت فوجدت كلها مسانيد عن الصحابة من جهة غيره، وإنما رجح الشافعي به والترجيح بالمرسل صحيح , وإن كان لا يجوز أن يحتج به على إثبات الحكم , وهذا هو الصحيح من القولين عندنا , لأن في مراسيل سعيد ما لم يوجد مسندا بحال من وجه يصح , وقد جعل الشافعي مراسيل كبار التابعين مزية على من دونهم , كما استحسن مرسل سعيد بن المسيب على من سواه.

(دقة عبارة البيهقي في قبول الشافعي مراسيل سعيد لا الاحتجاج بها)

قال في مناقب الشافعي: قلت: فالشافعي رحمه الله، يقبل مراسيل كبار التابعين إذا انضم إليها ما يؤكدها، وقد ذكرنا في «كتاب المدخل» من أمثلتها بعضها، وإذا لم ينضم إليها ما يؤكدها لم يقبله سواء كان مرسل ابن المسيَّب أو غيره.
وقد ذكرنا في غير هذا الموضع مراسيل لابن المسيب لم يقل بها الشافعي حين لم ينضم إليها ما يؤكدها، ومراسيل لغيره قد قال بها حين انضم إليها ما يؤكدها، وزيادة ابن المسيب على غيره في هذا: أنه أصح التابعين إرسالا فيما زعم الحفاظ والله أعلم.

قلت: أتضح من هذه النصوص أن الشافعي رحمه الله مذهبه في قبول مراسيل سعيد ابن المسيب هو الترجيح (القبول) لا الاحتجاج وبينهما بونا كبيرا كما لايخفى على المطلع ولعلي أتوسع في هذا مستقبلا ببحث مستقل.

كتبه: أبو الأمين آل جراح الحنبلي
5 / ربع الثاني / 1439 هجرية
23 /12/ 2017 ميلادية

abomohammad

ابو محمد الحنبلي

أحدث التعليقات