الحمد لله

أحكام الرضاع في الاسلام

  1.                الرضاع المحرم:

23-     شروط الرضاع المحرِّم.

24-     مدة الرضاع.

25-     ما يثبت به الرضاع.

      معنى الرضاع:

      الرضاع في اللغة: مص اللبن من الثدي سواء كان ثدي آدمية أو غيرها وسواء كان الماص صغيراً أم كبيراً.

      وفي اصطلاح الفقهاء : مص الطفل الرضيع اللبن من ثدي المرأة في مدة معينة.

      وقد ألحق جمهور الفقهاء بالمص إدخال اللبن إلى جوف الطفل بأي وسيلة. كإعطائه له بواسطة إناء أو أنبوبة من طريق الفم أو فتحة طبيعية. لأنه بذلك يصل إلى جوفه ويتحقق به التغذية، والتحريم منوط بإنبات اللحم وإنشاز العظم بهذا اللبن لا بصورة مص الطفلل الثدي، واقتصارهم في التعريف على مص الثدي لأنه الغالب فيه كما جرت به العادة. لذلك قرروا أن إدخال اللبن جسم الطفل من طريق غير طبيعي كالحقنة أو بواسطة جرح أو حقنة من الشرج لا يتعلق به التحريم، لأنه لا يصل إلى المعدة التي تقوم بعملية تحويل الغذاء وتوزيعه على الجسم.

      فإذا تحقق الرضاع صارت المرضعة أماً للرضيع وبناتها أخوات له، لأن الطفل يتغذى باللبن في مدة الرضاعة بل هو غذاؤه الأساسي فيكون اللبن من مكونات جسمه وهو جزء من المرأة خرج من صافي دمها فيصبح الطفل كجزء منها فيكون ابناً لها وتصير بناتها أخوات له وأمها جدته وأخواتها خالاته. كذلك يصير زوجها أباه وأخواته عماته عند جماهير الفقهاء.

23-  شروط الرضاع المحرم:

      يشترط في الرضاع المحرم شروطاً بعضها متفق عليه بين الفقهاء وبعضها الآخر مختلف فيه. - فيشترط في المرضعة أن تكون آدمية بالاتفاق فلا يحرم الرضاع من غير آدمية لأنه لا يحقق العلاقة المحرمة، فلو اجتمع طفلان على ثدي غير آدمية أو شربا لبنها لا يتحقق به أمومة، فلا يثبت ما يتفرع عنها من الأخوة وغيرها ثم ذهب الحنفية إلى عدم اشتراط فيها أكثر من ذلك فيستوى عندهم التي درَّ لبنهاا  بسبب الولادة من زواج أو غيره.

      فإذا ولدت امرأة من الزنى وأرضعت طفلاً ثبت به التحريم بالنسبة للمرأة والرجل الذي زنى بها فتصير أماً للرضيع والرجل أباه رضاعاً. لأن شرط اللبن المحرم في جانب الرجل عندهم أن يكون نازلاً بسبب الحمل والولادة منه.

      وذهب المالكية إلى موافقة الحنفية في القول المعتمد في مذهبهم، لأن الشرط عندهم أن يكون اللبن نازلاً بعد أن يخالط الرجل  المرأة مخالطة تامة سواء ثبت نسب الولد منه أو لا.

      وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الرضاع من اللبن النازل بسبب الزنى يحرم في جانب المرضعة فقط ولا حكم له بالنسبة إلى رجل لأن شرط التحريم في جانبه أن يكون الولد الذي نزل بسببه اللبن ثابت النسب منه وفي الزنا لا نسب فلا تحريم، وعلى ذلك يشترطط للتحريم بالرضاع بالنسبة للرجل أن المرضعة ولدت منه بنكاح صحيح أو بمخالطة بشبهة.

      - ويشترط في لبن الرضاع: أن يتحقق من وصوله إلى معدة الرضيع باتفاق الفقهاء. فإن لم يتحقق ذلك بأن التقم الطفل ثدي المرأة ولم يعلم أرضع أم لا، لا يثبت التحريم، لأن الحل هو الأصل ولا يعدل عن هذا الأصل إلا بيقين، ولا يقين مع الشك والأحكام لا تثبت مع الشك.

