الحمد لله

حكم إمامة الفاسق - الصبي و غيرهم

 بين حكم إمامة الفاسق ودليل الحكم، واذكر ما تستحضره من خلاف؟
ج: قيل: إنها لا تصح إمامته إلا في جمعة وعيد تعذرًا خلف غيره، لقوله تعالى: { أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ } وروى ابن ماجه مرفوعًا: «لا تؤمن امرأة رجلاً، ولا أعرابي مهاجرًا، ولا فاجر مؤمنًا إلا أن يقهر بسلطان يخاف سوطه أو سيفه»، وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجعلوا أئمتكم خياركم؛ فإنهم وفدوا فيما بينكم

وبين ربكم» رواه الدارقطني؛ ولأن الفاسق لا يقبل خبره المعنى في دينه، ولأنه لا يؤمن على شرائط الصلاة، وأما صلاة الجمعة والعيد خلف الفاسق بلا إعادة إن تعذرت مع غيره، فلأنهما يختصمان بإمام واحد، فالمنع خلفه يؤدي إلى تقويتهما دون سائر الصلوات نعم لو أقيمتا في موضعين في أحدهما إمام عدل فعلهما وراءه. وفي «الاختيارات الفقهية من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية»: ولا تصح خلف أهل الأهواء والبدع والفسقة، مع القدرة على الصلاة خلف غيرهم. انتهى.
وقيل: تجوز الصلاة خلف الفاسق؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «صلوا خلف من قال لا إله إلا الله، وعلى من قال لا إله إلا الله»، وقال صلى الله عليه وسلم: «الصلاة المكتوبة واجبة خلف كل مسلم برًا كان أو فاجرًا، وإن عمل الكبائر» رواه أبو داود، وقال البخاري في «صحيحه» (باب إمامة المفتون والمبتدع) وقال الحسن: صل وعليه بدعته، ثم روى عن عبيدالله ابن عدي ابن خيار: «أنه دخل على عثمان بن عفان وهو محصور، فقال: إنك إمام عامة ونزل بك ما ترى ويصلي لنا إمام فتنة ونتحرج، فقال: الصلاة أحسن ما يعمل الناس فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم»، وعن عبد الكريم البكاء قال: «أدركت عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يصلون خلف أئمة الجور» رواه البخاري في «تاريخه»، وفي البخاري عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يصلون لكم فإن أصابوا فلكم وإن أخطئوا فلكم وعليهم» انتهى.
وكان ابن عمر يصلي خلف الحجاج مع فسقه، وقد قيل: إنه قد أحصى الذين قتلهم من الصحابة والتابعين، فبلغوا مائة ألف وعشرين ألفًا، والحسن والحسين وغيرهما من الصحابة كانوا يصلون مع مروان، والذين كانوا في ولاية يزيد وابنه كانوا يصلون معهما، وصلوا وراء الوليد بن عقبة وقد شرب الخمر وصلى الصبح أربعًا. وروي عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة

عن وقتها؟» قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: «صل الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة» رواه مسلم، وفي لفظ: «فإن صليت لوقتها كانت نافلة وإلا كنت قد أحرزت صلاتك»، وفي لفظ: «فإن أدركت الصلاة معهم فصل ولا تقل إني قد صليت فلا أصلي»، وفي لفظ: «فإنها زيادة خير».
وهذا فعل يقتضي فسقهم وقد أمره بالصلاة معهم، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة» عام فيتناول محل النزاع؛ ولأنه رجل تصح صلاته لنفسه فصح الائتمام به، وعندي أن هذا القول أرجح دليلاً والله أعلم.
س307: ما حكم إمامة الخنثى والمرأة؟ واذكر الدليل على ما تقول.
ج: أما للرجال فغير صحيحة، أما الخنثى فلاحتمال أن يكون امرأة، وأما المرأة، فللحديث المتقدم: «ولا تؤمن امرأة رجلاً» وأما للنساء فصحيحة، لما ورد عن أم ورقة ـ رضي الله عنها ـ «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تؤم أهل دارها» رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة.
س308: ما حكم إمامة الصبي؟ وضح مع ذكر الدليل.
ج: إمامته بمثله وللبالغ في نفل فصحيحة، وأما إمامته للبالغ في فرض، فقيل: إنها غير صحيحة. قال ابن مسعود: «لا يؤمن الغلام حتى تجب عليه الحدود»، وقال ابن عباس: «لا يؤمن الغلام حتى يحتلم» رواهما الأثرم، ولم ينقل عن غيرهما من الصحابة خلافة، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تقدموا صبيانكم» ولأنها حال كمال والصبي ليس من أهلها أشبه المرأة بل آكد، لأنه نقص يمنع التكليف، وصحة الإقرار والإمام ضامن وليس هو من أهل الضمان؛ ولأنه لا يؤمن منه الإخلال بالقراءة حال السر، وقيل: إنها صحيحة إمامته للبالغ في فرض، لما ورد عن عمرو بن سلمة رضي الله عنه

