الحمد لله

أحكام سجود السهو

: ما حكم سجود السهو؟ وما أسبابه؟ وما الأصل في مشروعيته؟
ج: تارة يجب، وتارة يسن، وتارة يباح، وأسبابه ثلاثة: زيادة، ونقص، وشك، والأصل في مشروعيته قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود: «فإذا زاد الرجل أو نقص في صلاته فليسجد سجدتين» رواه مسلم.
س249: بين متى يسن؟ ومتى يباح؟ ومتى يجب؟ واذكر ما تستحضره من الأدلة.
ج: يسن إذا أتى بقول مشروع في غير محله، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين» رواه مسلم. ويباح إذا ترك مسنونًا سهوًا كان من عزمه أن يأتي به ولا يسن؛ لأنه لا يمكن التحرز منه، ويجب إذا زاد ركوعًا أو سجودًا أو قيامًا أو قعودًا، لحديث ابن مسعود: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسًا فلما انفتل من الصلاة ترشوش القوم بينهم، فقال: «ما شأنكم؟»، فقالوا: يا رسول الله، هل زيد في الصلاة شيء؟ قال: «لا»،قالوا:فإنك صليت خمسًا، فانفتل فصلى سجدتين، ثم سلم، ثم قال: «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين»»، وفي لفظ: «فإذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين»، وإن سلم مصل قبل إتمامها عمدًا بطلت، ويجب السجود على من سهى وسلم قبل إتمامها، لحديث عمران بن حصين قال: «سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاث ركعات من العصر، ثم قام فدخل الحجرة، فقام رجل بسيط اليدين، فقال: أقصرت الصلاة؟ فخرج فصلى الركعة التي ترك، ثم سلم، ثم سجد سجدتي السهو، ثم سلم» رواه مسلم.
س250: بين حكم صلاة مصل زاد ركعة ثم ذكر، وهل يحتسب المسبوق بالركعة الزائدة؟ وهل يدخل مع الإمام القائم لركعة زائدة؟
ج: إذا زاد ركعة قطع متى ذكر وبنى على ما فعله قبل الزيادة لعدم ما يلغيه، ولا يتشهد إن كان قد تشهد ثم سجد للسهو وسلم، وإن كان تشهد ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليه ثم سجد للسهو ثم سلم، ولا يحتسب بالركعة الزائدة مسبوق دخل مع الإمام فيها أو قبلها؛ لأنها زيادة لا يعتد بها الإمام، ولا يجب على من علم الحال متابعته فيها، ولا يصح أن يدخل مع الإمام القائم لزائدة من علم أنها زائدة.
س251: ماذا يلزم المأمومين إذا سهى على إمامهم؟ وماذا يلزمه؟ وما هو الدليل على ما تذكر؟ وضح ذلك وعلل لما يحتاج إلى تعليل.
ج: يلزم المأمومين تنبيه الإمام إذا سهى عليه وإذا نبهه ثقتان فأكثر لزمه الرجوع إلى تنبيههم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قبل قول القوم في قصة ذي اليدين؛ فإن نبهه واحد لم يرجع؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يرجع لقول ذي اليدين وحده. عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشى فصلى ركعتين، ثم قام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى وخرجت

السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل يقال له ذو اليدين، فقال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: «لم أنس ولم تقصر»، فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم، فتقدم فصلى ما ترك، ثم سلم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه وكبر فربما سألوه، ثم سلم، فيقول: أنبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم» متفق عليه، وليس لمسلم فيه وضع اليد على اليد ولا التشبيك.
س252: إذا ذكر قريبًا عرفًا من سلم قبل إتمامها سهوًا أنه لم يتمها، فما الحكم؟
ج: يتمها ويسجد وجوبًا، لحديث عمران بن حصين قال: «سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاث ركعات في العصر، ثم قام ودخل الحجرة، فقام رجل بسيط اليدين، فقال: أقصرت الصلاة؟ فخرج فصلى الركعة التي كان ترك، ثم سلم، ثم سجد سجدتي السهو، ثم سلم» رواه مسلم.
س253: إذا انحرف عن القبلة من سلم قبل إتمامها، أو خرج من المسجد أو لم يذكر حتى قام من مصلاه، فما الحكم؟ وما دليل الحكم؟ اذكرهما بوضوح.
ج: يبني ولو انحرف عن القبلة أو خرج من المسجد، لقصة ذي اليدين، وإذا لم يذكر من سلم قبل إتمام صلاته حتى قام من مصلاه فعليه أن يجلس لينهض إلى الإتيان بما بقي من صلاته عن جلوس مع النية؛ لأن القيام واجب للصلاة ولم يأت به لها؛ فإن طال الفصل عرفًا أو حدث أو تكلم لغير مصلحتها بطلت، لما روى معاوية بن الحكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين» رواه مسلم وأبو داود، وإن تكلم يسيرًا لمصلحتها لم تبطل إمامًا كان أو غيره، وقيل: إن الكلام بعد سلامه سهوًا لمصلحتها أو لغير

