الحمد لله

البشارات بالنبي محمد ﷺ في الكتب السابقة

ammar
مشاركة ammar

البشارات بخاتم النبيين ﷺ

لئن كان حال العالم قبل البعثة النبوية مضطربا في العقائد والقيم، غارقا في المفاسد والرذائل، فإن بشارات الأنبياء السابقين أكدت أن ذلك لن يستمر إلى الأبد؛ إذ إن الله رحيم بالإنسانية مشفق عليها، وكان من رحمته سبحانه اختيار محمد ﷺ ليقوم بهذه المهمة العظيمة، ويرد الناس إلى الحق ويحجزهم عن الضلال والضياع.

وحين يذكر القرآن الكريم بشارات الأنبياء السابقين بمحمد ﷺ و الذي لن يقبضه الله تعالى حتى تستقيم به الملة المعوجة، وتفتح به القلوب الغلف، فهو يؤكد الحقيقة المستمرة في وحدة الدعوة الربانية، التي حملها الأنبياء للناس جميعا، يقول تعالى : (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) .

لقد حملت الكتب السماوية السابقة بشارات عديدة تتحدث عن بعثة نبي، هو خاتم النبيين، وكانت هذه البشارات منتشرة بين أهل الكتاب من

اليهود والنصارى، بل إن تلك الكتب ذکرت موطن النبي المنتظر وسجاياه وصفات أصحابه، كما قال الله تعالى : (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار)

ولعل تلك البشارات كانت السبب الذي أغرى طوائف من اليهود والنصارى بالسكني في بلاد العرب، يتطلعون إلى ذلك اليوم الذي يبعث فيه نبی آخر الزمان، يعلمهم الكتاب والحكمة ويهديهم إلى صراط مستقیم فتسعد حياتهم.

لقد أخذ الله تعالى العهد على أنبيائه، لئن أدركوا محمدا ﷺ لينصرنه ويتبعونه، ومن أجل هذا العهد اشتملت التوراة التي نزلت على موسى عليه السلام، والإنحيل الذي نزل على عيسى عليه السلام ، على وصايا وعهود تحث الأتباع على الإيمان بمحمد ﷺ النبي الأمي، الذي سيرسل رحمة للعالمين. وقد عينت هذه الكتب اسم الرسول وأوصافه تعيينة لا يحتمل اللبس والشك، ومع أنه جرى التغيير والتبديل على أجزاء من تلك الكتب السماوية، فإن بعض البشارات لم تمسح منها نهائيا، طمعا في أن يكون النبي المنتظر مواليا لجماعة منهم.

وجدير بالقول: إن رسالة محمد ﷺ ما كانت تستمد ثبوها وقوتها من شهادات الأمم السابقة، وإنما من ذاتها ومحتواها، لما تتضمنه من صدق البيانات الناطقة بأنها حق، وأنها من عند الله العزيز الحكيم.

أما البشارة التي في التوراة فأشار إليها البخاري: عن عطاء ابن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص وكان قد وقع على حمل بعير من كتب أهل الكتاب، فقلت: أخبرني عن صفات رسول الله ﷺ ، قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفاته في القرآن: ثم قرأ علي: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحِرْزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح... .

وثمة بشارة لا تقل وضوح وجلاء عما قبلها، وهي مذكورة في سفر " تثنية الاشتراع " من الكتاب المقدس الذي بيد اليهود، وفيها: (( جاء الرب من سيناء، وأشرق من ساعير، و استعلن من فاران )). والمجيء من سيناء إشارة إلى مسير موسى عليه السلام الذي يحمل كلمة الرب، والإشراق من ساعير التي هي جبال في فلسطين، يشير إلى ظهور عیسی کلمة الله وروحه، أما فاران: فمن المسلم به أنه الاسم القديم للجبال المحيطة بمكة، حيث ظهر فيها النبي ﷺ . وما مجيء الرب في العبارة الآنفة إلى تباشير بانتشار رسالاته وظهور أوامره، على لسان رسله الثلاثة: موسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

