الحمد لله

الحكمة و المقاصد الشرعية في الطلاق

الإجابة عن الاستفتاءات

الحكــم والمقاصــد الشرعية في الطــلاق

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ،
وبعد :

«الطلاق» اسم مصدر طلَّق ، واسم المصدر يوافق المصدر في المعنى لكن يخالفه في الحروف ،
وهو مأخوذ من التخلية والإطلاق الذي هو ضد القيــد ؛
وذلك لأن النكاح عقـــد وقيــد ، فإذا فورقــت المرأة انطلق ذلك القيد ؛

ولهذا نقول : إن تعريفه في الاصطلاح «هو حل قيد النكاح أو بعضه» ،
إن كان بائنــــــاً فهو حل لقيد النكاح كله ،
وإن كان رجعيـــــاً فهو حل لبعضه ،
ولهذا إذا طلق مرة نقص فيبقى له طلقتان ، وإذا طلق ثنتين بقي له واحدة.

وإذا تأملت وجدت أن الزوج هو الذي بيده الأمـــر ، وأن المرأة عنده كالناقة المعقولة ؛
ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن نتقي الله في النساء ،
وقال : «إنهن عوان عندكم» قال الترمذي : «حديث حسن صحيح». والعاني هو الأسير .

إن كثير من الناس يجهلون أحكام الطلاق ، فأي وقت طرأ عليهم الطلاق
طلقوا من غير مبالاة بوقت أو عدد.

والواجب علي العبد أن يتقيد بحدود الله ، ولا يتعداها.
فقد قال الله تعالى :
{وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق:1]
وقال : {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة:229] .

والطلاق لا يكون إلا بعد نكــاح ؛ لأنه حل قيد النكاح ، فقبل النكاح لا طلاق .
وحكم الطلاق فإنه تجري فيه الأحكام الخمسة ، فيكون
واجباً ، وحراماً ، وسنَّة ، ومكروهاً ، ومباحاً .. وفيها تفصيل .

والأصل في الطلاق أنه مكروه إذ أنه يحصل به تفويت مصالح النكاح ، وتشتيت الأسرة..
ولكن لما كان الطلاق لا بد منه أحيانا أما لتأذي المرأة ببقائها مع الرجل ، أو لتأذي الرجل منها ،
وما يثير بينهما القلاقل والشقاق ،
كمرض أحدهما أو عجزه وربما كان ذلك بسبب عناصر خارجة عن الزوجين أصلا ،
كالأهل والجيران وما إلى ذلك ،
وربما كان سبب ذلك انصراف القلب وتغيره ،
أو لغير ذلك من المقاصد ، كان من رحمة الله أن أباحه لعباده ، ولم يحجر عليهم بالتضييق والمشقة.

وبذلك علم أن الطلاق قد يتمحض طريقا لإنهاء الشقاق والخلاف بين الزوجين ؛
ليستأنف الزوجان بعده حياتهما منفردين أو مرتبطين بروابط زوجية أخرى ،
حيث يجد كل منهما من يألفه ويحتمله ،
قال تعالى :
{وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما} الآية 130 من سورة النساء.

ولهذا قال الفقهاء : بوجوب الطلاق في أحوال ، وبندبه في أحوال أخرى..
وذلك تقديما للضرر الأخف على الضرر الأشد ،
وفقا للقاعدة الفقهية الكلية يختــار أهــون الشـــرين.
والقاعدة الفقهية القائلة : الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف

ويستأنس في ذلك بما ورد عن ابن عباس أن زوجة ثابت بن قيس بن شماس
أتت النبي ﷺ فقالت له : يا رسول الله :
ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين ، ولكنني أكره الكفر في الإسلام ،
قال رسول الله ﷺ : أتردين عليه حديقته؟
قالت: نعم
قال رسول الله ﷺ : اقبل الحديقة وطلقها تطليقة .
أخرجه البخاري فتح الباري (9 / 395)

وقد شرع الطلاق بدليل الكتاب والسنة وإجماع الأمة ،
أما دليل الكتاب : فآياتٌ منها قوله تعالى :
{الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة:229] ،
وقوله سبحانه :
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} [الأحزاب:49] ،
وقوله سبحانه وتعالى : {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة:230] ،
إلى غير ذلك من الآيات التي دلَّت على مشروعية الطلاق.