      - وهل يشترط فيه أن يكون خالصاً غير مخلوط بغيره؟

      فقهاء أهل السنة وبخاصة الحنفية لا يشترطون ذلك بل لهم في خلط لبن المرأة بغيره التفصيل الآتي:

      أ- إذا خلط بسائل آخر كالماء والدواء ولبن الحيوان فالحكم للغالب، فإن غلب اللبن ثبت التحريم، وإن غلب السائل فلا تحريم، لأن القليل يستهلك في الكثير، وإن تساويا ثبت احتياطاً. وتعتبر الغلبة بالأجزاء إذا خلط لبن المرأة بلبن الحيوان أو بالماء، وبتغير اللون والطعم إذا خلط بالدواء ونحوه.

      ب-إذا خلط بلبن امرأة أخرى فالراجح في المذهب الحنفي أنه يثبت به التحريم من   المرأتين جميعاً دون نظر إلى كثرة أحدهما وقلة الآخر أو تساويهما لأن اللبنين من جنس واحد. وعند اتحاد الجنس لا يتلاشى أحدهما في الآخر لاتحاد المقصود منهما وهو إنبات اللحمم وإنشاز العظم.

      ج- إذا خلط لبن المرأة بغير سائل كالطعام فإنه لا يتعلق به تحريم مطلقاً عند أبي حنيفة سواء طبخ على النار أو لا، لأن خلط اللبن بالطعام استهلاك له فيه فإن الطعام أقوى في التغذية من اللبن فيكون هو الغذاء.

      - وهل يشترط في الرضاع مقدار معين ؟

      آراء الفقهاء في ذلك:

      الرأي الأول: إن قليل الرضاع وكثيره محرم وإليه ذهب الحنفية والمالكية وأحمد في رواية. وحجتهم في ذلك قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ} وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "يحرم بالرضاعة ما يحرم بالنسب" فقد ورد الرضاع فيهما مطلقاً والأصل في المطلق أن يحمل على إطلاقه حتى يثبت ما يقيده ولم يثبت عندهم هذا التقييد.

      ويؤيد ذلك أن رسول الله في بعض الوقائع أصدر حكمه في الرضاع دون أن يستفسر عن عدد الرضعات، ولو كان للرضاع المحرم عدد معين لسأل الرسول عنه قبل أن يأمر الزوج بمتاركة زوجته.

      فقد روى البخاري وغيره أن رجلاً تزوج امرأة فجاءت أمة سوداء فذكرت أنها أرضعتها، فجاء إلى الرسول يخبره بذلك فأعرض عنه أول الأمر، ولما كرر السؤال قال له الرسول : "كيف وقد قيل دعها عنك". أمره بالمفارقة ولم يستفسر منه عن عدد الرضعات، وتركه الاستفسار دليل على أنه ليس فيه عدد مقدر بل يكفي فيه أصل الإرضاع.

      وإن الحكمة في التحريم بالرضاع هي أن الرضيع يتغذى بلبن المرضعة فيصير بعضه جزءاً منها. وهذه الجزئية لا يعلم بيقين أي مقدار يحققها، ومثله لا يعلم إلا من صاحب الشرع ولم يرد دليل به فضلاً عن أنه يقيد مطلق القرآن كما سنبينه قريباً فيبقى المطلق على إطلاقه.

      الرأي الثاني: إن التحريم لا يثبت إلا بخمس رضعات مشبعات في أوقات متفرقة، فإن كان أقل من ذلك فلا تحريم. وإلى هذا ذهب الشافعية والحنابلة في الرأي الراجح من مذهبهم. وإن لم يتوفر في الرضعة الشبع لا تحسب، وحد الرضعة المشبعة عندهم. أن يأخذذ الصبي الثدي ويمتص منه ثم يتركه باختياره من غير عارض كتنفس أو شيء يلهيه عن الرضاع، فإذا فعل ذلك ثم عاد إلى الرضاع فإنهه لا يخرجها عن كونها رضعة واحدة.

      واستدلوا على ذلك بما رواه مسلم وأبو داود والنسائى عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: "كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات. فتوفى رسول الله وهن فيما يقرأ من القرآن وفي رواية قالت: أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات فنسخ من ذلك خمس رضعات إلى خمس رضعات معلومات فتوفي رسول الله والأمر على ذلك.

      ثم قالوا: إن علة التحريم بالرضاع هي أنه ينبت لحم الصغير وينشز عظمه.

      يشير لذلك قول رسول الله "لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم وأنشز العظم" ولا يكون ذلك إلا بالرضاع يوم كامل على الأقل وهو لا يقل عن خمس رضعات.

