الحمد لله

ما حكم من دخل المسجد والامام يخطب يوم الجمعة

أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة ركعتين تحية المسجد، وإن كان الإمام يخطب، فإنه لا تعارض بين الأمر بالإنصات وبين هذه الصلاة؛ فهي من ذوات السبب التي حث عليها الشارع.
وقد كان صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقون؛ وذلك لمناسبتهما في الأمر بتعظيم هذه الصلاة، وترك التشبه بالمنافقين في التباطؤ عن الصلاة وعدم التبكير لها، وترك التشبه باليهود الذين لم يلتزموا بالتوراة ولم يعملوا بما فيها.

الجمعة

شرح حديث جابر في أمر النبي صلى الله عليه وسلم الداخل وقت الخطبة بالصلاة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 [ وعن جابر رضي الله عنه قال: ( دخل رجل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: صليت؟ قال: لا.
قال: قم فصل ركعتين ) متفق عليه ].
تقدم النهي عن الكلام وقت الخطبة، وأن من قال للمتكلم: أنصت فقد لغى، ومن لغى فلا جمعة له.
ويأتينا هنا عن جابر رضي الله عنه أن رجلا دخل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، ولم يسم الرجل، وعدم تسمية هذا الرجل لا يضر في الحديث؛ لأنه صحابي، والصحابة جميعا لا يبحث عن عدالتهم، وأيا كان فهو رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعبرة بـ جابر ، وهو معروف، وهو الذي يروي القصة.
فدخل هذا الرجل -وقد سمي، وهو سليك الغطفاني رضي الله عنه- والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، والغالب أن تكون الخطبة للصلاة، وليست لأمر آخر، وليست قبل الظهر أو بعد العصر أو غير ذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (صليت؟) بحذف همزة الاستفهام، وفي بعض الروايات: ( أصليت؟ ) أي: أصليت ركعتين تحية المسجد؛ فقال الرجل: لم أصلهما، فقال صلى الله عليه وسلم: (قم فصل ركعتي)ن، وفي بعض الروايات: ( وتجاوز فيهما ) يعني: خفف القراءة وخفف الصلاة حتى لا تستغرق وقتا طويلا.
وهذا الحديث على وجازة لفظه، يتكلم عليه ابن حجر رحمه الله في فتح الباري بما يقرب من أربع صفحات، ويبحثه من عدة جوانب.

 

