تسجيل الدخول


شرح حديث إذا أراد الله بعبد خيرا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و على آله وصحبه اجمعين أما بعد :

فهذا شرح مخصر لجملة من الحاديث التي وردت بصيغة ( إذا أراد الله بعبد خيرا ) و قد أخذناها من كتاب فيض القدير و نسال الله تعالى ان ينفعنا بشرحها :

  • (إذا أراد الله بعبد خيرا) أي كمالا عظيما قيل المراد بالخير المطلق الجنة وقيل عموم خيري الدنيا والآخرة (جعل صنائعه) أي فعله الجميل جمع صنيعة وهي العطية والكرامة والإحسان (ومعروفه) أي حسن صحبته ومواساته (في أهل الحفاظ) بكسر الحاء وخفة الفاء أي أهل الدين والأمانة الشاكرين للناس لأن الصنيعة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها وفي الفردوس قال حسان بن ثابت : إن الصنيعة لا تكون صنيعة * حتى يصاب بها طريق المصنع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقت والإرادة نزوع النفس وميلها إلى الشئ وهي نقيض الكراهة التي هي النفرة وإرادة الله ليست بصفة زائدة على ذاته كإرادتنا بل هي عين حكمته التي تخصص وقوع الفعل على وجه دون آخر وحكمته عين علمه المقتضي لنظام الأشياء على الوجه الأصلح والترتيب الأكمل وانضمامها مع القدرة هو الاختيار (وإذا أراد الله بعبد شرا) أي خذلانا وهوانا (جعل صنائعه ومعروفه في غير أهل الحفاظ) أي جعل عطاياه وفعله الجميل في غير أهل الدين والأمانة وصرح بالثاني مع فهمه من الأول حثا للإنسان على أنه ينبغي له أن يقصد بمعروفه أهل المعروف ويتحرى إيقاعه فيهم قال بعض الحكماء والمصطنع إلى اللئيم كمن أعطى الخنزير درا وقرظ الكلب تبرا وألبس الحمار وشيا وألقم الحية شهدا وقال ابن غزية : خمسة أشياء ضائعة سراج في شمس وحسناء تزف لأعمى ومطر في سبخة وطعام قدم لشبعان وصنيعة عند من لا يشكرها ، فينبغي للإنسان تحري اختيار المصرف حتى تقع العطية في المحل اللائق ويسلم من مخالفة الحكمة قال الشاعر : إنما الجود أن تجود على من * هو للفضل والكرامة أهلا

وقال المتنبي : ووضع الندى في موضع السيف بالعلا * مضر كوضع السيف في موضع الندى (فر عن جابر) ورواه عنه أيضا ابن لال وعنه في طريقه عنه خرجه الديلمي فلو عزاه له كان أولى ثم إن فيه خلف بن يحيى قال الذهبي عن أبي حاتم كذاب فمن زعم صحته فقد غلط.

  • 376 - (إذا أراد الله بعبد خيرا جعل غناه في نفسه) أي جعله قانعا بالكفاف لئلا يتعب في طلب الزيادة وليس له إلا ما قدر له والنفس معدن الشهوات وشهواتها لا تنقطع فهي أبدا فقيرة لتراكم ظلمات الشهوات عليها فهي مفتونة بذلك وخلصت فتنتها إلى القلب فصار مفتونا فأصمته عن الله وأعمته لأن الشهوات ظلمة ذات رياح هفافة والريح إذا وقع في أذن أحد أصم والظلمة إذا وقعت في العين أعمت فلما صارت الشهوة من النفس إلى القلب حجبت النور فعميت وصمت فإذا أراد الله بعبد خيرا قذف في قلبه النور فأضاء ووجدت النفس لها حلاوة وروحا ولذة تلهي عن لذات الدنيا وشهواتها وتذهب مخاوفها وعجلتها وحرقتها وتلهبها فيطمئن القلب فيصير غنيا بالله والنفس جارة وشريكة ففي غنى الجار غنى وفي غنى الشريك غنى (وتقاه) بضم المثناة فوق وخفة القاف خوفه من ربه (في قلبه) بأن يقذف فيه نور اليقين فينخرق الحجاب ويضئ الصدر فذلك تقواه يتقي بها مساخط الله ويتقي بها حدوده.

