أعلام الإسلام : الحمد لله

أعلام الإسلام

لقد اختار الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وزراء أصفياء,حباهم الله بالصدق والأمانة,و نفى عنهم الكذب والخيانة,رقيق القلوب,مدرار العيون,يمشون على الأرض هونا,و يتكلمون لله دوما,تلك سجية فيهم غير محدثة,لله درهم,لقد أعيوا من جاء بعدهم,إذا رأيتهم في الحروب قلت أسودا لا تضاهى,و في الليل قلت عبادا و زهادا,إستخفوا بعداوة الناس يوم أمرهم الله بالإيمان والاستقامة,و آووا الرسول لما جاء مطَاردا من قبل مكة,إذا دعاهم الله قالوا لبيك وسعديك,وإذا أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم قالوا سمعنا و أطعنا,نبذوا رداء الكبر و الحمية الجاهلية في بحر الظلمات,و وضعوا جباههم على عتبة عبودية رب الأرض والسماوات,تعظيما وذلا و انكسار,و الذي فطر الجنة و أنزل القطرة,ماجعل الله لرسول أصحابا مثلما اصطفى الله لرسولنا رجالا لم يعرف التاريخ أمثالهم,فهم الذين وعلموا الأمة،وُقَوّوا الهِمَّة؛وصعدوا بالناس إلى القمة,هم مَنْ محَّصتهم الفتنُ،ونقَّتهم المحن،و امتُحِنوا بالنفس والنفيس, فاسترخَصُوا كل شئ من أجل رفع راية التوحيد,فكانوا شموسا و أقمارا,يُهتدى بها عشيا وإبكارا.
أيها المسلمون:إن دراسة تاريخ الصحابة المرضين يمثل خطوة عظيمة في طريق السعادة,لأنه يدفع الأمة لأن تنهض مرة أخرى,فتخنع وتخلع عنها غشاء الغفلة,لتستعيد أمجادها من جديد,وتقود العالم مرة أخرى إلى بحار الأنوار,و إلى جنة رب الأرض والسماوات.
فما هو تعريف الصحابي أولا أيها الأحباب الكرام:يقول ابن حجرالعسقلاني رحمه الله تعالى في كتاب الإصابة:{الصحابي هو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم,و آمن به و مات على الإسلام و إن تخللته ردت},وهذا التعريف هو أصح التعريفات.
قال بعضهم على بحرالكامل:
إن الصحابي عندهم من اجتمع*** وبالنبي مؤمنا و له خضع
اعلموا ـ عباد الله ـ أنّه قد بلغ عدد الصحابة يوم فتح مكة عشرة آلاف صحابي،وقد توفي رسول الله   وترك ما يزيد عن مائة ألف صحابي من رجل وامراة،وكان آخر الصحابة وفاة واثلة بن الأسقع الليثي،في سنة خمس وثمانين للهجرة.
وينبغي لنا أن  نتعرف على هذا السد الفياض الذي نَهَل منه أسلافنا؛لنعُبَّ منه كما عبُّوا،ولنعلم ماذا فعلوا،لنقتدي بهم فيما فعلوا.
روى الإمام أحمد فقيه المحدثين ومحدث الفقهاء في مسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:{إِنَّ اللهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ،فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ،فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ،َوابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ،فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ،فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ،يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ،فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا،فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ،وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا  فَهُوَ عِنْدَ اللهِ سَيِّئٌ},إسناده حسن.
 وقال ابن مسعود رضي الله عنه أيضا:{مَنْ كَانَ مُسْتَنًّا فليسن بِمَنْ قَدْ مَاتَ,فَإِنَّ الْحَيَّ لَا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ. أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا أَفْضَلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ,أَبَرَّهَا قُلُوبًا وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا, اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ وَلِإِقَامَةِ دِينِهِ,فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ وَاتَّبِعُوهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ وَتَمَسَّكُوا بِمَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَسِيَرِهِمْ,فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهَدْيِ الْمُسْتَقِيمِ}.(رواه رزين وضعفه الشيخ الألباني في المشكاة).