حكم صلاة تحية المسجد لمن دخل والإمام يخطب
وأهم ما يقال في هذا أن الرجل الذي دخل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب جلس فسأله، ثم أمره، فيأتي الكلام في هذا الحديث من جهة تحية المسجد، والصلاة وقت النهي عن النوافل، والاشتغال عن الخطبة، وقد جاء به المؤلف بعد الأمر بالإنصات والنهي عن تنصيته، فما حكم هذا الحديث مع ما تقدم؟ إن أكثر العلماء جعلوا بين الحديث الذي معنا والذي قبله تعارضا؛ لأن الأول فيه: ( والذي يقول أنصت ليست له جمعة )، وهذا سيشتغل بصلاة ركعتين والإمام يخطب، فهل أنصت؟ قالوا: اشتغل عن الإنصات والإصغاء للخطيب بالصلاة فحصل تعارض، ومن هنا وقع الخلاف بين الأئمة رحمهم الله.
و ابن حجر يقول: الشافعي رحمه الله ومن وافقه يقولون: يصلي لهذا النص، ويجيبون عن حديث الإنصات بأجوبة أوصلها ابن حجر إلى تسعة أجوبة، والآخرون وهم مالك ومن وافقه يقولون: لا يصلي.
فـ الشافعي عمل بهذا النص في هذا الموطن، و مالك وأهل المدينة جميعا ما عدا ابن المسيب عملوا بالأحاديث الأخرى، وقالوا: لو أن كل داخل سيكلمه الخطيب بأن يقوم لاشتغل الخطيب بتنبيه الناس عن الخطبة، ولحصل تقطيع الخطبة وعدم المتابعة، فقالوا: لا يصلي.
ثم بنوا الكلام على كون الإصغاء فرضا أو ليس بفرض؟ ثم هل تحية المسجد واجبة أو سنة؟ ثم على وقت النهي، ونحن نعلم أن أوقات النهي سبعة، منها حين الخطبة.
ولكن الذين يقولون بحديث سليك قالوا: النهي عن الصلاة وقت الخطبة للحاضر الجالس الموجود قبل أن يأتي الإمام، فلا يحق له بعد مجيء الإمام وصعوده المنبر وشروعه في الخطبة أن ينشئ صلاة النافلة؛ لأنه مطالب بأن يصغي إلى الإمام وأن ينصت، أما القادم من الخارج فهو خارج عن هذا النهي.
والآخرون أيضا كـ الشافعي قالوا: إذا صح أن يصلي القادم وقت الخطبة وهي وقت نهي فإن النهي لا يتناول عموم ذوات الأسباب، وجعلوه من أدلتهم؛ لأنه أجاز له النبي صلى الله عليه وسلم، بل أمره أن يصلي وقت النهي وهو وقت الخطبة، والجمهور قالوا: إن هذه قضية عين في هذا الشخص ولعل لها أسبابا.
وقالوا: من أسبابها أن سليكا دخل بثياب رثة، والرسول صلى الله عليه وسلم أراد له أن يقوم فيصلي فيراه الناس لعلهم يتصدقون عليه، وأجيب عن ذلك بأن ذلك تكرر منه ثلاث مرات، وفي أول مرة تصدق عليه بثوبين، ففي المرة الثانية جاء وعليه ثوب منهما وقد تصدق بالثوب الثاني، فقيل له: لا تفعل.
أي: لا تتصدق وأنت محتاج، فحمل بعضهم قول (لا تفعل) على أن المراد: لا تجلس حتى تصلي ركعتين وإذا جئنا إلى مجمل القول في تحية المسجد فإننا نعلم جميعا بأنها من السنن وليست من الواجبات.
وقد استدل ابن حزم وغيره بحديث الرجل الذي جاء من نجد وسأله: ( ماذا فرض الله علي من الصلوات؟ قال: خمس صلوات في اليوم و الليلة )، قالوا: لو أننا جعلنا تحية المسجد واجبة كالظهر والعصر لكان المكتوب ستا لا خمسا، بل قد تكون عشرا، فكلما دخل وجب عليه أن يصلي، ولكن جنسها يكون سادسا مع الخمس.
فهي سنة وليست بواجبة.

 