وبه يؤدي فرائض ربه وبه يخشاه فيصير ذلك النور وقايته (وإذا أراد الله بعبد شرا جعل فقره بين عينيه) كناية عن كونه يصير مستحضرا له أبدا ومشفقا من الوقوع فيه سرمدا فهو نصب عينيه على طول المدى فلا يزال فقير القلب حريصا على الدنيا متهافتا عليها منهمكا في تحصيلها وإن كان موسرا ممتد الطمع وإن طال الأمد فلا يزال بين طمع فارغ وأمل كاذب حتى توافيه المنية وهو على هذه الحالة الردية وذلك من علامات سوء الخاتمة ، والإرادة نزوع النفس وميلها إلى الفعل بحيث تحملها عليه وتقال للقوة التي هي مبدأ النزوع والأول مع الفعل والثاني قبله وكلاهما لا يتصور اتصاف الباري

تبارك وتعالى به ولذلك اختلف العلماء في معنى إرادته فقيل إرادته الأفعال أنه غير ساه ولا مكره وقيل اشتمال الأمر على النظام الأكمل والوجه الأصلح والحق أنها ترجيح أحد مقدوريه على الآخر
وتخصيصه بوجه دون وجه أو معنى يوجب هذا الترجيح ذكره القاضي (الحكيم) الترمذي (فر عن أبي هريرة) كتب الحافظ ابن حجر على هامش الفردوس بخطه ينظر في هذا الإسناد انتهى وأقول فيه دراج أبو السمح نقل الذهبي عن أبي حاتم تضعيفه وقال أحمد أحاديثه مناكير.

  • (إذا أراد الله بعبد خيرا) أي عظيما (فقهه في الدين) أي فهمه الأحكام الشرعية بتصورها والحكم عليها أو باستنباطها من أدلتها ، وكل ميسر لما خلق له ، هذا ما عليه الجمهور ، قال الغزالي : أراد العلم بالله وصفاته التي تنشأ عنها المعارف القلبية لأن الفقه المتعارف وإن عظم نفعه في الدين لكنه يرجع إلى الظواهر الدينية إذ غايته نظر الفقيه في الصلاة مثلا الحكم بصحتها عند توفر الواجبات وفائدته سقوط الطلب في الدنيا وأما قبولها وترتب الثواب فليس من تعقله بل يرجع إلى عمل القلب وما تلبس به من نحو خشية ومراقبة وحضور وعدم رياء ونحو ذلك فهذا لا يكون أبدا إلا خالصا لوجه الله فهو الذي يصلح كونه علامة على إرادة الخير بالعبد وأما الفقهاء فهم في واد والمتزودون للآخرة بعلمهم في واد ، ألا ترى إلى قول مجاهد إنما الفقيه من يخاف الله ؟ وقول الحسن لمن قال قال الفقهاء وهل رأيت فقيها إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة.

