ترجمة الشيخ علي المنصوري : الحمد لله

ترجمة الشيخ علي المنصوري

من هو " المنصوري " الذي أقول عنه دائماً : أجزتُ فلان بقراءة كذا بتحريرات الشيخ المنصوري ؟!
هذه ترجمة تعريفيّة عن هذا الشيخ صاحب المدرسة التي نقرأ ونقرئ بها للإفادة والاطلاع ..
وسأعوّل في ترجمته على ما نصّه - رحمه الله - في إجازته المخطوطة لتلميذه " حسين أفندي بن الشيخ مراد " مع بعض التصرّف ، مثرياً لها بالفوائد والإضافات وضعتُها بين الأقواس فليُعلم ..

هو الشيخ : علي بن سليمان بن عبدالله المنصوري المصري بلداً نزيل القسطنطينية ..
ولد - رحمه الله - في مصر في أواسط القرن الحادي عشر الهجري ..
يقول الشيخ : [ أقمتُ بالجامع الأزهر مدّة من الزمان ، وقرأتُ سائر العلوم عظيمة الشأن ،
منهم شيخ القرّاء أبو العزائم سلطان المزّاحي الشافعي ( وقد فرّغتُ له ترجمة كاملةً على صفحتي ) ،
قرأتُ عليه القراءات بجميع الطرق والروايات ( يقصد بها القراءات الأربعة عشر كما سيأتي ) ،
وأخذتُ عنه الشاطبية ( في القراءات السبع ) والرائيّة ( للإمام الشاطبي وهي " عقيلة الأتراب " في رسم المصحف ) والطيِّبة ( في القراءات العشر الكبرى ) ، ومقدمة في القراءات الأربع الشواذ الزائدة على العشر ( قرأها عليه ختمة كاملةً بمضمنها كما نصّه ابن الكوبريلي الحنفي في إجازته بها ) ،
وألفية مصطلح الحديث ( هي إمّا ألفية السيوطي أو ألفية العراقي فكلاهما في الحديث ) وغيرها ..

ومنهم الشيخ شمس الدين البابلي الشافعي ( محدّث أهل الأرض في زمانه وأستاذ الحرمين ومصر ، وبينه وبين شيخ الإسلام زكريّا الأنصاري واسطتان بالتحديث ) ؛
حضرته في صحيح البخاري ، وسيرة " ابن سيّد الناس " ( وهو أبو الفتح ابن الإشبيلي الأندلسي ) ، 
وشملتني إجازته العامّة لمن حضره من الناس ،

ومنهم العلّامة الفهّامة المحقق المدقق أبو الضياء والنور علي بن نور الدين علي الشبرامسلي ،
( هو شيخ البنا الدمياطي صاحب " اتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر " وعمدته في الإقراء والأداء ، وسأفرد لكلٍّ منهما ترجمة وافية إن شاء الله ) ..
لازمته سنين ، وقرأتُ عليه العلوم الشرعية وآلاتها النقلية والعقلية ، وقرأت عليه علم القراءات ( ولم أقف على نصٍّ يثبت ما قرأ عليه بالضبط ، ولعله قرأ بالأربعة عشر لمساواته إسناد الشيخ سلطان وكلاهما قرأ على عبدالرحمن اليمني ، والعلم عند الله ) ..

ومنهم الشيخ يحيى المغربي الشاوي المعلوم ببلاد العزّ والروم ، وقرأتُ عليه العلوم ( ويكون تلميذ شمس الدين البابلي وسلطان المزّاحي والشبرامسلي ، فهو في طبقة المنصوري نفسه ) ..
ومنهم الشيخ محمد البقري ؛ قرأت عليه القراءات ( ويُقال فيه ما قيل على الشيخ الشبرامسلي أعلاه ) ..
والشيخ أحمد العجمي حضرته في شرح صحيح البخاري للقسطلاني ،
والشيخ عبدالسلام اللقاني ؛ حضرته في علم الحديث ،

والشيخان المحمّدان المغربيّان ؛ أخذتُ عنهما وجوه قراءة القرآن عن قراءتهما على الشيخ سلطان ( قلتُ : وهذا من شدّة أدب الشيخ المنصوري وحفظ وفائه ، فإنه وإن كان قد قرأ على شيخهما الشيخ سلطان مباشرة ؛ إلا أنه لم ينسَ فضلهما وجميلهما عليه بتعليمه وإن أصبحوا يساووه في العلو أو أدنى منه ) ..
ومنهم الشيخ منصور الطوفي ؛ إمام جامع الأزهر ؛ قرأتُ عليه علم الكلام .... ] ..

