رمي الجمرات عند المذاهب الأربعة : الحمد لله

رمي الجمرات عند المذاهب الأربعة

رَمْيِ الجِمَار

      أ- الرمي لغة: القذف.

      والجِمار: الأحجار الصغيرة، جمع جَمْرَةٍ وهي الحصاة.

      وسمي موضع الرمي جمرة أيضاً لاجتماع الحصى فيه، وليست الجمرة هي الشاخصَ "العمود" الذي تجده هناك في منتصف المرمى، بل الجمرة هي المرمى المحيط بذلك الشاخص.

      ب- والجمرات التي تُرْمَى ثلاثة:

      جمرة العَقَبَةِ: وهي الجمرة الكبرى، وتقع في آخر مِنَى تجاه مكة. وليست من مِنَىً وتُرمى من جهة واحدة من بطن الوادي وهو الشارع الذي تجاهها الآن بالنسبة للرمي من الأرض. أما رميها من فوق الجسر فمن جميع الجهات.

      والجمرة الوسطى: أول جمرة بعد العقبة تجاه منى، وتُرْمَى من جميع الجهات.

      والجمرة الصغرى: أول جمرة بعد مسجد الخيف بمنى، وتُرْمَى من جميع الجهات أيضاً.

      ج- دليل وجوب الرمي:

      وقد اتفقت المذاهب على وجوب رمي الجِمار واستدلوا على ذلك بالسنة والاجماع.

      فمن السنة : فعله صلى الله عليه وسلم.

      وأما الإجماع فلأن الأمة أجمعت على وجوبه فيكون واجباً.

      35- ركن الرمي الذي لا يتحقق بدونه:

      أن يكون هناك قذف ولو خفيفاً.

      ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه لو طرحها طرحاً أجزأه لأن الرمي قد وجد بهذا الطرح، إلا أنه رمي خفيف، فتثبت الإساءة به.

      وذهب المالكية والشافعية إلى أنه لا يجزئه الطرح بتاتاً، أما لو وضعها وضعاً فلا يصح اتفاقاً.

      36- شروط صحة الرمي :

      أ- ذهب الجمهور - المالكية والشافعية والحنابلة - إلى أن يكون المَرْمِيُّ حجراً، فلا يصح الرمي بالطين والمعادن والتراب، والسنة أن يكون مثل حصى الخذْف فوق الحمصة ودون البندقة باتفاقهم جميعاً، استدلالاً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم.

      وذهب الشافعية إلى إجازة الشافعية الرمي بالحجر الصغير الذي كالحمصة.

      وذهب المالكية إلى عدم إجازة ذلك، بل لا بد أن يكون عندهم أكثر من ذلك.

      وذهب الحنفية إلى أن الشرط أن يكون المرمِيُّ من جنس الأرض، فيصح بالطين والتراب عندهم، ولا يصح بالمعادن، لأن المقصود فعل الرمي، وذلك يحصل بالطين كما يحصل بالحجر، بخلاف ما إذا رمى بالذهب أو الفضة، لأنه يسمى نِثاراً لا رمياً".

      ب- أن يرميَ سبع حصيات على كل جمرة، واحدةً فواحدةً، فلو رمى السبع جملة فهي واحدة، ويلزمه أن يرمي بست سواها. لا خلاف في ذلك بين الأئمة.

      ج- د- أنْ يقصد المَرْمى في رميه وأنْ تتحقق إصابته. فلو ضرب شخصٌ يدَه فطارت الحصاة إلى الجمرة لم يصح.

      ذهب الحنفية إلى أنه إذا رمى الحصاة فوقعت قريباً من الجمرة جاز، ولو وقعت بعيداً منها يجزيه لأن الرمي لم يُعرف قُرْبَةً إلا في مكان مخصوص.

      وقدر الحنفية القرب بقدر ذراع، فلو وقعت الحصاة خارج الدائرة التي يجتمع فيها الحصى صح عند الحنفية لأن هذا القدر مما لا يمكن الاحتراز عنه.

      وذهب الشافعي المالكية والحنبلية: إلى أنَّ الجمرة مجتمع الحصى لا ما سال من الحصى، فمن أصاب مجتمعه أَجْزَأه، ومن أصاب سائله لم يُجْزِه".

      هـ- الوقت : فكل رَمْيٍ وقتٌ خاص به.

      37- سنن الرمي: وهي أربع:

      أ- أن يكون بين الرامي وبين الجمرة خمسة أذرع فأكثر.

      ب- الموالاة بين الرميات السبع، فيكره الفصل بينها، لما ورد من فعله صلى الله عليه وسلم، فإنه رماها في موقف واحد.