هذا، وقد تأثر بعض أحبار اليهود بهذه البشارات، والتمسوا تفسيرها الصحيح، فوجدوه في أتباع محمد ﷺ . فهذا عبد الله بن سلام سيد قومه اليهود، يؤمن بمحمد رسول الله ﷺ لما تبين له أنه الحق الذي بشرت به التوراة، وينضم إلى أصحاب النبي  ﷺ الذين آمنوا به وعروه ونصروه. وفعل زید بن سعنة مثل ذلك، فخلد اسمه في أصحاب رسول الله ﷺ ، الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وعلى هذه الخطوات الثابتة سار کعب الأحبار، الذي انتقل من اليهودية إلى الإسلام فعد من كبار علماء التابعين.

أما البشارات التي حملها الإنجيل، فقد ذكرها البيهقي فيما رواه عن ابن عباس: أن الجارود بن عبد الله، قدم على الرسول ﷺ يريد الإسلام وقال: (( والذي بعثك بالحق لقد وجدت وصفك في الإنجيل، ولقد بشر بك ابن البتول - يعني عیسی بن مریم . )). وفي هذا النص دلالة على أن صفات النبي محمد ﷺ  كانت معروفة من الكتب السماوية في القرن السابع للميلاد.

وأما الأناجيل الحالية ولا سيما إنجيل " برنابا " ففيها بشارات وأوصاف لا تنطبق إلا على النبي محمد  ﷺ ، جاء في الإصحاح الثالث والعشرين من إنجيل " متی " على لسان المسيح يخاطب أتباعه قبل رفعه إلى السماء ويقول: (( إنكم لن تروني من الآن حتى تقولوا : مبارك الآتي باسم الرب )). أليس في هذا بشارة أن القادم بعده باسم الرب رجل مبارك؟ وهل جاء بعد عیسی رسول سوی محمد ﷺ ؟

يضاف إلى ما تقدم: أن الأناجيل الحالية فيها أيضأ نصوص تبشر " بالفارقلیط ". وهذا اللفظ يقابله في الترجمة العربية لفظ " أحمد " الذي ذكره الله تعالى في القرآن على لسان عيسى اللي فقال: (  وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ). ومن المتفق عليه عند البخاري ومسلم: أن من أسماء النبي أحمد ومحمد، بل إنه لم يأت بعد عیسی من تسمى بأحمد وحمل النبوة غير محمد خاتم النبيين ﷺ !

وقد تأثر المخلصون من النصارى بما تقدم ذكره في كتابهم، فآمنوا بالنبي المنتظر، کالنجاشي ملكة الحبشة، والجارود الذي تقدم ذكره آنفا.

ومن الجدير بالذكر إن العرب كانت تسمع من أهل الكتاب أخبارا تبشر بنبي اسمه محمد، فطمع نفر منهم أن تتحقق النبوة في أولادهم، فراحوا يسموهم باسم محمد، ومن هؤلاء الذين سموا بذلك في الجاهلية: محمد بن سفیان جد الفرزدق، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، ومحمد بن حسان الجعفي، وغيرهم).

أخرج البيهقي والطبراني، أن رجلا سأل محمد بن عدي بن ربيعة: كيف سماك أبوك في الجاهلية محمد؟ قال: أما إني سألت أبي عما سألتني عنه فقال: خرجت مع نفر من بني تميم، فلما وردنا الشام نزلنا على غدير عليه شجرات، فأشرف علينا راهب فقال: من أنتم؟ قلنا: قوم من مضر. قال : أما إنه سوف يبعث فيكم نبي، فسارعوا إليه وخذوا بحظكم منه ترشدوا ، فإنه خاتم النبيين. فقلنا: ما اسمه؟ قال: محمد. فلما رجعنا إلى أهلنا وولد لكل واحد منا ولد سماه محمد..

وهكذا تضمنت دعوات الأنبياء السابقين وكتبهم بشارات تحققت في شخص محمد رسول الله ﷺ ، وصدق الله حيث يقول: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ  .

قبسات تربوية من السيرة النبوية
تأليف أ.د. حسن أبو غدة حفظه الله