والفقه في المعرفة أشرف كل معلوم لأن كل صفة من صفاته توجب أحوالا ينشأ عنها التلبس بكل خلق سني وتجنب كل خلق ردي فالعارفون أفضل الخلق فهو بالإرادة أخلق وأحق وأما تخصيص الفقه بمعرفة الفروع وعللها فتصرف حادث بعد الصدر الأول (وزهده) بالتشديد صيره زاهدا (في الدنيا) أي جعل قلبه معرضا عنها مبغضا محقرا لها رغبة به عنها تكريما له وتطهيرا عن أدناسها ورفعة عن دناءتها (وبصره) بالتشديد (عيوبه) أي عرفه بها وأوضحها له ليتجنبها كأمراض القلب من نحو حسد وحقد وغل وغش وكبر ورياء ومداهنة وخيانة وطول أمل وقسوة قلب وعدم حياء وقلة رحمة وأمثالها قال الطيبي : وهذا إشارة إلى الدرجة الثانية يعني لما زهد في الدنيا له من اليقين رقاه الله واورثه بصيرة حتى حصل علامة إرادة الله الخير بعبده قال الغزالي : والزهد فيها أن تنقطع همته عنها ويستقذرها ويستنكرها فلا يبقى لها في قلبه اختيار ولا إرادة والدنيا وإن كانت محبوبة مطلوبة للإنسان بطبعه لكن لمن وفق التوفيق الخاص وبصره الله بآفاتها تصير عنده كالجيفة وإنما
يتعجب من هذا الراغبون في الدنيا العميان عن عيوبها وآفاتها المغترون بزخرفها وزينتها ومثل ذلك كإنسان صنع حلوا من أغلى السكر وعجنها بسم قاتل وأبصر ذلك رجل ولم يبصره آخر ووضعه بينهما ومن أبصر ما جعل فيه من السم زهده وغيره يغتر بظاهره فيحرص عليه ولا يصبر عنه (هب عن أنس) بن مالك (و) عن (محمد بن كعب القرظي) بضم القاف وفتح الراء ومعجمة نسبة لقريظة اسم لرجل نزل أولاده حصنا بقرب المدينة وهو أخو النضير وهما من ولد هارون عليه الصلاة والسلام (مرسلا) ورواه الديلمي في مسند الفردوس عن أنس أيضا قال العراقي : وإسناده ضعيف جدا وقال غيره واه.

  •  (إذا أراد الله بعبد خيرا جعل له من نفسه واعظا) ناصحا ومذكرا بالعواقب (من) وفي بعض النسخ في (نفسه) لفظ رواية الديلمي من قلبه (يأمره) بالخيرات (وينهاه) عن المنكرات ويذكره بالعواقب فيقطع العلائق والأسباب الداعية إلى موافقة النفس والشيطان ويصرف هواه إلى ما ينفعه ويستعمله في تنفيذ مراد ربه ويفرغ باله لأمر الآخرة فيقبل الله عليه برحمته ويفيض عليه من نعمته وفي معناه ما قيل من كان في عمل الله كان الله في عمله وإذا صدقت إرادة العبد وصفت همته وحسنت مواظبته ولم تجاذبه شهواته ولم يشغله حديث النفس بعلائق الدنيا بلغ الحق في قلبه.

- (فر) وكذا ابن لال ومن طريقه وعنه رواه الديلمي مصرحا فلو عزاه له لكان أولى (عن أم سلمة) قال الحافظ العراقي وغيره إسناده جيد كذا جزم به في المعنى ولم يرمز له المؤلف بشئ.

  •  (إذا أراد الله بعبد خيرا عسله) بفتح العين والسين المهملتين تشدد وتخفف أي طيب ثناءه بين الناس من عسل الطعام يعسله إذا جعل فيه العسل ذكره الزمخشري (قيل) أي قالوا يا رسول الله (وما عسله) أي ما معناه (قال يفتح له عملا صالحا قبل موته ثم يقبضه عليه) فهذا من كلام الراوي لا المصطفى صلى الله عليه وسلم شبه ما رزقه الله من العمل الصالح الذي طاب ذكره وفاح نشره بالعسل الذي هو الطعام الصالح الذي يحلو به كل شئ ويصلح كل ما خالطه ذكره الزمخشري ، قال الحكيم الترمذي فهذا عبد أدركته دولة السعادة فأصاب حظه ومراده بعد ما قطع عمره في رفض العبودية وتعطيلها وعطل الحدود وأهمل الفرائض فلما قرب أوان شخوصه إلى الحق أدركته السعادة بذلك الحظ الذي كان سبق له

فاستنار الصدر بالنور وانكشف الغطاء فأدركته الخشية وعظمت مساويه عنده فاستقام أمره فعمل صالحا قليلا فأعطى جزيلا (حم طب عن أبي عنبة) بكسر العين المهملة وفتح النون الخولاني واسمه عبد الله بن عنبة أو عمارة قال ابن الأثير اختلف في صحبته قيل أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره وقيل صلى للقبلتين وقيل أسلم قبل موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يره.
قال الهيتمي : وفيه بقية مدلس وقد صرح بالسماع في المسند وبقية رجاله ثقات انتهى ومن ثم رمز المؤلف لحسنه.

