تسجيل الدخول


فضل صلاة الجماعة

إن للصلاة أهمية عظيمة في دين الإسلام، فهي الركن الثاني من أركانه، ولما لها من أهمية فقد حث الشارع على تأديتها بأكمل وجه وأحسن هيئة، وإن أكمل وجه وأحسن هيئة لأداء الصلاة تتمثل في صلاة الجماعة؛ فلذا ترى الترغيب والحث على تأدية الصلاة في جماعة، وترى أيضا الترهيب والتهديد في ترك الجماعة، حتى إن بعض العلماء قال بشرطية الجماعة للصلاة، فلا تصح الصلاة عنده إلا بجماعة، وبعضهم قال: من ترك الجماعة صحت صلاته منفردا، ولكنه يأثم بتركه للجماعة وبعضهم قال: هي سنة مؤكدة.
والله تعالى أعلم.

أهمية صلاة الجماعة وفضلها
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة ) متفق عليه].
قدم المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الكتاب المبارك أبواب الصلاة، وما يلزم لمقدماتها من الطهارة واللباس، وبيان الأوقات، والأذان والإقامة، ثم صفة الصلاة من حيث هي، وأتبع ذلك بتوابعها من النوافل الراتبة معها، وأتبع تلك الرواتب التابعة للفرائض بالرواتب المطلقة، كما جاء في الوتر وفي الضحى.
وهنا يأتي إلى باب من أهم أبواب الصلاة، وهو ما يتعلق بأداء الصلوات الخمس في جماعة، والجماعة مشروعة للصلوات الخمس، ولبعض الصلوات الأخرى كالجنازة والاستسقاء والكسوف وقيام الليل في التراويح خاصة في رمضان، وما عدا ذلك تكون فرادى.
فهنا بدأ المؤلف رحمه الله بهذا الحديث، وهو نص عند العلماء في فضل صلاة الجماعة، ويريد أن يبين كما بين غيره أن صلاة الجماعة لها فضيلة على صلاة الفذ، والفذ المنفرد.
فالإنسان قد يصلي وحده لعذر، أو لضرورة، كمن هو في سفر وليس عنده أحد، أو لمرض في البيت، إلى غير ذلك.
وكذلك بعض النوافل، خاصة نوافل البيت يصليها وحده.
ولكن الجماعة قد شرعت، فما مدى مشروعية هذه الجماعة للصلوات الخمس؟

تعدد الروايات المعينة لفضل صلاة الجماعة
المؤلف كغيره يسوق هذا الحديث: (فضل صلاة الجماعة) أو (تفضل)، أو: (تزيد)، أو (تضاعف) -كل هذه ألفاظ قد وردت بها الروايات- على صلاة الفذ سبعا وعشرين درجة، وفي رواية: خمسا وعشرين درجة.
و ابن عمر رضي الله تعالى عنهما انفرد برواية (سبع وعشرين)، و أبو هريرة و أنس وغيرهما يروونه بلفظ: (بخمس وعشرين) والجمهور: على صحة حديث ابن عمر : (بسبع وعشرين)، فقوم يقولون: الزيادة من الثقة مقبولة، والسبع والعشرون تتضمن الخمس والعشرين وزيادة، والبعض الآخر يقول: هذه زيادة من ثقة خالف فيها الثقات، فتعتبر في عرف علماء الحديث من الروايات التي تسمى شاذة، وهو ما خالف الثقة به الثقات.
والخمس والعشرون متفق عليها، وهي ضمن السبع والعشرين.
أما فقه الحديث ففي قوله: (صلاة الجماعة) والجماعة تصح باثنين إمام ومأموم، حتى قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله: إن الجمعة تصح بثلاثة أشخاص؛ لأن الله تعالى قال: { إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله } [الجمعة:9]، فالنداء لا بد له من مناد، وذكر الله الذي نسعى إليه لابد له من شخص يذكر الله، وهو الإمام، والساعي إلى ذكر الله هو المأموم، فتم العدد: بمناد للصلاة، وإمام يؤم، ومأموم يأتم.
فقالوا: تنعقد الجماعة في الصلوات الخمس بإمام ومأموم ولكنهم يختلفون في حقيقة المأموم، فإذا كان المأموم صبيا ليس ببالغ، وهو مميز يدرك معنى الصلاة، وقد أمر بواسطة وليه بقوله عليه الصلاة والسلام: ( مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر ) فهل تصح هذه الجماعة وتنعقد؟ وكذلك إذا كان المأموم امرأة، والمرأة لا تجب عليها الجماعة، ولكن إذا حضرتها صحت منها، وقالوا في المملوك والمرأة والمسافر: ليست عليهم جمعة.
وهو قول الجمهور، فإذا حضرها أحدهم اعتبرت منه وصحت.
هل يكمل به العدد عند من يقول بعدد معين أم لا؟

