الحمد لله

telegram

كفارات الصيام عند المذاهب الأربعة

الآثار المترتبة على الإفطار

      حصر الفقهاء الآثار المترتبة على الإفطار في أمور، منها: القضاء: والكفارة الكبرى، والكفارة الصغرى (وهذه هي الفدية) والإمساك بقية النهار، وقطع التتابع، والعقوبة. كفارات الصيام

      أولاً: القضاء:

      من أفطر أياماً من رمضان -كالمريض والمسافر- قضى بعدة ما فاته، لأن القضاء يجب أن يكون بعدة ما فاته، لقوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185].

      ومن فاته صوم رمضان كله، قضى الشهر كله، سواء ابتدأه من أول الشهر أو من أثنائه، كأعداد الصلوات الفائتة. فالقضاء لما فات من رمضان بالعدد: فمن أفطر رمضان كله، وكان ثلاثين، وقضاه في شهر بالهلال، وكان تسعة وعشرين يوماً، صام يوماً آخر. وإن فاته صوم رمضان وهو تسعة وعشرون يوماً، وقضاه في شهر -وكان ثلاثين يوماً- فلا يلزمه صوم اليوم الأخير، لقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185].

      ويجوز أن يقضي يوم شتاء عن يوم صيف، ويجوز عكسه، بأن يقضى يوم صيف عن يوم شتاء، وهذا لعموم الآية المذكورة وإطلاقها.

      - وهل قضاء رمضان يكون على التراخي؟

      قيد الجمهور التراخي بما إذا لم يفت وقت قضائه، بان يهل رمضان آخر، لقول عائشة رضي الله تعالى عنها "كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، لمكان النبي صلى الله عليه وسلم" رواه البخاري، كما لا يؤخر الصلاة الأولى إلى الثانية.

      ولا يجوز عند الجمهور تأخير قضاء رمضان إلى رمضان آخر، من غير عذر يأثم به، لحديث عائشة هذا، فإن أخر فعليه الفدية: إطعام مسكين لكل يوم، لما روي عن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم قالوا فيمن عليه صوم فلم يصمه حتى أدركه رمضان آخر: عليه القضاء وإطعام مسكين لكل يوم.

      وهذه الفدية للتأخير، أما فدية المرضع ونحوها فلفضيلة الوقت، وفدية الهرم لأصل الصوم، ويجوز الإطعام قبل القضاء ومعه وبعده.

      ومذهب الحنفية، إطلاق التراخي بلا قيد، فلو جاء رمضان آخر، ولم يقض الفائت، قدم صوم الأداء على القضاء، حتى لو نوى الصوم عن القضاء لم يقع إلا عن الأداء، ولا فدية عليه بالتأخير إليه، لإطلاق النص، وظاهر قوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185].

      وعند غير الحنفية يحرم التطوع بالصوم قبل قضاء رمضان، ولا يصح تطوعه بالصوم قبل قضاء رمضان، ولا يصح تطوعه بالصوم قبل قضاء ما عليه من رمضان، بل يبدأ بالفرض حتى يقضيه، وإن كان عليه نذر صامه بعد الفرض، لأن الصوم عبادة متكررة، فلم يجز تأخر الأولى عن الثانية، كالصلوات المفروضة.

      مسائل تتعلق بالقضاء:

      الأولى:

      إن أخر قضاء رمضان -وكذا النذر والكفارة - لعذر، بأن استمر مرضه أو سفره المباح إلى موته، ولم يتمكن من القضاء، فلا شيء عليه، ولا تدارك للغائب بالفدية ولا بالقضاء، لعدم تقصيره، ولا إثم به، لأنه فرض لم يتمكن منه إلى الموت، فسقط حكمه، كالحج، ولأنه يجوز تأخير رمضان بهذا العذر أداء، فتأخير القضاء أولى.

      وسواء استمر العذر إلى الموت، أم حصل الموت في رمضان، ولو بعد زوال العذر.

      الثانية:

      لو أفطر بعذر واتصل العذر بالموت فقد اتفق الفقهاء على أنه لا يصام عنه ولا كفارة فيه، لأنه فرض لم يتمكن من فعله إلى الموت فسقط حكمه، كالحج.