قلتُ : وبعد أن تحقّق له الكمالُ ، انتقل رحمه الله إلى استنبول دار السلطنة العليّة فاستقرّ فيها ، يقول :
[ وحين انتقلتُ إلى الديار الروميّة ( أي تركيا / استنبول ، ولم يذكر الشيخ سبب تركه لمصر ) .. ؛
تصاحبتُ مع علمائها وكبرائها وأمرائها ووزرائها مع الإفادة والإستفادة بحسن النظر والإجادة ،
منهم الوزير مصطفى باشا الصدر الشهيد عليه رحمة الملك المجيد ( لطيفة : هو والدُ عبدالله باشا صاحب " الإفادة المقنعة " والذي قرأ على الشيخ المنصوري بمضمن القراءات الأربع الشواذ بالتحديث ) ،
تذاكرتُ معه كثيراً في الفقه والتفسير والحديث ، وكنتُ معلّم أولاده في القديم والحديث ،
وقد أخذ الصدر الشهيد علم الحديث عن كثيرين منهم علّامة مكّة محمد بن محمد بن سليمان المغربي .. ]

قلتُ : وهنا يبدأ الشيخ بسرد أسانيده في الحديث والقراءات عن مشايخه بتفصيل يُرجع إليها في مصادرها ..
وقد نبغَ الشيخُ المنصوري في علوم القراءات ، حتى عُيّن رئيس القرّاء في استنبول في زمانه ..
فتصدّر فيها للإقراء بمضمن العشر والأربع الشواذ الزائدة عليها ،
وكان له الفضل في نشر الأسانيد المصرية بأداءاتها على الأراضي التركيّة ..
إذ هناك خلافات معلومة في الأداءات وأصول القراءات بين المدرسة المصرية والتركية ،
منها ما ذكرتُه في منشور سابق عن إشباع المد عند الأتراك بمقدار 10 حركات ، وغيرها ..
يقول الشيخ عبدالله يوسف زاده في كتابه " عمدة الخلّان " : [ رحل -أي من مصر- في حدود سنة 1088 هـ إلى دار الخلافة العلية ، حميت عن الآفات والبليّة ، فتحفل لنشر علم القراءة على طريق مصر للطالبين ، فلازم مجلسه جم غفير من الآخذين الراغبين ، فأقرأهم بكمال الإتقان والتوضيح ] أ.هـ

ثم وضعه سفره " تحرير الطرق والروايات " وهو في تحرير العشر الكبرى من طريق طيّبة النشر ..
والشيخ المنصوري من أوائل المؤسّسين لهذا العلم ويعدُّ " أبو المحرّرين " بذلك ،
وبذل فيه مجهوداً ضخماً ، وكلّ من أتى بعده فهو عيال عليه سواء وافقه في منهجه أم خالفه ..

كما وضع نظماً أسماه " حلُّ مشكلات الطيبة " ،
وهو متن في عزو الطرق والروايات إلى أصولها من طريق طيّبة النشر ..
وهو موجود كمخطوطة على الإنترنت لمن أراد الاطلاع عليه ..

وله كتابٌ قيّمٌ هو " إرشاد الطلبة إلى شواهد الطيّبة " ، وهو مطبوع عن دار الصحابة ،
كتاب نافعٌ جداً يعين الطالب على سرعة استحضار الشاهد من متن الطيّبة أثناء قراءته للختمة ..

وله كذلك مؤلّفات لم تطبع كنحو " ألفية في النحو " و " رد الإلحاد في النطق بالضاد " ..

وقد سخّر الله له تلامذةً بررة حفظوا إسناده وقرأنا من طريقه بمضمن القراءات الأربعة عشر ..
منهم الأستاذ يوسف أفندي زاده والذي تقلّد منصب رئيس الإقراء من بعده في استنبول ،
والذي تتلمذ عليه الشيخ مصطفى الإزميري صاحب " عمدة العرفان " في تحريرات القراءات العشر الكبرى ، والتي يقرأ بمضمنها قرّاء بلاد الشام اليوم ومن وافقهم من المصريّين من أتباع المتولّي والزيّات ..

ويمكن وصل الإسناد من عندنا إلى الشيخ المنصوري بالقراءات العشر كالتالي :
كاتب هذه السطور --> مصباح إبراهيم ودن الدسوقي --> الفاضلي الدسوقي --> عبدالله عبدالعظيم --> علي الحدادي --> إبراهيم العبيدي --> عبدالرحمن الآجهوري --> يوسف أفندي زاده --> المنصوري ..
وكذلك قرأ العبيدي على المنير السمنودي --> الإزميري --> يوسف أفندي زاده --> المنصوري ..
وقرأ الإزميري بالقراءات الأربع الشواذ على ابن الكوبريلي الحنفي ، على المنصوري مباشرة ..

وما زال - رحمه الله - معطاءً مدرِّساً مقرئاً ناشراً لعلوم القرآن والقراءات ،
حتى توفّاه الله في يوم الثلاثاء من محرّم عام 1134هـ ودُفِن في أوسكدار " الجانب الآسيوي من استنبول " ..

رحمه الله تعالى ، وأجزل له العطاء والمثوبة ، وجمعنا به في الفردوس الأعلى ..
ومجرد فضفضة .. وخلوا كلامي للـــزكرى ،،
كتبه د. ماجد بن حسّان بن وصفي شمسي باشا .. 4/3/2017 م ،،