أنواع الحج و العمرة عند المذاهب الأربعة : الحمد لله

أنواع الحج و العمرة عند المذاهب الأربعة

أنواع الحج وَالعُمْرة

      يؤدى هذان النسكان على أربعة أوجه ثبتت في السنة الصحيحة والإجماع :

      الوجه الأول: الإفراد للحج، وهو أن يهل الحاج أي ينوي الحج فقط عند إحرامه.

      الوجه الثاني: القِرانُ، وهو أن يُهِلّ في إحرامه بالحج والعمرة جميعاً.

      الوجه الثالث: التَّمَتُّع، وهو أن يهل بالعمرة فقط في أشهر الحج، حتى إذا جاء مكة أدى مناسك العمرة، وتحلل بعد ذلك، ومكث بمكة حلالاً، ثم يحرم بالحج.

      الوجه الرابع: إفرادُ العمرة، وهو أن يهل بالعمرة فقط.

      78- التَّمَتُّع:

      أ- اتفق الفقهاء على أن التمتع اتيان بعملين كاملين : العمرة أولاً يحرم بها من الميقات، ويتحلل بعدها، ثم يأتي بالحج كاملاً يحرم به من مكة، ويجب عليه الدم.

      ب- وإنما يكون متمتعاً عند الحنفية بالشروط الآتية وهي عند غيرهم شروط وجوب دم التمتع:

      1) أن يكون آفاقياً، فليس لأهل مكة ولا لأهل منطقة المواقيت تمتع عند الحنفية.

      أما الشافعية فعندهم ليس التمتع لأهل مكة ومن مساكنهم دون مرحلتين - مسافة القصر - من مكة في أحد القولين. والصحيح أنهم من مساكنهم دون الحرم بمرحلتين.

      وأصل هذا الشرط قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196].

      وجه الاستدلال: أن الله جعل التمتع خاصاً بمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، فألحق الحنفية به منطقة المواقيت لمساواتها منطقة الحرم في الشرف من حيث حظْرُ مجاوزتها بدون إحرام، وقال المالكية: هم أهل مكة وكل مكان له حكم مكة.

      وقال الشافعية والحنبلية: المراد بالمسجد الحرام: الحَرَمُ والقريب من الشيء يقال إنه حاضره، وذلك ما دون مسافة القصر.

      2) أن تقع عمرته في أشهر الحج قبل أداءه للحج من عامه الذي يحج فيه، فلو اعتمر قبل أشهره ثم حج من عامه ذاك لم يلزمه دم التمتع اتفاقاً.

      3) أن لا يعود إلى أهله فيما بين العمرة والحج:

      ذهب الحنفية إلى أنه سافر بعد العمرة من مكة إلى بلد غير بلده لا يسقط تمتعه، لأنه لم يُلِمَّ بأهله إلماماً صحيحاً.

      وذهب المالكية إلى اشتراط ألا يعود إلى أفقه - أي بلده - أو مثل أَفُقه في البعد ولو كان من أهل الحجاز.

      وذهب الشافعية إلى أنه يشترط ألا يعود لإحرام الحج إلى الميقات الذي أحرم منه بالعمرة، وعلى ذلك يسقط تمتع مَنْ ذكرنا، ولا يجب عليه الدم.

      وذهب الحنبلية إلى أنه يشترط ألا يسافر من مكة مسافة تقصر فيها الصلاة.

      79- القِرَانُ:

      أ- هو أن يجمع الآفاقي بين الحج والعمرة:

      ويلحق به عند الحنفية التمتع إذا ساق المتمتع الهدي، فلا يتحلل بعد العمرة كما هو الحال في المتمتع، بل يظل محرماً حتى ينحر الهدي يوم النحر عند الحنفية. لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر: "لو أني اسْتَقَبَلْتُ مِن أَمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ لم أسُقِ الهَدْيَ وجعلْتُها عمرة" فهذا يفيد: "أن التحلل لا يتأتى إلا بما يتضمنه كلامه من إفراد العمرة، وعدم سوق الهدي، فلو كان التحلل يجوز مع سوق الهدي لاكتفى بقوله: لجعلتها عمرة".

      وفرقوا بين القران والتمتع، فلم يشترطوا في القران عدم الإلمام بأهله.

      وهو قول عند الشافعية.

      ولكن الأظهر عند الشافعية سقوط دم القران عمن عاد إلى الميقات فقطع المسافة محرماً وكذا عند المالكية إذا عاد القارن إلى بلده أو مثله في البعد وعند الحنابلة إذا خرج من مكة مسافة القصر، يسقط الدم عند هؤلاء عن القارن، خلافاً للحنفية.

      والراجح عند الحنفية أن المكي يكره له القران، وإذا فعله جاز وأساء وعليه دم جبر لإساءته، خلافاً للتمتع، فإنه لا يتحقق من المكي مطلقاً.

      وسوَّى الجمهور بينهما فلم يوجبوا على المكي الدم للمتمتع ولا القران، لعدم صحتهما منه عندهم.

      ب- وصفة القِران عند الحنفية أن يُهل بالعمرة والحج معاً من الميقات، وهو أن يقول: عقيب صلاة الإحرام: اللهم إني أريد الحج والعمرة فيسرهما لي وتقبلهما مني .. لبيك اللهم لبيك" الخ. فإذا دخل مكة ابتدأ فطاف بالبيت سبعة أشواط، يرمل في الثلاثة الأول منها، ويضطبع فيها كلها. ثم يسعى بعدها بين الصفا والمروة، وهذه أفعال العمرة، ثم يبدا بأفعال الحج فيطوف طواف القدوم سبعة أشواط ويسعى بعده كما في الإفراد.

