تسجيل الدخول


mohmmad

محمد الشافعي

ٌﻳﻨﻜﺴﺮ ﺍﻟﺰﺟﺎﺝ

()

  • محمد الشافعي
    بيع المكره وبيع التلجئة :       بيع المكره :       قال جمهور الحنفية : إن عقود البيع والشراء والإيجار ونحوها من المكره إكراهاً ملجئاً أو غير ملجئ تكون فاسدة، لأن الإكراه يزيل الرضا الذي هو شرط...
  • محمد الشافعي
    عقد البيع       تعريف البيع :       البيع لغة : مقابلة شيء بشيء، وهو من أسماء الأضداد أي التي تطلق على الشيء وعلى ضده، مثل الشراء كما في قوله تعالى : {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} [يوسف: 20] أي...
    • محمد الشافعي
      محمد الشافعي

        5- تعيب المبيع : فيه تفصيل أيضاً، لأن الخيار إما أن يكون للبائع أو للمشتري.

            آ- فإن كان الخيار للبائع : فيسقط خياره إذا تعيب المبيع بآفة سماوية أو بفعل البائع، سواء أكان المبيع في يد البائع أم في يد المشتري، لأنه هلك بعض المبيع بلا بدل عنه، إذ لا يجب الضمان على البائع، لأن المبيع ملكه، فينفسخ البيع في هذا البعض، ولا يمكن بقاء العقد في الجزء الباقي، لما يترتب عليه من تفريق الصفقة على المشتري قبل تمام العقد، وهو لا يجوز.

            فإذا تعيب المبيع بفعل المشتري، أو بفعل أجنبي لم يبطل البيع، ويبقى البائع على خياره لأنه يمكنه إجازة البيع فيما بقي وفيما نقص، لأن قدر النقصان انتقل إلى بدل عنه : وهو الضمان بالقيمة على المشتري أو الأجنبي لإتلافهما ملك الغير بغير إذن، فكان قدر النقصان قائماً معنى.

            وإذا بقي البائع على خياره والمبيع في يد المشتري : فإما أن يجيز العقد أو يفسخ : فإن أجاز البيع، وجب على المشتري جميع الثمن، لأن البيع جاز في الكل، ولا يكون للمشتري خيار الرد بحدوث التغير في المبيع، لأنه حدث في يده وفي ضمانه.

            غير أنه إذا كان التعييب بفعل المشتري، فلا سبيل له على أحد، لأنه ضمن القيمة بفعل نفسه، وإن كان بفعل الأجنبي فللمشتري أن يتبع الجاني بالأرش "أي الغرامة" لأنه بإجازة البيع ملك المبيع، من وقت البيع فحصلت الجناية على ملكه.

            وإن فسخ البائع العقد ينظر :

            إن كان التعييب بفعل المشتري : فإن البائع يأخذ الباقي، ويأخذ أرش الجناية من المشتري لأن المبيع كان مضموناً على المشتري بالقيمة، وقد عجز عن رد ما أتلفه بالجناية، فعليه رد قيمته.

            وإن كان التعييب بفعل أجنبي : فالبائع بالخيار إن شاء اتبع الجاني بالأرش، لأن الجناية حصلت على ملكه، وإن شاء اتبع المشتري لأن الجناية حدثت في ضمان المشتري.

            فإن اختار اتباع الأجنبي : فالأجنبي لا يرجع على أحد، لأنه ضمن القيمة بفعل نفسه، وإن اختار اتباع المشتري، فالمشتري يرجع بما ضمن من الأرض على الجاني، لأن المشتري بأداء الضمان قام مقام البائع في حق تملك بدل الشيء المجني عليه، وإن لم يقم مقامه في حق ملك نفس الشيء المجني عليه.

            ب- وإن كان الخيار للمشتري : فيسقط خياره بالتعييب ولا ينفسخ البيع سواء حصل بآفة سماوية أو بفعل البائع، أو بفعل المشتري أو بفعل الأجنبي لأن في حالة الآفة السماوية واعتداء البائع حدث التعيب في المبيع في يد المشتري وفي ضمانه، فيلزمه رد قيمته. وأما في حالة اعتداء المشتري أو الأجنبي فلأنه تعذر رد المبيع، لأنه لا يمكن المشتري أن يرد جميع ما قبض كما قبض سليماً، وفي رد البعض تفريق للصفقة على البائع قبل تمام العقد.