وكذلك ثبتت السنة عن رسول الله ﷺ بالطلاق كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما
حينما طلَّق امرأته وهي حائض ، فقال ﷺ :
(مره فليراجعها ، ثم ليمسكها حتى تطهر ، ثم تحيض ثم تطهر ، ثم إن شاء أمسك بعد ذلك وإن شاء طلق).
وكذلك أجمعت الأمة على مشروعية الطلاق ،
وأنه مباحٌ وجائز على تفصيلٍ بين العلماء رحمهم الله.

والعبد قد يعلم الحكمــــة من الأمر والنهي ، وقد يجهل ذلك ،
لكنه مأمور بالامتثال في جميع الأحوال ،
لأن هذا شأن العبد الضعيف المملوك ، مع الرب القادر المالك ،
فإذا نازع خالقه في الحكمة ، خرج عن حد الإيمان والعبودية ،
كما قال تعالى :
( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَــــرَةُ مِنْ أَمْرِهِــمْ
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ) الأحزاب/36

وقال سبحانه :
( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُــوكَ فِيمَا شَجَــرَ بَيْنَهُـــمْ
ثُمَّ لَا يَجِــدُوا فِي أَنْفُسِهِــمْ حَرَجًــا مِمَّــا قَضَيْــتَ وَيُسَلِّمُــــوا تَسْلِيمًــــا ) النساء/65 .

ولا يُمنع العبد من السؤال والبحث عن الحكمة ليزداد إيمانه ويقينه .

ومن تأمل مسألـــة الطـــــلاق أيقن برحمة الله وحكمته ،
فإن الطلاق فيه كسر للمرأة وإيذاء لها ،
ولهذا شــــدد فيه الشـــارع وضيـــق أمـره حتـى لا يتســاهـــــ!!!ـــــل النـــــاس فيه.

ولو كـــــان الـــــزوج كلمـــا طلـــق امرأته أمكنه أن يعقــد عليهـــا ويراجعهـــا ،
لطلق الــــزوج امرأته عشــــرات المـــــرات ،
وفي كل مـــــــــرة يـــــؤذيها ويكســــــر قلبهـــــــــا ،
ثم يتدخل أهل الصلح بينهما أو تشفق المرأة على أولادها فتعود إلى زوجها ،
*وفي ذلك ظلــــــــــــــم ظاهــــــــــــــــر لها* .

فإذا علـــــم الــــزوج أن الطلقة الثالثة تُبيــــن زوجته منه ،
بحيث لا يمكنه العـــــ!!ـــــــودة إليها إلا بعد زواجها من آخر
*يمـــوت عنهــا أو يطلقها وقد لا يموت ولا يطلـــــــق ،
كــــان متهيبــــــــــ!!ـــــــــــــا من الطـــــــــــلاق ، مبتعــــــــ!!ـــــــدا عنه ،
لا يقــــدم عليه إلا عند الضـــــرورة أو الحاجة الماســــــة .
*وفي هذا رحمــة بالزوجــة ، وحفـــظ للأســــرة ، ومنـــع من التساهـــل والتلاعــــــ!!ـــــــــب* .

وهناك حكمة أخــــرى .. ،،،
انظر إلى حكمته سبحانه وتعالى وكمال علمه جل جلاله ، حينما جعل الطلاق على هذا الوجه ،
قالوا : لأن الحياة الزوجية إذا وَصَلَت إلى ضرر يَوجِب الطلاق
فإما أن يكون من الرجل أو المرأة ، فالرجل يُقْدِم على الطلاق فيُطَلِّق الطلقة الأولى ،
ففي الطلقة الأولى إما أن يكون الخطأ من الرجل أو يكون من المرأة ، أما إذا كان منهما فلا إشكال ،

