الحمد لله

telegram

الخلوة الشرعية الصحيحة و أحكامها

الخلوة الصحيحة وأحكامها:

      وحد الخلوة الصحيحة عند الحنيفة أن يجتمع الزوجان بعد العقد الصحيح في مكان يأمنان فيه من دخول أحد عليهما بدون إذنهما أو يطلع عليهما، وليس هناك مانع يمنعهما من المخالطة الجنسية، فإذا لم يكن المكان آمناً لا تكون صحيحة، وإن كان آمناً ووجد المانع لا تكون صحيحة أيضاً.

      والموانع - كما عّدها الفقهاء ثلاثة أنواع: حقيقي، وشرعي، وطبعي.

      فالحقيقي: ويسميه بعض الفقهاء بالحسي كالمرض الذي يحول بينهما وبين التمتع الكامل، والعيب الخلقي بالمرأة كالقرن والرتق والصغر بأن يكون أحدهما صغيراً لا يمكن الاختلاط من مثله.

      والشرعي: كأن يكون أحدهما صائماً في رمضان، أو محرماً بحجة فريضة أو نفل أو بعمرة، أو تكون المرأة حائضاً أو نفساء فكل ذلك مانع شرعاً، لأن المخالطة الجنسية محرمة فيها شرعاً، وفي الحيض والنفاس مانع طبعاً لأنه أذى والطبع ينفر عن استعمال الأذى.

      والمانع الطبعي: كأن يكون معهما ثالث عاقل ولو كان صغيراً يستطيع التعبير عما وقع بينهما(1) لأن الإنسان يكره أن يقرب امرأته بحضرة ثالث ويستحي فينقبض عنه، وهذا تقسيم اعتباري، ولهذا سمى بعض الفقهاء هذا المانع بالحسي لأن الشخص الثالث محسوس.

      فإذا صحت الخلوة تأكد بها المهر، فلو طلقها بعد ذلك أو انفسخ العقد بسبب من أسباب الفسخ ولو من جانبها وجب لها المهر كله متى كان العقد صحيحاً.

___________________

(1) أما إذا كان معهما صغير لا يميز أو مجنون أو مغمى عليه فلا يمنع الخلوة.

      ولا تعتبر هذه الخلوة بعد الزواج الفاسد، لأن المخالطة الجنسية فيه حرام، فكان المانع الشرعي قائماً، ولأن الخلوة تؤكد المهر بعد وجوبه بالعقد، والعقد الفاسد لا يوجب المهر فلا يتصور تأكيد شيء لم يوجد.

      وإذا كانت الخلوة الصحيحة يتأكد بها المهر بالدخول الحقيقي فهي لا تأخذ حكمة في كل شيء، بل تتفق معه في بعض الأحكام وتخالفه في بعضها الآخر وإليك البيان لمواضع التوافق والتخالف:

      الأحكام التي يشتركان فيها:

      1- تأكيد المهر للزوجة.

      2- وجوب العدة على الزوجة إذا وقعت الفرقة بعد الخلوة الصحيحة.

      كما تجب به بعد الدخول، لكن يلاحظ أنهما وإن اتفقا في وجوب العدة إلا أن وجوبها بالدخول وجوب ظاهراً وباطناً، أي قضاء وديانة لأنها حق الشارع وحق الولد الذي قد يأتي ثمرة لهذا الدخول. فيحرم عليها التزوج قبل انقضائها، أما في حالة الخلوة فوجوبها إنما هو في الظاهر فقط، أي في نظر القضاء. فلو رفع الأمر إلى القاضي وجب عليه الحكم بوجوبها على المختلي بها، لكن المرأة إذا كانت متيقنة بعدم مخالطة زوجها لها أثناء الخلوة فإنه يحل لها ديانة. أي بينها وبين الله أن تتزوج من غير أن تعتد بعد ذلك الطلاق، لأنه طلاق قبل الدخول حقيقة فلا يوجب العدة، كما ذهب إليه بعض فقهاء الحنفية، وإذا وجبت العدة على الزوجة بالفرقة بعد الخلوة الصحيحة ترتبت عليها أحكام العدة وهي:

      1- وجوب النفقة بأنواعها التي تثبت لكل معتدة.