            وعلى هذا إذا حدث نقص في المبيع في يد المشتري كأن سقط حائط من دار بغير صنع أحد، يسقط الخيار بهذا النقصان لتعذر رد الشيء على صاحبه كما قبضه سليماً من أي نقص، ويتقرر على المشتري جميع الثمن لأن النقصان حصل في ضمانه.

            المطلب الرابع- حكم العقد في مدة الخيار :

            يقول الحنفية : لا ينعقد البيع بشرط الخيار في الحال في حق الحكم (أي نقل الملكية) بالنسبة لمن له الخيار من المتعاقدين، بل يكون موقوفاً إلى وقت سقوط الخيار : إما بإجازة البيع أو فسخه، فإن أجازه ظهر أن العقد كان قد انعقد حال وجوده أي قبل الإجازة متى كان موضوع العقد قابلاً له، وإن فسخه استمر على عدم انعقاده استصحاباً للحالة الأولى.

            قال المالكية وفي رواية عن أحمد : للبائع ملك المبيع زمن الخيار، حتى ينقضي الخيار. وإمضاء البيع : معناه نقل المبيع من ملك البائع لملك المشتري، وليس تقريراً للملك. ودليلهم أن المبيع على ملك البائع، وأما المشتري فملكه غير تام لاحتمال رده. وعلى هذا : تكون غلة المبيع الحاصلة في زمن الخيار للبائع.

            وقال الشافعية في الأظهر عندهم : إن كان الخيار المشروط للبائع فملك المبيع وتوابعه كلبن ومهر وثمر وكسب له. وإن كان الخيار للمشتري فيكون الملك له، لأنه إذا كان الخيار لأحدهما كان هو وحده متصرفاً في المبيع، ونفوذ التصرف دليل على الملك.

            وإن كان الخيار للبائع والمشتري معاً، فالملك موقوف لأنه ليس أحد الجانبين أولى من الآخر، فيحصل التوقف، فإن تم البيع تبين أن الملك للمشتري من حين العقد، وإلا فللبائع، وكأنه لميخرج عن ملكه.

            وقال الحنابلة في ظاهر المذهب : ينتقل الملك إلى المشتري في بيع الخيار بنفس العقد، ولا فرق بين كون الخيار لهما، أو لأحدهما أيهما كان. ودليلهم قول النبي صلى الله عليه وسلم : "من باع عبداً وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترط المبتاع" وقوله عليه السلام : "من باع نخلاً بعد أن تؤبر، فثمرته للبائع إلا أن يشترطه المبتاع" رواه الموطأ فقد جعل الرسول عليه السلام المبيع للمبتاع (أي المشتري) بمجرد اشتراطه، وهو عام في كل بيع، ولأنه بيع صحيح، فنقل الملكية عقبه كالذي لا خيار له، ولأن البيع تمليك بدليل قوله : "ملكتك" فثبت به الملك كسائر البيوع.

            المطلب الخامس- كيفية الفسخ والإجازة :

            الفسخ والإجازة إما بطريق الضرورة أو بطريق القصد والاختيار :

            أما الفسخ والاجازة بطريق الضرورة : فيصح من غير وجود الخصم وعلمه، كمضي مدة الخيار وهلاك المبيع ونقصانه، كما ذكرنا في طرق إسقاط الخيار.

            وأما الفسخ والإجازة بطريق القصد : فقد اتفق الحنفية على أن صاحب الخيار يملك إجازة العقد بغير علم صاحبه، لأنه كان قد رضي بالبيع، وتوقف نفاذ البيع على رضا صاحب الخيار، فإذا رضي نفذ البيع، علم الآخر أو لم يعلم.

            ولكن يشترط الرضا باللسان بأن يقول : أجزت هذا العقد أو رضيت به، فإذا رضي بقلبه فقط، فإنه لا يسقط خياره، لأن الأحكام الشرعية تتعلق بالأقوال والأفعال الظاهرة الدالة على القلوب.

