الحمد لله

حديث هلم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده

لفظ الحديث الذي وردت فيه القصة التي يذكرها الروافض هو :

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا حُضِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ : ( هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ ) قَالَ عُمَرُ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَلَبَهُ الْوَجَعُ وَعِنْدَكُمْ الْقُرْآنُ فَحَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ ، وَاخْتَصَمُوا ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغَطَ وَالِاخْتِلَافَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( قُومُوا عَنِّي ) .

قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ : فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ مِنْ اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ .

رواه البخاري ( 6932 ) ومسلم ( 1637 ) .

1. أمر النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه الذين حضروه في مرضه بإحضار ورقة وقلم ليملي عليهم شيئاً لم يكن يتعلق بوحي جديد ، لم يبلغه للناس ، ولا بأمر شرعي يحتاجه الناس في دينهم ، ثم ترك إعلامهم به لأجل ما حصل . والدليل على ذلك أمور :

أ. أن هذه الحادثة كانت يوم الخميس ، وقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين ، أي : بعده بأربعة أيام ، وكان بإمكانه الطلب من آخرين كتابة ذلك الكتاب ، فلما لم يفعل صلى الله عليه وسلم : علمنا أنه لم يكن وحياً فيكتمه .

ب. أن الله تعالى قد أثنى على نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه قد بلَّغ ما أوحي إليه ، وقد امتنَّ الله تعالى على هذه الأمة بإكمال الدين ، وإتمام النعمة ، والقول بأن ما لم يكتبه النبي صلى الله عليه وسلم هو من الدِّين الذي تحتاجه الأمة عامة ، فيه اتهام للنبي صلى الله عليه وسلم بعدم تبليغ الرسالة ، وفيه تكذيب للرب تعالى في خبره بإكمال الدين وإتمام النعمة على العباد .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :

ولم تكن كتابة الكتاب مما أوجبه الله عليه أن يكتبه ، أو يبلغه في ذلك الوقت ؛ إذ لو كان كذلك : لمَا ترك صلى الله عليه وسلم ما أمره الله به .

" منهاج السنة النبوية " ( 6 / 315 ، 316 ) .

وقال – رحمه الله - :

ولا يجوز له ترك الكتاب لشك مَن شك ، فلو كان ما يكتبه في الكتاب مما يجب بيانه وكتابته : لكان النبي صلى الله عليه وسلم يبيِّنه ، ويكتبه ، ولا يلتفت إلى قول أحدٍ ؛ فإنه أطوع الخلق له ، فعُلم أنه لما ترك الكتاب : لم يكن الكتاب واجباً ، ولا كان فيه من الدِّين ما تجب كتابته حينئذ ، إذ لو وجب : لفعله .

" منهاج السنة النبوية " ( 6 / 12 ) .

ج. ويؤيد ما ذكرناه : اختلاف الصحابة الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في فهم أمره ، والوقوف على حقيقة معناه ؛ وإلا لسارع الجميع إلى تنفيذه ، وقد ثبت عنهم أنهم خلعوا نعالهم في الصلاة لمجرد رؤيته صلى الله عليه وسلم يخلع نعله فيها ، ودون أن يأمرهم بذلك ، فهل مثل هؤلاء يخالفون أمراً يعتقدونه من الوحي ؟! حاشاهم ، ولذلك قام بعضهم بإحضار ورقة وقلم ، كما طلب منهم نبيهم صلى الله عليه وسلم ، وامتنع آخرون ، ظانين أنه صلى الله عليه وسلم قد يكون غلبه الوجع ، أو يكون أمره إرشاد .

قال أبو العباس القرطبي – رحمه الله - :

وقوله : ( ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده ) : لا شك في أن ( ائتوني ) أمرٌ ، وطلبٌ ، توجَّه لكل مَن حضر ، فكان حق كل من حضر المبادرةُ للامتثال ، ولا سيما وقد قرنه بقوله : ( لا تضلُّون بعده ) ، لكن ظهر لعمر رضي الله عنه ، ولطائفة معه : أن هذا الأمر ليس على الوجوب ، وأنَّه من باب الإرشاد إلى الأصلح ، مع أن ما في كتاب الله يرشد إلى كل شيء ، كما قال تعالى : ( تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء ) ، مع ما كان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوجع ، فكره أن يتكلَّف من ذلك ما يشق ويثقل عليه ، فظهر لهم : أن الأوَّلى ألا يكتب ، وأرادت الطائفة الأخرى : أن يكتب ؛ متمسِّكة بظاهر الأمر ، واغتناماً لزيادة الإيضاح ، ورفع الإشكال .