وفي الحالة الثانية : فإن الغالب أن الرجل إذا طلق الطلقة الأولى
أن يتعقَّل ويـــــذوق مـــرارة الطـــــلاق ،
ويعرف هذه المرارة فيحِـــن إلى زوجتـــه إذا كان ظالمــاً ومسيئـــاً ،
فيشعُــر بقيمـــة الزوجة عنـــد الفــــراق لها ، فيحِــن لها فيراجعهـــا ،
فأَعْطَــــاه الله الرَّجْعَـــة ،
فإن رجع إليهــــــا رجع لها بعقـــلٍ غير عقلــــه الذي كــان معه ،
ويرجـــع إليها ببصيـــرة أكمل من بصيـــرته في حالِه الأولـــى ،

فإذا رجعت إليه ربما أخطـــــأت هـــي ،
فإذا أخطـــأت عليه في هــذه الحالة فإنه سيطلقهـــا الطلقة الثانيــة ،
فأُعْطُــــــوا أيضاً مهلة ثالثـــــة ،
فإذا زادت عن الثالثة فلا وجه ، فتصبح الحياة فيها نوع من الإضـــــرار ،
وربما استغل الرجال الطلاق للإضــــــ!!ـــــــرار بالمـــرأة ،
لذلك حدده الله عز وجل بثلاث تطليقات.

"" وقوله تعالى : ( الطلاق مرتان ) روي عن عروة بن الزبير قال :
كان الناس في الابتداء يطلقون من غير حصر ولا عدد
وكان الرجل يطلق امرأته فإذا قاربت انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها كذلك ثم راجعها
يقصـــــــد مضارتهــــ!!ــــا فنزلت هذه الآية
( الطلاق مرتان ) يعني الطلاق الذي يملك الرجعة عقيبه مرتان
فإذا طلق ثلاثا فلا تحل له إلا بعد نكاح زوج آخر . *تفسير البغوي ""

فالطلقة الأولى لأن الخطأ إما أن يكون منه أو منها ؛
فإن تكرر الخطأ منه في الثانية والثالثة ، فلن تعود إليه حتى تكون عند زوجٍ غيره ،
فإذا عاشَـــرَت زوجـاً غيره وطلقهـا الطلقة الثالثة
أدَّبَـــــــــه الشــــــرع بأن تكــــــون فراشـــــاً لغيـــــــره*،
*فيكتــــوي بنار الغيــــرة ويتألَّـــــم ويتــــــأوَّه ،،،

فإن كانت هذه المرأة عاقلةً حكيمــة
ووجــدت زوجـــاً أصلـح من الــزوج الأول وبقيت معـه وحمدت الله على السلامة من الأول ،
*فعندها يكتـــ!!ــــوي الأول وينــــال عاقبـــة ظلمــــه وإضـــراره.

فإن تـــــزوج امــــرأةً ثانية ؛
*فإنه يتـــــــ!!ـــــــــأَدَّب ولا يُقــدِم على الطــلاق ولا يهجــم عليه ؛
لأنه يخــاف أن يحصـل له مثل ما حصــل مع الأولــى ،

وإن نكحــــت هذه الزوجـــة زوجــــاً أضـــــ!!ــــــر منه وطلقها ثـــلاثاً فتحل للأول ؛
فإن عــــادت للأول عـــادت *وهي تحمـــــــــــد ضـــــــــــرره
وقالت : هذا أرحـــــم من سابقـــــه ، فصبــــرَت عليــــــه ،
ثم هـــــــــو يعـود لها بنفس غير النفس التي كان عليها.