            وأما الفسخ : فإنه ينبغي أن يكون باللسان دون القلب، فإن فسخ بلسانه بعلم صاحبه، فيصح بالاتفاق بين علماء الحنفية، سواء رضي به الطرف الآخر أو أبى. وإن فسخ بغير علم صاحبه فلا يصح عند أبي حنيفة، سواء أكان الخيار للمشتري أم للبائع، ويكون الفسخ حينئذ موقوفاً : إن علم به صاحبه في مدة الخيار نفذ، وإن لم يعلم حتى مضت المدة لزم العقد، لأن الفسخ تصرف في حق الغير، لأن العقد تعلق به حق كل واحد من المتعاقدين، فلم يملك أحدهما فسخه بغير علم صاحبه، لما في ذلك من المضرة. فإن كان الخيار للبائع : فربما يتصرف المشتري بالمشترى اعتماداً منه على نفاذ البيع بسبب مضي المدة دون فسخ، فتلزمه غرامة القيمة بهلاك المبيع، وقد تكون القيمة أكثر من الثمن، وفي هذا ضرر.

            وإذا كان الخيار للمشتري : فربما لا يطلب البائع لسلعته مشترياً آخراً اعتماداً على تمام البيع، وهذا ضرر أيضاً.

            قال المالكية والشافعية والحنابلة : يصح لصاحب الخيار فسخ البيع في حضور صاحبه وفي غيبته، إذا أن صاحبه لما رضي لأخيه بالخيار، فكأنه أذن له في الفسخ متى شاء، فلا يحتاج إلى حضوره (أي علمه) عند الفسخ، ولأن الفسخ رفع للعقد، فلا يفتقر إلى رضا صاحبه، فلم يفتقر إلى حضوره كالطلاق.

            13- خيار العيب :

            المطلب الأول- في مشروعية خيار العيب وحكم العقد :

            مشروعية خيار العيب : الأصل في مشروعية هذا الخيار أحاديث منها - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "المسلم أخو المسلم، لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعاً، وفيه عيب إلا بينه له" رواه أحمد.

            ومنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل يبيع طعاماً، فأدخل يده فيه، فإذا هو مبلول، فقال : "من غشنا فليس منا" رواه مسلم.

            حكم البيع :

            حكم البيع لشيء معيب : هو ثبوت الملك للمشتري في المبيع للحال لأن ركن البيع مطلق عن الشرط، وإنما يثبت فيه دلالة شرط سلامة المبيع عن العيوب، فإذا لم تتوافر السلامة تأثر العقد في لزومه، لا في أصل حكمه، بخلاف خيار الشرط، لأن الشرط المنصوص عليه ورد على أصل الحكم، فمنع انعقاده بالنسبة للحكم في مدة الخيار.

            وصفة حكم البيع لشيء معيب : هو أنه يفيد الملك غير لازم، لأن سلامة البدلين في عقد المعاوضة مطلوبة عادة، فكانت السلامة مشروطة في العقد دلالة أي ضمنا، فكانت كالمشروطة نصاً، فإذا لم تتحقق صفة السلامة في البدلين، كان للعاقد الخيار، فيكون العقد غير لازم.

            المطلب الثاني- العيوب الموجبة للخيار :

            العيب : هو كل ما يخلو عنه أصل الفطرة السليمة ويوجب نقصان الثمن في عرف التجار نقصاناً فاحشاً أو يسيراً كالعمى والعور والحول.

            والعيوب نوعان :

            أحدهما- ما يوجب نقصان جزء من المبيع أو تغييره من حيث الظاهر دون الباطن. ثانيهما- ما يوجب النقصان من حيث المعنى، دون الصورة.

            أما الأول- فكثير نحو العمى، والعور، والحَوَل، والشلل، والزمانة (أي الأمراض المزمنة).

            وأما الثاني- فنحو جماح الدابة، وبطء غير معتاد في سيارة ونحوها.

            المطلب الثالث- طرق إثبات العيب وشروط ثبوت الخيار

            شرائط ثبوت الخيار : يشترط لثبوت الخيار شرائط هي :

            1- ثبوت العيب عند البيع أو بعده قبل التسليم، فلو حدث بعدئذ لا يثبت الخيار.

            2- ثبوت العيب عند المشتري بعد قبضه المبيع، ولا يكتفى بالثبوت عند البائع لثبوت حق الرد في جميع العيوب عند عام المشايخ.

            3- جهل المشتري بوجود العيب عند العقد والقبض، فإن كان عالماً به عند أحدهما فلا خيار له، لأنه يكون راضياً به دلالة.

            4- عدم اشتراط البراءة عن العيب في البيع، فلو شرط فلا خيار للمشتري، لأنه إذا أبرأه فقد أسقط حق نفسه.

            5- أن تكون السلامة من العيب غالبة في مثل المبيع المعيب.

