الحمد لله

النفقة في الاسلام

 الحق الرابع للزوجة وهو النفقة

المبحث الأول

في التعريف بها ووجوبها وشروط استحقاقها:

سبب استحقاق الزوجة للنفقة وشروط الاستحقاق.

أحوال النفقة وجوبها وسقوطها.

تقدير نفقة الزوجة وما يجب مراعاته فيه.

أنواع النفقة:

امتناع الزوج عن أداء النفقة، وما يتخذ معه من إجراءات.

نفقة زوجة الغائب.

متى تعتبر النفقة ديناً على الزوج؟

تعجيل النفقة.

الإبراء من دين النفقة.

الكفالة بالنفقة.

المقاصة بدين النفقة.

      يراد بالنفقة: ما تحتاج إليه الزوجة في معيشتها من طعام وكسوة ومسكن وخدمة وكل ما يلزم لها حسبما تعارفه الناس.

      وقد ثبت وجوبها بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول.

      أما الكتاب: فقوله تعالى في شأن المطلقات: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} [الطلاق: 6] أوجبت الآية على الأزواج إسكان المطلقات من حيث سكنوا حسب قدرتهم وطاقتهم، وإذا وجب إسكان المطلقة فإسكان الزوجة أولى بالوجوب، حيث إن زوجيتها قائمة حقيقة وحكماً، والمطلقة لم يبق لها منها إلا أحكامها أو بعضها فقط.

      على أن الآية أوجبت الإنفاق عموماً للمطلقة الحامل {وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}.

      وقوله تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا} [الطلاق: 7] ففي الآية أمر بالإنفاق وهو مطلق يفيد الوجوب، حيث لا صارف له عنه.

      وأما السنة فقد وردت عدة أحاديث تفيد هذا الوجوب.

      منها ما رواه أبو داود عن معاوية القشيري قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت ما تقول في نسائنا ؟ قال " أطعموهن مما تأكلون، واكسوهن مما تكتسون، ولا تضربوهن ولا تقبحوهن".

      ومنها ما رواه مسلم وغيره من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف".

      وما رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن هنداً زوجة أبي سفيان قالت يا رسول الله: إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم فقال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف".

      فلو لم تكن النفقة للزوجة واجبة على زوجها لما أمرها بأن تأخذ من مال زوجها ما يكفيها بدون علمه، لأنه لا يجوز أخذ شيء من أموال الناس بدون وجه حق.

      وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة في كل العصور على وجوب نفقة الزوجة على زوجها لم يخالف في ذلك أحد.

      وأما المعقول: فإن عقد الزواج يوجب على الزوجة تخصيص نفسها لمنفعة زوجها وتفرغها للحياة الزوجية، فهي تقوم على البيت ورعايته والأولاد وتربيتهم. فهي محبوسة على الزوج وهذا يمنعها من التصرف والاكتساب فوجبت نفقتها عليه، ومن قواعد الشريعة، أن من حبس نفسه لحق مقصود لغيره ولمنفعته تكون نفقته واجبة على ذلك الغير.

      ولهذا المعنى وجب على الدولة نفقات موظفيها الذين حبسوا أنفسهم لمنفعتها بقدر كفايتهم وكفاية من يعولونهم.

61-  سبب استحقاق الزوجة للنفقة وشروط الاستحقاق:

      سبب وجوب النفقة للزوجة : هو الزوجية الصحيحة غير أن الوجوب لا يثبت بمجرد العقد كما في وجوب المهر. بل بما يترتب عليه من احتباس الزوجة وقصرها نفسها على زوجها بحيث يتمكن من الانتفاع بثمرات الزواج بأن تسلم نفسها له حقيقة أو حكماً بدخولها في طاعته بالفعل أو باستعدادها لهذا الدخول ما لم يوجد مانع شرعي يمنعها من ذلك.

      فلو عقد عليها وطلبها للدخول فلبت الطلب وجب لها النفقة، وإن امتنعت منه لعذر كعدم إيفائها معجل صداقها أو عدم إعداد المسكن اللائق بالزوجية وجب لها النفقة كذلك، وإن امتنعت بدون عذر فليس لها نفقة.

      ويشترط لوجوب النفقة ثلاثة شروط:

      أولها: أن يكون عقد الزواج صحيحاً شرعاً.

      وثانيها: أن تكون الزوجة صالحة للمعاشرة الزوجية ليؤدي احتباسها إلى ثمرات الزواج المقصودة منه شرعاً.

      وثالثها: ألا يفوت حق الزوج في احتباس الزوجة بغير عذر شرعي أو بسبب ليس من جهته، فإذا توفرت هذه الشروط وجبت النفقة لا فرق بين الزوجة المسلمة وغير المسلمة، وإن لم تتوفر كلها أو بعضها لم يجب لها شيء.