مصلحتها لا يبطل الصلاة، وكذلك الكلام سهوًا أو جهلاً في صلبها، لحديث ذي اليدين، وأنه تكلم هو والنبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر، وكثير من المصلين، ولم يأمر أحدًا منهم بالإعادة، وكذلك لما تكلم معاوية ابن الحكم السلمي في الصلاة وشمت العاطس، لم يأمره صلى الله عليه وسلم بالإعادة، ولأن الناسي والجاهل غير آثم فلا تبطل.
س254: ما حكم سجود السهو في حق من ترك واجبًا، أو شك في زيادة وقت فعلها؟
ج: يجب إذا ترك واجبًا، لحديث ابن بحينة: «أنه صلى الله عليه وسلم قام في الظهر من ركعتين فلم يجلس، فقام الناس معه، فلما قضى الصلاة انتظر الناس تسليمه، كبر فسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلم» متفق عليه. فثبت هذا بالخبر وقيس عليه سائر الواجبات، وكذا يجب سجود السهو إذا شك في زيادة وقت فعلها؛ لأنه أدى جزءًا من صلاته مترددًا في كونه منها أو زائدًا عليها، فضعفت النية واحتاجت للجبر بالسجود، لعموم حديث: «إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسجد سجدتين» متفق عليه.
س255: هل تبطل الصلاة بتعمد ترك سجود السهو؟ وما الدليل على ما تقول؟
ج: تبطل بتعمد ترك سجود سهو واجب أفضليته قبل السلام ولا تبطل بتعمد ترك سجود مسنون، ولا واجب على أفضليته بعد السلام، وهو ما إذا سلم قبل إتمامها؛ لأنه خارج عنها، فلم يؤثر في إبطالها، وإن شاء سجد سجدتي السهو قبل السلام أو بعده؛ لأن الأحاديث وردت بكل من الأمرين. وقال الزهري: كان آخر الأمرين السجود قبل السلام، ذكر في «المغني»: لكن إن سجد بعده تشهد وجوبًا وسلم، لحديث عمران بن حصين: «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم فسما، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم» رواه أبو داود والترمذي وحسنه.

ولأن سجود السهو بعد السلام في حكم المُستقبل بنفسه من وجه، فاحتاج إلى التشهد كما احتاج إلى السلام، وإن نسي السجود حتى طال الفصل عرفًا أو حدث سقط لفوات محله.
س256: هل على مأموم سها دون إمامه سجود سهو؟ وإذا سها إمامه فهل يتابعه؟
ج: ليس على مأموم دخل أول الصلاة سجود سهو، إلا أن يسهو إمامه فيتابعه في سجود السهو، حكاه ابن المنذر إجماعًا، لما تقدم، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم: «أنه لم يسجد لترك التشهد الأول والسلام من نقصان سجد الناس معه» ولعموم قوله: «وإذا سجد فاسجدوا» ولحديث ابن عمر مرفوعًا: «ليس على من خلف الإمام سهو، فإن سها إمامه فعليه وعلى من خلفه» رواه الدارقطني.
س257: تكلم عن حكم من نسي ركنًا من أركان الصلاة؟
ج: من نسي ركنًا غير التحريمة فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى بطلت التي تركه منها، وقامت الركعة التي تليها مقامها ويجزيه الاستفتاح الأول؛ فإن رجع إلى الأولى عمدًا بطلت صلاته، وقيل: يرجع، ولو كان قد شرع في قراءة الركعة التي تليها، فيأتي بالمتروك وبما بعده إن لم يصل إلى محله، فلا حاجة إلى الرجوع وعليه السجود لذلك، وإن ذكر المتروك بعد السلام فكترك ركعة كاملة، فيأتي بركعة مع قرب فصل عرفًا ولو انحرف عن القبلة، أو خرج من المسجد، ويسجد له قبل السلام، وإن طال الفصل أو أحدث بطلت لفوات الموالاة، فإن كان المتروك تشهدًا أخيرًا أتى به وسجد وسلم، أو كان المتروك سلامًا أتى به وسجد السهو وأسلم.
س258: تكلم عمن نسي التشهد الأول وحده أن نسيه مع جلوس له؟ واذكر الدليل على ما تذكر.

