تسجيل الدخول


الحلق و التقصير للحاج و المعتمر و احكامه

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين

- فَإِنْ أَتَمَّ المعتمِرُ سعيَه سبعةَ أشواطٍ فله الاختيار في الحلق أو التقصير، والحلقُ أفضل إلاَّ إذا كان متمتِّعًا قاصدَ الحجِّ وقَرُبَ حَجُّه، ليبقى له شَعْرٌ يحلقه في مناسك الحجِّ، فالتقصيرُ أفضل من هذه الجهة، ويدلُّ عليه حديثُ جابرِ بن عبد الله رضي الله عنهما: «فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً وَيَطُوفُوا ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا»(١- أخرجه البخاري كتاب «الحج»، باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت: (1/398)، وأبو داود كتاب «المناسك»، باب في إفراد الحج: (2/266)، وأحمد: (3/305)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.)، قال ابن قدامة: «المستحَبُّ في حقِّ المتمتِّع عند حِلِّه من عمرته التقصير ليكون الحلق للحج»(٢- «المغني» لابن قدامة: (3/392)). أمَّا إذا كان بين عمرته وحجه فترة كافية يطول الشعر خلالها فإنَّ الأفضلية تبقى للحلق(٣- «فتح الباري» لابن حجر: (3/567)).

- ويكون الحلق والتقصير شاملاً لجميع الرأس، أمَّا المرأة فلا تحلق وإنما تُقَصِّر شعرها من كلِّ قرنٍ أَنْمَلَة(٤- الأَنْمَلَةُ: وهي رأس الأصبع من المفصل الأعلى. والقرن: الخُصلة من الشعر أي" الضفيرة. [«مختار الصحاح» للرازي: (680) (532). انظر «المغني» لابن قدامة: (3/439-440)])، وبذلك ينهي أعمال عمرته، وحلَّ منها حلاًّ كاملاً، ويباح له جميع محظورات الإحرام.

ويدلُّ على ما تقدَّم قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ﴾ [الفتح: 27]، و«النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم ترحَّم على المحلِّقين ثلاثًا وعلى المقصِّرين مرةً»(٥- أخرجه البخاري كتاب «الحج»، باب الحلق والتقصير عند الإحلال: (1/414)، ومسلم كتاب «الحج»: (1/590)، رقم: (1301)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما)، والنبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم حلَّق جميع رأسه، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»(٦- أخرجه مسلم كتاب «الحج»: (1/589) رقم: (1297)، وأبو داود كتاب «المناسك»، باب في رمي الجمار: (2/340)، والنسائي كتاب «مناسك الحج»، باب الركوب إلى الجمار واستظلال المحرم: (3062)، من حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما.)، وأمر أصحابه بذلك كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحِلُّوا وَيَحْلِقُوا أَوْ يُقَصِّرُوا»(٧- أخرجه البخاري كتاب «الحج»، باب تقصير المتمتع بعد العمرة: (1/415)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما).

قال ابن عبد البر-رحمه الله-: «وقد أجمع العلماءُ على أنَّ النساءَ لا يَحْلِقْنَ وأنَّ سُنَّتَهُنَّ التقصير»(٨- «الاستذكار» لابن عبد البر: (4/313))، لقوله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ، إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ»(٩- أخرجه أبو داود كتاب «المناسك»، باب الحلق والتقصير: (2/344)، والدارمي كتاب «المناسك»، باب من قال ليس على النساء حلق: (2/89)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (5/104)من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. والحديث ذكر له ابن الملقن في «البدر المنير»: (6/267) متابعات يتقوى بها، وحسّن إسناده الحافظ ابن حجر في «التلخيص الحبير»: (2/529)، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة»: (2/157))، وقال ابن قدامة: «يلزم التقصير أو الحلق من جميع شعره، وكذلك المرأة، نُصَّ عليه، وبه قال مالك… ولنا، قول الله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ﴾، وهذا عامٌّ في جميعه، ولأنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم حلَّق جميع رأسه، تفسيرًا لمطلق الأمر به، فيجب الرجوع إليه، ولأنه نُسُكٌ تعلق بالرأس فوجب استيعابُه به، كالمسح. فإن كان الشعر مضفورًا، قصَّر من رؤوس ضفائره كذلك، قال مالك: تُقَصِّر المرأة من جميع قرونها، ولا يجب التقصير من كلِّ شعره؛ لأنَّ ذلك لا يعلم إلاَّ بحلقه»(١٠- «المغني» لابن قدامة: (3/393)).