24- مدة الرضاع:

      إن مدة الرضاع سنتان من وقت ولادة الطفل، فأي رضاع يحصل فيها يثبت به التحريم، ولو فطم الطفل قبل تمامها ثم عاد إلى الرضاع قبل أن تنتهى، أما ما يقع بعدها فلا يتعلق به التحريم.

      والدليل على ذلك من القرآن الكريم قوله تعالى: {والْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [ البقرة:233 ] فهذه الآية تبين في صراحة أن مدة الرضاع التامة حولان كاملان ولا زيادة بعد التمام. وقوله تعالى: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان:14] وهذا صريح في أن الفصال وهو الفطام في مدة العامين لا بعدهما.

      ومن السنة ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الحولين"، وقوله: "لا رضاع إلا ما كان في الحولين"، وقوله: "إنما الرضاعة من المجاعة" فهذه الأحاديث تفيد في مجموعها أن الرضاع المحرم هو الذي يدفع الجوع ويكتفي به صاحبه ويكون غذاء له وهذا لا يكون إلا للطفل أثناء الحولين.

      ومما يصل بالتحريم بالرضاع مسألة اشتهرت في كتب الفقهاء بمسألة لبن الفحل. وهي أن المرأة التي أرضعت طفلاً بلبنها الذي نزل  بسب ولادتها من رجل. فهل تمتد الحرمة إلى ذلك الرجل فيصبح أباً للرضيع كما صارت المرضعة أماً له؟

      ذهب الأئمة الأربعة -الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة- إلى أنه يثبت بالرضاع التحريم بالنسبة للرجل الذي تسبب في نزول اللبن، فلو أن الزوجة أرضعت طفلة أجنبية باللبن الذي تسبب زوجها في نزوله حرمت هذه البنت على زوجها وعلى آبائه وأبنائه، لأنهاا بنته من الرضاع فتصير كالبنت النسبية.

      وكذلك لو أرضعت طفلاً فإنه يحرم عليه التزوج ببنات هذا الرجل مطلقاً سواء كن من هذه الزوجة أو من غيرها. لأن لبن المرأة مشترك بينها وبين من كان سبباً فيه وهو الرجل ولولاه لما كان لبن فينسب الطفل إليهما معاً. والدليل على ذلك من السنة ما رواه الجماعة عن عائشة رضي الله عنها: أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها وهو عمها من الرضاعة بعد أن نزل الحجاب، قالت فأبيت أن آذن له، فلما جاء رسول الله أخبرته بالذي صنعت فأمرني أن آذن له.

      والأخوان من الرضاع قد يكونان شقيقين وقد يكونان لأم وقد يكونان لأب.

      فإذا أرضعت امرأة طفلين بلبن سببه الولادة من رجل واحد كان الرضيعان شقيقين. وإذا أرضعت أحدهما بعد ولادتها من زوج ثم أرضعت الآخر بعد ولادتها من زوج آخر كان الرضيعان أخوين لأم، وإذا كان لرجل زوجتان فأرضعت إحداهما طفلاً وأرضعت الثانية طفلاً آخر كان الطفلان أخوين لأب، ثم إن أخوة الشخصين بسبب الرضاعة من امرأة تثبت برضاعهما منها في أي وقت سواء رضعا معاً في وقت واحد أو في وقتين مختلفين، وكذلك لو رضع طفل من أم طفل آخر صار أخاً له من الرضاع ولو لم يرضع ابن المرأة منها أصلاً.

25- ما يثبت به الرضاع:

      إذا كان الرضاع معروفاً بين الناس فالتحريم به ثابت لا يحتاج إلى دليل يثبته.

      أما إذا لم يكن معروفاً فإنه يحتاج إلى الدليل. والمثبت له أحد أمرين: الإقرار أو البينة.

      فالإقرار يكون باعتراف الطرفين ( الرجل والمرأة ) أو أحدهما على التفصيل الآتي:

      إذا أقر شخص بأن هذه المرأة أخته من الرضاع فإن صدقته في إقراره ثبتت الحرمة بينهما بهذا التصادق مطلقاً سواء كان هذا الإقرار قبل الزواج أو بعده، فإن كان قبله لا يحل لهما الإقدام على الزواج، وإن كان بعده وجب عليهما أن يتفرقا وإلا فرق القاضي بينهما. ومثل ذلك ما إذا كانت المرأة هي التي بدأت بالإقرار وصدقها الرجل، وإذا افترقا قبل الدخول فلا شيء للمرأة من المهر، وإذا كان بعد الدخول وجب لها الأقل من المهر المسمى ومهر المثل ككل نكاح فاسد أعقبه دخول، ولا تجب لها نفقة في عدتها ولا سكنى.