      ج- ترتيب الجمرات في رمي أيام التشريق: بأن يبدأ بالجمرة الصغرى التي تلي مسجد الخَيْفِ، ثم الوسطى ثم جمرة العقبة.

      ذهب الحنفية في التحقيق أن هذا الترتيب سنة. استدلالاً بفعله صلى الله عليه وسلم وفسروه بأنه على سبيل السنة لا الوجوب.

      لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "مَنْ قدَّمَ مِن نُسُكِه شيئاً أو أخّره فلا شيءَ عليه".

      وذهب الأئمة الثلاثة إلى أنه شرط لصحة الرمي، فلو عكس الترتيب فبدأ بالعقبة ثم الوسطى ثم الصغرى وجب عليه إعادة رمي الوسطى والعقبة عندهم، ليتحقق الترتيب.

      واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم رتبها كذلك فيجب الاقتداء به:

      عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان يرمي الجمرةَ الدُّنْيا بسَبْعِ حَصَيَاتٍ يكبِّرُ على إثْرِ كل حصاة، ثم يتقدمُ حتى يُسْهِلَ، فيقومَ مستقبلَ القبلة، فيقومُ طويلاً، ويدعو ويرفعُ يديه، ثم يرمي الوُسْطى ثم يأخذُ ذاتَ الشِّمال فَيَسْتَهِلُ(1) ويقومُ مستقبلَ القبلة، فيقومُ طويلاً ويدعو ويرفعُ يديه، ويقومُ طويلاً، ثم يرمي جمرةَ ذات العقبة من بطنِ الوادي ولا يقفُ عندها، ثم ينصرفُ فيقول: هكذا رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يفعَلُهُ أخرجه البخاري.

      د- أن يقف إثر كل رمي آخر مدةَ ما يقرأ ثلاثة أرباع جزء من القرآن، وأدناه قدر عشرين آية، فيقف بعد رمي الجمرة الصغرى، وبعد الوسطى لأنه في وسط العبادة فيأتي بالدعاء فيه، وكل رمي ليس بعده رمي لا يقف لأن العبادة قد انتهت. فلا يقف بعد جمرة العقبة يوم النحر ولا أيام التشريق أيضاً.

      38- توقيت الرمي وعدده:

      أيام الرمي أربعة: يوم النحر العاشر من ذي الحجة، وثلاثة أيام بعده. وتسمى "أيام التشريق".

      أ- الرمي يوم النحر :

      واجب الرمي فيه رمي جمرة العقبة وحدها، يرميها بسبع حصيات.

      ذهب الحنفية والمالكية إلى أن وقت الرمي يبدأ من طلوع فجر يوم النحر. وهذا الوقت أقسام:

      وقت ما بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس من يوم النحر وقت الجواز مع الإساءة، وما بعد طلوع الشمس إلى الزوال وقت مسنون، وما بعد الزوال إلى الغروب وقت الجواز بلا إساءة، والليل وقت الجواز مع الإساءة يعني ولا جزاء فيه عند الحنفية فقط.

      وتحديد الوقت المسنون مأخوذ من فعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه رمى في ذلك الوقت.

      وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن أول وقت جواز الرمي إذا انتصفت ليلة يوم النحر لمن وقف بعرفة قبله.

      وللرمي ثلاثة أوقات عند الشافعية: "وقت فضيلة إلى الزوال، ووقت اختيار إلى الغروب، ووقت جواز إلى آخر أيام التشريق". أي قبل غروب الشمس يوم الثالث عشر من ذي الحجة.

      وآخر وقت الرمي:

      عند الحنفية إلى فجر اليوم التالي.

      وعند المالكية إلى المغرب، حتى يجب الدم إن أخره عنه على المشهور عندهم.

      عند الشافعية والحنبلية يمتد إلى آخر أيام التشريق. لأنها كلها أيام رمي.

      استدل أبو حنيفة:

________________

(1) يسير في السهل.

      بحديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم سأله رجل قال : "رميتُ بعد ما أَمْسَيْتُ؟ فقال : "لا حرج". أخرجه البخاري. وهو يدل على جواز الرمي بعد الزوال.

      وحديث ابن عباس أيضاً "أن النبي صلى الله عليه وسلم رخَّصَ للرِّعاءِ أن يَرْمُوا ليلاً" أخرجه ابن أبي شيبة.

      وهو يدل على أن وقت الرمي في الليل جائز، وفائدة الرخصة زوال الإساءة عنهم تيسيراً عليهم، ولو كان الرمي واجباً قبل المغرب لألزمهم به، لأنهم يستطيعون إنابة بعضهم على الرعي.