            6- ألا يزول العيب قبل الفسخ.

            7- ألا يكون العيب طفيفاً مما يمكن إزالته دون مشقة، كالنجاسة في الثوب الذي لا يضره الغسل.

            8- عدم اشتراط البراءة من العيب في البيع.

            طرق إثبات العيب :

            يختلف طريق إثبات العيب باختلاف العيب، والعيب أنواع :

            إما عيب ظاهر مشاهد.

            أو عيب باطن خفي لا يعرفه إلا المختصون.

            أو عيب لا يطلع عليه إلا النساء.

            1- فإن كان عيباً مشاهداً : فلا حاجة لتكليف القاضي للمشتري بإقامة البينة على وجود العيب عنده، لكونه ثابتاً بالعيان والمشاهدة، وللمشتري حق خصومة البائع، بسبب هذا العيب، وللقاضي حينئذ النظر في الأمر.

            آ- وأما إذا كان العيب باطناً خفياً لا يعرفه إلا المختصون :

            كالأطباء والبياطرة مثل وجع الكبد والطحال ونحوه، فإنه يثبت لممارسة حق الخصومة بشهادة رجلين مسلمين أو رجل مسلم عدل، وبعده يقول القاضي للبائع : "هل حدث عندك العيب المدعى به" فإن قال : "نعم" قضى عليه بالرد، وإن أنكر أقام المشتري البينة، فإن لم يكن له بينة استحلف البائع على الوجه السابق ذكره في العيب المشاهد. فإن حلف، لم يرد عليه، وإن نكل قضىعليه بالرد، إلا أن يدعي الرضا أو الإِبراء.

            3- وإن كان العيب مما لا يطلع عليه إلا النساء : فيرجع القاضي إلى قول النساء، فيريهن العيب لقوله تعالى : {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] ولا يشترط العدد منهن، بل يكتفي بقول امرأة واحدة عدل، والثنتان أحوط، لأن قول المرأة فيما لا يطلع عليه الرجال حجة في الشرع، كشهادة القابلة في النسب.

            المطلب الرابع- مقتضى الخيار وكيفية الفسخ والرد بالعيب :

            مقتضى الخيار : يترتب على ظهور العيب في المبيع أن يكون المشتري مخيراً بين أمرين :

            إما أن يمضي العقد، وفي هذه الحالة يلتزم بأداء الثمن كاملاً، أو يفسخ العقد، فيسترد الثمن إن كان قد دفعه، ويعفى من أدائه إن لم يكن قد أداه، وعليه أن يرد العين المعيبة إذا كان قد استلمها.

            وقال الشافعية والحنابلة : إذا تعيب المبيع في يد البائع أو تلف بعضه بأمر سماوي، فيكون المشتري مخيراً بين قبوله ناقصاً بجميع الثمن، ولا شيء له، وبين فسخ العقد والرجوع بالثمن.

            كيفية الفسخ والرد : المبيع لا يخلو من أحد حالين :

            1- إما أن يكون في يد البائع، فينفسخ البيع بقول المشتري : "رددت" ولا يحتاج إلى قضاء القاضي، ولا إلى التراضي بالاتفاق بين الحنفية والشافعية.

            2- وإما أن يكون في يد المشتري، فلا ينفسخ إلا بقضاء القاضي أو بالتراضي عند الحنفية، لأن الفسخ بعد القبض يكون على حسب العقد، لأنه يرفع العقد، وبما أن العقد لا ينعقد بأحد العاقدين فلا ينفسخ بأحدهما من غير رضا الآخر، ومن غير قضاء القاضي، بخلاف الفسخ قبل القبض، لأن الصفقة ليست تامة حينئذ، بل تمامها بالقبض، فكان بمنزلة القبض.

            وعند الشافعي : ينفسخ العقد بقوله : "رددت" بغير حاجة إلى قضاء.

            هل الفسخ بعد العلم بالعيب على الفور أم على التراخي ؟

            قال الحنفية والحنابلة : خيار الرد بالعيب على التراخي، ولا يشترط أن يكون رد المبيع بعد العلم بالعيب على الفور، فمتى علم العيب فأخر الرد، لم يبطل خياره حتى يوجد منه ما يدل على الرضا، وإذا أعلن المشتري البائع بالعيب وخاصمه في رد المبيع، ثم ترك مخاصمته بعدئذ، ورجع إليها وطلب الرد، فإن له أن يرد مالم يمتنع الرد لمانع، لأنه خيار لدفع ضرر متحقق، فكان على التراخي كالقصاص، ولا نسلم دلالة الإِمساك على الرضا به.

