الحمد لله

مقاصد سورة التوبة

‏خصائص سورة التوبة

١/ السورة الوحيدة التي لم تبدأ بالبسملة.
٢/ امتازت السورة بكثرة أسمائها بعد سورة الفاتحة.
٣/ أنها أكثر سورة تحدثت عن المنافقين وأوصافهم.
٤/ أنها أكثر سورة ذُكر فيها كلمة التوبة ومشتقاتها، إذ تكررت فيها سبع عشرة مرة.
٥/ نزل معظم السورة في أعقاب غزوة تبوك.

 
مقاصد سورة التوبة

أسماء سورة التوبة

أسماؤها التوقيفية
١) سورة التوبة
وجه التسمية: لكثرة ذكر التوبة وتكرارها فيها.

٢) سورة براءة
وجه التسمية: لافتتاحها بها.

أسماؤها الاجتهادية
١) سورة الفاضحة
وجه التسمية: لأنها فضحت المنافقين عند نزولها بإظهار نفاقهم، وكشف أسرارهم.
٢) سورة العذاب
وجه التسمية: لأنها نزلت بعذاب الكفار.
٣) سورة المقشقشة
وجه التسمية: لأنها تخلص وتبرئ من آمن بها من النفاق والشرك.
٤) سورة البحوث
وجه التسمية: لما تضمنته من ذكر المنافقين والبحث عن أسرارهم.
٥) سورة المنقِّرة
وجه التسمية: لأنها نقرت عما في قلوب المشركين.
٦) سورة الحافرة
وجه التسمية: لأنها حفرت عن قلوب المنافقين وما كانوا يسترونه.
٧) سورة المثيرة
وجه التسمية: لأنها أثارت مخازي المنافقين.
٨) سورة المبعثرة
وجه التسمية: لأنها تبعثر عن أخبار المنافقين
٩) سورة المخزية
وجه التسمية: لأن فيها خزي للمنافقين.
١٠) سورة المنكِّلة
وجه التسمية: لأنها منكلة بالمنافقين.
١١) سورة المشردة
وجه التسمية: لأنها شردت جموع المنافقين وفرقتهم.
١٢) سورة المهلكة
وجه التسمية: لأنها أهلكت المنافقين.
١٣) سورة المستقصية
وجه التسمية: لأنها استقصت أحوال المنافقين.

أغراض سورة التوبة

سورة التوبة تكشف أحوال الطوائف، بالمفاصلة مع الكافرين، وفضح المنافقين، وتمييز المؤمنين، وفصَّلت السورة أحكام الجهاد في سبيل الله، وبينت مقاصده وفضائله، والفئات التي تُجاهد، وحذرت من صفات المثبطين عنه وهم المنافقون وأمثالهم، وفتحت باب التوبة لجميع الناس مؤمنهم وكافرهم ومنافقهم، واشتملت السورة على هدفين أساسيين، وهما:
الأول: بيان التشريع الإسلامي في معاملة المشركين، وأهل الكتاب.
الثاني: إظهار ما كانت عليه النفوس حينما استنفرهم الرسول ﷺ لغزو الروم، وذلك في غزوة تبوك.
وقد تناولت السورة الطابور الخامس المندس بين صفوف المسلمين ألا وهم المنافقون الذين هم أشد خطرا من المشركين، ففضحت أساليب نفاقهم، وألوان فتنتهم وتخذيلهم للمؤمنين، حتى لم تدع لهم سترا إلا هتكته، ولا دخيلة إلا كشفتها، وتركتهم بعد هذا الكشف تكاد تلمسهم أيدي المؤمنين، فقد وصل بهم الكيد في التآمر على الإسلام، أن يتخذوا بيوت الله أوكارا للتخريب والتدمير، وإلقاء الفتنة بين صفوف المسلمين، في مسجدهم الذي عُرف باسم مسجد الضرار، فهدمه رسول الله ﷺ وأصحابه، وكفى الله الإسلام والمسلمين شرهم، وكيدهم، وخبثهم، وفضحهم إلى يوم الدين، وتعتبر سورة التوبة أكثر سور القرآن إيرادا لكلمة التوبة واشتقاقاتها، إذ تكررت في السورة سبع عشرة مرة، ورغم كون السورة تتحدث عن المنافقين والمشركين إلا أنها تدعوهم للتوبة في غير موضع منها مع بيان أن لا سبيل لهم بالنجاة إلا بالتوبة، ولهذا جمعت السورة بين الشدة والتهديد والوعيد لحملهم على التوبة إن أرادوها لأنفسهم، ولا يتأتى لهم ذلك إلا من خلال الإيمان بالله تعالى وتحصيل مقتضياته، وإن تحقق ذلك فإن الإسلام يجُبُّ ما قبله.