  •   (إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله ، قيل) أي قال بعض الصحب يا رسول الله (وما استعمله) أي ما المراد به (قال يفتح له عملا صالحا) بأن يوفقه له (بين يدي موته) أي قرب موته فسمى ما قرب منه باليدين توسعا كما يسمى الشئ باسم غيره إذا جاوره ودنا منه وقد جرت هذه العبارة هنا على أحسن سنن ضرب المثل (حتى يرضى عنه) بضم أوله والفاعل الله تعالى ويجوز فتحه والفاعل (من

حوله) من أهله وجيرانه ومعارفه فيبرؤن ذمته ويثنون عليه خيرا فيجيز الرب شهادتهم ويفيض عليه رحمته وتفريغ المحل شرط لدخول غيث الرحمة فمتى لم يفرغ المحل لم يصادف الغيث محلا قابلا للنزول وهذا كمن أصلح أرضه لقبول الزرع ثم يبذر فإذا طهر العبد تعرض لنفحات رياح الرحمة ونزول الغيث في أوانه وحينئذ يكون جديرا بحصول الغلة (تنبيه) أشار المؤلف بالجمع بين هذين الحديثين في موضع إلى رد قول ابن العربي الرواية استعمله وأما عسله فهو تصحيف فبين أنه غير صحيح.
(حم ك) في الجنائز (عن عمرو بن الحمق) بفتح المهملة وكسر الميم بعدها قاف ابن كاهل ويقال كاهن - بالنون - ابن حبيب الخزاعي سكن الكوفة ثم مصر له صحبة قتل بالموصل في خلافة معاوية قال الحاكم : صحيح وقال الهيتمي رجال أحمد رجال الصحيح.

  •   (إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله ، قيل كيف يستعمله ؟ قال يوفقه لعمل صالح) يعمله (قبل الموت ثم يقبضه عليه) أي يلهمه التوبة وملازمة العمل الصالح كما يحب وينبغي حتى يمل الخلق ويستقذر الدنيا ويحن إلى الموت ويشتاق إلى الملأ الأعلى فإذا هو يرسل الله تعالى يردون عليه بالروح والريحان والبشرى والرضوان من رب راض غير غضبان فينقلونه من هذه الدار الفانية إلى الحضرة

العالية الباقية فيرى لنفسه الضعيفة الفقيرة نعيما مقيما وملكا عظيما.
(حم ت حب ك عن أنس) بن مالك.

  •   (إذا أراد الله بعبد خيرا طهره قبل موته قالوا) له (وما طهور العبد) بضم الطاء أي ما المراد بتطهيره (قال عمل صالح يلهمه) أي يلهمه الله تعالى (إياه) والإلهام ما يلقى في الروع بطريق الفيض ويدوم كذلك (حتى يقبضه عليه) أي يميته وهو متلبس به قال في المصباح قبضه الله أماته وفي الأساس : من المجاز قبض على غريمه وعلى العامل وقبض فلان إلى رحمة الله تعالى وهو عما قليل مقبوض فمن أراد الله به خيرا طهره من المادة الخبيثة قبل الوفاة حتى لا يحتاج لدخول النار ليطهره فيلهمه الله تعالى التوية ولزوم الطاعات وتجنب المخالفات أو يصاب بالمصائب وأنواع البلاء المكفرات ليطهر من خبائثه مع كراهته لما أصابه * (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم) * ولهذا كان الأب أو الأم يسوق لولده الحجام أو الطبيب ليعالجه بالمراهم المؤلمة الحادة ولو أطاع الولد لما شفي.