ولذا كان لابد للأمة أن ترجع لتاريخها، لا للتسلية ولا لقتل الفراغ ولا لجترار الماضي ولا للافتخار بالآباء فحسب،بل لتتعظ و تعتبر و تتشبه.
قال الشاعرعلى بحر الكامل:
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم*** إن التشبه بالكرام فلاح
إن عوامل الخير تجمعت فيهم,لم تجتمع في غيرهم,فكانوا جيلا قرآني فريد لم يعرف التاريخ على مر العصور والدهور لهم مثيلا ولا نظيرا.
فما أحوجنا أيها أحباب الكرام إلى أن نترسَّم خطاهم،و نقتبس آثارهم,فرضي الله عنهم وأرضاهم,و خلد في الصالحات ذكراهم.
ومانحن فيمن مضى إلاكبقل في أصول نخل طوال
فلقد عدلهم ربهم من فوق سبع سماوات وزكاهم ووصفهم بأوصاف الكمال,فقال عزمن قائل:{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}.وقال الله جل وتعالى:{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا }.وقال الله جل وتعالى:{محمد رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}.وقال الله جل وتعالى:{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}.
قال الشاعرعلى بحر الكامل:
لاتعرضن بذكرنا معْ ذكرهم***ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي بردة، عن أبيه رضي الله عنهما. قال:{صَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قُلْنَا: لَوْ جَلَسْنَا حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ الْعِشَاءَ قَالَ فَجَلَسْنَا، فَخَرَجَ عَلَيْنَا، فَقَالَ:{مَا زِلْتُمْ هَاهُنَا؟},قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ صَلَّيْنَا مَعَكَ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ قُلْنَا: نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَكَ الْعِشَاءَ، قَالَ:{أَحْسَنْتُمْ أَوْ أَصَبْتُمْ}, قَالَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَكَانَ كَثِيرًا مِمَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ،فَقَالَ:{النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ،فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ،وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ،وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي،فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ}.
وأخرج الشيخانِ في صحيحيهما من حديث عِمران بن حصين رضي الله عنه ما,أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:{خيرأمتي قرني,ثم الذين يلونهم,ثم الذين يلونهم}.
أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم,وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
 
 عباد الله:إن أصحاب نبينا هم خير جيل عرفته البشرية قديما و حديثا,فهم خير الخلق بعد الأنبياء والمرسلين,ولا بد للمتأخر أن يعرف حق المتقدم,وذلك لأننا نعيش في زمان قلة فيه القدوة الصالحة.وكل ذلك لأن الأمة قد ابتعدت عن مصدر عزها ونبع شرفها ومعين كرامتها فأذلها الله حتى صارت في مؤخر الركب,في الوقت الذي أعز الله فيه أصحاب الحبيب المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه لما ساروا على منهج رب العالمين,واهتدوا بهدي سيد المرسلين,فسخر الله لهم الكون كله,والله على كل شئ قدير.
أيها السادة الأعزاءُ:ولست أجد الآن في خاطري أبلغ من كلام عروة بن مسعود الثقفي في وصفه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لقريش,وكان يومها كافرا‏:‏قال:{أي أَيْ قَوْمِ وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ، وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَمَّدًا، وَاللَّهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ،وَإِذَا تَكَلَّمُوا خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ}.رواه البخاري في كتاب الشروط.
أحزان قلبي لا تزول*** حتى أبشر بالقبول
وأرى كتابي باليمين*** و تقرعيني بالرسول
فقارن أخي الحبيب بين هذه الصورة الساطعة المشرقة المنيرة,و بين مقالة أصحاب موسى لموسى عليه السلام,{ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ},فهذا تعنت صريح في وجه موسى بن عمران عليه السلام,وقولهم أيضا:{لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً },فهؤلاء الذين سألوا موسى عليه السلام أن يروا الله جهرة هم خيار بني إسرائيل,كما قال تعالى:{وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا}.
وهاهم أصحاب عيسى بن مريم عليهما السلام,فحسبك منهم سؤال المائدة,حتى قال لهم عيسى بن مريم عليه السلام:{اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}.
ولهذا اختار ربنا لنبينا صلى الله عليه وسلم وزراء وصحابا, ليعظموه ويوقروه ويتبعوه,فبهذا كانوا جيلا فريدا لم يتكرر في التأريخ قديما ولا حديثا.
أولئك آبائي فجئني بمثلهم***إذا جمعتنا يا جرير المجامع
هذا ولنجعل مسك الختام كثرةَ الصلاة والسلام على بدر التمام,وشفيع الأنام,سيدِنا محمدٍ الرسول المصطفى,والنبي المجتبى,اللهم صل وسلم عليه وعلى أزواجه أمهات المؤمنين الطاهرات,وعلى آله الأطهار,وصحابته الأبرار,وارض اللهم عن خلفائه الأربعة,ذوي القدر العلي,والشرف الجلي,ساداتِنا أبي بكر وعمر وعثمان علي.
 
تأليف الشيخ:عبدالقادر لعباد

التاريخ الاسلامي

تاريخنا