الحمد لله

telegram

أحكام استقبال القبلة

ما الدليل على أن استقبال القبلة شرط من شروط الصلاة لا تصح بدونه لعاجز ومعذور ومتنفل راكب سائر في سفر أو في صلاة خوف إذا اشتد الخوف؟
ج: الدليل قوله تعالى: { فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } ، وفي حديث المسيء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة»، وعن عمر قال: «بينما الناس بقباء إذ جاءهم آت، فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم

قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة» متفق عليه.
س190: بين دليل كل صورة من الصور التي تصح فيها الصلاة إلى غير القبلة.
ج: أما دليل صحة صلاة المعذور والعاجز، فقوله تعالى: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } ؛ وأما الدليل على صحة صلاة الخوف إلى غير القبلة، فهو ما ورد عن ابن عمر «أنه كان إذا سُئل عن صلاة الخوف وصفها، ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالاً قيامًا على أقدامهم وركبانًا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها» قال نافع: ولا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم، رواه البخاري.
وأما الدليل على صحة صلاة النافلة إلى غير القبلة، فلما ورد عن ابن عمر قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يسبح على راحلته قبل أي وجهة توجهه ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة»، وفي رواية: «كان يصلي على راحلته وهو مقيل من مكة إلى المدينة حيثما توجهت به وفيه نزلت { فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } » رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه، وعن جابر قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وهو على راحلته النوافل في كل جهة ولكن يخفض السجود من الركوع ويومئ إيماء» رواه أحمد، وفي لفظ: «بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة فجئت وهو يصلي على راحلته نحو المشرق والسجود أخفض من الركوع» رواه أبو داود والترمذي وصححه، وأخرجه البخاري عن جابر بلفظ: «كان يصلي التطوع وهو راكب»، وفي لفظ: «كان يصلي على راحلته نحو المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل فاستقبل القبلة»، وعن أنس بن مالك قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يصلي على راحلته تطوعًا استقبل القبلة فكبر للصلاة ثم خلى عن راحلته فصلى حيث ما توجهت به» رواه أحمد وأبو داود.
س191:ما فرض القريب من القبلة وما فرض البعيد؟واذكر دليل كل منهما.

ج: فرض القريب من القبلة إصابة عين الكعبة، وفرض البعيد إصابة الجهة، وتقدم أدلة استقبال القبلة، وأما أدلة إصابة الجهة فمن ذلك ما ورد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» رواه ابن ماجه والترمذي وصححه، ومن الأدلة على ذلك انعقاد الإجماع على صحة صلاة الاثنين المتباعدين قبلة واحدة وعلى صحة صلاة الصف الطويل على خط مستو.
س192: بين ما الذي يستدل به على القبلة عند الاشتباه؟
ج: أما بالحضر فمحاريب المسلمين أو بخبر ثقة عن يقين، وأما في السفر فإن كان عالمًا بأدلتها ففرضه الاجتهاد حتى يغلب على ظنه الجهة فيصلي إليها لتعينها قبلة له إقامة للظن مقام اليقين لتعذره، ومما يستدل به على القبلة في السفر النجوم وهي أصح أدلتها. قال تعالى: { وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } ، وقال: { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالْبَحْرِ } ، وقال عمر: «تعلموا من النجوم ما تعرفون به الوقت والطريق» وأثبتها القطب الشمالي ثم الجدي نجم نير، فالقطب نجم خفي حوله أنجم دائرة كفراشة الرحى أو كسمكة في أحد طرفيها أحد الفرقدين، وفي الآخر الجدي والقطب وسط الفراشة لا يبرح مكانه دائمًا، وقيل: إلا قليلاً، ينظره حديد البصر في غير ليالي قمر، فإذا قوي نور القمر خفي، وما يستدل به عليها الشمس والقمر والرياح والجبال والأنهار وغيرها.
س193: بين حكم ما يلي: إذا اجتهد مجتهدان فاختلفا جهة، إذا صلى المجتهد بالاجتهاد أو الجاهل بالتقليد، ثم علم خطأ القبلة.
ج: أما في المسألة الأولى، فالحكم أنه يصلي كل واحد منهما باجتهاد نفسه ولا يصح اقتداء أحدهما بالآخر؛ لأن كل واحد منهما يعتقد خطأ صاحبه والمقلد يتبع أوثقهما عنده علمًا بأدلة القبلة، وأما في المسألة الثانية فلا إعادة عليه، لما ورد عن أنس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى بيت المقدس، فنزلت: { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا

فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر، وقد صلوا ركعة فنادى: ألا إن القبلة قد تحولت، فمالوا كما هم نحو القبلة» رواه أحمد ومسلم وأبو داود، فلم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة، ومثل هذا لا يخفى عليه صلى الله عليه وسلم ولا يترك إنكاره إلا وهو جائز، وروى عامر بن ربيعة عن أبيه قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر لي ليلة مظلمة، فلم ندري أين القبلة وصلى كل رجل حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت: { فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } » رواه ابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن إلا أنه من حديث أشعث السمان، وفيه ضعف؛ ولأن خفاء القبلة في الأسفار يقع كثيرًا لوجود الغيوم وغيرها من الموانع، فإيجاب الإعادة مع ذلك فيه حرج ومشقة وهو منتف شرعًا؛ ولأنه شرط عجز عنه فأشبه سائر الشروط.
س194: هل العارف بأدلة القبلة يجتهد لكل صلاة؟ أم يكتفي باجتهاد واحد؟
ج: يجتهد لكل صلاة؛ لأنها واقعة متجددة فتستدعي طلبًا جديدًا، ويصلي بالاجتهاد، والثاني لأنه ترجح في ظنه ولو كان في صلاة ويبني ولا يقضي ما صلى بالاجتهاد الأول؛ لأن الاجتهاد لا ينقض الاجتهاد.
قال في «مختصر النظم»:

ولا تتبع فيها دلالة فاسق ... وإن يختلف أهل الذكا والترشد
ففرض على الكل اتباع اجتهاده ... وللأوثق اتبع يا فتى إن تقلد
وكل صلاة شئتها فاجتهد لها ... ولو أثر فرض باجتهاد بأجود
وقل لمصل باجتهاد تبين ... الخطا بعد ما صلى فلا نقض ترشد