      ومن هنا وجبت لها النفقة في حالات وسقطت في حالات أخرى.

المبحث الثاني

62-  في أحوال النفقة وجوبها وسقوطها:

      تجب النفقة في حالات وتسقط في أخرى وإليك التفصيل:

      الحالات التي تجب فيها النفقة:

      1- إذا كانت الزوجة صالحة للحياة الزوجية وانتقلت إلى بيت الزوج أو لم تنتقل بالفعل ولكنها لا تمانع فيه لأنه يكفي منها الاستعداد لتسليم نفسها.

      2- إذا فات على الزوج حقه بسبب منه كما لو كان صغيراً(1) لا يصلح للمعاشرة الجنسية مع صلاحيتها لذلك، أو كان مريضاً أو معيباً بعيب يمنعه من ذلك كالجب والعنة، أو كان محبوساً في جريمة أو دين عليه، وما شاكل ذلك.

________________

(1) المذهب المالكي لا يوجب النفقة إذا كان الزوج صغيراً فيشترط لوجوبها أن يكون الزوج بالغاً.

 

      3- إذا فات عليه حقه بسبب مشروع من جهتها، كما لو امتنعت عن تسليمها نفسها لعدم إيفائها معجل صداقها أو عدم إعداده المسكن الشرعي لها، أو تركت له بيته بعد دخولها في طاعته لأنه غير أمين على نفسها أو مالها.

      الحالات التي لا تجب فيها النفقة أو تسقط فيها بعد وجوبها:

      1- إذا كان العقد باطلاً أو فاسداً حتى ولو سلمت المرأة نفسها للرجل الذي عقد عليها، لأن هذا العقد واجب الفسخ فيكون التسليم بعده غير مشروع فيجب عليهما أن يفترقا من تلقاء أنفسهما، وإلا فرق القاضي بينهما.

      ومثل ذلك إذا دخل بامرأة بشبهة من غير عقد عليها، لأن هذا الدخول غير مشروع فلا يحق للزوج احتباس المرأة فضلاً عن أنه لم يسبقه عقد صحيح.

      ولهذا قرر فقهاء الحنفية: أن من عقد على امرأة ودخل بها ثم تبين فساد هذا العقد بأن ثبت أنها أخته من الرضاع مثلاً، كان له حق استرداد النفقة، إذا كانت بفرض القاضي لأنه تبين أن الاحتباس لم يكن مشروعاً حتى تستحق النفقة في نظيرة.

      أما إذا كان سلمها النفقة بدون فرض القاضي فإنه لا يرجع عليها بشيء لاحتمال أنه متبرع بها فيرجح هذا الاحتمال لشبه النفقة بالصلة.

      بخلاف صورة الفرض لأنه بالقضاء يكون ملزماً بدفع النفقة بناء على كونها مستحقة لها، فإذا ظهر عدم استحقاقها رجع بما أدى لانتقاء احتمال التبرع حيث لا يجتمع تبرع وإلزام.

      2-إذا كانت الزوجة صغيرة لا يمكن الاستمتاع بها ولا تصلح لخدمة الزوج ولا مؤانسته لأن احتباسها وعدمه سواء باتفاق الحنفية.

      وكذلك إذا كانت لا تصلح للمعاشرة الجنسية وإن صلحت للخدمة أو الائتناس بها عند أبي حنيفة لأن احتباسها ناقص، حيث لا يمكن استيفاء المقصود الأصلي من الزواج منها. ولو نقلها إلى بيته للائتناس بها وجبت عليه نفقتها، لأنه رضي بهذا الاحتباس الناقص لما نقلها إلى بيته، ولو لم ينقلها ما وجبت لها نفقة.   

      3- إذا كانت الزوجة مريضة مرضاً يمنعها من الانتقال إلى بيت الزوج فلا نفقة لها باتفاق الحنفية، حيث لا يمكن احتباسها وهو المقابل للنفقة.

      أما إذا كان المرض لا يمنعها من الانتقال إلى بيت الزوج فالمفتى به في المذهب الحنفي أنه يجب لها النفقة بعد انتقالها بالفعل إلى بيت الزوجة أو عدم ممانعتها في الانتقال وإن لم تنتقل إليه، لأن المرض طارئ يمكن زواله، وعقد الزواج عقد للدوام فلا يسقط الحق الدائم بعارض من العوارض لا دخل للزوجة فيه.

      هذا إذا كان المرض سابقاً على الزفاف، فإن جاءها المرض بعده فلا تسقط نفقتها به سواء بقيت في بيت الزوجية أو انتقلت إلى بيت أهلها ما دامت لا تمانع في الرجوع إليه. لكنها إذا امتنعت من العودة وهي تستطيع ذلك على أي وجه سقطت نفقتها لتحقق النشوز منها في هذه الحالة.