حكم الإنصات للخطبة والترجيح بينه وبين تحية المسجد للداخل
وأما الخلاف في الإصغاء أهو واجب أو ليس بواجب فالجمهور على وجوبه، بدليل أن الكلام يلغي فضل الجمعة، وأما هل تجزئه عن الظهر أو لا فهذا خلاف آخر.
فالإصغاء إلى الخطبة أهم من تحية المسجد، ولو كان الأمر كذلك لكان تقديم الإصغاء على تحية المسجد مقدما، ولكن -كما يقول العلماء- لا نقيس وعندنا نص، فهذا رجل دخل فسأله النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أمره أن يقوم فيصلي، وبذلك استدل أيضا بعض العلماء على أن تحية المسجد لا تسقط بالجلوس؛ لأنه بعدما جلس قال ل: (هقم فصل ركعتين)، وبعضهم يقول: إلا يوم الجمعة.
فالخلاف في ذلك طويل، و مالك رحمه الله وأهل المدينة يعتبرون اتفاق أهل المدينة على عدم الصلاة وقت الخطبة للقادم وللجالس على عموم النهي، ولكن جاء أن أحد فقهاء المدينة السبعة سعيد بن المسيب رحمه الله ورضي الله عنه دخل و مروان بن الحكم -وهو أمير المدينة- يخطب، فقام ليصلي ركعتين، فجاء حرس مروان الأمير ليمنعوه، فلم يمتنع حتى صلى الركعتين، ثم قال: ما كنت لأدعهما وقد سمعت أن النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بهما.
ثم الذين يقولون بهما قالوا: ورد الأمر بالإصغاء والإنصات هو حتى لا تشغل غيرك، ولا تشوش على الآخرين، وهذا المصلي لم يتكلم مع غيره، ولم يشوش على غيره، وصلاته لا تمنعه أن يسمع خطبة الإمام؛ لأنه يصلي صلاة سرية، والخطبة تأتي إلى مسامعه، فقد يسمع ذلك ولا يفوته منها شيء.
ثم مراعاة للواقع جاء في الحديث: (وتجوز)، ومعنى ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد لحظ ما يجب على المصلي من الإصغاء، ولحظ ما ينبغي للقادم من الصلاة، فجمع بين الأمرين: الإصغاء مع الصلاة، فالإصغاء في كونه يتجوز، أي: يخفف ويقصر الزمن، فلا يفوته الكثير من الخطبة، ويأتي بتحية المسجد فلا يضيعها، ويكون قد جمع بين الأمرين.
والجمهور على أنه يترك ولا يصلي، و الشافعي رحمه الله على أنه يصلي ويتجوز فيهما، وعلماء الحديث قاطبة على تقديم هذا الحديث على العمومات الأخرى، قالوا: عمومات النهي يخصصها القادم يوم الجمعة وقت الخطبة، وأحاديث النهي عن الصلاة في الأوقات السبعة على ما هي عليه، وهذه خصت كما خصت الصلاة بعد العصر بقضاء الفائتة، وكما خصت غيرها بصلاة الكسوف أو غيرها في أوقات النهي، فهذا الحديث يخصص عمومات النهي عن الصلاة في تلك الأوقات.
ومن أجوبتهم أيضا: أن الحديث قد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه بأنه دخل رجل والنبي يخطب، وليس فيه ذكر يوم الجمعة، قالوا: فلعل ذلك يكون في غير يوم الجمعة فيكون بعيدا من الوقت المنهي عنه.
ولكن أجيب عن ذلك بأنه صرح في الحديث أنه كان يخطب يوم الجمعة، ومعلوم عندنا أن الجنس يقدم فيه أعلاه، فالخطبة أعلاها في الإسلام هي خطبة الصلاة ليوم الجمعة، ولا يكون يوم الجمعة خطبة في العادة إلا للصلاة، وقد تكون خطبة بعد العصر أو في الضحى لأمر آخر، لكن إذا أطلقت انصرف المعنى إلى خطبة الصلاة وخطبة الجمعة بذاتها، وعلى هذا فالأنسب للقادم إلى المسجد والإمام يخطب أن يصلي الركعتين متجوزا فيهما.

 