ج: إذا نسي التشهد الأول وحده أو نسيه مع جلوس له ونهض، لزمه الرجوع والإتيان به ما لم يستتم قائمًا، لما روى المغيرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قام أحدكم من الركعتين فلم يستتم قائمًا فليجلس وإن استتم قائمًا فلا يجلس وسجد سجدتي السهو» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
عن عبد الله بن بحينة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم فقام في الركعتين فسبحوا به فمضى ، فلما فرغ من صلاته سجد سجدتين ثم سلم» رواه النسائي. وعن زياد بن علاقة قال: «صلى المغيرة بن شعبة فلما صلى ركعتين قام ولم يجلس فسبح به من خلفه فأشار إليهم أن قوموا، فلما فرغ من صلاته سلم، ثم سجد سجدتين وسلم، ثم قال: هكذا صنع بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم» رواه أحمد والترمذي وصححه.
س259: تكلم عما يلي: مصل شك في عدد الركعات، مأموم شك هل أدرك الركوع مع الإمام أم لا؟ مأموم شك هل دخل مع الإمام في الأولى أم الثانية؟ آخر شك هل دخل معه في الركعة الثانية أو الثالثة؟
ج: من شك في عدد الركعات بأن تردد أصلي اثنتين أم ثلاثًا؟ أخذ بالأقل؛ لأنه المتيقن ولا فرق بين الإمام والمتفرد، ولا يرجع مأموم واحد إلى فعل إمامه، فإذا سلم أتى بما شك فيه وسجد وسلم، وإن شك هل دخل مع الإمام في الأولى أو الثانية جعله في الثانية؛ لأنه المتيقن، ويسجد للسهو، لحديث أبي سعيد مرفوعًا: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدري أصلى ثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كن صلى أربعًا كانتا ترغيمًا للشيطان» رواه أحمد ومسلم. وحديث ابن مسعود مرفوعًا: «إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين» رواه الجماعة إلا الترمذي.

س260: ما معنى تحري الصواب فيه؟ وإذا شك في ترك ركن أو ترك واجب فما الحكم؟ وإذا تكرر السهو في الصلاة فكم يسجد؟ وجاوب عن الإيرادات على ما تقول.
ج: تحري الصواب فيه: هو استعمال اليقين؛ لأنه الأحوط، وإن شك في ترك ركن فكتركه، ولا يسجد لشكه في ترك واجب أو زيادة إلا إذا شك في الزيادة وقت فعلها، ويكفي لجميع السهو سجدتان ولو اختلف محلهما؛ لأنه صلى الله عليه وسلم سها فسلم وتكلم بعد سلامه وسجد لهما سجودًا واحدًا؛ ولأنه شرع للجبر فكفى فيه سجود واحد، كما لو كان من جنس، ولأنه إنما أخر ليجمع السهو كله.
وأما حديث ثوبان «لكل سهو سجدتان بعد السلام»، فالسهو اسم جنس، ومعناه لكل صلاة فيها سهو سجدتان يدل عليه قوله بعد السلام، ولا يلزمه بعد السلام سجودان.
س261: إذا اجتمع سهوان: أحدهما قبل السلام والآخر بعده، فأيهما يغلب؟ وما الذي يقال في سجود السهو بين السجدتين؟ وضح ذلك.
ج: يغلب ما قبل السلام على ما بعده، فيسجد للسهو سجدتين قبل السلام؛ لأنه أسبق وآكد وقد وجد سببهُ ولم يوجد قبله ما يقوم مقامه، فإذا سجد له سقط الثاني وسجود السهو، وما يقال فيه من تكبير وتسبيح، وعند هوى ورفع كصلب الصلاة، لما تقدم من حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، ثم وضع رأسه فكبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر. متفق عليه، واللفظ للبخاري.
س262: ما محل سجود السهو؟ وضح ذلك مع ذكر الدليل.

ج: محله قبله إلا في السلام قبل إتمام صلاته إذا سلم عن نقص ركعة فأكثر لحديث عمران بن حصين، وذي اليدين؛ ولأنه من تمام الصلاة، فكان قبل السلام كسجود صلبها، وإلا فيما إذا بنى الإمام على غالب عنه، فإنه يسجد بعده ندبًا، لحديث علي وابن مسعود مرفوعًا: «إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم ما عليه، ثم ليسجد سجدتين» متفق عليه. وفي البخاري بعد السلام وكونه بعد السلام أو قبله ندب؛ لأن الأحاديث وردت في كل من الأمرين، فلو سجد الكل قبل السلام أو بعده جاز، وإن شك في محل فيجعله قبله.

ويبني على المستيقن النزر من طرا ... له الشك في الركعات من متعدد
وشك الفتى في ترك ركن كتركه ... وفي واجب ما من سجود بأجود
وما الشك من بعد الفراغ مؤثر ... يقاس على هذا جميع التعبد
وليس على المأموم شك ويتبع الإمام ... ولو في واجب مع تعمد
وما بطلت بالعمد منه صلاته ... فأوجب سجود السهو فيه وآكد
واجمعه قبل السلام سوى الذي ... يسلم عن نقص فخذ أخذ أيد
كذلك في سهو الإمام إذا بنى ... على غالب الظن أن نقل ذاك فاهتد
وتأخير ما قبل السلام لبعده ... وبالعكس جوز لكن الندب ما بدى
ويبطلها في العمد إهماله لما ... ندبت له قبل السلام بأوطد
وشرط سجود السهو كالأصل يا فتى ... ولا تسجدن للسهو في السهو تقتدي
ويكفي سجود واحد كل سهوه ... وعن كل وسواس لسهوك فاصدد