- نفقات العلاج:

      وإذا وجبت النفقة للزوجة المريضة غير الناشزة فهل يجب على الزوج نفقات علاجها أولاً؟ ذهب فقهاء الحنفية إلى أنها لا تجب عليه لأنها ليست من النفقة بل تجب في مالها إن كانت غنية وفي مال من تلزمه نفقتها إن كانت فقيرة إذا لم تكن متزوجة.

      ذهب الشافعية والحنابلة والمالكية في المشهور إلى أنهم لا يوجبون على الزوج نفقات العلاج، وذهب بعض علماء المالكية إلى أنه يفترض عليه أن يعالجها بقيمة النفقة التي تفترض لها وهي سليمة من المرض.

      4- إذا تركت الزوجة بيت الزوجية وخرجت من الطاعة أو أبت أن تنتقل إليه بدون مبرر شرعي، لأنها تعتبر ناشزة، وبالنشوز تسقط النفقة، لأنه لا يتصور احتباس معه.

      ومثل ذلك في الحكم ما إذا منعت زوجها من دخول بيتها الذي يقيم معها فيه دون سابق إنذار له بطلب نقلها إلى بيت له وترك هذا البيت لتنتفع به في غير السكن.

      وهذا السقوط مغياً بمدة النشوز فإن عادت إلى الطاعة عاد حقها في النفقة ولا حق لها في المطالبة بنفقتها عن فترة نشوزها.

      بل قرر فقهاء الحنفية أن نفقتها السابقة على النشوز التي لم تستوفها قبله تسقط بهذا النشوز ولو كانت مفروضة بأمر القاضي، ولا يستثنى من ذلك إلا مقدار ما استدانته فيها بإذن الزوج أو القاضي فإنه لا يسقط بنشوزها.

      5- إذا أخذها إنسان كرهاً وحال بينها وبين زوجها فترة من الزمان سقطت نفقتها لفوات الاحتباس على الزوج بأمر لا دخل له فيه.

      6- إذا حبست الزوجة ولو ظلماً بسبب ليس من جهة الزوج سقط حقها في النفقة لفوات حق الزوج بسبب ليس من جهته.

      7- إذا سافرت الزوجة وحدها أو مع غير محرم منها قبل الزفاف وبعده أي سفر كان ولو للحج فلا نفقة لها، لأنها فوتت حق الاحتباس على الزوج، ولأنها عاصية بهذا السفر الذي لم يصحبها محرم فيه.

      أما إذا سافرت بعد الزفاف للحج مع محرم منها كأبيها أو أخيها فلا نفقة لها عند أبي حنيفة لتفويتها حق الزوج.

      وذهب الحنابلة إلى أنها لا تسقط نفقتها، لأن أداء الفريضة ضرورة دينية يغتفر معها فوات الاحتباس.

      وإذا سافر معها الزوج فلها النفقة بالاتفاق لتحقق حق الاحتباس في هذه الحالة، والنفقة الواجبة هنا نفقة الإقامة لا السفر إلا إذا كان الزوج هو الذي أراد السفر ابتداء ودعاها للسفر معه فإنه يجب لها نفقة السفر.

      8- الزوجة المحترفة: إذا كانت الزوجة تحترف عملاً يضطرها إلى أن تكون خارج بيت الزوجية طول النهار أو أكثره أو الليل كله أو أكثره ثم ترجع إليه بعد فراغها منه، كالموظفة أو المحامية أو الطبيبة فهل تسقط نفقتها بذلك؟.

      إذا كان ذلك برضا الزوج فلا تسقط نفقتها، لأنه برضاه قد أسقط حقه في الاحتباس الكامل واكتفى منه بالناقص.

      أما إذا كان بدون رضاه وموافقته بأن شرط عليها ترك عملها عند عقد الزواج ولم توف بهذا الشرط سقطت نفقتها، لأنها فوتت بذلك حقه في الاحتباس الكامل الذي تستحق النفقة في نظيره.

      وكذلك لو رضي به أول الأمر ثم طلب منها الامتناع عن العمل لما يترتب عليه من اضطراب الحياة الزوجية ولم تجبه إلى طلبه سقطت نفقتها ما دام الزوج عنده القدرة على متطلبات الحياة، لأن رفضها طلبه يعتبر نشوزاً منها، والناشزة لا تستحق النفقة، أما إذا كان عملها في بيتها كالخياطة أو القراءة والتأليف مثلاً بحيث لا يعطلها عن القيام بواجبات الزوجية فلا يسقط حقها في النفقة.

      9- إذا ارتدت الزوجة بأن خرجت عن الإسلام سقطت نفقتها، لأن ردتها ترتب عليها فرقة جاءت من قبلها فأبطلت نفقتها.