      2- حرمة التزوج بامرأة أخرى تكون محرماً للمعتدة ما دامت في عدتها، لأنه يكون جامعاً بين محرمين.

      3- يحرم عليه التزوج بخامسة ما دامت العدة قائمة إذا كان له ثلاث زوجات غير تلك المطلقة، لأنه يكون جامعاً لأكثر من أربع زوجات.

      بقي حكم أخير تشترك فيه الخلوة والدخول بالزوجة وهو ثبوت نسب الولد من الزوج إذا توافرت شروط ثبوت النسب، كما يثبت نسبه منه بعد الدخول.

      وهذا في الواقع ليس حكماً للخلوة ولا للدخول، بل هو حكم لعقد الزواج الصحيح وإن لم يعقبه دخول ولا خلوة كما يذهب إليه الحنفية احتياطاً منهم وحرصاً على عدم ضياع الولد.

      الأحكام التي يختلفان فيها:

      تختلف الخلوة عن الدخول في الأحكام الآتية:

      1- حرمة بنات الزوجة تكون بالدخول الحقيقي بها، أما مجرد الخلوة الصحيحة فلا يترتب عليها حرمة البنات، فلو تزوج رجل امرأة ودخل بها ثم طلقها فإنه حرم عليه التزوج بإحدى بناتها بعد ذلك، أما لو طلقها بعد الخلوة بها فيحل له التزويج بإحدى بناتها، لأن القرآن علق تحريم الربائب على الدخول. {وَرَبَائِبُكُمْ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}.

      2- إحلال المطلقة ثلاثاً لمطلقها، فلو طلق الرجل زوجته ثلاثاً فإنها لا تحل له بعد ذلك حتى تتزوج زوجاً آخر، فإذا تزوجها الثاني ودخل بها دخولاً حقيقياً ثم طلقها وانقضت عدتها حلت للأول، أما لو طلقها بعد الخلوة الصحيحة فلا تحل له لحديث "لا حتى تذوقي عُسَيْلَتَهُ ويذوقَ عُسَيْلَتَكِ"، وهو كناية عن الدخول الحقيقي فبقي ما دونه على التحريم.

      3- الطلاق الواقع بعد أحدهما فإنه بعد الدخول الحقيقي يكون رجعياً وبائناً، أما بعد الخلوة الصحيحة فإنه لا يكون إلا بائناً على أي صورة وقع من الزوج، ويترتب على ذلك أن المطلق بعد الدخول يستطيع مراجعة زوجته بدون عقد جديد إذا كان طلاقه السابق رجعياً، أما المطلق بعد الخلوة فلا يستطيع إرجاعها إلا بعقد جديد.

      4- إن المدخول بها تزوج تزويج الثيبات من أنه لا بد في تحقق رضاها من أذنها الصريح، أما المختلى بها فقط فتتزوج زواج الأبكار لأنها لا زالت بكراً فيكتفي في رضاها بمجرد السكوت.

      5- الميراث، إذا طلق الرجل امرأته بعد الخلوة الصحيحة ومات أحدهما في أثناء العدة فلا يرث أحدهما الآخر، لأن الطلاق بعدها يكون بائناً على أي شكل وقع، ولا إرث في عدة البائن. يستوي في ذلك أن يكون طلاقه فراراً من الميراث وهو الطلاق في مرض الموت من غير رضاها أو لم يكن كذلك.

      أما إذا طلقها بعد الدخول ومات أحدهما في العدة، فإنه يرث أحدهما الآخر إذا كان الطلاق رجعياً، بل إنه يثبت للزوجة في عدة الطلاق البائن إذا كان الطلاق في مرض موته، لأنه يعتبر فاراً من ميراثها فيعامل بنقيض مقصوده.

      فالفرق بينهما فيما إذا كان الطلاق بائناً قصد به الفرار من الميراث، والميراث لا يثبت إلا بيقين بوجود سببه لأنه حق مالي لا يثبت احتياطاً.

      6- الإحصان، فإن الدخول يجعل كلاً من الزوج والزوجة محصنين بحيث تطبق عليهما عقوبة الرجم في الزنى، أما الخلوة الصحيحة فلا تجعلها محصنين فتطبق عليهما عقوبة الجلد عند الزنى إن لم يكن سبق لهما زواج ودخول.