      - أما إذا زال العذر وتمكن من القضاء، ولم يقض حتى مات ففيه تفصيل:

      فذهب جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية والحنابلة في المذهب، وهو الأصح عند الشافعية) إلى أنه لا يصام عنه، لأنه الصوم واجب بأصل الشرع لا يقضى عنه، لأنه لا تدخله النيابة في الحياة فكذلك بعد الممات كالصلاة.

      وذهب الشافعية في قول والحنابلة إلى أنه يجوز لوليه أن يصوم عنه، زاد الشافعية: ويصح ذلك، ويجزئه عن الإطعام، وتبرأ به ذمة الميت ولا يلزم الولي الصوم بل هو إلى خيرته، لحديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" رواه البخاري ومسلم.

·     أما في وجوب الفدية فقد اختلفوا فيه على النحو التالي:

      ذهب الحنفية: لو أخر قضاء رمضان بغير عذر، ثم مات قبل رمضان آخر أو

بعده، ولم يقض لزمه الإيصاء بكفارة ما أفطره بقدر الإقامة من السفر والصحة من المرض وزوال العذر، ولا يجب الإيصاء بكفارة ما أفطره على من مات قبل زوال العذر.

      وذهب الشافعية إلى أنه يجب في تركته لكل يوم مد من طعام.

      وذهب الحنابلة في المذهب إلى الإطعام عنه لكل مسكيناً.

      والظاهر من مذهب المالكية: وجوب مد عن كل يوم أفطره إذا فرّط، بأن كان صحيحاً مقيماً خالياً من الأعذار.

      ثانياً: الكفارة الكبرى:

      ثبتت الكفارة الكبرى بالنص في حديث الأعرابي الذي واقع زوجته في نهار رمضان.

      ولا خلاف بين الفقهاء في وجوبها بإفساد الصوم بالوقاع في الجملة، وإنما الخلاف في وجوبها بإفساده بالطعام والشراب: فتجب -في الجملة أيضاً- بإفساد صوم رمضان خاصة، طائعاً متعمداً غير مضطر، قاصداً انتهاك حرمة الصوم، من غير سبب مبيح للفطر.

      وقال الحنفية: إنما يكفّر إذا نوى الصيام ليلاً، ولم يكن مكرهاً، ولم يطرأ مسقط، كمرض وحيض.

      فلا كفارة في الإفطار في غير رمضان، ولا كفارة على الناسي والمكره ولا على النفساء والحائض والمجنون، ولا على المريض والمسافر، ولا على المرهق بالجوع والعطش، ولا على الحامل، لعذرهم ... ولا على المرتد، لأنه هتك حرمة الإسلام، لا حرمة الصيام خصوصاً.

      فتجب بالجماع عمداً، لا ناسياً - خلافاً لأحمد.

      وتجب بالأكل والشرب عمداً، خلافاً للشافعي وأحمد، وتقدمت موجبات أخرى مختلف فيها، كالإصباح بنية الفطر ورفض النية نهاراً والاستقاء العامد، وابتلاع ما لا يغذي عمداً.

      أما خصال الكفارة فهي: العتق والصيام والإطعام، وهذا بالاتفاق بين الفقهاء، لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: "بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل، فقال: يا رسول الله هلكت قال: مالك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ قال: لا، قال: فمكث النبي صلى الله عليه وسلم فبينا نحن على ذلك، أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعَرَقٍ(1) فيها تمر، قال: أين السائل؟ فقال: أنا، قال: خذ هذا فتصدق به فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله فوالله ما بين لابتيها -يريد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك".

________________________

(1) مكتل في خوص النخل يسع خمسة عشر صاعاً. والصاع أربعة أمداد، فهي ستون مداً.

      وفي الحديث دلالة قوية على الترتيب.

      ثالثاً: الفدية:

      أما الفدية: فالكلام في حكمها، وسببها، وتكررها بتكرر السنين:

      فحكم الفدية: الوجوب، لقوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184] أي على الذين يتحملون الصوم بمشقة شديدة الفدية.

      والفدية عند الحنفية: نصف صاع من بر أي قيمته، بشرط دوام عجز الفاني والفانية إلى الموت.

      وعند الجمهور: ومد من الطعام من غالب قوت البلد عن كل يوم، بقدر ما فاته من الأيام.