- ومَن لا شعرَ على رأسه لا حلقَ عليه ولا فديةَ، ويُشرع له إمرار الموسى على رأسه، ونقل ابن المنذر الإجماع على أنَّ الأصلع يُمِرُّ على رأسه المُوسَى(١١- «الإجماع» لابن المنذر: (52))، وليس ذلك واجبًا(١٢- «المغني» لابن قدامة: (3/437)).

- قال ابن قدامة ‑رحمه الله‑: «يُستحبُّ لمن حلَّق أو قصَّر تقليم أظافره، والأخذ من شاربه؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وآله سلم فعله. قال ابن المنذر: ثبت أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما حلًّق رأسه، قلَّم أظفاره(١٣- أخرجه أحمد: (4/42)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (1/25)، من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (4/12): « رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح»، وقوّاه الشوكاني بشواهده في «نيل الأوطار»: (1/73))، وكان ابن عمر يأخذ من شاربه وأظفاره، وكان عطاء، وطاوس، والشافعي، يحبون لو أخذ من لحيته شيئًا(١٤- انظر السنة في الأخذ ما زاد على القبضة من اللحية في فتوى برقم: (857))، ويستحب إذا حلَّق، أن يبلغ العظم الذي عند منقطع الصدغ من الوجه، كان ابن عمر يقول للحالق: ابلُغ العظمين، أفصل الرأس من اللحية»(١٥- «المغني» لابن قدامة: (3/437)).

ويستحب له البداية عند الحلق أو التقصير بالشقِّ الأيمن لما روى أنسٌ أنَّ رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «نَاوَلَ الحالِقَ شِقَّهُ الأيمنَ، ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الأَنْصَارِيَّ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِقَّ الأَيْسَرَ فَقَالَ: احْلِقْ فَحَلَقَهُ فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ»(١٦- أخرجه البخاري كتاب «الوضوء»، باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان: (1/51)، ومسلم كتاب «الحج»: (1/529)، رقم: (1305)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه).

- ويستحبُّ له أن يطوف بالبيت تطوُّعًا طيلةَ مدة إقامته بسبعة أشواط وصلاة ركعتين خلف المقام إن تيسر، زيادة أجر وثواب، لقوله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «مَنْ طَافَ بِالبَيْتِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَ كَعَدْلِ رَقَبَةٍ»(١٧- أخرجه ابن ماجه كتاب «المناسك»، باب فضل الطواف: (2956)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. والحديث صححه الألباني في «السلسلة الصحيحة»: (6/497)).

- فإن كان أهلَّ بالعمرة في غير أشهر الحجّ وأراد مغادرةَ مكة فله أن يُودِّعَ البيت بالطواف ليكون آخر عهده بالبيت، وإذا خرج من المسجد الحرام يخرج عاديًا كما يخرج الناس من المساجد فلا يلتفت إذا ولَّى ولا يمشي القهقرى(١٨- «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (26/143))، ويقدم رجله اليسرى عند الخروج ويقول: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلِّمْ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ»(١٩- أخرجه مسلم كتاب «صلاة المسافرين وقصرها»: (1/323) رقم: (713)، وأبو داود كتاب «الصلاة»، باب فيما يقوله الرجل عند دخوله المسجد: (1/227)، من حديث أبي أسيد الأنصاري رضي الله عنه).

- أمَّا من تمَّت عمرته في أشهر الحجّ فيباح له كلُّ محظورات الإحرام، ويبقى إلى يوم التروية ‑وهو اليوم الثامن من ذي الحجة‑ فيُهِلُّ بالحجّ، ومَن أهلَّ بحجٍّ مُفْرَدٍ أو بحجٍّ وعمرةٍ قارنًا ولم يَسُق الهديَ يجب عليه أن يتحلَّل بعمرةٍ(٢٠- انظر أفضلية أنواع الإحرام في الحج في فتوى برقم: (189)).

وأمَّا من ساق الهديَ فلا يُحِلُّ حتى ينحر هديَه يومَ النحر.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

شكرا لدعمكم

تم تأسيس موقع القرآن الكريم بالرسم العثماني و موقع الحمد لله كبادرة متواضعة بهدف خدمة الكتاب العزيز و السنة المطهرة و الاهتمام بطلاب العلم و تيسير العلوم الشرعية على منهاج الكتاب و السنة , وإننا سعيدون بدعمكم لنا و نقدّر حرصكم على استمرارنا و نسأل الله تعالى أن يتقبل منا و يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم .
مجتمعنا القرآن الكريم