      فإذا تابت وأسلمت وهي في العدة فإن نفقتها لا تعود. بخلاف الناشزة، لأن بردتها بطلت نفقتها بالفرقة. ومتى بطلت لا تعود، أما النشوز فهو أمر عارض لا يبطل النفقة وإنما تسقط مؤقتاً فإن عادت عادت النفقة.

المبحث الثالث

63-  في تقدير نفقة الزوجة وما يجب مراعاته فيه:

      يجب على القاضي عند التقدير مراعاة الأمور الآتية:

      1- أن يراعي حالة الزوج المالية يساراً وإعساراً بقطع النظر عن كون الزوجة غنية أو فقيرة. فإن كان الزوج موسراً فرض لها نفقة اليسار ولو كانت الزوجة فقيرة، وإن كان معسراً فرض لها نفقة بقدر ما يستطيعه ولو كانت الزوجة موسرة، وإن كان متوسط الحال فرض لها نفقة وسطاً بين نفقة الموسرين والمعسرين.

      وهو الذي صرحت به النصوص الشرعية من قوله تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا} [الطلاق: 7].

      وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للأزواج "أطعموهن مما تأكلون واكسوهن مما تكتسون" ولأن الزوجة الموسرة لما تزوجت المعسر أقدمت على ذلك وهي راضية بما يقدر عليه من النفقة.

      2- أن يراعي حالة الزوج من جهة قدرته على الدفع فيتبع ما هو أيسر عليه.

      فان كان من أصحاب الدخل اليومي كعمال اليومية قدرها عليه يومياً، وإن كان ممن يأخذون أجرهم كل أسبوع قدرها عليه كل أسبوع، وإن كان من أصحاب المرتبات الشهرية كالموظفين فرضها عليه كل شهر، وإن كان من الزراع قدرها عليه حسب مواسم الحصاد.

      3- أن يراعي حالة الأسعار ارتفاعاً وانخفاضاً، لأن ما يفرض لها ما هو إلا ثمن لما يلزمها من حاجيات، فإذا لم يراع الأسعار وقت الفرض لحق الضرر بأحد الزوجين.

المبحث الرابع

64-  تفصيل أنواع النفقة:

النوع الأول "الطعام":

      يجب للزوجة منه ما يكفيها وبما أنها تعيش مع زوجها في بيت واحد وهو يتولى الإنفاق عليها ويحضر لها ما تحتاجه، فإن قدم لها الطعام الكافي فلا داعي لتقديره وليس لها أن تطلب ذلك، فإن امتنع عن إطعامها أو قصر فيه فلها الحق في أن تطلب منه تقديراً معيناً لتقوم بنفسها بشراء ما تحتاجه، ويجب عليه إجابة طلبها، فإن امتنع رفعت أمرها إلي القاضي ليقدر لها كفايتها حسب حال الزوج المالية، وله أن يفرض لها أصنافاً من الطعام يكلف الزوج بإحضارها أو يقدر لها مقداراً من النقود لتشتري هي به ما تحتاج إليه. وهو أيسر وأضبط ولذلك تسير المحاكم عليه.

النوع الثاني "الكسوة":

      يجب على الزوج كسوة زوجته بعد العقد الصحيح وتوفر شروط وجوب النفقة بتسليم الزوجة نفسها أو استعدادها لذلك.

      فإذا أحضر لها ما تحتاج إليه من ثياب حسب حالته المالية والاجتماعية.

      وإن امتنع أو قدم لها ما لا يليق بها في الحدود السابقة كان لها أن ترفع الأمر للقاضي وعليه أن يفرض لها مبلغاً من المال كل ستة أشهر أو كل شهر مع ما يفرضه من الطعام، كما يجب عليه أن يعيد التقدير من جديد إذا تبين خطؤه في التقدير الأول متى طلبه من وقع عليه الغبن منهما.

النوع الثالث "السكن":

      إذا كانت النفقة لا تجب للزوجة إلا بدخولها في طاعة زوجها أو استعدادها لذلك فمن لوازم ذلك أن يعد لها مسكناً شرعياً للإقامة فيه.

      فإن أعده وكان ملائماً أقامت الزوجة فيه، وإن امتنع أو أعد لها مسكناً غير لائق كان لها أن ترفع الأمر للقاضي ليأمره بإعداد المسكن اللائق أو يفرض لها مبلغاً من المال كل شهر مراعياً فيه ارتفاع الأسعار وانخفاضها.

      والمسكن الشرعي هو ما يكون مشتملاً على كل ما يلزم للسكن من أثاث وفراش وآنية ومرافق وغيرها مما تحتاجه الأسرة، ويراعي في ذلك حالة الزوج المالية من يسار وإعسار ووضعه الاجتماعي.

      والقول الأول هو الموافق لقوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} [الطلاق: 6]، وأن تتوفر فيه بعد ذلك حياة الاستقرار والراحة، بأن يكون في مكان آهلٍ بالسكان وسط جيران صالحين مأمومنين، فلا يسكنها في مكان موحش لا جيران لها فيه، أو لها جيران لا تأمنهم على نفسها أو مالها.

