تسجيل الدخول


هل الزواج أولى أم قضاء الدين

 (دائن يريد ماله، ومدين يريد الزواج).
فأما بالنسبة للدائن، فنذكره بقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:280]، قال الإمام السعدي رحمه الله: "﴿وإن كان﴾ المدين ﴿ذو عسرة﴾ لا يجد وفاءً ﴿فنظرة إلى ميسرة﴾ وهذا واجب عليه أن ينظره حتى يجد ما يوفي به، ﴿وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ إما بإسقاطها أو بعضها".
وقال ﷺ: «كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ» متفق عليه.
فالدائن بين أمور:
1- إنظار المعسر، أي تمديد الأجل؛ حتى يتمكن من الوفاء.
2- إسقاط الدين أو بعضه.

أما المدين؛ فواجب عليه القضاء، وإن كان معسراً فعليه أن يتفق بالكلمة الطيبة مع الدائن على التأجيل حتى يتيسر له القضاء، أو يقسط عليه المبلغ على دفعات حسب قدرته.
أما إن كان لديه ما يكفي لقضاء الدَّين، ولكنه يريد الزواج؛ فهنا تفصيل:
•  إن كان يستطيع الجمع بين قضاء الدين والزواج؛ فعليه ذلك.
•  إن كان يعجز عن الجمع بين قضاء الدين والزواج، ويخاف على نفسه الفتنة بتأجيل الزواج؛ فليطلب بكلمة طيبة من الدائن إنظاره، أو تقسيط المبلغ حسب الإمكان، ويمكنه الاستعانة بمن يشفع له عند الدائن للتأجيل أو التقسيط.
•  إن كان يعجز عن الجمع بين قضاء الدَّين والزواج، ولا يخاف على نفسه الفتنة، ويستطيع الصبر على تأخر الزواج؛ فيجب عليه سداد ما عليه من دين.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
"إذا كان الذي حلَّ عليه القسط قادرًا على الوفاء فلك الحق في مطالبته ورفع أمره إلى ولاة الأمور ليخرجوا حقك منه، وأما إذا كان معسرا فإنه ليس لك أن تطلبه، ولا أن تطالبه، ولا أن ترفعه إلى ولاة الأمور؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وإنني بهذه المناسبة أحذر إخواننا الذين يكون لهم ديون على المعسرين فيؤذون هؤلاء المعسرين بالطلب والمطالبة، ويرفعونهم إلى الجهات المسئولة، وهذا الدائن لا شك أنه آثم إذا طالب المعسر بوفاء الدين؛ لأنه عاصٍ لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وأما بالنسبة للمدينين فإنني أوجه إليه نصيحةً بأن يتقوا الله في أنفسهم، وأن لا يستدينوا شيئًا إلا عند الضرورة القصوى التي لابد لهم منها، وذلك لأن الدين خطره عظيم، فإنه همٌّ في الليل، وذلٌّ في النهار.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يفتح الله عليه إذا قُدِّم إليه الميت يسأل: «أعليه دين لا وفاء له؟!» فإن قالوا: نعم، لم يصلِّ عليه صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على عظم الدَّين.
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الشهادة في سبيل الله هل تكفر الخطايا؟! فقال: «نعم» ثم أدبر الرجل، فناداه فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إلا الدَّين.. أخبرني بذلك جبريل آنفًا».
فإذا كانت الشهادة في سبيل الله لا تكفر الدَّين، وتكفر ما سواه من المعاصي؛ كان ذلك دليلًا على عِظَمه، وأنه أمر يعيق الإنسان عن الوصول إلى درجات الكمال.
ثم أني أنصحهم مرة أخرى إذا دعت الضرورة إلى الاستدانة، واستدانوا، أنصحهم أن لا يماطلوا في حق الدائن ويؤخروه؛ فإن ذلك ظلم؛ لقول النبي ﷺ: «مطل الغني ظلم»، والمطل يكون إذا حلَّ الحق، والغني هو القادر على الوفاء، فإذا حلَّ حق الدائن وكان المدين قادراً على الوفاء؛ فإنه يجب عليه المبادرة بوفائه، وإذا تأخر ساعة فهو آثم وساعتين فهو أشد إثماً، وثلاثة ساعات فهو أشد إثماً، وهكذا كلما زادت الساعات في تأخيره للوفاء ازداد بذلك إثماً، ثم إنه ربما يعاقب فيسلب هذا المال الذي كان به قادراً على الوفاء، ويندم حين لا ينفع الندم" انتهى كلامه رحمه الله.
والله أعلى وأعلم.


 


المجيب:  عبد الله المحيسني

شكرا لدعمكم

تم تأسيس موقع القرآن الكريم بالرسم العثماني و موقع الحمد لله كبادرة متواضعة بهدف خدمة الكتاب العزيز و السنة المطهرة و الاهتمام بطلاب العلم و تيسير العلوم الشرعية على منهاج الكتاب و السنة , وإننا سعيدون بدعمكم لنا و نقدّر حرصكم على استمرارنا و نسأل الله تعالى أن يتقبل منا و يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم .
مجتمعنا القرآن الكريم