فضل صلاة الجماعة وصحة صلاة المنفرد
يقول ابن دقيق العيد : هذا الحديث ابتداء يدل على عدم فرضية الجماعة، وذلك أن (أفعل) التفضيل تقتضي المشاركة في شيء وزيادة أحد المشتركين في هذا الأصل الذي يجتمعان فيه، وقال: إن الحديث فيه إثبات الفضل للفذ والأفضلية للجماعة، فلو لم تكن صلاة الفذ صحيحة لما كان لها فضل؛ لأن الباطل لا فضل فيه، وإذا لم يكن فيها فضل فلا تصح المفاضلة بينها وبين غيرها؛ لأن ما لا فضل فيه لا يقارن بغيره.


فهذا الحديث يثبت أن صلاة الفذ لها فضيلة، وبالتالي تصح، وصلاة الجماعة لها فضيلة، ولكن صلاة الجماعة تزيد فضيلتها عن صلاة الفذ، ثم ناقش في الأفضلية مباحث أخرى طويلة.
وبقي عندنا ألفاظ الحديث المختلفة: (سبع وعشرين درجة)، (بخمس وعشرين جزءا)، (بخمس وعشرين ضعفا).
أما الضعف فلا يتعارض مع الدرجة ولا الجزء؛ لأن ضعف الشيء ما يساويه ويتكرر ضعفين، أو ثلاثة أضعاف، أو أضعافا كثيرة.
وبقي التفريق بين الدرجة والجزاء، قالوا: الدرجة أعلى من الجزء وقالوا: الدرجة في الجهرية والجزء في السرية.
وقالوا في (سبع وعشرون) و(خمس وعشرون): سبع وعشرون في الليلية، وخمس وعشرون في النهارية، ويزيد الفضل في كثرة الجماعة، وفي أفضلية المكان، وغير ذلك.
فإن فضل الجماعة يختلف، فكلما كثر العدد زاد الفضل؛ لأن كل مصل يدعو ويشرك غيره في دعائه، وذلك بقوله: اللهم اغفر لنا، اللهم ارحمنا، اللهم عافنا، وكذلك الإمام يدعو للجميع، فكلما كثر العدد زاد الفضل، وقالوا: المسجد القديم، والمسجد الذي فيه إمام راتب من ولي الأمر يزيد الفضل فيه عن غيره.
وقال العلماء: هذا الحديث -حديث ابن عمر - لا يستدل به على وجوب الجماعة، ولكن يستدل به على فضيلتها، والأفضلية لا تقتضي الوجوب، فما هي الفضيلة؟ إنها تفضل صلاة الفذ سبعا وعشرين أو خمسا وعشرين درجة، أو جزءا، أو ضعفا.
فلا ينبغي للإنسان أن يحرم نفسه من هذا الفضل بأن يقصر في تحصيله، وحكم صلاة الجماعة سيأتي الحديث عنه في الحديث الذي يلي هذا.
فنأخذ من هذا الحديث أفضلية صلاة الجماعة، ونأخذ بما قاله ابن دقيق العيد ، ففيه تنبيه وإيماء إلى صحة صلاة المنفرد، مع أنها تنقص عن فضيلة الجماعة، وهذا حدنا في هذا الحديث، وتتمة الكلام عن صلاة الجماعة إنما هي مستوفاة عند الحديث الآتي إن شاء الله.
قال: [ولهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (بخمسة وعشرين جزءا)، وكذلك للبخاري عن أبي سعيد وقال: (درجة)].
أبو هريرة و أبو سعيد الوارد عنهما في الصحيحين: (بخمس)، (جزءا)، و(درجة)، كل ذلك لا بأس به، لكن يهمنا أن المؤلف يسوق في رواية أبي هريرة و أبي سعيد الخدري (بخمس)، ولذا قالوا: لم يرو السبع والعشرين إلا ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، إلا أن الاختلاف في خمس وسبع أمر يتجاوز فيه، ولا يتعارض في الفضيلة.

شرح بلوغ المرام للشيخ عطية محمد سالم رحمه الله

شكرا لدعمكم

تم تأسيس موقع القرآن الكريم بالرسم العثماني و موقع الحمد لله كبادرة متواضعة بهدف خدمة الكتاب العزيز و السنة المطهرة و الاهتمام بطلاب العلم و تيسير العلوم الشرعية على منهاج الكتاب و السنة , وإننا سعيدون بدعمكم لنا و نقدّر حرصكم على استمرارنا و نسأل الله تعالى أن يتقبل منا و يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم .
مجتمعنا القرآن الكريم