قال: قال أبي جئتكم من عند النبي صلى الله عليه وسلم حقًا، فقال: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنًا، قال: فنظروا فلم يكن أحد أكثر مني قرآنًا فقدموني وأنا ابن ست أو سبع سنين» رواه البخاري وأبو داود، وعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله؛ فإن كان في القراءة سواء، فأعلهم بالسُّنة» الحديث وتقدم، فهو يتناول الصغير؛ ولأنه يؤذن للرجال فجاز أن يؤمهم كالبالغ، وهذا عنيد أنه أرجح لقوة الدليل. والله أعلم.
س309: بين حكم ما إذا صلى الإمام وهو محدث، أو عليه نجاسة، واذكر الدليل.
ج: إذا صلى الإمام وهو محدث أو عليه نجاسة ولم يعلم إلا بعد فراغ الصلاة لم يعد من خلفه ويعيد الإمام، لما روى البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صلى الجنب بالقوم أعاد صلاته وتمت للقوم صلاتهم» رواه محمد بن الحسين الحراني، ولما روى «أن عمر صلى بالناس الصبح ثم خرج إلى الجرف فأهراق الماء، فوجد في ثوبه احتلامًا فأعاد الصلاة ولم يعد الناس»، وروى مثل ذلك عن عثمان وابن عمر، وعن علي قال: «إذا صلى الجنب بالقوم فأتم بهم الصلاة آمره أن يغتسل ويعيد، ولا أمرهم أن يعيدوا» رواهما الأثرم، وهذا في محل الشهرة ولم ينكر فكان إجماعه؛ ولأن الحدث مما يخفي ولا سبيل إلى المعرفة من الإمام للمأموم فكان معذورًا في الاقتداء به.
س310: ما صفة صلاة المأمومين خلف إمام الحي المرجو زوال علته؟
ج: إمام الحي هو إمام كل مسجد راتب ويصلون وراءه جلوسًا ندبًا، وإن ابتدأ بهم قائمًا ثم اعتل فجلس أتموا خلفه قيامًا، لما ورد عن عائشة قالت: «لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: «مروا أبا بكر أن يصلي بالناس»، فصلى أبو بكر تلك الأيام ثم إن النبي

صلى الله عليه وسلم وجد في نفسه خفة، فقام يهادي بين رجلين ورجلاه في الأرض حتى دخل المسجد فلما سمع أبو بكر حسه ذهب يتأخر، فأومأ إليه رسول صلى الله عليه وسلم أن لا يتأخر فجاء حتى جلس عن يسار أبي بكر، وكان أبو بكر يصلي قائمًا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي قاعدًا يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر» متفق عليه.
وفي رواية لهما يسمع أبو بكر الناس التكبير فأتموا قيامًا لابتدائهم قيامًا؛ وأما الدليل على استحباب صلاتهم خلفه جلوسًا، فهو ما ورد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون» متفق عليه.
وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته وهو شاك فصلى جالسًا وصلى وراءه قوم قيامًا فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف، قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون»» وروى أنس نحوه أخرجهما البخاري ومسلم.
س311: بين حكم ائتمام المفترض بالمتنفل واذكر الدليل على ما تقول؟
ج: قيل: إنه لا يصح ائتمام المفترض بالمتنفل، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه» وكون صلاة المأموم غير صلاة الإمام اختلاف عليه، والقول الثاني: وهو الأرجع عندي، لما أراه من قوة الدليل أنه يصح لما ورد عن جابر «أن معاذًا كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم عشاء الآخرة ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة» متفق عليه، ورواه الشافعي والدارقطني، وزاد هي له تطوع وهم

مكتوبة، «وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بطائفة من أصحابه في صلاة الخوف ركعتين، ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين ثم سلم» رواه أبو داود والأثرم، والثانية منهما تقع نافلة وقد أم بها مفترضين، وروي عن أبي خلدة قال: «أتينا أبا رجاء لنصلي معه الأولى فوجدناه قد صلى، فقلنا: جئناك لنصلي معك، فقال: قد صلينا؛ ولكن لا أخيبكم، فقام فصلى وصلينا معه» رواه الأثرم. ومنها ما رواه الإسماعيلي عن عائشة «أنه صلى الله عليه وسلم كان يعود المسجد فيؤم بأهله»، وعن عمرو بن سلمة - رضي الله عنه - قال: «قال أبي: جئتكم من عند النبي صلى الله عليه وسلم حقًا، فقال: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنًا»، قال: فنظروا فلم يكن أحد أكثر مني قرآنًا فقدموني وأنا ابن ست أو سبع سنين» رواه البخاري والنسائي.
قال في «الاختيارات الفقهية»: ويصح ائتمام مفترض بمتنفل وهو إحدى الروايتين عن أحمد وهو مذهب الشافعي. اهـ.
قال الشيخ سليمان بن سحمان الناظم لبعض اختيارات شيخ الإسلام:

وقال أبو العباس ذلك جائز ... لفعل معاذ مع صحابة أحمد
يصلي بهم فرض وهم ذو فريضة ... وقد كان صلى الفرض خلف محمد
كذا من يصلي الظهر يأثم بالذي ... يصلي صلاة الغير غير مفند