      وإذا أقر الرجل وكذبته المرأة ثبت التحريم أيضاً فلا يحل له أن يقدم على زواجها إن كان إقراره قبل الزواج فإن كان بعده وجب أن يفارقها، فإن لم يفعل فرق القاضي بينهما. وإذا افترقا قبل الدخول وجب لها نصف المهر، وإن كان بعده وجب لها كل المهر المسمى وللمرأة النفقة والسكنى في العدة، لأن إقراره حجة قاصرة عليه فلا يتعدى إلى حقوق المرأة بالإبطال، وإذا رجع عن إقراره فقال: كنت واهماً أو ناسياً قبل منه هذا الرجوع في الحالتين بشرط ألا يكون أكد إقراره الأول بما يفيد اليقين كقوله أعلم أنها أختي. أو أشهد عليه. فيجوز له بعد الرجوع أن يعقد عليها، وإن كان بعد العقد بقي العقد قائماً كما كان، لأن الرضاع مما يخفى أمره فربما يكون إقراره أولا بالرضاع بناء على خبر ظنه صادقاً، ثم تبين له كذبه. وهذا يدعو إلى التجاوز عن تناقضه في الإقرار أولاً والرجوع عنه ثانياً،فإن كان أكد الأول أو أشهد عليه فلا يقبل منه الرجوع ويبقى التحريم قائماً.

      وإذا كان الإقرار من جانبها وكذبها الرجل وكان ذلك قبل الزواج فإن ثبتت على إقرارها ولم ترجع عنه فلا يجوز لها أن تتزوجه، وإن رجعت عن إقرارها جاز لها التزوج منه.

      أما إذا كان إقرارها بعد الزواج وكذبها فلا يلتفت إلى ذلك الإقرار وإن أصرت عليه، لأنها متهمة فيذلك الإقرار لاحتمال أنها فعلت ذلك لتتخلص منه بهذه الدعوى. بخلاف إقراره فإنه لا تهمه فيه، لأنه يملك التخلص منها بالطلاق وليس في حاجة إلى دعوى الرضاع.

      ومن هنا قرر الفقهاء أن الزوجة تصدق في إقرارها بعد الزواج إذا كان أمرها بيدها وتستطيع أن تتخلص بالطلاق.

      أما البينة فقد اتفق الفقهاء على أن الرضاع يثبت بالبينة ولكنهم اختلفوا في مقدارها. فمن الفقهاء من يرى أنه يكفي في إثباته شهادة النساء، وهؤلاء منهم من يكتفي بامرأة واحدة إذا كانت مشهورة بالصدق والعدالة. ومنهم من يشترط العدد فلا يثبت عنده إلاا بشهادة امرأتين على الأقل.

      ذهب الحنفية إلى أنه لا يثبت إلا ببينة كاملة شهادة رجلين عدلين أو رجل واحد وامرأتين كسائر الحقوق، لأنه يترتب عليه  حقوق مالية وغيرها، ولأن دعوى الرضاع يترتب عليها إبطال حق العبد، وهو ما ثبت له بعقد الزواج وكل منهما يشترط فيه تمام البينة.

      ويؤيد ذلك ما روى أن عمر بن الخطاب أتى بامرأة شهدت على رجل أنها أرضعتهما فقال: لا حتى يشهد رجلان أو رجل وامرأتان. وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد فدل ذلك على أنه الحكم المقرر عندهم.

      وقول المخالفين إنه لا يطلع عليه الرجال غير مسلم لأن المحارم من الرجال يطلعون عليه ولا حرج فيه.

      ثم إن الرضاع يحتاج في إثباته إلى البينة عند إنكار أحد الزوجين له، أما إذا لم يكن هناك إنكار فيكفي لوجوب التفريق تصادق الزوجين على الرضاع أو إقرار الزوج به وثبوته على إقراره وإن كذبته الزوجة، فإذا صحت هذه الشهادة وجب على الزوجين الافتراق، فإن لم يفترقا فرق القاضي بينهما.