      وسببها:

      1- العجز عن الصيام، فتجب باتفاق الفقهاء على من لا يقدر على الصوم بحال، وهو الشيخ الكبير والعجوز، إذا كان يجهدهما الصوم ويشق عليهما مشقة شديدة، فلهما أن يفطرا ويطعما لكل يوم مسكيناً، للآية السابقة: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184] وقول ابن عباس: "نزلت رخصة للشيخ الكبير. ولأن الأداء صوم واجب، فجاز أن يسقط إلى الكفارة كالقضاء. والشيخ الهرم له ذمة صحيحة، فإن كان عاجزاً عن الإطعام أيضاً فلا شيء عليه، و{لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286].

      وقال الحنفية: يستغفر الله سبحانه، ويستقبله أي يطلب منه العفو عن تقصيره في حقه.

      وأما المريض إذا مات فلا يجب الإطعام عنه، لأن ذلك يؤدي إلى أن يجب على الميت ابتداء، بخلاف ما إذا أمكنه الصوم فلم يفعل، حتى مات، لأن وجوب الإطعام يستند إلى حال الحياة.

      2- وتجب الفدية أيضاً بالاتفاق على المريض الذي لا يرجى برؤه، لعدم وجوب الصوم عليه، كما بينا، لقوله عز وجل: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78].

      3- وتجب الفدية كذلك عند الجمهور (غير الحنفية) مع القضاء على الحامل والمرضع إذا خافتا على ولدهما، أما إن خافتا على أنفسهما، فلهما الفطر، وعليهما القضاء فقط، بالاتفاق. ودليلهم الآية السابقة: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ..} وهما داخلتان في عموم الآية، قال ابن عباس: "كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، وهما يطيقان الصيام أن يفطرا، ويطعما مكان كل يوم مسكيناً، والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا" رواه أبو داود، ولأنه فطر بسبب نفس عاجزة من طريق الخلقة، فوجبت به الكفارة كالشيخ الهرم.

      وذهب الحنفية إلى أنه لا تجب عليهما الفدية مطلقاً، لحديث أنس بن مالك الكعبي: "إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن الحامل والمرضع الصوم -أو الصيام- والله لقد قالهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحدهما أو كليهما" رواه الترمذي. فلم يأمر بكفارة، ولأنه فطر أبيح لعذر، فلم يجب به كفارة كالفطر للمرضى.

      4- وتجب الفدية أيضاً مع القضاء عند الجمهور (غير الحنفية) على من فرط في قضاء رمضان، فأخره حتى جاء رمضان آخر مثله بقدر ما فاته من الأيام، قياساً على من أفطر متعمداً، لأن كليهما مستهين بحرمة الصوم، ولا تجب على من اتصل عذره من مرض أو سفر أو جنون أو حيض أو نفاس.

      تكرر الفدية: ولا تتكرر الفدية عند المالكية والحنابلة بتكرر الأعوام وإنما تتداخل كالحدود، والأصح في رأي الشافعية: أنها تتكرر بتكرر السنين، لأن الحقوق المالية لا تتداخل.

      وقال الحنفية: لا فدية بالتأخير إلى رمضان آخر، لإطلاق النص القرآني. {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فكان وجوب القضاء على التراخي، حتى كان له أن يتطوع، فلا يلزمه بالتأخير شيء ولأنه لا يجوز القياس في الكفارات، غير أنه تارك للأولى من المسارعة في القضاء.

      وأما قطع التتابع: فهو عند المالكية لمن أفطر متعمداً في صيام النذر والكفارات المتتابعات كالقتل والظهار، فيستأنف، بخلاف من قطع الصوم ناسياً أو لعذر، أو لغلط في العدة، فإنه يبني على ما كان معه.

      وذهب بقية المذاهب الأخرى خلاف المالكية.

      وأما قطع النية: فإنها تنقطع بإفساد الصوم أو تركه مطلقاً لعذر أو لغير عذر، ولزوال انحتام الصوم كالسفر، وإن صام فيه، وإنما ينقطع استصحابها حكماً. وهذا عند المالكية الذين يكتفون بنية واحدة أو شهر رمضان.

      رابعاً: الإمساك لحرمة شهر رمضان:

      من لوازم الإفطار في رمضان: الإمساك لحرمة الشهر.

      فالحنفية وضعوا أصلين لهذا الإمساك:

      أولهما: أن كل من صار في آخر النهار بصفة، لو كان في أول النهار عليها للزمه الصوم، فعليه الإمساك.