س312: ما حكم ائتمام المتنفل بالمفترض؟ والمتوضئ بالمتيمم؟
ج: يصح، لما ورد عن يزيد بن الأسود «أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا هو برجلين لم يصليا، فدعا بهما فجيء بهما ترعد فرائصهما، فقال لهما: «ما منعكما أن تصليا معنا؟» قالا: قد صلينا في رحالنا، قال: «فلا تفعلا إذا صليتما في رحالكما، ثم أدركتما الإمام ولم يصل فصليا معه فإنها لكما نافلة»» رواه أحمد، واللفظ له

والثلاثة، وصححه ابن حبان والترمذي؛ ولقوله صلى الله عليه وسلم في حديث محجن بن الأدرع «فإذا جئت فصل معهم واجعلها نافلة» رواه أحمد وأبو داود.
وفي حديث أبي سعيد: «من يتصدق على ذا فيصلي معه» رواه أحمد وأبو داود، ومنها: «أمره صلى الله عليه وسلم لمن أدرك الأئمة الذين يأتون بعده ويؤخرون الصلاة عن ميقاتها أن يصلوها في بيوتهم في الوقت ثم يجعلوها معهم نافلة».
وأما ائتمام المتوضئ بالمُتيمم فيصح، لما ورد من أن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - صلى بأصحابه في غزوات ذات السلاسل بالتيمم، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فلم ينكر عليه، وتقدم هذا الحديث في جواب سؤال سابق. وأمَّ ابن عباس أصحابه متيمًا وفيهم عمار بن ياسر في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم ينكروه؛ ولأنه متطهر طهارة صحية فأبه المتوضئ.
س313: بين حكم إمامة من يلي: الأقلف، ولد الزنا، الجندي، الخصي، المنفي بلعان، اللقيط. واذكر ما تستحضره من دليل أو تعليل.
ج: تصح إمامتهم إذا سلم دينهم، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» الحديث. وتقدم في جواب سؤال سابق، وقالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ في ولد الزنا: «ليس عليه من وزر أبويه شيء» قال الله تعالى: { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } ، وقال تعالى: { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } ولأن كلا منهم حر مرضي في دينه ويصلح لها كغيره. وصلى التابعون خلف ابن زياد وهو ممن في نسبته نظر.
قال الناظم -رحمه الله-:

ولا بأس في نجل الزنا ومجند ... إذا أحرز اشترط الإمام المجود

س314: ما صفة ائتمام من يقضي الصلاة بمؤديها؟ وما صفة عكسها؟ وما حكم إمامة الرجل لقوم فيهم من يكرهه؟ وضح ذلك.
ج: الأولى: صفتها كأن يصلي شخص الظهر قضاء خلف إمام يصليها أداء والعكس ائتمام مؤدى الصلاة بقاضيها كأن يصلي الظهر أداء خلف إمام يصليها قضاء، والحكمة ي الصورتين صحيحة؛ لأن الصلاة واحدة، وإنما اختلف الوقت، ويكره أن يؤمَّ قومًا أكثرهم له كارهون، لما روى أبو أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا تقبل منهم صلاة: من تقدم قومًا وهم له كارهون» الحديث رواه أبو داود، وقال علي لرجل أو قومًا وهم له كارهون: إنك لخروط.
قال أحمد -رحمه الله-: إذا كرهه واحد أو اثنان أو ثلاثة فلا بأس حتى يكرهه أكثر القوم، وإن كان ذا دين وسنة فكرهه القوم لذلك لم يكره إمامتهم.
قال منصور: أما إنا سألنا أمر الإمامة، فقيل لنا: إنما عني بهذا الظلمة، فأما من أقام السُّنة، فإنما الإثم على من كرهه.
قال القاضي: والمستحب، أن لا يؤمهم صيانة لنفسه وإن استوى الفريقان، فالأولى أن لا يؤمهم أراد بذلك الاختلاف.

  • ammar
    ammar

    #الإمتناع_عن_الجماعة_بحجة_كره_الإمام
    السؤال (1212 ) السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    مشايخنا الكرام
    شخص يمتنع عن الصلاة في المسجد في هذا الشهر الفضيل ليضيع عليه أجر الجماعه. يقول انه يحمل في قلبه كره لإمام ولايحبه ليدعي ويأتي بأحاديث إنه لايجوز الصلاة وراء إمام يكرهه الناس ولايحبونه وان صلاتهم لاترفع. مع العلم أنه محبوب من ناس آخرين
    فهل عمل هذا الشخص صحيح أم أنه مخطئ في اتخاذ أمره؟

    الجواب (1212 ) وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته...بل عمله خطأ محض، وما يستدل به غير دقيق، ذلك أن الحديث في عدم قبول صلاة الإمام الذي لا يرغبه الناس وليس صلاة المأمومين، والحديث هو: ( ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم : العبد الآبق حتى يرجع ، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط ، وإمام قوم وهم له كارهون ) رواه الترمذي وحسنه....
    ثم حتى يصح هذا الوصف في حق الإمام يجب أن يكون بغضه للدين وليس للدنيا ويكون مبغوضا من عموم المصلين وليس من واحدأو اثنين.

    ماجد عليوي