      وعلى ذلك فالرمي قبل المغرب يوم النحر ليس فيه كراهة اتفاقاً، وهو قليل الزحام فراع ذلك، وإن وجدت فيه زحاماً فالمدة متسعة.

      ب- الرمي في اليوم الأول والثاني من أيام التشريق : (الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة) :

      يجب فيهما رمي الجمار الثلاث على الترتيب : يرمي أولاً الجمرة الصغرى التي تلي مسجد الخَيْفِ، ثم الوسطى، ثم يرمي جمرة العقبة، يرمي كل جمرة بسبع حصيات.

      يبدأ وقت الرمي في هذين اليومين من أيام التشريق بعد الزوال، حتى لا يجوز الرمي فيهما قبل الزوال، باتفاق الأئمة وجماهير العلماء، وهي الرواية المشهورة الظاهرة عن أبي حنيفة.

      ورُوي عن أبي حنيفة أن الأفضل أن يرمي بعد الزوال في اليوم الثاني والثالث من أيام النحر وهما الأول والثاني من أيام التشريق فإن رمى قبل الزوال جاز. واسْتُدِلَّ له بقياس أيام التشريق على يوم النحر، لأن الكل أيام رمي.

      وعن أبي حنيفة: "إن كان مِنْ قصده أن يتعجل في النفر الأول فلا بأس بأن يرمي في اليوم الثالث -من أيام النحر - قبل الزوال، وإن رمى بعده فهو أفضل، وإن لم يكن ذلك من قصده لا يجوز أن يرمي إلا بعد الزوال، وذلك لدفع الحرج لأنه إذا نفر بعد الزوال لا يصل إلى مكة إلا بالليل، فَيُحْرَجُ في تحصيل موضع النزول". وقوّى بعض متأخري الحنفية هذا الروابة توفيقاً بين الروايات عن أبي حنيفة.

      ونظراً لشدة الزحام في زماننا حتى تجاوز عدد الحجاج ألفي ألف (مليونين) اتجهت لجان الإفتاء للأخذ بما روي عن أبي حنيفة في الروايتين الأخيرتين، وقد وافقه بعض أهل العلم منهم عطاء بن أبي رباح الإمام التابعي الجليل.

      ج- نهاية وقت الرمي:

      ذهب الحنفية إلى أنه ينتهي رمي اليوم الثاني من أيام النحر بطلوع فجر اليوم الثالث، ورمي اليوم الثالث بطلوع الفجر من اليوم الرابع، فمن أخر الرمي إلى ما بعد وقته فعليه دم عند أبي حنيفة.

      والوقتُ المسنونُ يمتد من زوال الشمس إلى غروبها، بدليل فعله صلى الله عليه وسلم.

      والدليل على جواز الرمي بعد مغرب نهار الرمي حيث الإذن للرعاء بالرمي ليلاً.

      وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن آخر الوقت بغروب شمس اليوم الرابع من أيام النحر، وهو آخر أيام التشريق الثلاثة. فَمَنْ تَرَكَ رميَ يوم أو يومين تداركه فيما يليه من الزمن، وإن لم يتدارك الرمي حتى غربت شمس اليوم الرابع فقد فاته الرمي وعليه الجزاء.

      وذهب المالكية إلى أنه ينتهي الأداءُ إلى غروبِ كل يوم، وما بعده قضاء له، ويفوت الرمي بغروب الرابع، ويلزمه دم في ترك حصاة أو في ترك الجميع، وكذا يلزمه الدم إذا أخر شيئاً منها إلى الليل.

      د- النَّفْر الأول :

      إذا رمى الحاج الجمار ثاني أيام التشريق أي ثالث أيام النحر يجوز له أن يَنْفِرَ - أي يرحل - إلى مكة، إنْ أحب التعجيل في الانصراف من منى، ويسمى هذا اليومَ يومَ النَّفْرِ الأول، وبه يسقط رمي اليوم الثالث من أيام التشريق. وهو قول عامة العلماء.

      ومن أدلتهم :

      قوله تعالى: {فَمَنْ تَعَجْلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ومَنْ تَأخّرَ فَلا إثْمَ عَليْهِ لِمَنِ اتَّقَى} [البقرة: 203].