      ثانيهما: كل من وجب عليه الصوم، لوجود سبب الوجوب والأهلية، ثم تعذر عليه المضي، بأن أفطر متعمداً، أو أصبح يوم الشك مفطراً، ثم تبين أنه من رمضان، أو تسحر على ظن أن الفجر لم يطلع، ثم تبين طلوعه، فإنه يجب عليه الإمساك تشبهاً لأن الفطر قبيح، وترك القبيح واجب شرعاً.

      وأجمع الحنفية على أنه لا يجب على الحائض والنفساء والمريض والمسافر هذا الإمساك.

      وأجمعوا على وجوبه على من أفطر عمداً، أو خطأ، أو أفطر يوم الشك ثم تبين أنه من رمضان، وكذا على مسافر أقام، وحائض ونفساء طهرتا، ومجنون أفاق، ومريض صح، ومفطر ولو مكرهاً أو خطأ، وصبي بلغ، وكافر أسلم.

      وقال المالكية: وأما إمساك بقية اليوم، فيؤمر به من أفطر في رمضان خاصة، عمداً أو نسياناً، لا من أفطر لعذر مبيح ثم زال العذر مع العلم برمضان، فإنه لا يندب له الإمساك، كمن اضطر للفطر في رمضان، من شدة جوع أو عطش فأفطر، وكحائض ونفساء طهرتا نهاراً، ومريض صح نهاراً، ومرضع مات ولدها، ومسافر قدم، ومجنون أفاق، وصبي بلغ نهاراً، فلا يندب الإمساك منهم.

      وقيد العلم برمضان، احتراز عمن أفطر ناسياً، وعمن أفطر يوم الشك ثم ثبت أنه من رمضان، فإنه يجب الإمساك، كصبي بيّت الصوم، واستمر صائماً حتى بلغ، فإنه يجب عليه الإمساك، لانعقاد صومه له نافلة، أو أفطر ناسياً قبل بلوغه فيجب عليه بعد الإمساك، وإن لم يجب القضاء على الصبي في هاتين الصورتين.

      ونصوا كذلك على أن من أكره على الفطر، فإنه يجب عليه الإمساك، بعد زوال الإكراه قالوا : لأن فعله قبل زوال العذر، لا يتصف بإباحة ولا غيرها.

      ونصوا على أنه يندب إمساك بقية اليوم لمن أسلم، لتظهر عليه علامة الإسلام بسرعة، ولم يجب، تأليفاً له للإسلام، كما ندب قضاؤه، ولم يجب لذلك.

      وذهب الشافعية إلى أن نصوا على أن الإمساك تشبهاً من خواص رمضان، كالكفارة، وأن من أمسك تشبهاً ليس في صوم وضعوا هذه القاعدة، وهي: أن الإمساك يجب على كل متعدٍ بالفطر في رمضان، سواء أكل أو ارتد أو نوى الخروج من الصوم -وقلنا إنه يخرج بذلك- كما يجب على من نسي النية من الليل، وهو غير واجب على من أبيح له الفطر إباحة حقيقية، كالمسافر إذا قدم، والمريض إذا برئ بقية النهار.

      ونظروا بعد ذلك في هذه الأحوال:

      - المريض والمسافر، اللذان يباح لهما الفطر، لهما ثلاثة أحوال:

      الأولى: أن يصبحا صائمين، ويدوما كذلك إلى زوال العذر، فالمذهب لزوم إتمام الصوم.

      الثانية: أن يزول العذر بعدما أفطر، فلا يجب الإمساك، لكن يستحب لحرمة الوقت فإن أكلا أخفياه، لئلا يتعرضا للتهمة وعقوبة السلطان، ولهما الجماع بعد زوال العذر، إذا لم تكن المرأة صائمة، بأن كانت صغيرة، أو طهرت من الحيض ذلك اليوم.

      الثالثة: أن يصبحا غير ناويين، ويزول العذر قبل أن يأكلا، ففي المذهب قولان: لا يلزمهما الإمساك في المذهب، لأن من أصبح تاركاً للنية فقد أصبح مفطراً، فكان كما لو أكل وقيل: يلزمهما الإمساك حرمة لليوم.

      وإذا اصبح يوم الشك مفطراً غير صائم، ثم ثبت أنه من رمضان، فقضاؤه واجب ويجب إمساكه.

      أما لو بان أنه من رمضان قبل الأكل فعليه لزوم الإمساك.