      وبعد الافتراق أو التفريق يجب ما يجب في كل عقد فاسد. لا شيء لها قبل الدخول، أما بعده فيجب لها مهر المثل إن لم يكن سمى لها مهراً أو الأقل منه ومن المسمى إذا كان سمى مهراً معيناً، لأن المسمى إن كان هو الأقل فقد رضيت به الزوجة فلا يزاد على ما رضيت به، وإن كان مهر المثل هو الأقل فهو الواجب الأصلي في كل زواج فاسد ولا يعدل عنه إلا إذا وجد مقتض للعدول عنه، وإذا لم تصح البينة بأن نقص العدد أو كان الشهود غير عدول فإنه لا اعتبار لها في القضاء فلا يملك القاضي التفريق بينهما.

      أما من ناحية الديانة فالورع يقضي على الزوجين أن يفترقا لاحتمال صدق هذه الشهادة في الواقع.

      فقد روي أحمد والبخاري عن عقبة بن الحارث أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء فقالت قد أرضعتكما قال: فذكرت ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عني، قال: فتنحيت فذكرت ذلك له فقال: "كيف وقد زعمت أنها قد أرضعتكما فنهاه عنها". وفي رواية قال له: "كيف وقد قيل دعها عنك" فإن هذا الحديث يدل على أن شهادة المرأة لا توجب التفرقة وإلا لفرق الرسول بينهما من أول الأمر ولم يعرض عنه إذ الإعراض قد يترتب عليه أن يترك السائل المسألة ويكون إقراراً من الرسول على المحرم. كما يفيد كراهة الإبقاء على هذا الزواج بعد هذا الإخبار فأمره بتركها جاء على سبيل الندب تورعاً واحتياطاً وهذا ما يفيده قوله عليه الصلاة والسلام:كيف وقد زعمت أنها أرضعتكما؟

      ولقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم ذلك وعلموا به، فقد روي أن رجلاً تزوج امرأة فجاءت امرأة تزعم أنها أرضعتهما فسأل الرجل علياً كرم الله وجهه فقال له: هي امرأتك ليس أحد يحرمها عليك فإن تنزهت فهو أفضل، وروي مثل ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما.

  • محمد الشافعي
    محمد الشافعي

     الرضاع:

    أجرة الرضاع:

    الفَصل الأول

    - في وجوب الرضاع للرضيع، وعلى من يجب؟

          يقول الله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 233].

          ويقول جل شأنه في شأن المطلقات: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} [الطلاق: 6].

          في هاتين الآيتين وضع المولى سبحانه الأسس التي تقوم عليها أحكام الرضاع، ومنهما استنبط الفقهاء أكثر أحكامه، وفيهما توزيع لمسئولية الرضاع بين الأب والأم، فكل منهما يقوم بما يستطيعه دون مضارة لأحدهما، فالأم بلبنها الذي أجراه الله في ثديها غذاء لطفلها وهو أنسب غذاء له في هذه الفترة بعد أن تغذى بدمها فترة الحمل، والأب بالإنفاق عليها ليدر لبنها.

          ثم رفع الجناح عن إرضاع الأجنبيات إذا ما تعذر إرضاع الأم، وقد كان هذا عرفاً شائعاً عند العرب قبل الإسلام يسيرون عليه راضية به نفوسهم، فلم يعرض له بالإلغاء كما ألغي غيره من الأعراف بل أقره وفوضه لإرادة الآباء مع التصريح برفع الجناح عنهم في ذلك.

          وتفتتح الآية الأولى بجملة خبرية تحمل معنى الأمر {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} فنظراً لخبريتها تفيد أن الرضاع حق للأم لها أن تستوفيه ولها أن تتنازل عنه، ونظراً لمعنى الأمر فيها تفيد أنه واجب عليها لا تستطيع تركه إلا إذا منعها من ذلك مانع كمرض ونحوه، ومن هنا جاء اختلاف الفقهاء في وجوب الرضاع على الأم.

          وإن نظرة عامة في مذاهب الفقهاء نجدها متفقة على أنه واجب على الأم في بعض الحالات، وغير واجب عليها في حالات أخرى مع اتفاق الجميع على أنه حق للأم لا يزاحمها غيرها في استيفائه إذا أرادت ما لم يكن في ذلك ضرر يلحق الرضيع أو الأب، لأن الأم أقرب الناس إلى وليدها ينبض قلبها بالحنان والشفقة عليه فوق أن لبنها أفضل غذاء له مما عداه لأنه يلائم جسمه الذي تغذى به دماً وهو جنين في بطنها.

          تلخيص آراء الفقهاء:

          اتفق الفقهاء على أن الرضاع واجب على الأم ديانة في جميع الحالات سواء كانت زوجيتها قائمة أو انتهت، بمعنى أنها مسؤولة أمام الله عن ذلك بحيث تأثم لو امتنعت عنه وهي قادرة عليه.