ثم هذا اللفظ لفظ الطلاق عَظَّــم الشـــــرع أمــره ،
وألزم المكلـــف أن يحـــذر منه ،
فحتى لو تلفظ به هازلاً أو مازحاً ؛ فإنه يُؤاخَذ بهذا اللفظ ، ويُعَاقب بمضي الطلاق عليه ،
فلو أن رجلاً قال لرجلٍ يمزح معه :
امرأتي طالق ، فإنها طالق ولو قصد الهَزَل ،
وكذلك لو جلس مع امرأته فأحب أن يمزح معها وقال هازلاً :
أَنتِ طالق أو طلَّقتُكِ أو أنت مطلقةٌ فإنه يمضي عليه الطلاق ،
قال صلى الله عليه وسلم :
(ثــلاثٌ جدهـــن جــد وهزلهن جد : النكــاح والطــلاق والعتـــاق) ،

قال عمر رضي الله عنه وأرضاه :
(أربعٌ جائزاتٌ إذا تُكُلِّم بهن : النكاح والطلاق والعتاق والنذر) ،
فهذا يدل على عظم شأن الطلاق ،
ولذلك ينبغي للمسلم ألا يستعجل في الطلاق وأن يتريث فيه.

وقد نص العلماء رحمهم الله على كراهية الطلاق إذا لم يكن من حاجة ،
وأنه كالمخرج عند إعياء الحِيل ، وإذا تعب الزوج ولم يستطع علاج مشاكله ،
فإن الطلاق يكون مخرجاً من هذه المشاكل ، وعلاجاً لهذه الأضرار ،
أما إذا كان من دون حاجة فقد نصوا على كراهيته وبُغضه في هذه الحالة.

باختصار وتصرف يسير ، عسى الله أن يفتح علينا وعليكم ويقربنا منه درجات. آمين.
وكان مرجعي فى ذلك الكتاب والسنة وكتب علماء الامة من أهل السنة والجماعة
ومنها
مجموع الفتاوى .. ابن تيمية
الشرح الممتع على زاد المستقنع .. محمد بن صالح بن محمد العثيمين
الزواج .. محمد بن صالح بن محمد العثيمين
شرح زاد المستقنع للشنقيطي .. ترجمة : محمد المختار الشنقيطي

فائدة....
من كلام أهل العلم في حكمة جعل الطــــلاق ثلاثا :
قال الطاهــــور بن عاشــــور رحمه الله :
"وحكمة هذا التشريع العظيم :
ردع الأزواج عن الاستخفـــــــاف بحقـــوق أزواجهـــم ، وجعلهن لُعباً في بيوتهم ،
فجعل للزوج الطلقة الأولى هفوة ، والثانية تجربة ، والثالثة فراقاً ،
كما قال رسول الله ﷺ في حديث موسى والخضر :
(فَكَانَتْ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَاناً ، وَالثَّانِيَة شَرْطاً والثَّالثَةُ عَمْداً ،
فَلذلك قال له الخضر في الثالثة : (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنك) الكهف/78" انتهى
"التحرير والتنوير" (2/415) .

وقال ابن الهمام الحنفي رحمه الله :
" لأن النفس كذوبة ربما تظهر عدم الحاجة إليها أو الحاجة إلى تركها وتسوّله ،
فإذا وقع حصل الندم وضاق الصدر به وعيل الصبر ،
فشرعه سبحانه وتعالى ثلاثاً ليجرب نفسه في المرة الأولى ،
فإن كان الواقع صدقها استمر حتى تنقضي العدة وإلا أمكنه التدارك بالرجعة ،
ثم إذا عادت النفس إلى مثل الأول وغلبته حتى عاد إلى طلاقها نظر أيضا فيما يحدث له ،
فما يوقع الثالثة إلا وقد جرب وفَقُهَ في حال نفسه ، وبعد الثلاث تبلى الأعذار" انتهى
شـــرح فتــــح القديـــر (3/465) .

روى ابن المبارك رحمه الله تعالى بسنده عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال :
(( لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم من قبل أصحاب محمد ﷺ وأكابرهم ،
فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم فذلك حين هلكوا ))
2/440 بتحقيق أحمد فريد

سبْحانَك اللَّهُمّ وبحَمْدكَ أشْهدُ أنْ لا إله إلا أنْت أسْتغْفِركَ وَأتَوبُ إليْك

كتبه : عمرو مراد
#أحكام_الأحوال_الشخصية_في_الشريعة_الإسلامية