- (طب عن أبي أمامة) لم يرمز له بشئ وسها من زعم أنه رمز لضعفه قال الهيتمي : ورواه الطبراني من عدة طرق وفي أحدها بقية بن الوليد وقد صرح بالسماع وبقية رجاله ثقات انتهى فالحكم عليه بالضعف في غاية الضعف.

  •   (إذا أراد الله بعبد خيرا صير) بالتشديد (حوائج الناس إليه) أي جعله ملجأ لحاجاتهم الدينية والدنيوية ووفقه للقيام لها وألقى عليه شراشر المهابة والقبول وسدده فيما يفعل ويقول (فر عن أنس) قال العراقي فيه يحيى بن شبيب ضعفه ابن حبان وقال الذهبي عن ابن حبان لا يحتج به.
  •   (إذا أراد الله بعبد خيرا عاتبه في منامه) أي لامه على تفريطه وحذره من تقصيره برؤيا يراها في منامه فيكون على بصيرة من أمره وبينة من ربه وينتبه من سنة الغفلة ويذكر رقدة الذلة كما وقع لأبي أسيد الأنصاري رضي الله تعالى عنه أنه كان من ورده قراءة سورة البقرة كل ليلة فأغفلها ليلة فرأى بقرة تنطحه فحلف أن لا يعود رواه الترمذي - (فر عن أنس) وفيه وهب بن راشد قال الذهبي عن الدارقطني متروك وعن ضرار بن عمرو متروك وعلي الرقاشي متروك.
  •  (إذا أراد الله بعبده الخير) كذا هو في خط المؤلف وفي نسخ بعبد خيرا ولا أصل له في نسخته (عجل) بالتشديد أسرع (له العقوبة) بصب البلاء والمصائب عليه (في الدنيا) جزاء لما فرط منه من الذنوب فيخرج منها وليس عليه ذنب يوافي به يوم القيامة كما يعلم من مقابلة الآتي ومن فعل ذلك معه فقد أعظم اللطف به لأن من حوسب بعمله عاجلا في الدنيا خف جزاؤه عليه حتى يكفر عنه بالشوكة يشاكها حتى بالقلم الذي يسقط من الكاتب فيكفر عن المؤمن بكل ما يلحقه في دنياه حتى يموت على طهارة من دنسه وفراغ من جنايته كالذي يتعاهد ثوبه وبدنه بالتنظيف قاله الحراني (وإذا أراد بعبده الشر) وفي رواية شرا (أمسك عنه بذنبه) أي أمسك عنه ما يستحقه بسبب ذنبه من العقوبة في الدنيا (حتى يوافي به يوم القيامة) إن لم يدركه العفو * (ولعذاب الآخرة أشد وأبقى) (طه : 127 والله تعالى لم يرض الدنيا أهلا لعقوبة أعدائه كما لم يرضها أهلا لمثابة أحبابه ومن هذا التقرير عرف أن الضمير المرفوع في يوافي راجع إلى الله والمنصوب إلى العبد قال الطيبي : ويجوز عكسه والمعنى عليه لا يجازيه بذنبه حتى يجئ في الآخرة مستوفي الذنوب وافيها فيستوفي حقه من العذاب.

قال الغزالي : والذنب عبارة عن كل ما هو مخالف لأمر الله تعالى من قول أو فعل والحديث له تتمة عند مخرجه الترمذي وهي وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط (ت) في الزهد وقال حسن غريب (ك) في الحدود من حديث سعد بن سنان (عن أنس) قال الذهبي في موضع : سعد ليس بحجة وفي آخر كأنه غير صحيح (طب ك) وكذا أحمد ولعله أغفله ذهولا (عن عبد الله بن مغفل) بضم الميم وفتح المعجمة وشد الفاء أي عبد الرحمن المزني الأنصاري من أصحاب الشجرة قال : لقي رجل أمرأة كانت بغيا فجعل يداعبها حتى بسط يده إليها فقالت مه فإن الله قد

