الحمد لله

الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جنهم

شرح حديث: (الذي يشرب في إناء الفضة ...)
قال رحمه الله: [وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جنهم ) متفق عليه].
بعد مجيء النهي: (لا تشربوا)، (لا تأكلوا) وهذا النهي يقتضي التحريم، ولكن لما كان النهي أحياناً يحمل على الكراهة، أي: من باب الزهد في الدنيا، كما نجد بعض الناس ربما كره أن يشرب الماء في الزجاج النقي، ويقول: هذه رفاهية، وهذا تنعم أكثر من اللازم.
في ذات يوم كنت في الدار البيضاء -في رحلة من الرحلات- وكان معنا بعض المشايخ جزاهم الله خيراً، فصنع شخص لنا الشاي، وقدمه في كأس طوله حوالى (9سم)، وحافته -سمكه- حوالى (5سم)، وسمك القاعدة حوالى (3سم)، ترفعه كأنك ترفع الرصاص، فقلت: يا فلان! ما هذه (القزايز)؟ فضحك، وقال: هل تدري كم قيمة هذا الكأس؟ قلت: لا، قال: قيمته ستمائة دولار أمريكياً! ولا يوجد هذا إلا في ألمانيا، وليس عندي منه إلا أربع حبات! قلت: يا أخي! حرام عليك، كأس بريال يغني عن هذا، قال: هذه عادات وتقاليد؛ فهذه النواحي من باب الترف والزيادة في المتعة، ومن باب الحفاوة بأشياء معينة، لكن لا تدخل في التحريم، فبعض الناس يكره الغلو في تلك الأواني المباحة.
ولما كان النهي محتملاً للتحريم أو الكراهة؛ جاء المؤلف بالنهي المقتضي للتحريم، ليقضي على احتمال الكراهة، فجاء بالحديث الثاني الذي يدل على أمرين: على أن النهي للتحريم.
وعلى جزاء وعقوبة من يرتكب هذا النهي.
فأتى بحديث: ( الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم )، هذا في الفضة والذهب من باب أولى.
قوله: (إنما يجرجر): يقولون: إن اللغة العربية فيها دلالات ذاتية في النطق، فمن تأملها يجد بعض الكلمات تدل على معناها بطريقة نطقها، فأنت إذا سمعت تسمية بعض المصادر، مثل: صلصلة الجرس، (صل، صل، صل)، كأنك تحكي صوت الجرس، حينما تقول: زقزقة العصافير، لو قلتها مرتين كأن عصفوراً يزقزق هناك، خرير المياه، الغليان، الجريان، غليان: تدل على حركة الماء، جريان: تدل على حركة الذي يجري، فهذه يسمونها دلالة ذاتية.
و(يجرجر): تدل على أداء متتابع، وحركة متوالية، والجرجرة: هي صوت الماء في حلق الإنسان، وأصلها للبعير حينما يشرب، يسمع له صوت عند الشرب.
وقوله في هذا الحديث: (الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نارَُ)، جاء الحديث بروايتين: رواية بنصب (نارَ)، ورواية برفع (نارُ)، وعلى كلتا الحركتين يختلف المعنى، فيجرجر في بطنه نارَ، جعل الماء الذي يشربه ناراً، وفاعل الجرجرة الشارب، فكأنه عمد إلى نار مذابة وصبها في آنية الفضة وشربها، وعلى رواية الرفع: يكون فاعل الجرجرَة هو الشراب الذي يشربه، فبدلاً أن يكون سائغاًً كالماء البارد العذب أو غير ذلك؛ انقلب إلى نار.
لكن: هو يشرب ماءً بارداً مثلجاً فأين النار؟ قالوا: يحتمل أنه من باب إطلاق السبب وإرادة المسبب، أو باعتبار ما سيكون، كما في الآية: { إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً } [يوسف:36]، هو رأى أنه يعصر عنباً، ولكن سيئول إلى أن يكون خمراً، فهذا يجرجر في بطنه هذا الماء الذي سيكون ناراً، أو هو سبب لأن تجرجر النار في بطنه بعد ذلك، وعلى كلا الروايتين فإن في الحديث وعيداً شديداً لمن يشرب في آنية الذهب أو الفضة .

الكتاب : شرح بلوغ المرام
المؤلف : عطية بن محمد سالم (المتوفى : 1420هـ)