من هدايات سورة التوبة

{ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ }
قال علي بن أبي طالب: البسملة أمان، وبراءة نزلت بالسيف؛ فلذلك لم تبدأ بالأمان.
ابن جزي

{ فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِى ٱلدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}
فعلق الأخوة في الدين على التوبة من الشرك، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والمعلق بالشرط ينعدم عند عدمه، فمن لم يفعل ذلك فليس بأخ في الدين.
ابن تيمية

{ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ ﴿١٤﴾ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ }
وهذا يدل على محبة الله لعباده المؤمنين، واعتنائه بأحوالهم، حتى أنه جعل من جملة المقاصد الشرعية شفاء ما في صدورهم وذهاب غيظهم.
السعدي

{ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْـًٔا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ }
كانوا يومئذ [اثني] عشر ألفاً، فقال بعضهم: لن نغلب اليوم من قلة، فأراد الله إظهار عجزهم، ففرَّ الناس عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى بقي على بغلته في نفر قليل، ثم استنصر بالله، وأخذ قبضة من تراب فرمى بها وجوه الكفار، وقال: (شاهت الوجوه)، ونادى بأصحابه فرجعوا إليه، وهزم الله الكفار.
ابن جزي

{ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۗ}
والمقصود: التحذير من علماء السوء، وعباد الضلال؛ كما قال سفيان بن عيينة: من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى.
ابن كثير

{يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلْءَاخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ }
عاتبهم الله على إيثار الراحة في الدنيا على الراحة في الآخرة؛ إذ لا تنال راحة الآخرة إلا بنصب الدنيا .
القرطبي

{عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَتَعْلَمَ ٱلْكَٰذِبِينَ}
قال سفيان بن عيينة: انظروا إلى هذا اللطف: بدأ بالعفو قبل أن يعيره بالذنب.
البغوي

{ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَٰتُهُمْ إِلَّآ أَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ }
أفعال الكافر إذا كانت براً؛ كصلة القرابة، وجبر الكسير، وإغاثة الملهوف؛ لا يثاب عليها، ولا ينتفع بها في الآخرة، بيد أنه يطعم بها في الدنيا.
القرطبي

{فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ}
وهكذا كل مَن أراد استدراجه سبحانهُ؛ فإنه في الغالب يكثِّرُ أموالهم وأولادهم لنحو هذا؛ لأنهم إذا رأوا زيادتهم بها على بعض المُخلِصِين ظنوا أن ذلك إنما هو لكرامتهم، وحسن حالتهم، فيستمرون عليها حتى يموتوا, فهو سبحانهُ لم يرد بها منحتهم، بل فتنتهم ومحنتهم.
البقاعي

{كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوٓا۟ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَٰلًا وَأَوْلَٰدًا فَٱسْتَمْتَعُوا۟ بِخَلَٰقِهِمْ فَٱسْتَمْتَعْتُم بِخَلَٰقِكُمْ كَمَا ٱسْتَمْتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَٰقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِى خَاضُوٓا۟ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ}
فما صَدَّ أكثرَ هذه الأمة عن فهم القرآن: ظنُّهم أنَّ الذي فيه مِن قَصَص الأوَّلِين وأخبار المُثَابين والمُعَاقَبين مِن أهل الأديان أجمعين؛ أنَّ ذلك إنما مقصوده الإخبار والقَصص فقط, كلا, وليس كذلك؛ إنما مقصودُهُ الاعتبار والتنبيه لمشاهدة متكررة في هذه الأمة من نظائر جميع أولئك الأعداد، وتلك الأحوال والآثار.
البقاعي

{فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ }
هذه آية تتضمن وصف حالهم على جهة التوبيخ لهم، وفي ضمنها وعيد. وقوله: (الْمُخَلَّفُونَ) لفظ يقتضي تحقيرهم وأنهم الذين أبعدهم الله من رضاه، وهذا أمكن في هذا من أن يقال: «المتخلفون». ولم يفرح إلا منافق، فخرج من ذلك: الثلاثة، وأصحاب العذر.
ابن عطية

{خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ}
استحباب الدعاء من الإمام أو نائبه لمن أدى زكاته بالبركة، وأن ذلك ينبغي أن يكون جهراً؛ بحيث يسمعه المتصدق فيسكن له, ويؤخذ من المعنى: أنه ينبغي إدخال السرور على المؤمن بالكلام اللين، والدعاء له، ونحو ذلك مما يكون فيه طمأنينة، وسكون لقلبه. وأنه ينبغي تنشيط من أنفق نفقة وعمل عملاً صالحاً بالدعاء له والثناء، ونحو ذلك.
السعدي

{وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًۢا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّا ٱلْحُسْنَىٰ ۖ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ }
فدخل في معنى ذلك من بنى أبنية يضاهي بها مساجد المسلمين لغير العبادات المشروعة من المشاهد وغيرها؛ لا سيما إذا كان فيها من الضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين والإرصاد لأهل النفاق والبدع المحادين لله ورسوله ما يقوى بها شبهها بمسجد الضرار.
ابن تيمية

{ لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ }
وسماها ساعة تهويناً لأوقات الكروب، وتشجيعاً على مواقعة المكاره؛ فإن أمدها يسير وأجرها عظيم.
البقاعي

{وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا۟ كَآفَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا۟ فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُوا۟ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ }
من تعلم علماً فعليه نشره، وبثه في العباد، ونصيحتهم فيه؛ فإن انتشار العلم عن العالم من بركته وأجره الذي يُنَمَّى له، وأما اقتصار العالم على نفسه، وعدم دعوته إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وترك تعليم الجهال ما لا يعلمون، فأي منفعة حصلت للمسلمين منه؟! وأي نتيجة نتجت من علمه؟! وغايته أن يموت فيموت علمه وثمرته، وهذا غاية الحرمان لمن آتاه الله علماً، ومنحه فهماً.
السعدي

{فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ }
وهذه الآية تفيد التنويه بهذه الكلمة المباركة؛ لأنه أمر بأن يقول هذه الكلمة بعيْنِها، ولم يؤمَر بمجرد التوكل.
ابن عاشور

تمت سورة التوبة بحمد لله وفضله
كتبه الشيخ فايز السريح حفظه الله