      فإن فعل ذلك كان لها الحق في طلب النقلة إلى مسكن آخر، وعلى الزوج إجابتها إلى طلبها وإلا أمره القاضي بذلك إذا رفعت أمرها إليه وتأكد من صحة دعواها.

      وإذا كان المسكن مستوفياً للشروط السابقة لكنه يجاور مسكن زوجته الأخرى فلا يكون مسكناً شرعياً، لأن اجتماعها مع ضرتها في شقة واحدة إيذاء لها. وقربها منها إذا كانا في شقتين من دار واحدة مظنة إيذائها، وكلا الأمرين غير جائز شرعياً.

      أما إذا كان يجاور مسكناً آخر لأقاربه كأمه أو أخته فإنه يكون مسكناً شرعياً إلا إذا ثبت أنهم يؤذونها بالقول أو بالفعل.

النوع الرابع "نفقة الخادم":

      إذا كان الطعام والكسوة والمسكن أموراً واجبة لكل زوجة فإن الخادم يختلف عنها لأنه ليس كل زوجة تخدم، فيجب على الزوج في بعض الحالات ولا يجب في بعضها الآخر.

      فإذا كان الزوج معسراً فلا يجب عليه إحضار خادم لزوجته ولا يكلف بنفقته، لأنه يجب عليه نفقة الضرورة والخادم ليس ضرورياً.

      وكذلك إذا كانت الزوجة من قوم يخدمون أنفسهم فلا يجب عليه نفقة خادم. لكنه إذا تبرع به وهو يقدر كان حسناً.

      أما إذا كان الزوج موسراً والزوجة ممن لا يخدمن أنفسهن فعليه إحضار خادم ويلزم بنفقته، لأن نفقة الخادم حينئذ من مكملات نفقات الزوجية، فإن امتنع عن ذلك فرض القاضي لها أجراً لخادمها.

      وذهب الشافعية: إلى أنَّه يجب عليه أن يأتيها بخادم اذا كانت ممن لا يخدم نفسها ولو كان معسراً وإلا فلا يجب عليه إلا إذا كانت مريضة أو هرمة وإن لم تكن ممن يخدم عادة.

      وذهب الحنابلة: يجب إذا كانت ممن لا يخدم نفسها ويلزمه نفقة الخادم بحسب ما يليق بالخدم.

      وذهب المالكية: إذا كانت المرأة لا تخدم نفسها أو كان الزوج ذا جاه وقدر بحيث لا يصح لامرأته أن تخدم نفسها فإنه يفرض عليه خادم لها أو أكثر إذا كان يستطيع ذلك فإن لم يستطع وجب عليها خدمة المنزل، وعليه أن يساعدها بنفسه في أوقات فراغه من عمله.

المبحث الخامس

65-  امتناع الزوج عن أداء النفقة وما يتخذ معه من إجراءات:

      إذا امتنع الزوج من أداء ما فرضه على نفسه أو فرضه القاضي عليه، فإن كان موسراً وله مال ظاهر باع القاضي من ماله ما يكفي للنفقة جبراً عنه وسلم للزوجة ثمنه لتنفق منه على نفسها، وإن لم يكن له مال ظاهر مع ثبوت يساره كان للقاضي أن ينذره ويؤنبه على مماطلته.

      فإن طلبت الزوجة حبسه أجابها وقضى بحبسه عقوبة له على مطله، ولا يمنعه الحبس من أن يبيع ما ظهر من ماله ليوفي الزوجة حقها، لأنه ليس عوضاً عنها بل هو وسيلة لحمله على الإنفاق.

      وفي حالة إعسار الزوج هل للزوجة الحق في طلب التفريق بينها وبين زوجها لعجزه عن الإنفاق؟.

      مسألة اختلف الفقهاء فيها:

      ذهب الحنفية إلى أنه ليس لها هذا الحق ولو طلبته لا يجيبها القاضي إلى ما طلبته لأن العجز عن النفقة أمر عارض يمكن زواله. وهو وإن فيه ضرر على الزوجة، إلا أنه يمكن تداركه بالإذن لها بالاستدانة عليه.

      أما التفريق ففيه ضرر يلحق الزوج ولا يمكن تداركه أو علاجه. فهنا تعارض ضرران، والقاعدة المقررة أنه يرتكب أخفهما.

      وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن للقاضي يفرق بينهما لهذا العجز(1) والإعسار كماله أن يفرق بينهما لامتناعه عن الإنفاق مع قدرته عليه.