            وقال الشافعية : يشترط أن يكون رد المبيع بعد العلم بالعيب على الفور، فلو علم ثم أخر رده بلا عذر، سقط حقه في الرد، والمراد بالفور : مالا يعد تراخياً في العادة، فلو اشتغل بصلاة دخل وقتها، أو بأكل أو نحوه، فلا يكون تراخياً في العادة، فلا يمنع الرد، وكذا لو علم بالعيب، ثم تراخى لعذر كمرض أو خوف لص أو حيوان مفترس أو نحوه، فإن حقه لا يسقط، وإنما يكون له حق الرد بعد العلم بالعيب إذا لم يفعل ما يدل على الرضا، كاستعمال الحيوان ولبس الثوب أو نحوه.

            المطلب الخامس- موانع الرد بالعيب وسقوط الخيار :

            يمتنع الرد بالعيب ويسقط الخيار بعد ثبوته ويلزم البيع بأسباب، منها : ما يكون بعد ثبوت التزام البائع بضمان العيب. ومنها : مالا يكون البائع ملتزماً فيها بضمان العيوب من أول الأمر.

            أما ما يكون بعد ثبوت التزام البائع بضمان العيب فهي :

            1- الرضا بالعيب بعد العلم به : إما صراحة كأن يقول : رضيت بالعيب أو أجزت البيع، أو دلالة كالتصرف في المبيع تصرفاً يدل على الرضا بالعيب كصبغ الثوب أو قطعه، أو البناء على الأرض أو طحن الحنطة أو شيّ اللحم، أو بيع الشيء أو هبته أو رهنه ولو بلا تسليم أو استعماله بأي وجه كلبس الثوب وركوب الدابة أو مداواة المبيع ونحوها.

            وذلك لأن حق الرد لفوات السلامة المشروطة في العقد ضمناً، ولمَّا رضي المشتري بالعيب بعد العلم به، دل على أنه ما شرط السلامة، ولأنه إذا رضي بالعيب فقد رضي بالضرر : وهو إسقاط ضمان العيب الذي يعوض به عن الجزء المعيب، وفي حالة العوض : إذا حصل التعويض، فكأن الجزء المعيب عاد سليماً معنىً، بقيامة بدله، وهذا في ظاهر الرواية، لأنه لما وصلت إليه قيمته، قامت القيمة مقام العين، فصار كأنه باعه.

            2- إسقاط الخيار صراحة أو في معنى الصريح : مثل أن يقول المشتري : أسقطت الخيار أو أبطلته، أو ألزمت البيع أو أوجبته، وما يجري مجراه.

            وأما ما يمنع الرد دون أن يكون البائع ملتزماً بالضمان من أول الأمر فهو ما يأتي :

            1- المانع الطبيعي : وهو هلاك المبيع بآفة سماوية، أو بفعل المبيع، أو باستعمال المشتري كأكل الطعام، فيمتنع الرد في هذه الحالات لهلاك المبيع، ويثبت للمشتري حق الرجوع على البائع بنقصان العيب.

            2- المانع الشرعي : وهو أن يحدث في المبيع قبل القبض زيادة متصلة غير متولدة من الأصل كصبغ الثوب والبناء على الأرض، أو يحدث بعد القبض زيادة متصلة غير متولدة أو زيادة منفصلة متولدة كالولد والثمرة. وأما بقية أنواع الزيادات فلا تمنع الرد.

            وتفصيله ما يأتي :

            الزيادة في المبيع : إما أن تحدث قبل القبض أو بعده، وكل منهما إما متصلة أو منفصلة.

           

            فالزيادة الحادثة قبل القبض :

            1- إذا كانت متصلة :

            فإما أن تكون متولدة من الأصل كالحسن والجمال والكبر والسمن ونحوها، فلا تمنع الرد، لأنها تابعة للأصل حقيقة.

            أو تكون غير متولدة كصبغ الثوب أو خياطته، وكالبناء أو الغرس على الأرض، فتمنع الرد، لأنها أصل قام بذاته، وليست تابعة، فلا يرد المبيع بدونها، لتعذر الرد، ولا يرد معها، لأنها ليست تابعة في البيع فلا تتبع في الفسخ.

