الحمد لله

telegram

الدعاء عند زيارة المريض

ما يقال للمريض
...
ما يُقال للمَريض
لقد جاء الإسلامُ بالحثِّ على مراعاة حقِّ المريض وتعاهدِه بالزيارة، والدعاء له بالشِّفاء والعافية، وبيان أنواع من الأدعية يَحسُن أن تُقال عند زيارةِ المريض، وكلُّ هذه الرعاية والتعاهد والدعاء ينطلقُ من كون المؤمنين حالُهم كالنفس الواحدة، فما يُفرِحُ الواحد منهم يُفرحُ الجميعَ، وما يُؤلِمُ الواحد يُؤلِمُ الجميعَ، ففي الصحيحين عن النُّعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ المؤمنين في تَوادِّهم وتَراحُمِهم وتعاطفِهم مَثَل الجسد، إذا اشتَكَى منه عُضْوٌ تَداعَى له سائرُ الجسَد بالسَّهر والحُمَّى" 1، وفي رواية

لمسلم: "المسلمون كرجل واحدٍ، إن اشتَكى عينُه اشتكى كلُّه، وإن اشتَكى رأسُه اشتكى كلُّه"1.
ولهذا شُرعت عيادةُ المرضى لمواساتِهم وتَهوين الأمر عليهم، وجُعِلَ ذلك حقًّا من حقوقهم، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "حَقُّ المسلم على المسلم ستٌّ: إذا لَقيتَه فسَلِّم عليه، وإذا دعاك فأَجبْه، وإذا استَنْصَحَك فانصحْ له، وإذا عَطِسَ فحَمدَ اللهَ فشَمِّته، وإذا مَرضَ فعُدْه، وإذا مات فاتَّبِعْه" 2 ، وجاء في نصوص كثيرة بيانُ فضل مَن يَزور المرضَى وعِظم ثوابه عند الله.
روى مسلم في صحيحه عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عائِدُ المريض في

مَخْرفَة الجنة حتى يَرجع" ، وفي رواية قال: "مَن عاد مريضاً لَم يَزل في خُرْفَة الجنة. قيل يا رسول الله! وما خُرْفة الجنة قال: جناها" 1، أي: أنَّه في بساتين الجنة يَختَرفُ منها ما يشاء ويَجْتَنِي منها ما يريد.
وروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن عادَ مريضاً أو زارَ أخاً له في الله ناداه مُنادٍ: أن طِبْتَ وطابَ مَمشَاك، وتَبَوَّأتَ من الجنة مَنْزلاً" 2، والأحاديثُ في هذا الباب كثيرة.
ويُستحَب للمسلم إذا عاد مريضاً أن يُطَمْئنَه ويُهوِّنَ الأمرَ عليه ويُذكِّرَه بثواب الله، وأنَّ في

المرض تكفيراً له وتطهيراً.
ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أَنَّ النَبيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ، قَالَ: وَكَانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إِذا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ قَالَ: لاَ بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللهُ، قَالَ: قُلْتَ: طَهُورٌ! كَلاَّ، بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ ـ أَوْ تَثُورُ ـ عَلَى شَيْخٍ كَبيرِ تُزِيرُهُ القُبُورَ. فَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: فَنَعَمْ إِذًا"1.
وقوله: "طَهور إن شاء الله" هو خبَر مبتدأ محذوف أي: هو طهور لك من ذنوبك أي مُطَهِّر لك منها.
وفي السنن للإمام أبي داود عن أمِّ العلاء رضي الله عنها قالت: عادني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريضةٌ، فقال: "أَبْشري يا أمَّ العلاء، فإنَّ مرضَ المسلم

يُذهبُ اللهُ به خطاياه كما تُذهبُ النَّارُ خَبَثَ الذَّهب والفضة" 1.
وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم دخل على أمِّ السائب أو أمِّ المسيّب رضي الله عنها، فقال: "مالك يا أمَّ السَّائب أو أمَّ المسيب تُزَفْزِفِين (أي: تَرعدين) قالت: الحمَّى لا باركَ اللهُ فيها، فقال: لا تَسُبِّي الحُمَّى، فإنَّها تُذهبُ خطايَا بَنِي آدم كما يُذهبُ الكِيرُ خَبَثَ الحديد"2.
وروى البخاري في الأدب المفرد عن سعيد بن وهب قال: "كنتُ مع سَلمان ـ وعاد مريضاً في كِنْدَة ـ فلمَّا دخل عليه قال: أَبشِر، فإنَّ مرضَ

المؤمن يَجعلُه الله له كفارةً ومستعتبًا، وإنَّ مرضَ الفاجر كالبعير عَقله أهلُه ثمَّ أرسلوه، فلا يدري لَم عُقل ولِم أُرسِل"1.
فبَشَّرَه، وذكَّره بأنَّ المصائبَ التي تُصيبُ المؤمنَ في بدنه كلَّها كفارات لخطاياه، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "ما يصيبُ المسلمَ من نَصب ولا وَصَب ولا هَمٍّ ولا حزن ولا أَذًى ولا غَمٍّ، حتى الشَّوكة يُشاكُها إلاَّ كَفَّرَ اللهُ بها من خطاياه" 2.
وقوله: "ومستعتباً" أي: أنَّه في مرضه يَتَهيَّأ له من استذكار ذنوبه ومعرفة خَطئه وتقصيره ما لا يتهيَّأ له حالَ صحَّته وعافيته، وحينئذ يكون مرضُه