_______________________

(1) المراد بالعجز عن النفقة هنا العجز عن أقل الكفاية التي تقوم به الحياة من طعام وكسوة ومسكن لا العجز عن النفقة المفروضة. وأن يكون العجز عن النفقة الحالة والمستقبلة أما العجز عن النفقة المتجمدة فلا فسخ به بالاتفاق، وبعض المذاهب يشترط في جواز الفسخ ألا تكون عالمة بعجزه حين العقد، وبعضها لا يشترط ذلك لاحتمال أنها رضيت به على أمل أن يتكسب وتتيسر حاله.

المبحث السادس

نفقة زوجة الغائب:

      المراد بالغائب هنا من يتعذر إحضاره إلى مجلس القضاء لمخاصمته في النفقة التي تطالب بها زوجته سواء كان ذلك بسبب سفره أو باختفائه في البلد الذي تقيم فيه زوجته.

      إذا غاب الزوج بهذه الصورة وطلبت زوجته من القاضي أن يفرض لها نفقة عليه.

      فالحكم عند الحنفية يتلخص في أنه: إذا ترك مالاً ظاهراً من جنس ما تقدر به النفقة كالنقود والحبوب وكان تحت يد الزوجة كان لها أن تأخذ منه مقدار نفقتها بالمعروف من غير حاجة إلى قضاء القاضي، لأن قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة امرأة أبي سفيان ماض إلى يوم القيامة.

      وإن لم يكن تحت يدها بل كان عند غيرها وديعة أو ديناً في ذمته وطلبت الزوجة فرض النفقة فيه أجابها القاضي وأمر من عنده المال إبقاءها مقدار النفقة إذا كان من عنده المال معترفاً به وبالزوجية أو كان القاضي يعلم بهما بلا خلاف.

      فإن لم يكن معترفاً بهما أو بأحدهما ولا علم للقاضي بهما فإن أثبتت المرأة زوجيتها بالبينة مع ملكيته لذلك المال أجابها القاضي إلى فرض النفقة فيه، لكنه قبل الحكم يستوثق من صدق المرأة في دعواها فيحلفها اليمين بأن زوجها لم يعجل لها النفقة وأنها ليست ناشزة ولا مطلقة انتهت من عدتها ثم يأخذ منها كفيلاً بالنفقة، حتى إذا تبين كذبها وعاد زوجها رجع عليه أو عليها بما أخذته.

      فإذا امتنعت عن اليمين وتقديم الكفيل لا يحكم لها بالنفقة.

      أما إذا كان ماله الظاهر ليس من جنس النفقة كالعقارات والحيوانات فإن القاضي يفرض لها النفقة ولا يبيع شيئاً من ماله ولكنه يأمرها باستيفائها من أجرة ما يؤجر من ذلك المال.

      وإن لم يكن له مال أصلاً فرض لها النفقة وأذن لها بالاستدانة على الزوج بعد أن يحلفها اليمين السابقة ويأخذ منها كفيلاً بالنفقة المفروضة.

      فإن لم تجد من يدينها أمر القاضي قريبها الذي تجب عليه نفقتها لو لم تكن متزوجة بإدانتها.

المبحث السابع 

دين النفقة وأحكامه:

متى تعتبر النفقة ديناً على الزوج؟

      اتفق الفقهاء على أن نفقة الزوجة تجب على الزوج من وقت وجود سببها وهو العقد الصحيح مع تمكين الزوجة زوجها من نفسها، فإذا أداها سقط طلبها عنه.

      وإذا لم يؤدها فترة من الزمن أنفقت الزوجة على نفسها من مالها أو من مال غيرها.

      فهل تكون نفقتها في تلك المدة ديناً يثبت في ذمة الزوج في جميع الأحوال يحق لها أن ترجع به عليه أو لا تكون ديناً كذلك فلا ترجع عليه بشيء؟

      اختلف الفقهاء في ذلك على رأيين بناء على اختلافهم في هذه النفقة:

      ذهب الأئمة الثلاثة -مالك والشافعي وابن حنبل- إلى أن النفقة هنا حق قوي ثبت للزوجة عوضاً عن احتباسها لمصلحة الزوج، وإذا كانت عوضاً فإنها تثبت ديناً قوياً في ذمة الزوج بمجرد إيفائها البدل وهو تمكينها الزوج من نفسها فلا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء كسائر الديون الأخرى، ولا أثر لمضي المدة في سقوطها كما لا تسقط عن مدة ماضية بنشوز الزوجة أو طلاقها أو موت أحدهما.

      وعلى هذا لو امتنع الزوج عن الإنفاق على زوجته مدة أو عجز عنه لأي سبب كان لها الحق في مطالبتها بها طالت تلك المدة أو قصرت.

      وذهب الحنفية إلى أن نفقة الزوجة لها شبهان:

      شبه بالعوض وشبه بالصلة فليست عوضاً خالصاً.

      أما شبهها بالعوض فمن جهة أنها جزاء احتباس الزوجة لحق زوجها وقيامها بشؤون بيته.