      لكن اختلفوا في وقت جواز النَّفْر الأول:

      ذهب الحنفية إلى أن له أن ينفر ما لم يطلع الفجر من اليوم الرابع من أيام النحر، فإذا طلع الفجر لم يكن له أن ينفر، لدخول وقت الرمي حتى لو أعد نفسه، وسار من منزله، فطلع الفجر قبل مجاوزة حدود منى - وهي جمرة العقبة جهة مكة - وجب عليه رمي اليوم الرابع.

      وذهب الجمهور - المالكية والشافعية والحنبلية - إلى أن له أن ينفر قبل غروب الشمس، فإن غربت قبل خروجه من حدودها وجب عليه المبيت ورمي اليوم الرابع، سواء كان ارتحل، أو كان مقيماً في منزله.

      لكن الشافعية ترخصوا وأجازوا النفر لمن تمت أشغاله وسار بالفعل قبل الغروب وهو في شغل الارتحال فغربت عليه الشمس قبل انفصاله من منى فجوزوا له النفر، وكذا لو غربت الشمس بعدما رمى وهو في شغل الاتحال له النفر عندهم، لأن في تكليفه حلَّ الرَّحْلِ والمتاع مشقة عليه.

      أما إذا حزم متاعه وسار للرمي، ورحل بعد الرمي مواصلاً سيره كما يفعل كثيرون فغابت عليه الشمس قبل الرمي أو قبل أن يبدأ بالرمي فهل له أن ينفر بعد هذا الرمي ؟ ظاهر شروطهم لا يجوز، وتعليلهم برفع المشقة بظاهره الجواز. ومذهب الحنفية أوسع في هذا.

      هـ- الرمي ثالث أيام التشريق : (رابع أيام النحر) :

      يجب هذا الرمي على من تأخر ولم ينفر من منى في "النفر الأول" وهذا الرمي آخر مناسك منى.

      واتفق العلماء على أن الرمي في هذا اليوم بعد الزوال رمي في الوقت، كما رمى في اليومين قبله، اقتداء بفعل النبي صلى الله عليه وسلم.

      فمذهب أبي حنيفة : يجوز أن يقدم الرمي في هذا اليوم قبل الزوال، بعد طلوع الفجر. ظهر أثر التخفيف في هذا اليوم في حق الترك فلأن يظهر في جوازه - أي الرمي - في الأوقات كلها أولى.

      وذهب الأئمة الثلاثة إلى أنه لا يصح قبل الزوال.

      واتفقوا على أن آخر وقت الرمي في هذا اليوم غروب الشمس، كما اتفقوا على أن وقت الرمي لهذا اليوم وللأيام الماضية لو أخره أو شيئاً منه يخرج بغروب شمس اليوم الرابع، فلا قضاء له بعد ذلك، ويجب في تركه الفداء.

      و- النفر الثاني:

      إذا رمى الحاج الجمار في اليوم الثالث من أيام التشريق - وهو رابع أيام النحر انصرف من منى إلى مكة، ولا يقيم بمنى بعد رميه هذا اليوم، ويسمى يوم "النفر الثاني" وهو آخر أيام التشريق، وبه تنتهي مناسك منى.

      39- النيابة في الرمي: (الرمي عن الغير):

      أ- المعذور الذي لا يستطيع الرمي بنفسه كالمريض يجب أن يستنيبَ مَنْ يرمي عنه، وينبغي أن يكونَ النائب قد رمى عن نفسه، فإن لم يكن رمى عن نفسه فليرم عن نفسه الرمي كله ليومه أولاً، ثم ليرم عمن استنابه، ويجزيء هذا الرمي عن الأصيل عند الحنفية والشافعية والحنبلية. وذهب الحنفية والمالكية إلى أنه رمى حصاة لنفسه وأخرى للآخر جاز ويكره.

      وقال الشافعية: إن الإنابة خاصة بمريض لا يرجى شفاؤه قبل انتهاء أيام التشريق، وعند الشافعية قول إنه يرمي حصيات الجمرة عن نفسه أولاً، ثم يرميها عن نائبه إلى أن ينتهي من الرمي. وهو مخلص حسن لمن خشي خطر الزحام.

      ب- ومَنْ عَجز عن الاستنابة كالصبي، والمغمى عليه، فيرمي عن الصبي وليه اتفاقاً. وعن المغمى عليه رفاقه عند الحنفية، ولا فدية عليه وإن لم يرم عند الحنفية.

      وقال المالكية: فائدة الاستنابة أن يسقط الإثم عنه إن استناب وقت الأداء. وإلا فالدم عليه استناب أم لا، إلا الصغير ومَنْ أُلْحِقَ به، وإنما وجب عليه الدم دون الصغير ومن أُلحِق - كالمُغْمَى عليه - لأنه المخاطب بسائر الأركان.