            2- وإن كانت منفصلة :

            فإما أن تكون أيضاً متولدة من الأصل كالولد والثمرة واللبن، فلا تمنع الرد، فإن شاء المشتري ردهما جميعاً، وإن شاء رضي بهما بجميع الثمن.

            أو تكون غير متولدة، كالكسب والصدقة والغلة، فلا تمنع الرد، لأنها ليست بمبيعة، وإنما هي مملوكة بملك الأصل.

            وأما الزيادة الحادثة في المبيع بعد القبض (أي عند المشتري) :

            1- إن كانت زيادة متصلة.

            فإن كانت متولدة من الأصل كسمن الدابة، فلا تمنع الرد عند الحنفية والشافعية والحنابلة والمالكية، ويبقى حكم العيب معها على موجبه الأصلي : فإن رضي المشتري أن يردها مع الأصل ردها، وإن أبى وأراد أن يأخذ نقصان العيب، وأبى البائع إلا الرد ودفع جميع الثمن، فقال أبو حنيفة: ليس للبائع أن يأبى وللمشتري أخذ نقصان العيب منه، لأن الزيادة المتصلة بعد القبض تمنع الفسخ عندهما إذا لم يوجد الرضا من صاحب الزيادة.

            وإن كانت غير متولدة : فإنها تمنع الرد بالاتفاق، لأن هذه الزيادة ملك للمشتري، فلا يحق للبائع عندئذ أخذها بلا مقابل، ويتعين الرجوع بنقصان العيب.

            2- وإن كانت زيادة منفصلة : فإن كانت متولدة من الأصل كالولد والثمرة واللبن، فإنها تمنع الرد عند الحنفية، لأنها لو رد الأصل دونها تبقى للمشتري بلا مقابل، وهو ممنوع شرعاً، لأنه ربا.

            وقال الشافعية والحنابلة : لا تمنع هذه الزيادة الرد، وهي للمشتري بعد القبض، لأنها حدثت في ملك المشتري، فلا تمنع الرد، كالزيادة غير المتولدة، ولما روي "أن رجلاً ابتاع من آخر غلاماً، فأقام عنده ما شاء الله، ثم وجد به عيباً، فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فرده عليه، فقال : يا رسول الله، قد استغل غلامي، فقال : الخراج بالضمان" رواه أبو داود وأبن ماجه ومعناه أن فوائد المبيع للمشتري في مقابلة أنه لو تلف كان من ضمانه، وقيس الثمن على المبيع.

            وإن كانت الزيادة غير متولدة كالكسب والصدقة، لم يمتنع الرد، ويرد الأصل على البائع، والزيادة للمشتري طيبة له، لأن هذه الزيادة ليست بمبيعة أصلاً، فأمكن فسخ العقد بدون الزيادة.

            3- المانع بسبب حق البائع : وهو حدوث عيب جديد عند المشتري بعد قبضه، إذا كان المبيع معيباً بعيب قديم عند البائع، كأن انكسرت يد الدابة المبيعة عند المشتري، وظهر فيها مرض قديم كان عند البائع، لأن المبيع خرج عن ملك البائع معيباً بعيب واحد، فلو رد يرد بعيبين، فيتضرر البائع. وشرط الرد أن يرد على الوجه الذي أخذ، وإنما يكون للمشتري أن يرجع على بائعه بالنقصان. ولو زال العيب الحادث، كما لو شفيت الدابة المريضة، عاد الموجب الأصلي : وهو حق الرد.

            4- المانع بسبب حتى الغير : كما لو أخرج المشتري المبيع عن ملكه بعقد من عقود التمليك كبيع أو هبة أو صلح، ثم اطلع على أنه كان معيباً بعيب قديم، فلا يمكن المشتري الأول أن يفسخ البيع بينه وبين بائعه، لأنه قد تعلق بالمبيع حق مالك جديد، أنشأنه المشتري نفسه.

            5- إتلاف المشتري المبيع :

            كما لو كان المبيع دابة فقتلها، أو ثوباً فمزقه ونحوه، ثم علم بوجود العيب القديم فيه، فيستقر عليه الثمن المسمى نهائياً دون رجوع بنقصان. والفرق بين هذا العيب وبين المانع بسبب حق الغير : أنه في الحالة الثانية يحتمل زوال المانع، فيعود حق الرد، وفي الحالة الأولى لا يحتمل زواله.