      وإذا بلغ صبي مفطراً أو أفاق مجنون، أو أسلم كافر أثناء يوم من رمضان ففيه أوجه : أصحها أنه لا يلزمهم إمساك بقية النهار لأنه يلزمهم قضاؤه.

      والثاني: أنه يلزمهم، بناء على لزوم القضاء.

      والثالث: يلزم الكافر دونهما، لتقصيره.

      والرابع: يلزم الكافر والصبي لتقصيرهما، أو لأنهما مأموران على الجملة دون المجنون.

      ولو بلغ الصبي بالنهار صائماً، بأن نوى ليلاً، وجب عليه إتمامه بلا قضاء، وقيل : يستحب إتمامه، ويلزمه القضاء، لأنه لم ينو الفرض.

      والحائض والنفساء إذا طهرتا في أثناء النهار، فالمذهب أنه لا يلزمهما الإمساك.

      وفي مذهب الحنابلة هذه القاعدة بفروعها:

      - من صار في أثناء يوم من رمضان أهلاً للوجوب لزمه إمساك ذلك اليوم وقضاؤه لحرمة الوقت، ولقيام البينة فيه بالرؤية، ولإدراكه جزءاً من وقته كالصلاة.

      - وكذا كل من أفطر والصوم يجب عليه، فإنه يلزمه الإمساك والقضاء، كالفطر لغير عذر، ومن أفطر يظن أن الفجر لم يطلع وكان قد طلع، أو يظن الشمس قد غابت ولم تغب، أو الناسي للنية، فكلهم يلزمهم الإمساك، أو تعمدت مكلفة الفطر، ثم حاضت أو نفست، أو تعمد الفطر مقيم ثم سافر، فكلهم يلزمهم الإمساك والقضاء.

      - فأما من يباح له الفطر في أول النهار ظاهراً وباطناً كالحائض والنفساء والمسافر والصبي والمجنون والكافر والمريض إذا زالت أعذارهم في أثناء النهار، فطهرت الحائض والنفساء، وأقام المسافر، وبلغ الصبي، وأفاق المجنون، وأسلم الكافر، وصح المريض، ففيهم روايتان:

      إحداهما: يلزمهم الإمساك بقية اليوم، لأنه معنى لو وجد قبل الفجر أوجب الصيام، فإذا طرأ بعد الفجر أوجب الإمساك، كقيام البينة بالرؤية.

      والأخرى: لا يلزمهم الإمساك، لأنه روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: (من أكل أول النهار، فليأكل آخره)، ولأنه أبيح له الفطر أول النهار ظاهراً وباطناً، فإذا أفطر كان له أن يستديمه إلى آخر النهار، كما لو دام العذر.

      خامساً: العقوبة:

      يراد بالعقوبة هنا: الجزاء المترتب على من أفطر عمداً في رمضان من غير عذر، فهي من لوازم الإفطار وموجباته.

      وفي عقوبة المفطر العامد، من غير عذر، خلاف وتفصيل.

      فمذهب الحنفية أن تارك الصوم كتارك الصلاة، إذا كان عمداً كسلاً، فإنه يحبس حتى يصوم، وقيل: يضرب في حبسه، ولا يقتل إلا إذا جحد الصوم أو الصلاة، أو استخف بأحدهما.

      ولو تعمد من لا عذر له الأكل جهاراً يقتل، لأنه مستهزئ بالدين، أو منكر لما ثبت منه بالضرورة، ولا خلاف في حل قتله، والأمر به.

      ومذهب المالكية: إن من أفطر في أداء رمضان عمداً اختياراً بلا تأويل قريب، يؤدب بما يراه الحاكم: من ضرب أو سجن أو أيهما معاً، ثم إن كان فطره بما يوجب الحد، كزنى وشرب خمر، حدّ مع الأدب، وقدم الأدب.

      وإن كان فطره يوجب رجماً، قدم الأدب، وإنه إن كان الحد جلداً، فإنه يقدم على الأدب، فإن جاء المفطر عمداً، قبل الاطلاع عليه، حال كونه تائباً، قبل الظهور عليه، فلا يؤدب.

      ومذهب الشافعية: على أن من ترك صوم رمضان، غير جاحد، من غير عذر كمرض وسفر، كأن قال: الصوم واجب علي، ولكن لا أصوم حبس، ومنع من الطعام والشراب نهاراً، ليحصل له صورة الصوم بذلك.