أذهب الشرك فولى فأصابه الحائط فشجه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره فقال له أنت عبد أراد الله بك خيرا ثم ذكره قال الهيتمي رجال أحمد رجال الصحيح وكذا أحد إسنادي الطبراني وطريقه الآخر فيه هشام بن لاحق ترك أحمد حديثه وضعفه ابن حبان (طب عن عمار بن ياسر) قال : مرت امرأة برجل فأحدق بصره إليها فمر بجدار فلمس وجهه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسيل دما فقال : فعلت كذا
(عد عن أبي هريرة) قال : جاء رجل يسيل وجهه دما فقال وما أهلكك قال : خرجت من منزلي فإذا أنا بامرأة فأتبعتها بصري فأصاب وجهي الجدار فأصابني ما ترى فذكره رمز المؤلف لصحته.

  •   (إذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين وألهمه رشده) أي وفقه لإصابة الرشد وهو إصابة الحق ذكره القاضي.

قال الزمخشري : والرشد الاهتداء لوجوه المصالح قال تعالى * (فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) * ومعنى إضافته إليه أنه رشد له شأن.
قال السمهودي ومفهومه أن من لم يفقهه في الدين ولم يرشده لم يرد به خيرا وقد أخرجه أبو نعيم وزاد في آخره ومن لم يفقهه في الدين لم يبال الله به وكذا أبو يعلى لكنه قال : ومن لم يفقهه لم يبل به وفيه أن العناية الربانية وان كان غيبها عنا فلها شهادة تدل عليها ودلالة تهدي إليها فمن ألهمه الله الفقه في الدين ظهرت عناية الحق به وأنه أراد به خيرا عظيما كما يؤذن به التنكير وهذا التقرير كله بناء على أن المراد بالفقه علم الأحكام الشرعية الاجتهادية وذهب جمع منهم الحكيم الترمذي إلى أن المراد بالفقه الفهم فالفهم انكشاف الغطاء عن الأمور فإذا عبد الله بما أمر ونهى بعد أن فهم أسرار الشريعة وانكشف له الغطاء عن تدبيره فيما أمر ونهى انشرح صدره وكان أشد تسارعا إلى فعل المأمور وتجنب المنهي وذلك أعظم الخيور وغيره إنما يعبده على مكابدة وعسر لأن القلب وإن أطاع وانقاد لأمر الله تعالى فالنفس إنما تنشط وتنقاد إذا رأت نفع شئ أو ضره وأما من فهم تدبير الله تعالى في ذلك فينشرح صدره ويخف عليه فعله فذلك هو الفقه وقد أحل الله النكاح وحرم الزنا وإنما هو إتيان واحد لامرأة واحدة لكن هذا بنكاح وهذا بزنا فإذا كان بنكاح فشأنه العفة والتحصين فإذا أتت بولد ثبت نسبه وحصل العطف من أبيه بالتربية والنفقة والإرث وإذا كان من زنا ضاع الولد لأنه لا يدري أحد الواطئين ممن هو فكل يجعله على غيره وحرم الله الدماء وأمر بالقود لينزجروا * (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) * وحرم المال وأمر بقطع السارق لتحفظ الأموال بالامتناع من ذلك فعلل المنهيات والمأمورات بينة لأولي الألباب (البزار) وكذا الطبراني في الكبير من هذا الطريق بهذا اللفظ ولعله غفل عنه (عن ابن مسعود) قال المنذري إسناده لا بأس به وقال الهيتمي : رجاله موثوقون وحينئذ فرمز
المؤلف لحسنه لا يكفي بل حقه الرمز لصحته وظاهر كلامه أنه لم يخرجه أحد من الستة والأمر بخلافه فقد أخرجه الترمذي باللفظ المزبور من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

