الحمد لله

مقاصد سورة يوسف

أغراض سورة يوسف

تدور سورة يوسف حول الوعد بالتمكين بعد الابتلاء المبين، تثبيتاً ووعداً للنبي ﷺ وللمؤمنين حيث أُفردت السورة بالحديث عن قصة يوسف بن يعقوب عليهما السلام وما لاقاه من أنواع البلاء، ومن ضروب المحن والشدائد من إخوته ومن الآخرين في بيت عزيز مصر، وفي السجن، وفي تآمر النسوة عليه حتى نجَّاه الله من ذلك الضيق، فانظر إليه كيف أنه لما صبر على الأذى في سبيل الله عزوجل، نقله الله من السجن إلى القصر، وجعله عزيزا في أرض مصر، وملَّكه الله خزائنها، فكان السيد المطاع، والعزيز المكرَّم، فجاءت قصته تُبشِّر بقرب النصر، لمن تمسك بالصبر، وسار على طريق الأنبياء والمرسلين، والدعاة المخلصين، فهي سلوى للقلوب، وراحة في الخطوب، وفيها من الدروس والعبر، والعظات البالغات، وتسلية من رب البريات لرسول الله ﷺ عما يلقاه من أذى كفار قريش، وقد بينت هذه السورة أن الثقة بالله عزوجل تجعل العبد مطمئناً لقضاء الله صابراً على الابتلاء متفائلاً واثقاً بأن الفرج قادم لا محالة مهما طال الظلم والطغيان، وتعتبر قصة يوسف عليه السلام من أحسن القصص القرآني؛ لاشتمالها على ذكر حاسد ومحسود، ومالك ومملوك، وشاهد ومشهود، وعاشق ومعشوق، وإطلاق بعد حبس، وخلاص بعد سجن، وخصب بعد جدب، وسعة بعد ضيق، وفرج بعد كرب، ومنحة بعد محنة، وعز بعد ذل، واجتماع بعد فرقة، وسرور بعد حزن، وإقرار بعد إنكار؛ ولهذا قال بعض أهل العلم: (ما قرأها محزون إلا سُرِّي عنه).

 
مقاصد سورة يوسف

أسماء سورة يوسف

أسماؤها التوقيفية
سورة يوسف
وجه التسمية: لأن معظمها جاء في قصة يوسف عليه السلام.

خصائص سورة يوسف

١/ أنها انفردت بقصة يوسف عليه السلام.
٢/ تكرر فيها اسم يوسف عليه السلام ٢٥ مرة.
٣/ تعد قصة يوسف عليه السلام أطول قصة في القرآن حيث استغرق الحديث عنها ٩٧ آية.
٤/ لم يذكر فيها جنة ولا نار.
٥/ كان يقرأ بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صلاة الصبح.

من هدايات سورة يوسف

{ إِنَّآ أَنزَلْنَٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}
أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات، على أشرف الرسل، بسفارة أشرف الملائكة، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، وابتُدئ إنزاله في أشرف شهور السنة؛ وهو رمضان؛ فكَمُلَ من كل الوجوه.
ابن كثير

{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ }
قال الثوري عن بعض أصحابه أنه قال: ثلاث من الصبر: أن لا تحدث بوجعك، ولا بمصيبتك، ولا تزكي نفسك.
ابن كثير

{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيْنَٰهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ }
وفي ذكر المحسنين إيماء إلى أنّ إحسانه هو سبب جزائه بتلك النعمة.
ابن عاشور

{وَرَٰوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِۦ}
هذه المحنة العظيمة أعظم على يوسف من محنة إخوته، وصبره عليها أعظم أجراً؛ لأنه صبر اختيار مع وجود الدواعي الكثيرة لوقوع الفعل، فقدم محبة الله عليها. وأما محنته بإخوته فصبره صبر اضطرار، بمنزلة الأمراض والمكاره التي تصيب العبد بغير اختياره، وليس له ملجأ إلا الصبر عليها، طائعاً، أو كارهاً.
السعدي

{ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا رَأَوُا۟ ٱلْءَايَٰتِ لَيَسْجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٍ }
وعلى الجملة فكل أحوال يوسف عليه الصلاة والسلام لطف في عنف, ونعمة في طي بلية ونقمة, ويسر في عسر, ورجاء في يأس, وخلاص بعد لات مناص, وسائق القدر ربما يسوق القدر إلى المقدور بعنف, وربما يسوقه بلطف, والقهر والعنف أحمد عاقبة وأقل تبعة.
البقاعي

{إِنَّا نَرَىك مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ}
كان إذا مرض إنسان في السجن عاده وقام عليه، وإذا ضاق عليه المجلس وسع له، وإذا احتاج جمع له شيئاً، وكان يجتهد في العبادة، ويقوم الليل كله للصلاة.
البغوي

{إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }
الحكم لله وحده، ورسله يبلغون عنه؛ فحكمهم حكمه، وأمرهم أمره، وطاعتهم طاعته؛ فما حكم به الرسول وأمرهم به وشرعه من الدين وجب على جميع الخلائق اتباعه وطاعته؛ فإن ذلك هو حكم الله على خلقه.
ابن تيمية

{وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦٓ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ }
وترتّب هذا القول على تكليمه إياه دالّ على أن يوسف -عليه السلام- كلّم الملك كلام حكيم أديب، فلما رأى حسن منطقه، وبلاغة قوله، وأصالة رأيه؛ رآه أهلاً لثقته، وتقريبه منه.
ابن عاشور

{وَقَالَ يَٰبَنِىَّ لَا تَدْخُلُوا۟ مِنۢ بَابٍ وَٰحِدٍ وَٱدْخُلُوا۟ مِنْ أَبْوَٰبٍ مُّتَفَرِّقَةٍ}
فيها دليل على التحرز من العين، والعين حق، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن العين لتدخل الرجل القبر، والجمل القدر)، وفي تعوذه -عليه السلام-: (أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة) ما يدل على ذلك.
القرطبي

{فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِى رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَٰرِقُونَ}
جواز استعمال المكايد التي يتوصل بها إلى الحقوق، وأن العلم بالطرق الخفية الموصلة إلى مقاصدها مما يحمد عليه العبد، وإنما الممنوع التحيل على إسقاط واجب، أو فعل محرم.
السعدي

{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا ۚ}
ذكر الله الصبر الجميل، و الصفح الجميل، و الهجر الجميل؛ فالصبر الجميل: الذي لا شكوى معه، والهجر الجميل: الذي لا أذى معه، والصفح الجميل: الذي لا عتاب معه.
ابن تيمية

{فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ قَالُوا۟ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَٰعَةٍ مُّزْجَىٰةٍ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدِّقِينَ ﴿٨٨﴾ قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَٰهِلُونَ}
لما شكوا إليه رقَّ لهم، وعرّفهم بنفسه.
ابن جزي

{قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَٰطِـِٔينَ}
ولما سألوه الاستغفار لذنوبهم عللوه بالاعتراف بالذنب؛ لأنَّ الاعتراف شرط التوبة.
البقاعي

{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ }
فهم مؤمنون بربوبيته، مشركون في عبادته؛ كما قال النبي ﷺ لحصين الخزاعي: (يا حصين كم تعبد؟) قال: سبعة آلهة: ستة في الأرض وواحدا في السماء. قال: (فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟) قال: الذي في السماء. قال: (أسلم حتى أعلمك كلمة ينفعك الله تعالى بها)؛ فأسلم، فقال: (قل: اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي).
ابن تيمية

{قُلْ هَٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى ۖ وَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ }
قال عبد الله بن مسعود: من كان مستنا فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة. أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: كانوا خير هذه الأمة، وأبرها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا؛ قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم.
البغوي

{لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}
والهُدى الذي في القصص: العبر الباعثة على الإيمان والتقوى بمشاهدة ما جاء من الأدلة في أثناء القصص على أن المتصرف هو الله تعالى، وعلى أن التقوى هي أساس الخير في الدنيا والآخرة، وكذلك الرحمة؛ فإن في قصص أهل الفضل دلالة على رحمة الله لهم وعنايته بهم.
ابن عاشور

تمت سورة يوسف بحمد لله وفضله
كتبه الشيخ فايز السريح حفظه الله