وقوف المتأخر إلى نهاية الخطبة الأولى ثم يصلي تحية المسجد
وقد نشاهد بعض الناس يظل واقفا إلى أن ينتهي الإمام من الخطبة الأولى، ثم ينشئ الصلاة، أو يجلس حتى إذا بدأ الإمام في الخطبة الثانية قام وصلى، والخطبة الثانية والخطبة الأولى سواء، وما دام أنه قد أذن لنا النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة حينما يدخل الإنسان وقبل أن يجلس، فليصلها ولا يظل واقفا، حتى إن بعضهم قال: لا يدخل المسجد حتى لا يتعارض وجوب الإصغاء مع الأمر بالصلاة، وهذا شيء عجيب، فهو يفوت على نفسه سماع الخطبة ويخالف بذلك الحديث.
وعلى من أتى الجمعة أن يحاول أن يبكر قبل أن يجيء الإمام؛ لأن هذا سنة، وقد قيل: أول سنة تركت هي التبكير يوم الجمعة.
و عمر رضي الله عنه يعاتب عثمان رضي الله عنه حينما دخل المسجد و عمر يخطب، فقال: أي ساعة هذه؟ قال: والله يا أمير المؤمنين! ما لبثت أن سمعت النداء فتوضأت فأتيت.
قال: والوضوء أيضا؟ يعني: وأيضا ما اغتسلت! فهنا عمر رضي الله عنه ما قبل من عثمان أن يتأخر حتى يأتي وقت الخطبة، وهل عمر عاتب كل إنسان؟ وهل جاءنا أن عمر عاتب كل من تأخر؟ والجواب: لا، فالناس لهم أعذارهم، ولكن عثمان من أئمة الصحابة ومن قادتهم، وصدور الشيء من قادة الناس بخلافه من عامتهم، كما قال عمر لـ طلحة وقد رآه لابسا ثوبا مصبوغا: ما هذا يا طلحة ؟ وقد علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن الصبغ بالورس والزعفران! -والورس والزعفران يعطيان لونا أحمر- قال: يا أمير المؤمنين! ما هو بورس ولا زعفران، وإنما هي المغرة.
قال: يا طلحة ! إنك من أصحاب رسول الله -أي: من طليعتهم ومن أكابر أصحاب رسول الله- فلعل رجلا يراك بهذا فيظن أنك صبغت بورس وزعفران، وأنتم أئمة يقتدى بكم.
فلما كان طلحة من الذين يقتدى بهم كان عليه أن يتباعد عما فيه الشبهة؛ لئلا يظن جاهل أنه ارتكب ما نهي عنه، فيقتدي به، وكذلك عثمان إمام يقتدى به، فإذا كان عثمان يتأخر فمن سيتقدم؟ ولكن كما يقولون: الناس لها أعذارها.
ولذلك لما آلت الخلافة إلى عثمان رضي الله عنه أنشأ أذانا قبل الوقت على الزوراء، والزوراء كانت عند باب الشام الذي فيه الآثار القديمة، ويبعد عن المسجد النبوي حوالي أربعمائة متر، وكان في سوق كما يقال، أو عند مخازن الزيت أو أحجار الزيت، وكان في وسط سوق المدينة، فكان المؤذن بأمر عثمان يؤذن قبل الوقت لينقلب أهل السوق إلى بيوتهم ليتهيئوا للجمعة، وليحضروا إلى المسجد قبل أن يدخل وقت الأذان الذي به تكون الصلاة، وذلك لأنه لما وقع فيما وقع فيه قال: ما لبثت أن سمعت الأذان فتوضأت وجئت.
يعني: لو كان هناك تنبيه قبل هذا كنت جئت، فهو أحدث التنبيه السابق ليتهيأ الناس قبل الوقت، وليأتوا متهيئين؛ لئلا يفوتهم أول خطبة الإمام يوم الجمعة.
فالواجب على الإنسان التبكير، ويذكر بعض العلماء أن أهل المدينة كانوا ربما قدموا إلى الجمعة ومعهم المصابيح تضيء لهم الطريق، أي: كانوا يجيئون فيصلون الصبح ثم يقعدون،كما يحصل في صلاة العيد، حيث يبكر الناس لأجل الأماكن، وقد جاء في الحديث: ( من راح في الساعة الأولى فكأنما قدم بدنة ...) إلخ، فالواجب أن يبادر الإنسان إلى الجمعة، فإذا ما تأخر لعذر وجاء والإمام يخطب فليصل ركعتين كما في هذا الحديث.
وبعضهم يجيب عن هذا الحديث بكونها قضية عين، ومعنى أنها قضية عين عند الفقهاء أنها خاصة بشخص معين، وأنه حديث غير عام، فلم يقل: من أتى والإمام يخطب فليركع ركعتين ويخفف فيهما، فلو جاء مثل هذا النص لكان تشريعا عاما، فقالوا: هي قضية عين؛ إذ أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يلفت الأنظار إلى سليك ليتصدق الناس عليه.
فقالوا: لا يصلح هذا أن يكون دليلا لجميع الناس، ولكن يجيب بعض العلماء على أن قضية العين أعقبها تشريع عام، حيث قال: ( قم فصل ركعتين وتجوز فيهما )، ثم قال: ( من أتى والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما )، فانتهت قضية العين وأعقبها تشريع عام لكل من أتى، وبعضهم يقول: هذا الحديث ضعيف لا يقاوم الأحاديث الأخرى.
والأرجح في ذلك العمل بهذا الحديث، فعلى الداخل أن يصلي ركعتين خيفيفتين، والله تعالى أعلم.

 

شرح بلوغ المرام للشيخ عطية محمد سالم

عمليات بحث متعلقة بـ تحية المسجد يوم الجمعة

تحية المسجد يوم الجمعة وقت الاذان

إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب

هل يجوز الصلاة اثناء خطبة الجمعة للنساء

ركعتين تحية المسجد اثناء خطبة الجمعة

هل ياثم من ترك تحية المسجد