فيا ليتَ ذلك لو وقع ، وحصلَ ! ولكن قدَّر الله ، وما شاءَ فعل ، ومع ذلك : فلا عتب ، ولا لوم على الطائفة الأولى ؛ إذ لم يعنفهم النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا ذمَّهم ، بل قال للجميع : ( دعوني فالذي أنا فيه خير ) .

" المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم " ( 15 / 18 ) .

وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله - :

قال المازري : إنما جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب مع صريح أمره لهم بذلك : لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها من الوجوب ، فكأنه ظهرت منه قرينة دلت على أن الأمر ليس على التحتم ، بل على الاختيار ، فاختلف اجتهادهم ، وصمم عمر على الامتناع لِما قام عنده من القرائن بأنه صلى الله عليه و سلم قال ذلك عن غير قصد جازم .

" فتح الباري " ( 8 / 133 ، 134 ) .

2. عزمه صلى الله عليه وسلم على الكتابة : إما أن يكون بوحي نسخ ، أو باجتهاد تبين أن المصلحة في تركه .

قال النووي – رحمه الله - :

وكان النبي صلى الله عليه وسلم همَّ بالكتاب حين ظهر له أنه مصلحة ، أو أوحى إليه بذلك ، ثم ظهر أن المصلحة تركه ، أو أوحي إليه بذلك ، ونسخ ذلك الأمر الأول .

" شرح مسلم " ( 11 / 90 ) ، ونقل نحوه الحافظ ابن حجر عن المازري . ينظر: " فتح الباري " ( 8 / 134 ) .

3. الرافضة يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أوصى بالخلافة بعده لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فما لهم ولهذه الحادثة ، وما حاجتهم للتلاعب بها ، وادعاء أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب وصية لعلي رضي الله عنه بعده ؟! ولماذا لا تكون الوصية التي كانت ستكتب في هذا الكتاب : هي وصيته لأبي بكر رضي الله عنه بالخلافة من بعده ؟!

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :

ومَن توهم أن هذا الكتاب كان بخلافة علي : فهو ضال ، باتفاق عامة الناس ، من علماء السنَّة ، والشيعة ، أما أهل السنَّة : فمتفقون على تفضيل أبي بكر وتقديمه ، وأما الشيعة القائلون بأن عليّاً كان هو المستحق للإمامة : فيقولون : إنه قد نُصَّ على إمامته قبل ذلك نصّاً جليّاً ظاهراً معروفاً ، وحينئذ فلم يكن يحتاج إلى كتاب .

" منهاج السنَّة النبوية " ( 6 / 11 ) .

4. قد ثبت بأصح إسناد أن النبي صلى الله عليه أراد أن يوصي لأبي بكر الصدِّيق بالخلافة بعده ، ثم ترك الأمر ، وقال بأن المؤمنين لن يرضوا بغيره خليفة ، فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ ( لَقَدْ هَمَمْتُ - أَوْ أَرَدْتُ - أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ وَأَعْهَدَ ؛ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُونَ ، أَوْ يَتَمَنَّى الْمُتَمَنُّونَ ، ثُمَّ قُلْتُ : يَأْبَى اللَّهُ وَيَدْفَعُ الْمُؤْمِنُونَ - أَوْ : يَدْفَعُ اللَّهُ وَيَأْبَى الْمُؤْمِنُونَ - ) رواه البخاري ( 5342 ) – واللفظ له - ومسلم ( 2387 ) بلفظ :

( وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ ) .

ولسنا بالذي يهتم لهذا ، لأنه قد أبى الله والمؤمنون أن يكون خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أبا بكر .

5. وما يحصل من مراجعة بعض الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم في بعض المسائل لا يعكر على صفة الاستجابة ، والمتابعة للشرع ؛ لأنهم يراجعونه صلى الله عليه وسلم حتى يأتي الوحي بالجزم بما أخبرهم به النبي صلى الله عليه وسلم ، فيسارعون بعدها لتنفيذ الأمر.

قال النووي – رحمه الله - :

قال الخطَّابي : وقد كان أصحابه صلى الله عليه وسلم يراجعونه في بعض الأمور قبل أن يجزم فيها بتحتيم ، كما راجعوه يوم الحديبية في الخلاف ، وفي كتاب الصلح بينه وبين قريش ، فأما إذا أمر بالشيء أمر عزيمة : فلا يراجعه فيه أحد منهم .