          واختلفوا بعد ذلك في وجوبه عليها قضاء، أي أن القاضي يجبرها عليه إذا امتنعت عنه بدون عذر.

          فذهب مالك في المشهور عنه أنه واجب عليها قضاء إذا كانت زوجة أو معتدة من طلاق رجعي كما هو واجب ديانة لظاهر الأمر وهو يفيد الوجوب قضاء وديانة إلا إذا كانت ذات ترفه لم يجر عرف قومها بإرضاع نسائهم أولادهن لأن هذا كان في الجاهلية ولم يغيره الإسلام، ولأنها تتضرر حينئذ بإلزامها بالإرضاع إلا إذا تعينت للإرضاع بأن كان الطفل لا يقبل إلا ثديها فإنها تجبر عليه محافظة على الصغير من الهلاك وهو ضرر أكبر من تضررها بالإرضاع تجبر حتى ولو كانت مطلقة بائناً.

          وذهب الشافعية إلى أنه يجب عليها أن ترضعه أول لبنها المسمى باللباء، لأن الولد يقوى وتشتد بنيته به، ولا يجب عليها أن ترضعه ما بعده يستوي في ذلك أن تكون زوجة أو أجنبية إلا إذا تعينت بأن لم يوجد من يرضعه غيرها أو لم يقبل الطفل غير ثديها فيتعين عليها الإرضاع.

          وذهب الحنفية إلى أنه يجب عليها ديانة لاقضاء، فإن امتنعت عنه بدون عذر فلا تجبر قضاء عليه إلا في حالات ثلاث:

          1- إذا لم يكن للطفل ولا لأبيه مال يستأجر به مرضعاً ولم توجد متبرعة بإرضاعه.

          2- إذا لم توجد من ترضعه غيرها بأجر أو بغير أجر وإن كان للأب أو الابن مال.

          3- إذا وجدت المرضعة ولكن الطفل لا يقبل غير ثدي أمه.

          ففي هذه الحالات يتعين عليها الإرضاع وتجبر عليه قضاء حتى لا يتعرض الطفل للهلاك.

          وفي غير تلك الحالات إذا قامت الأم بإرضاعه فيها، وإن امتنعت عنه بدون عذر ظاهر لا تجبر عليه لأن الرضاع حق للأم كما هو للولد، ولا يجبر أحد على استيفاء حقه إلا إذا وجد ما يقتضي الإجبار عليه وهو المحافظة على حياة الطفل.

          ومن جهة أخرى إن الأم أكثر الناس شفقة وحناناً على ولدها، وهي لا تمتنع عن إرضاعه إلا لعدم قدرتها عليه، فإجبارها حينئذ يلحق الضرر بها، لأنها ستفعل ما لا قدرة عليه أو تتضرر به، وقد نفى الله عنها الضرر بسبب ولدها {لا تضار والدة بولدها}.

          وفي هذه الحالة يجب على الأب أن يستأجر له مرضعاً تقوم بإرضاعه حفظاً له من الهلاك.

          فإن لم يقم الأب باستئجار المرضعة كان للأم أن تطالبه بالقيام بذلك أو بدفع أجرة الرضاع إليها لتقوم هي باستئجار المرضعة محافظة على ا لولد.

    - هل تسقط حضانة الأم بالامتناع عن الإرضاع؟

          وامتناع الأم عن الإرضاع لا يسقط حضانتها لأنهما حقان منفصلان لا يلزم من سقوط أحدهما سقوط الآخر، وعلى الأب في هذه الحالة أن يتفق مع المرضعة على القيام بعملها على وجه لا يضيع حق الأم في الحضانة ، كأن تقوم بإرضاعه عند أمه أو بنقل الولد إليها في أوقات الرضاعة ثم يرد إلى أمه، فإن لم يتفق معها على شيء من ذلك كان عليها أن تذهب إلى حيث يوجد الطفل عند حاضنته سواء كانت هي الأم أو غيرها لتستطيع الحاضنة القيام بما تقتضيه الحضانة.