  •   (إذا أراد الله بعبد خيرا فتح) بالتحريك (له قفل قلبه) بضم القاف وسكون الفاء أي أزال عن قلبه حجب الأشكال وبصر بصيرته مراتب أهل الكمال حتى يصير قابلا للفيض السبحاني مستمدا للإمداد الرحمني فإذا هبت رياح الألطاف انكشفت الحجب عن أعين القلوب وفاضت الرحمة وأشرق النور وانشرح الصدر وانكشف للقلب سر الملكوت بلطف الرحمة انكشاف الحجب يلمع القلب من وراء ستر الغيب غرائب العلوم تارة كالبرق الخاطف وأخرى على التوالي إلى حد ما وداومه في غاية الندور وتعلق جمع صوفية منهم البوني بإناطة ذلك بمجرد الإرادة على أنه لا يحصل بالعلوم التعليمية قالوا لا طريق إلا الاستعداد بالتصفية المجردة ومحو الصفات المذمومة وقطع العلائق واحضار الهمة مع الإرادة الصادقة والتعطش التام والترصد بدوام الانتظار لما يفتح الله إذ الأنبياء والأولياء انكشفت لهم الأمور وفاض على صدورهم النور لا بالدراسة للكتب بل بالزهد في الدنيا والتبري من علائقها والتفرغ من عوائقها والإقبال بكنه الهمة على الله فمن كان لله كان الله تعالى له انتهى ونوزع بما حاصله أن تقديم تعلم الأحكام متعين معين وأجاب الغزالي رحمه الله تعالى بأن القرآن مصرح بأن التقوى مفتاح الهداية والكشف وذلك علم من غير تعلم وأصل الفتح زوال الإشكال والغلق صورة أو معنى والقفل واحد الأقفال (وجعل فيه) أي في قلبه (اليقين) أي العلم المتوالي بسبب النظر في المخلوقات أو ارتفاع الريب ومشهد الغيب وقد وصف الله المؤمنين بالإيمان بالغيب والإيمان التصديق وإنما يصدق المرء الشئ حتى يتقرر عنده فيصير كالمشاهد والمشاهدة بالقلب هو اليقين.

قال الخواص رحمه الله تعالى : لقيت شابا بالبادية كأنه سبيكة فضة فقلت إلى أين قال إلى مكة قلت بلا زاد ولا راحلة قال يا ضعيف اليقين الذي يقدر على حفظ السماوات والأرض لا يقدر أن يوصلني إلى مكة بلا علاقة ؟ (والصدق) أي التصديق الدائم الجازم الذي ينشأ عنه دوام العمل ، والصدق وإن شاع في خصوص الأقوال لكن
يستعمل في بعض الموارد في بعض الأحوال كما بينه أهل الكمال ومن لم يبصر الخير بقلبه ويصدق به لم يتيقنه وإن صدق بلسانه بل هو في عماء وحيرة (وجعل قلبه واعيا) أي حافظا (لما سلك) أي دخل فيه حتى ينجع (فيه) الوعظ القليل والنصيحة اليسيرة والوعي الحفظ يقال وعيت الحديث حفظته وتدبرته (وجعل قلبه سليما) من الأمراض كحسد وحقد وكبر وغيرها (ولسانه صادقا) لتعظيم حرمته وتظهر ملاحته إذ اللسان الصادق من أعظم المواهب الربانية وبه يستقيم حال العبد في أحواله الدينية والدنيوية.
قال الحراني : والصدق مطابقة ظاهر النطق والفعل بباطن الحال (وخليقته) سجيته وطبيعته مستقيمة معتدلة متوسطة بين طرفي الإفراط والتفريط والاستقامة كون الخط بحيث ينطق أجزاؤه المفروضة بعضها على بعض وفي إصلاح أهل الحقيقة الوفاء بالعهود وملازمة الطريق المستقيم برعاية حق التوسط في كل أمر ديني ودنيوي فذلك هو الصراط المستقيم (وجعل أذنه سميعة) صيغة مبالغة أي