      قالوا: وأما من جحد وجوبه فهو كافر، لأن وجوب صوم رمضان معلوم من أدلة الدين بالضرورة: أي علماً صار كالضروريّ في عدم خفائه على أحد، وكونه ظاهراً بين المسلمين.

      سادساً: قطع التتابع:

      التتابع هو: الموالاة بين أيام الصيام، بحيث لا يفطر فيها ولا يصوم عن غير الكفارة.

      تتأثر مدة الصوم التي يشترط فيها التتابع نصاً، بالفطر المتعمد، وهي: صوم رمضان، وصوم كفارة القتل، وكفارة الظهار، والإفطار العامد في رمضان، وصوم كفارة اليمين - عند الحنفية.

        23- صوم المحبوس إذا اشتبه عليه شهر رمضان:

        ذهب جمهور الفقهاء إلى أن من اشتبهت عليه الشهور لا يسقط عنه صوم رمضان، بل يجب لبقاء التكليف وتوجه الخطاب.

        فإذا أخبره الثقات بدخول شهر الصوم عن مشاهدة أو علم وجب عليه العمل بخبرهم، وإن أخبروه عن اجتهاد منهم، فلا يجب عليه العمل بذلك، بل يجتهد بنفسه في معرفة الشهر بما يغلب على ظنه، ويصوم مع النية ولا يقلّد مجتهداً مثله.

        فإن صام المحبوس المشتبه عليه بغير تحرّ ولا اجتهاد ووافق الوقت لم يجزئه، وتلزمه إعادة الصوم لتقصيره وتكره الاجتهاد الواجب باتفاق الفقهاء، وإن اجتهد وصام فلا يخلو الأمر من خمسة أحوال:

        - الحال الأولى: استمرار الإشكال وعدم انكشافه له، بحيث لا يعلم أن صومه صادف رمضان أو تقدم أو تأخر، فهذا يجزئه صومه ولا إعادة عليه في قول الحنفية والشافعية والحنابلة، والمعتمد عند المالكية، لأنه بذل وسعه ولا يكلف بغير ذلك، كما لو صلى في يوم الغيم بالاجتهاد.

        وقال بعض المالكية: لا يجزيه الصوم، لاحتمال وقوعه قبل وقت رمضان.

        - الحال الثانية: أن يوافق صوم المحبوس شهر رمضان فيجزيه ذلك عند جمهور الفقهاء، قياساً على من اجتهد في القبلة، ووافقها.

         وقال بعض المالكية: لا يجزيه لقيامه على الشك، لكن المعتمد الأول.

        - الحال الثالثة: إذا وافق صوم المحبوس ما بعد رمضان فيجزيه عند جماهير الفقهاء، إلا بعض المالكية كما تقدم آنفاً.

        واختلف القائلون بالإجزاء: هل يكون صومه أداء أو قضاء؟ وجهان، وقالوا: إن وافق بعض صومه أياماً يحرم صومها كالعيدين والتشريق يقضيها.

        - الحال الرابعة: وهي وجهان:

        الوجه الأول: إذا وافق صومه ما قبل رمضان وتبين له ذلك ولماّ يأت رمضان لزمه صومه إذا جاء بلا خلاف، لتمكنه منه في وقته.

        الوجه الثاني: إذا وافق صومه ما قبل رمضان ولم يتبيّن له ذلك إلا بعد انقضائه ففي إجزائه قولان:

        القول الأول: لا يجزيه عن رمضان بل يجب عليه قضاؤه، وهذا مذهب المالكية والحنابلة، والمعتمد عند الشافعية.

        القول الثاني: يجزئه عن رمضان، كما لو اشتبه على الحجاج يوم عرفة فوقفوا قبله، وهو قول بعض الشافعية.

        - الحال الخامسة: أن يوافق صوم المحبوس بعض رمضان دون بعض، فما وافق رمضان أو بعده أجزأه، وما وافق قبله لم يجزئه، ويراعى في ذلك أقوال الفقهاء المتقدمة.

        والمحبوس إذا صام تطوعاً أو نذراً فوافق رمضان لم يسقط عنه صومه في تلك السنة، لانعدام نية صوم الفريضة، وهو مذهب الحنابلة والشافعية والمالكية.

        وقال الحنفية: إن ذلك يجزيه ويسقط عنه الصوم في تلك السنة، لأن شهر رمضان ظرف لا يسع غير صوم فريضة رمضان، فلا يزاحمها التطوع والنذر.