            وإذا حصل في المبيع عيب عند المشتري، ثم اطلع على عيب كان عند البائع فله أن يرجع بالنقصان على البائع ولا يرد المبيع إلا أن يرى البائع أخذ المبيع بعينه فله أخذه. وتعتبر قيمة النقصان يوم البيع.

            والخلاصة : أنه يجوز الرجوع على البائع للمطالبة بفرق نقصان العيب في حالات ثلاث : هي هلاك المبيع، وتعيبه بعيب جديد، وتغيير صورته بحيث أصبح له اسم جديد.

            المطلب السادس- آراء الفقهاء في شرط البراءة عن العيوب :

            اختلف الفقهاء فيما إذا شرط البائع براءته من ضمان العيب (أي عدم مسؤوليته عما يمكن أن يظهر من عيوب في المبيع)، فرضي المشتري بهذا الشرط، اعتماداً على السلامة الظاهرة ثم ظهر في المبيع عيب قديم.

            فقال الحنفية : يصح البيع بشرط البراءة من كل عيب وإن لم تعين العيوب بتعداد أسمائها، سواء أكان جاهلاً وجود العيب في مبيعه فاشترط هذا الشرط احتياطاً، أم كان عالماً بعيب المبيع، فكتمه عن المشتري، واشترط البراءة من ضمان العيب ليحمي بهذا الشرط سوء نيته، فيصح البيع، لأن الإِبراء اسقاط، لا تمليك، والإسقاط لا تفضي الجهالة فيه إلى المنازعة، لعدم الحاجة إلى التسليم. ويشمل هذا الشرط كل عيب موجود قبل البيع أو حادث بعده قبل القبض، فلا يرد المبيع بالعيب حينئذ. وهذا في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، لأن غرض البائع إلزام العقد باسقاط المشتري حقه في وصف سلامة المبيع، ليلزم البيع على كل حال، ولا يتحقق هذا الغرض إلا بشمول العيب الحادث قبل التسليم، فكان داخلاً ضمناً.

            وقال مالك والشافعي : يشمل شرط البراءة العيب الموجود عند العقد فقط، لا الحادث بعد العقد وقبل القبض، لأن البراءة تتناول الشيء الثابت الموجود، بسبب أن الإِبراء عن المعدوم لا يتصور، والحادث لم يكون موجوداً عند البيع، فلا يدخل تحت الإِبراء.

            ويشمل هذا الشرط أيضاً كل عيب من العيوب الظاهرة والباطنة، لأن اسم العيب يقع على الكل.

            وإذا خصص الإبراء عن بعض العيوب لم يشمل غيرها، كأن يبرئ من القروح أو الكي أو نحوها، لأنه أسقط حقه من نوع خاص.

            هذا هو مذهب الحنفية في شرط البراءة عن العيوب عموماً.

            وأما مذاهب غيرهم من حيث العلم بالعيب والجهل به فهي ما يلي :

            قال المالكية : إن شرط البراءة عن العيوب يصح في كل عيب لا يعلم به البائع، أما ما يعلم به فلا تصح البراءة عنه.

            وقال الشافعية : لو باع بشرط براءته من العيوب، فالأظهر أنه يبرأ عن كل عيب باطن بالحيوان خاصة، إذا لم يعلمه البائع، ولا يبرأ عن عيب بغير الحيوان، كالثياب والعقار مطلقاً، ولا عن عيب ظاهر بالحيوان، علمه، أم لا، ولا عن عيب باطن بالحيوان كان قد علمه. والمراد بالباطن : مالا يطلع عليه غالباً.

            وينصرف الإِبراء إلى العيب الموجود عند العقد، لا الذي حدث قبل القبض ولو اختلف المتعاقدان في قدم العيب فيصدق البائع.

            ولو شرط البائع البراءة عما يحدث من العيوب قبل القبض ولو مع الموجود منها، لم يصح الشرط في الأصح، لأنه اسقاط للشيء قبل ثبوته، كما لو أبرأ عن ثمن ما يبيعه له.

            وأما الحنابلة فعندهم روايتان عن أحمد : رواية تقرر أنه لا يبرأ إلا أن يعلم المشتري بالعيب، ورواية كالمالكية : تقرر أنه يبرأ من كل عيب لم يعلمه، ولا يبرأ من عيب علمه.