          وإذا كان للأب الحق في استئجار المرضعة عند امتناع الأم فليس معنى ذلك أنه يتحكم في أمر الإرضاع ويمنع الأم منه إذا رغبت فيه بعد الامتناع عنه، لأن الأم حقها ثابت في الرضاع وهي أحق به من الأجنبية، ولا يملك الأب منعها منه ما لم يلحقه ضرر منه بأن كانت الأم تطلب أجراً عليه - حينما تستحق تستحق الأجر - بينما توجد متبرعة به، أو تطلب أكثر مما تطلبه المرضعة، لأن القرآن كما نفى الإضرار بالأم نفاه أيضاً عن الأب {ولا مولود له بولده}، وليس في منعها إضرار بها لأنها التي أساءت استعمال حقها بطلب الأجر أو الزيادة، وفي هذه الحالة يقال للأم: إما أن ترضعيه مجاناً أو بمثل الأجر الذي قبلته المرضعة أو تسليمه لها لترضعه وهي بالخيار.

          لكن يستثنى من ذلك ما إذا كانت الأم مريضة بمرض يخشى على الطفل منه أو ثبت بالتحليل الطبي أن لبن الأم لا يصلح للطفل لسبب من الأسباب. ففي مثل هاتين الحالتين يكون للأب منع الأم من إرضاعه وإعطاؤه للمرضعة محافظة عليه ومنعاً للضرر عنه.

          وإذا سقط حق الأم في الرضاع كان على المرضعة أن توفي بما التزمت به.

          فإن كانت متبرعة وأرضعته فترة ثم رغبت في إنهاء تبرعها أجيبت إلى ذلك لأنها محسنة، وما على المحسنين من سبيل، إلا إذا كان الطفل لا يقبل ثدي غيرها فإنه يلزمها إرضاعه إلى أن يستغني عن الرضاع حتى لا يلحقه ضرر، ويجب لها أجر مثلها في المدة الباقية لأنها أنهت تبرعها.

          وكذلك إذا كانت ترضع بأجر وانتهت المدة المتفق عليها ولم يستغن الطفل عن الرضاع أجبرت على مد الإجارة لمدة أخرى تكفي لاستغناء الطفل عن الرضاعة إذا لم يقبل الطفل ثدي غيرها دفعاً للضرر عن الرضيع، وهي لا يلحقها من ذلك ضرر حيث يجب لها أجر المثل عن المدة الثانية.

    الفَصل الثّاني

    108-      أجرة الرضاع:

          والكلام في هذا الفصل يتناول الأمور الآتية:

          1- من التي تستحق أجرة على الرضاع؟.

          2- متى يستحق الأجر؟.

          3- المدة التي تستحق فيها أجرة الرضاع.

          4- مقدار الأجرة.

          5- وعلى من تجب ؟.

          1- من التي تستحق أجرة على الرضاع؟

          فذهب الحنفية: أن التي تقوم بالإرضاع إما أن تكون الأم أو غيرها، والأم إما أن تكون زوجة لوالد الرضيع أو معتدة منه بطلاق بائن أو رجعي، أو انتهت عدتها.

          فإن كانت زوجة أو معتدة من طلاق رجعي فلا تستحق أجرة على الإرضاع مطلقاً سواء كان واجباً عليها أو لا، لأن أجرة الرضاع ليست عوضاً خالصاً بل هي أشبه بالنفقة، لأن المقصود منها تغذية الأم ليدر لبنها الذي هو غذاء للصغير، ولأن الإرضاع واجب عليها ديانة عندهم، والواجب الديني لا يستحق عليه أجر، ولأن نفقتها في هذه الحالة واجبة على الأب باعتباره زوجاً أو مطلقاً فلا يجمع لها بين نفقتين في وقت واحد، لأنه غير معهود في الشرع.

          وإن كانت معتدة من طلاق بائن ففي إحدى الروايتين في المذهب تجب لها النفقة، لأن الزوجية قد انتهت بالطلاق البائن فأشبهت الأجنبية.

          وفي الرواية الأخرى لا تجب لها النفقة على الإرضاع، لأن زوجيتها وإن انقطعت بالطلاق البائن إلا أنها تجب لها النفقة على مطلقها على والد الرضيع مادامت في العدة، فلو أوجبنا لها أجرة على الرضاع لكانت جامعة بين نفقتين في وقت واحد.

          وفقهاء المذهب وإن اختلفوا في الترجيع لتلك الروايتين إلا أن الفتوى على الثانية وهي التي تمنع وجوب النفقة.

          أما إذا انتهت عدتها فتستحق الأجرة قولاً واحداً سواء كانت متعينة للإرضاع أو لا، لأنها أصبحت أجنبية من كل وجه وارتفعت نفقة عدتها لقوله تعالى في شأن المطلقات: {وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6].