      وأما شبهها بالصلة فمن جهة أن المنافع التي تترتب على الاحتباس لا تعود على الزوج وحده بل تعود عليهما معاً فيكون واجباً عليها.

      ومراعاة للشبهين قالوا: إنها تأخذ حكماً وسطاً بينهما أي أنها لا تصير ديناً في حالة، وتصير ديناً ضعيفاً في حالة ثانية، وديناً قوياً في حالة ثالثة.

      فإذا لم يتراضيا عليها ولم يحكم بها قاض لا تكون ديناً في ذمة الزوج بمضي المدة، فلو أنها أنفقت على نفسها من مالها أو من مال غيرها بالاستدانة بدون تراض منهما أو حكم قاض بها فلا يحق لها المطالبة بتلك النفقة لأنها لا تصير ديناً في ذمة الزوج إلا إذا كانت المدة التي مضت أقل من شهر فإن للزوجة أن تطالب بنفقتها، لأن هذه المدة القصيرة يصعب الاحتراز عنها حيث لابد من مضي مدة لكي تتمكن الزوجة من التراضي مع زوجها على النفقة أو مقاضاته فيها، فتركها المطالبة مدة كبيرة دليل على أنها متبرعة بها.

      أما طلبها في حدود شهر فهو دليل على أنها لا تريد تركها فاغتفرت هذه المدة القليلة لأن الحكم بسقوطها في تلك الفترة إجحاف بالزوجة.

      وإذا تراضى الزوجان على النفقة أو حكم بها القاضي ولم يوجد إذن من الزوج أو القاضي لها بالاستدانة ومضت مدة طويلة على ذلك فإن النفقة تصير ديناً في ذمة الزوج لها أن تطالب به مهما طالت المدة، لكنه دين ضعيف يسقط بالأداء أو الإبراء كالدين القوي كما يسقط بغيرها كموت أحد الزوجين ونشوز الزوجة، وطلاقها على رأي فإذا نشزت أو مات أحدهما سقطت النفقة المتجمدة.

      أما إذا وجد مع التراضي أو القضاء إذن صريح من الزوج أو القاضي لها بالاستدانة واستدانت بالفعل ومضى على ذلك مدة فإنها تصير ديناً قوياً في ذمة الزوج لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء، فيحق لها المطالبة بما تجمد منها في أي وقت، ولا يسقط حقها بمضي المدة، وإنما صارت ديناً قوياً في هذه الحالة لأن استدانتها بإذن الزوج تكون نيابة عنه، فيكون الدين في ذمته ابتداء لمن استدانت منه الزوجة، وكذلك إذا كانت الاستدانة بأمر القاضي، لأن أمره كأمر الزوج، إذ القاضي أقيم لرفع المظالم، فإذا تعينت الاستدانة طريقاً لرفع الظلم عن الزوجة ولم يأمر الزوج بها أمر القاضي بالنيابة عنه فيكون أمره كأمر الزوج فيستقر الدين في ذمته ابتداء.

تعجيل النفقة:

      إذا عجل الزوج لزوجته النفقة عن مدة مستقبلة كشهر أو أكثر ثم حصل في تلك المدة ما يقتضي سقوط النفقة كنشوز الزوجة أو موت أحد الزوجين فليس للزوج ولا لورثته استرداد باقي النفقة المعجلة عند أبي حنيفة سواء كان باقياً أو مستهلكاً، لأن النفقة وإن كانت واجبة جزاء احتباس الزوجة وقد فات بهذا العارض إلا أن فيها شبهاً بالصلة، والصلات تملك بالقبض فتكون كالهبة، والزوجية مانع من موانع الرجوع في الهبة.

      وذهب الشافعية وابن حنبل إلى أنه يجب على الزوجة أو ورثتها رد نفقة المدة الباقية سواء كانت باقية أو مستهلكة، لأن الزوجة تستحق النفقة جزاء احتباسها وقد فات بالموت أو النشوز فلا تستحق عوضه.

الإبراء من دين النفقة:

      إذا كان الإبراء لا يكون إلا عن دين ثابت في ذمة المدين. فنفقة الزوجة لا يجوز الإبراء عنها إلا إذا صارت ديناً في ذمة الزوج، وقد علمت أن مذهب الحنفية لا يعتبرها ديناً إلا بعد تقديرها بالقضاء أو التراضي، وأن المذاهب الثلاثة يعتبرونها ديناً بمجرد الامتناع عن الإنفاق بعد ثبوت وجوبها.

      وعلى ذلك إذا تجمد للزوجة على زوجها نفقة من مدة ماضية فلا يصح إبراء الزوجة عنها عند الحنفية إلا إذا كانت مقدرة بقضاء أو بتراضي الزوجين. فإذا لم تكن كذلك لا يصح الإبراء عنها لأنها لم تثبت ديناً.