سبباً لمعاتبة نفسه على التقصير، ودافعاً للرجوع عن الإساءة وطلب الرضا، هذا بالنسبة للمؤمن، أمَّا الفاجر فشأنُه عند ما يَمرض كشأن البعير الذي قيَّده أهلُه بالعقال ثم أطلقوه، فهو لا يدري لِمَ قُيِّد ولِمَ أُطلِق، فهو مستَمرٌّ في غيِّه متَمَادٍ في فُجوره، لا يكونُ له في مرضه عِبرةٌ، ولا يحصل له بسببه عظةٌ.
وينبغي على مَن أراد عيادةَ مريض أن يَتخيَّر الوقتَ المناسبَ لعيادته؛ لأنَّ مقصودَ العيادة إراحةُ المريض وتطييبُ قلبه، لا إدخالُ المشقَّة عليه، ولهذا أيضاً عليه أن لا يُطيلَ المُكثَ والجلوسَ عنده، إلاَّ إن أحَبَّ المريضُ ذلك وكان في الجلوس فائدةٌ ومصلحة.
ومن السُّنَّة للعائد أن يَجلسَ عند رأس المريض، ففي الأدب المفرد للبخاري رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا

عادَ المريضَ جَلَسَ عند رأسه، ثمَّ قال سَبعَ مرار: أسألُ اللهَ العظيمَ رَبَّ العرش العظيم أن يَشفيَك، فإن كان في أجله تأخيرٌ عُوفي من وَجَعه"1.
ومن السُّنَّة أن يَضَعَ العائدُ يدَه على جسد المريض عند ما يريد الدعاء له، ففي الصحيحين لَمَّا عاد النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سعد بنَ أبي وقاص رضي الله عنه وَضَعَ يدَه على جَبهتِه، ثمَّ مَسَحَ يدَه على وجهه وبَطنه، ثم قال: "اللهمَّ اشْفِ سَعْداً"2، وفي وَضْع اليد على المريض تأنيسٌ له، وتعرف على مرضه شدَّة وضعفاً، وتلطف به.
ثمَّ ينبغي للعائد أن يَنصَحَ للمريض بالدعاء، وأن لا يقولَ عنده إلاَّ خيراً ففي صحيح مسلم عن أمِّ سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله

صلى الله عليه وسلم: "إذا حَضرتُم المريضَ أو الميِّتَ فقولوا خيراً، فإنَّ الملائكةَ يُؤمِّنون على ما تقولون" 1.
وعليه أن يتخيَّرَ من الدعاء أجمعَه، وأن يَحرصَ على الدعوات المأثورة عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، فإنَّها دعواتٌ مباركةٌ جامعةٌ للخير، معصومةٌ من الخطأ والزَّلَل كأن يقول: "اللَّهمَّ اشف فلاناً"، أو يقول: "طَهورٌ، إن شاء الله"، أو يقول: "أسألُ اللهَ العظيمَ رَبَّ العرش العظيم أن يَشفيَك"، أو يقول: "اللَّهمَّ رَبَّ الناس أذهب الباسَ، واشفه وأنت الشافي، لا شفاءَ إلاَّ شفاؤك، شفاءً لا يُغادر سَقَماً" وقد مَضت معنا الأحاديثُ في ذلك، أو أن يرقِيَهُ بفاتحة الكتاب والمعوِّذات، وقد مضى حديثُ أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وحديث عائشة رضي الله عنها في ذلك، أو أن يرقيه بقوله: "باسم الله

أَرْقيك مِن كلِّ شيء يُؤذِيكَ، مِن شَرِّ كلِّ نفس أو عَين حاسد اللهُ يشفيكَ، باسم الله أَرْقيك"، وهي الرُّقيةُ التي رَقَى بها جبريلُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا اشتكى، أو أن يَقولَ ما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: "أَنَّ النَبيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ لِلْمَرِيضِ: بسْمِ اللهِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا، برِيقَةِ بَعْضِنَا، يُشْفَى سَقِيمُنَا، بإِذْنِ رَبِّنَا"1.
وعلى المعافَى عند رؤية المرضَى أن يَتَّعظَ ويعتَبِرَ، وأن يحمدَ اللهَ على نعمة الصِّحة والعافية، وأن يسأله سبحانه المعافاة، وأن يدعو لإخوانه المرضى بالشفاء والعافية.
ونسأل الله الكريم أن يَشفيَ مرضَانا ومرضَى المسلمين, وأن يَكتبَ للجميع الصِّحةَ والسلامة والعافية، إنَّه سَميعٌ مجيب.