          وإذا كان المانع من وجوب أجرة الرضاع للمعتدة هو استحقاقها نفقة للعدة على والد الرضيع فيكون عدم استحقاق الأجرة على الرضاع للمطلقة مرتبطاً بوجوب النفقة لها لا بكونها معتدة.

          وعلى هذا إذا قامت بالإرضاع لا تستحق أجراً عليه مدة سنة، وبعد انقضائها تستحق الأجرة إلى أن تنتهي مدة الرضاع، لأنها صارت في حكم التي انقضت عدتها.

          وكذلك لو كانت أسقطت نفقة عدتها في مقابل طلاقها منه يكون حكمها كحكم من انقضت عدتها في استحقاق الأجرة لانقطاع نفقتها من الأب، وكذلك التي تزوجت بدون عقد موثق فإنها لا تستحق نفقة على زوجها إذا لم يعترف بالزوجية.

          2- متى تستحق المرضع الأجر على الرضاع؟

          إذا كانت المرضع هي الأم فإنها تستحق الأجر بمجرد الإرضاع، ولا يتوقف استحقاقها على سبق اتفاق بينها وبين الأب ولا على قضاء القاضي به، ويكون الأجر المستحق هو أجر مثلها إلى أن يتفقا على قدر معين، وتكون ديناً على الأب لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء منه، فلو ماتت الأم قبل قبضه كان لورثتها حق المطالبة به باعتباره جزءاً من تركتها، ولو مات الأب قبل قبض الأم له أخذ من تركته كسائر الديون، وكذلك لا تسقط بموت الرضيع.

          وإنما استحقت الأم الأجر دون توقف على اتفاق سابق لأن القرآن رتب الأجر على الإرضاع في قوله تعالى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} فقد أمرت الآية بإعطاء الأجر بمجرد الإرضاع دون تقيده بقيد آخر.

          ولأن إقبال الأم على إرضاع وليدها قبل الاتفاق على الأجر لا يدل على أنها متبرعة به، لأن عطفها وحنانها على وليدها هو الذي دفعها إلى الإرضاع، ولا يعقل أن تراه يتلوى أمامها من الجوع وتتركه بدون إرضاع حتى يتم الاتفاق مع أبيه.

          أما غير الأم فإنها لا تستحق الأجر بمجرد الإرضاع، بل لا تستحقه إلا من وقت الاتفاق، لأنها مستأجرة للإرضاع فلا تستحق الأجرة إلا من يوم العقد.

          3- مقدار المدة التي تستحق فيها أجرة الرضاع:

          لا تستحق الأم أجراً على الرضاع لأكثر من سنتين باتفاق الحنفية حتى ولو زاد إرضاع الطفل عن هذه المدة لقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} فقد جعلت الآية تمام الرضاع كمال الحولين وليس بعد التمام زيادة.

          فلو زاد عن الحولين لا تجب أجرة على الزيادة وإن جاز ذلك الرضاع.

          ولو اتفق الأب والأم على إنقاص المدة عن الحولين جاز إذا كان في ذلك مصلحة الرضيع لقوله تعالى: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا}.

          4- مقدار أجرة الرضاع:

          مقدار الأجرة التي تستحقها الأم في الحالات التي تستحق فيها الأجر هو ما اتفقت مع الأب عليه إذا اتفقا على شيء قبل الإرضاع، وإن لم يكن بينهما اتفاق على قدر معين فإنها تستحق أجر المثل وهو الأجرة التي تقبل امرأة أخرى أن ترضع به، فإذا تنازعا قدره القاضي بذلك، فإن طلبت أكثر من ذلك لا تجاب إلى طلبها.

          5- على من تجب أجرة الرضاع؟

          إذا كان للرضيع مال وجبت الأجرة في ماله، لأن رضاع الصغير هو غذاؤه، وغذاؤه من نفقته، والأصل في النفقة أنها تكون من مال الشخص، فإن لم يكن له مال فتكون على أبيه إن كان موسراً.

          فإن كان معسراً وقادراً على الكسب أجبرت الأم على إرضاعه ويكون الأجر ديناً على الأب يدفعه لها إذا أيسر، وإن كان معسراً عاجزاً عن الكسب أو متوفى وجبت أجرة الرضاع على من تجب عليه نفقة الصغير من الأقارب لقوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ...} إلى أن قال: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} وسيأتي تفصيل ذلك في مبحث نفقات الأقارب.