      والمذاهب الأخرى يصححون الإبراء عنها لأنها ثبتت ديناً في ذمة الزوج.

      أما النفقة المستقبلة فلا يصح الإبراء عنها بالاتفاق لأنها لم تجب بعد والإبراء إسقاط لدين وجب الوفاء به.

      واستثنى من ذلك النفقة المستقبلة عن مدة واحدة من المدد التي قررت فيها النفقة شهر أو أسبوع أو يوم بشرط أن تكون تلك المدة بدأت بالفعل، لأنه إذا بدأ الشهر مثلاُ فقد وجبت النفقة فيه فيصح الإبراء، لأنه يجب تنجيز النفقة في أول المدة، ولا يصح الإبراء عما بعدها، فلو أبرأته عن نفقة شهرين أو أكثر من المستقبلة وقد بدأ الشهر الأول صح الإبراء عن الشهر الأول وبطل الإبراء عما بعده.

      كما استثنوا الإبراء عنها إذا كانت نفقة عدة في الخلع فيما إذا خالعها على أن تبرئه من نفقة العدة، لأن الإبراء هنا في مقابلة عوض. هو تخليص الزوجة من عقدة الزواج فيعتبر الإبراء استيفاء للنفقة قبل وجوبها، فلا يكون الإبراء إسقاطاً محضاً، بخلاف إبرائه لا في نظير عوض فإنه إسقاط للشيء قبل وجوبه فلا يصح.

الكفالة بالنفقة:

      يحدث في بعض حالات الزواج أن تطلب الزوجة أو وكيلها من الزوج أن يعطيها كفيلاً بنفقتها وبخاصة عندما يكون الزوج لا مال له حيث يعيش مع أهله من مالهم.

      كما يحدث بعد الزواج أن الزوج يريد السفر فتطلب الزوجة كفيلاً ليضمن لها نفقتها مدة غيبة زوجها. فهل تجاب الزوجة إلى ذلك وتكون الكفالة صحيحة أو لا؟

      ذهب جمهور الفقهاء -المالكية والشافعية والحنابلة- الذين يعتبرون النفقة ديناً صحيحاً بمجرد وجود سببها دون توقف على القضاء أو التراضي إلى صحة الكفالة، فإذا كفلها إنسان جاز لها مطالبته بها إذا امتنع الزوج عن أدائها لا يفرقون في ذلك بين ما إذا طلبها عند العقد أو بعده كان الزوج مقيماً أو يريد السفر، وإن كان الشافعية يقولون: إن الكفالة حق بالنفقة الماضية أما المستقبلة فلا كفالة بها إلا على إحضار الزوج ليدفعها.

      وذهب الحنفية إلى إجازة الكفالة بالنفقة مطلقاً قبل فرضها وبعده لما فيه من تسهيل أمر حصول الزوجة على نفقتها وهو المفتى به في المذهب. 

المقاصة بدين النفقة:

      يحدث في بعض الأحوال أن يكون للزوج دين على زوجته كثمن شيء باعه لها في الوقت الذي يكون للزوجة نفقة متجمدة، فإذا أراد أحدهما إسقاط ما عليه في نظير ماله عند الآخر بطريق المقاصة فهل يجاب إلى ذلك؟

      من المتفق عليه بين الفقهاء أن الدينين المتساويين تقع المقاصة بينهما بطلب أحد الطرفين ولو لم يرض الطرف الآخر، وإذا لم يتساويا فإنه لا يجاب طلب صاحب الدين الضعيف إلا إذا رضي الطرف الآخر.

      وإذا كان دين النفقة قد اختلف فيه الفقهاء:

      فذهب الأئمة الثلاثة -المالكية والشافعية والحنفية- إلى أن دين النفقة دين صحيح فتقع المقاصة بين الدينين جبراً عند طلب أحدهما لا فرق بين أن يكون الطالب الزوج أو الزوجة لتساوي الدينين في القوة ولا يكون للآخر حق الامتناع، غير أن الحنابلة شرطوا لإيجاب طلب المقاصة فيما إذا كان الطلب من الزوج عن النفقة المستقبلة أن تكون الزوجة موسرة، فإن كانت معسرة لا يجاب إلى طلبه إلا إذا رضيت الزوجة بذلك، لأن قضاء الدين لا يكون إلا فيما يفضل عن القوت حيث إن إحياء النفس مقدم على وفاء الدين.

      وذهب الحنفية إلى أنه يجاب طلب المقاصة من الجانبين إذا كانت النفقة ديناً قوياً بأن كانت بعد القضاء أو التراضي واستدانتها الزوجة بإذن سابق ولا يجوز للآخر الامتناع، أما إذا كانت غير ذلك فأنه يجاب طلب الزوج، وإن لم ترض الزوجة لأن دينه أقوى من دينها، أما طلب الزوجة فلا يجاب إلا إذا رضي الزوج بذلك.