مستمعة لما ينفعه في الآخرة مقبلة على ما يسمعه من ذكر الله متأملة لنصوص كلامه مصغية لأوامره وزواجره وأحكامه (وعينه) أي عين قلبه (بصيرة) فيبصر بها ما جاء من الشارع ويتنبأ ويفهم وإن لم يفهم فانهتك عن قلبه ستر الغيوب فشهد الخير عيانا ولزم طريق الكتاب والسنة إيقانا ولم يلتبس عليه المنهاج الواضح المستبين فصار من المهتدين وخص هذه الجوارح بالذكر لأن منها يكون الخير والشر وعليها مدار النفع والضر.
قال في الكشاف : والبصر نور العين وهو ما يبصر به المرئيات كما أن البصيرة نور القلب وهو ما يستبصر ويتأمل فكأنهما جوهران لطيفان خلقهما الله تعالى آلتين للإبصار وللإستبصار انتهى.
وقال الراغب : البصر يقال للجارحة الباصرة والقوة التي فيها ويقال لقوة القلب المدركة بصيرة وبصر والضرير يقال له بصير لما له من قوة بصيرة القلب لا لما قيل إنه على العكس وقال بعض أهل الوفاء البصيرة فقه القلب في حل أشكال مسائل الخلاف فيما لا يتعلق العلم به تعلق القطع وحقيقتها نور يقذف في القلب يستدل به العقل الخابط عشواء على سبيل الإصابة وعين البصيرة أتم في النظر من عين البصر لأن جميع ما حواه العالم تتصرف في جميعه والحكم عليه حكما يقينا صادقا والعين لا تبصر ما بعد ولا ما قرب قربا مفرطا ومن ثم قال الغزالي : العقل متصرف في
العرش والكرسي وما وراء السماوات والملأ الأعلى كتصرفه في عالمه ومملكته القريبة أعني بدنه الخاص بل الحقائق كلها لا تحتجب عن العقل وإنما حجابه بسبب صفات تقارنه من نفسه تضاهي حجاب العين عند تغميض الأجفان انتهى.
وقد انكشف من هذا البيان أن علامة إرادة الله الخير بعبده أن يتولى أمره ظاهره وباطنه سره وعلنه فيكون هو المشير عليه والمدبر لأمره والمزين لأخلاقه والمستعمل لجوارحه والمسدد لظاهره وباطنه والجاعل همومه هما واحدا والمبغض للدنيا في قلبه والموحش له من غيره والمؤنس له بلذة مناجاته في خلواته والكاشف عن الحجب بينه وبين معرفته فذلك من علامات حب الله لعبده (فائدة) قال الشبلي : استنار قلبي يوما فشهدت ملكوت السماوات والأرض فوقعت مني هفوة فحجبت عن شهود ذلك فعجبت كيف حجبني هذا الأمر الصغير عن هذا الأمر الكبير فقيل لي : البصيرة كالبصر أدنى شئ يحل فيها يعطل النظر (أبو الشيخ [ ابن حبان ]) في الثواب (عن أبي ذر) وفيه سعيد بن إبراهيم قال الذهبي مجهول عن عبد الله بن رجاء قال أبو حاتم ثقة وقال الفلاس كثير الغلط والتصحيف ليس يحجة عن سرجس بن الحكم بن عامر بن وائل قال ابن خزيمة أنا أبرأ من عهدتهما.
المصدر: فيض القدير

شكرا لدعمكم

تم تأسيس موقع القرآن الكريم بالرسم العثماني و موقع الحمد لله كبادرة متواضعة بهدف خدمة الكتاب العزيز و السنة المطهرة و الاهتمام بطلاب العلم و تيسير العلوم الشرعية على منهاج الكتاب و السنة , وإننا سعيدون بدعمكم لنا و نقدّر حرصكم على استمرارنا و نسأل الله تعالى أن يتقبل منا و يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم .
مجتمعنا القرآن الكريم

الإنجليزية | العربية | Dutch | الألمانية | Galician | الفرنسية | الإسبانية | الإيطالية | البرتغالية البرازيلية