" شرح مسلم " ( 11 / 91 ) .

وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله - :

وقد كان الصحابة يراجعونه في بعض الأمور ، ما لم يجزم بالأمر ، فإذا عزم : امتثلوا .

" فتح الباري " ( 1 / 209 ) .

6. قول عمر رضي الله عنه " حسبنا كتاب الله " : لم يكن خطاباً مع النبي صلى الله عليه وسلم ، بل هو أجلُّ من أن يفعل ذلك ، وإنما كان مخاطباً من اعترض عليه بالامتناع عن إحضار كتاب .

قال النووي – رحمه الله - :

وقول عمر رضي الله عنه " حسبنا كتاب الله " : ردٌّ على من نازعه ، لا على أمر النبي صلى الله عليه وسلم .

" شرح مسلم " ( 11 / 93 ) .

7. وقد وجَّه العلماء رحمهم الله امتناع عمر رضي الله عنه عن إحضار كتاب ليكتبه النبي صلى الله عليه وسلم بتوجيهات عديدة ، منها :

أ. إشفاقه على النبي صلى الله عليه وسلم من تكليفه في تلك الحال إملاء الكتاب ، وأن تدخل عليه مشقة من ذلك كما قال : " إن النبي صلى الله عليه وسلم اشتد به الوجع " .

ب. خشيته من طعن المنافقين ومن في قلبه مرض ، في ذلك الكتاب ، والتشكيك بناقليه ، والطعن فيهم ، وفي عدالتهم .

ج. خشيته " أن يكتب أموراً يعجزون عنها ، فيقعوا في الحرج بالمخالفة ، ورأى أن الأرفق بالأمة في تلك الأمور سعة الاجتهاد ، وحكم النظر ، وطلب الصواب ، فيكون المصيب والمخطئ مأجوراً " .

انظر : " دلائل النبوة " ( 7 / 184 ) ، " الشفا بتعريف حقوق المصطفى " للقاضي عياض (2 / 194 ) ، " شرح مسلم " للنووي ( 11 / 91 ) ، " فتح الباري " ( 1 / 209 ) .

8. وأما كلام ابن عباس رضي الله عنهما : فليس فيه طعن بالصحابة رضي الله عنهم ، وهو ممن بايع الصدِّيق ، والفاروق بعده ، وإنما أراد أن الحائل نفسه كان مصيبة ؛ لظهور الفتنة بعد ذلك ، والطعن في أولئك الأعلام .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :

وقول ابن عباس " إن الرزية كلَّ الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب الكتاب " : يقتضي أن هذا الحائل كان رزية ، وهو رزية في حق من شك في خلافة الصدِّيق ، أو اشتبه عليه الأمر ؛ فإنه لو كان هناك كتاب : لزال هذا الشك ، فأما مَن علم أن خلافته حق : فلا رزية في حقه ، ولله الحمد .

" منهاج السنة النبوية " ( 6 / 11 ) .

10. وقول ابن عباس رضي الله عنه هذا إنما هو اجتهاد منه ، ولا شك أن عمر أعلم وأجل من ابن عباس ، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن ترك الكتابة ، وعدم إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على عمر ، هو ترجيح لرأيه ، وتصويب لفعله .

قال النووي – رحمه الله - :

فكان عمر أفقه من ابن عباس ، وموافقيه .

" شرح مسلم " ( 11 / 90 ) .

وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله - :

وفي تركه صلى الله عليه وسلم الإنكار على عمر : إشارة إلى تصويبه رأيه ، وأشار بقوله " حسبنا كتاب الله " إلى قوله تعالى ( مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ) ، ويحتمل أن يكون قصد التخفيف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى ما هو فيه من شدة الكرب ، وقامت عنده قرينة بأن الذي أراد كتابته ليس مما لا يستغنون عنه ؛ إذ لو كان من هذا القبيل : لم يتركه صلى الله عليه وسلم لأجل اختلافهم .

ولا يعارض ذلك قول بن عباس " إنَّ الرزيَّةَ " الخ ؛ لأن عمر كان أفقه منه قطعاً .

" فتح الباري " ( 8 / 134 ) .

وبه يتبين بطلان ادعاء الرافضة ، في طعنهم في الصحابة رضي الله عنهم ، وخصوصاً عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ويتبين صدق السلف في أنهم أكذب الطوائف المنتسبة للإسلام ، فاحذروهم على دينكم ، ونسأل الله لكم الثبات على الإسلام والسنَّة .