      ويقدم أفعال العمرة لقوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّع بالعمرةِ إلى الحَجِّ}، والقِرَانُ في معنى التمتع، ولا يحلق بين العمرة والحج ولا يتحلل، لأن ذلك جناية على إحرام الحج، وإنما يحلق في يوم النحر كما يحلق المفرد، ويتحلل بالحلق أو التقصير عند الحنفية كما يتحلل المفرد.

      وخالف المالكية والشافعية والحنبلية في تكرار الطواف والسعي فقالوا: القارن يطوف طوافاً واحداً، ويسعى سعياً واحداً.

      ج- هدي التمتع والقران:

      وقد اتفق العلماء على أن المتمتع والقارن يلزمهما الهدي، لقوله تعالى:

{فَمَنَ تَمَتّعَ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ فما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ}.

      1) واختلف العلماء في وقت ذبح الهَدْيِ للتمتع والقران.

      فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنه يوم النحر بمنى.

       قال الحنفية: بعد رمي الجمرة وقبل الحلق، لما سبق من فعل النبي صلى الله عليه وسلم فقد نحر هديه على هذه الصفة. ويمتد إلى مغرب اليوم الثالث من أيام النحر.

      وذهب الشافعية إلى أن وقت وجوبه الإحرام بالقران للقارن، والإحرام بالحج في التمتع، لأنه حينئذ يصير متمتعاً بالعمرة إلى الحج، والأظهر عندهم جواز ذبحه إذا تحلل من العمرة، ولا يتأقت ذبحه بوقت كسائر دماء الجبرانات، ولكن الأفضل ذبحه يوم النحر، للاتباع، وخروجاً من خلاف من أوجبه فيه.

      3) إن لم يجد هَدْيا يجب عليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، باتفاق العلماء، لقوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196].

      واتفقوا على أنه لا يصح صيامُ الأيام الثلاثة قبل أشهر الحج للقارن والمتمتع، ولا قبل الإحرام بالحج والعمرة في حق القارن، ولا قبل إحرام العمرة في حق المتمتع.

      ذهب الحنفية والحنابلة إلى إجازة تقديم صيام الأيام الثلاثة على إحرام الحج في حق المتمتع، لأنه وَقْتٌ كاملٌ جاز فيه نحر الهَدْي فجاز فيه الصيام، كَبَعْدَ إحرام الحج.

      وذهب المالكية والشافعية إلى منع ذلك.

      أما الأيام السبعة الباقيةُ على مَنْ عجز عن هدي القِرَان أو التمتع فلا يصح صيامها إلا بعد أيام التشريق. ثم يجوز صيامها بعد الفراغ من أفعال الحج ولو في مكة إذا مكث بها عند الحنفية والمالكية والحنبلية، لكن الأفضل المستحب أن يصومها إذا رجع إلى أهله وهو قول عند الشافعية. لكن الأظهر عند الشافعية أنه يصوم الأيام السبعة إذا رجع إلى أهله، ولا يجوز أن يصومها في الطريق، إلا إذا أراد الإقامة بمكة صامها بها.

      4) ذهب الجمهور -المالكية والشافعية والحنابلة- إلى أنَّ من لم يصم الأيام الثلاثة في الحج يقضيها.

      ثم عند المالكية وهو قول عند الحنبلية : إن صام بعضها قبل يوم النحر كَمَّلها أيام التشريق. وإن أخَّرها عن أيام التشريق صامها متى شاء، وسواء وصلها بالسبعة أوْ لم يَصِلْها.

      ولا يجوز صيام شيء منها يوم النحر بالاتفاق.

      ولم يجز الشافعية والحنبلية في القول الآخر عندهم صيامها أيام النحر والتشريق، بل يؤخرها إلى ما بعد، ويجب عند الشافعية في الأظهر في قضاء الأيام الثلاثة: أن يفرق في قضائها بينها وبين السبعة بقدر أربعة أيام : يوم النحر وأيام التشريق، ومدة إمكان السير إلى أهله على العادة الغالبة كما في الأداء، فلو صام عَشَرَةَ أيام ولاء حصلت الثلاثة، ولا يُعْتَدُّ بالبقية، لعدم التفريق.

      ويتفرع على هذا المسألة:

      ذهب الحنفية إلى أن من تمتع أو قرن إذا عجز عن الهدي وتأخر عن الصيام إلى يوم النحر فتحلل فعليه دمان: دم التمتع أو القران ودم التحلل قبل ذبح الهدي.

      وذهب الجمهور إلى أنه لا يلزمه سوى قضاء صومها على الكيفية التي عرفتها.

      80- مشروعية أنواع الحج وأيها أفضل:

      اتفق الأئمة الأربعة على جواز أداء الحج بأي وجه من الأوجه التي ذكرناها.

      ثم وقع خلاف في أي أنواع الحج أفضل:

      فذهب المالكية والشافعية إلى أن الإفراد بالحج أفضل.

      وذهب الحنابلة إلى أن التمتع أفضل.

      فقد أمر أصحابه بالتمتع وتمناه لنفسه، ولا يأمر أصحابه ولا يتمنى إلا الأفضل.

      وذهب الحنفية إلى أن الأفضل هو القران.