            واختار بعض الحنابلة أن من باع حيواناً أو غيره بالبراءة من كل عيب أو من عيب معين موجود : لم يبرأ، سواء علم به البائع أو لم يعلم.

    • محمد الشافعي
      محمد الشافعي

      14- خيار الرؤية :

              المطلب الأول- مشروعية خيار الرؤية :

              أجاز الحنفية خيار الرؤية في شراء مالم يره المشتري وله الخيار إذا رآه : إن شاء أخذ المبيع بجميع الثمن، وإن شاء رده، وكذا إذا قال : رضيت، ثم رآه : له أن يرده، لأن الخيار معلق بالرؤية، ولأن الرضا بالشيء قبل العلم بأوصافه لا يتحقق فلا يعتبر قوله : "رضيت" قبل الرؤية بخلاف قوله : "رددت".

              وقد استدلوا على خيار الرؤية بقوله عليه السلام فيما يرويه أبو هريرة وابن عباس رضي الله عنهما : "من اشترى شيئاً لم يره فهو بالخيار إذا رآه".

      واستدلوا أيضاً بما روي أن سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه باع أرضاً له من طلحة بن عبدالله رضي الله عنهما، ولم يكونا رأياها، فقيل لسيدنا عثمان : "غبنت"، فقال : "لي الخيار، لأني اشتريت ما لم أره" فحكّما في ذلك جبير بن مطعم، فقضى بالخيار لطلحة رضي الله عنه. رواه البيهقي والطحاوي.

              وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم، ولم ينكر عليه أحد منهم، فكان إجماعاً منهم على شرعية هذا الخيار.

              واستدلوا أيضاً بالمعقول : وهو أن جهالة الوصف تؤثر في الرضا، فتوجب خللاً فيه، واختلال الرضا في البيع يوجب الخيار.

              وبناء على هذا، أجازوا بيع العين الغائبة من غير صفة، ويثبت للمشتري حينئذ خيار الرؤية، أو بصفة مرغوبة، ويثبت له خيار الوصف، كما سبقت الإشارة إليه، فإذا رأى المشتري المبيع، كان له الخيار فإن شاء أنفذ البيع، وإن شاء رده، سواء أكان موافقاً للصفة أم لا، فيثبت الخيار بكل حال.

              ولم يجز الحنفية خيار الرؤية للبائع إذا باع ما لم يره كما إذا ورث عيناً من الأعيان في بلد غير الذي هو فيه، فباعها قبل الرؤية، صح البيع، ولا خيار له عندهم. وقد رجع أبو حنيفة عما كان يقول أولاً بأن له الخيار، كما للمشتري، وكما هو الأمر في خيار الشرط وخيار العيب.

              والتفرقة بين البائع والمشتري في هذا أمر معقول؛ لأن البائع يعرف ما يبيعه أكثر من المشتري، فلا ضرورة لثبوت الخيار له، وعليه أن يثبت قبل البيع، حتى لا يقع عليه غبن يطلب من أجله فسخ العقد.

              وأجاز المالكية خيار الوصف للمشتري فقط، فقالوا : يجوز بيع الغائب على الصفة إذا كانت غيبته مما يؤمن أن تتغير فيه صفته قبل القبض، فإذا جاء على الصفة، صار العقد لازماً.

              وكذا الحنابلة أجازوا كالمالكية خيار الوصف فقط قالوا : يجوز بيع الغائب إذا وصف للمشتري، فذكر له من صفاته ما يكفي في صحة السلم، لأنه بيع بالصفة، فصح كالسلم. وتحصل بالصفة معرفة المبيع؛ لأن معرفته تحصل بالصفات الظاهرة التي يختلف بها الثمن ظاهراً، وهذا يكفي كما يكفي في السلم، ولا يعتبر في الرؤية الاطلاع على الصفات الخفية، ومتى وجده المشتري على الصفة المذكورة صار العقد لازماً، ولم يكن له الفسخ.

              ولم يجيزوا في أظهر الروايتين بيع الغائب الذي لم يوصف ولم تتقدم رؤيته؛ لأن الني صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع الغرر" رواه أبو داود والترمذي. ولأنه باع مالم يره ولم يوصف له، فلم يصح، كبيع النوى في التمر.

              وأما حديث الخيار الرؤية فهو مروي عن عمر بن إبراهيم الكردي، وهو متروك الحديث، ويحتمل أن يراد بالحديث : أنه بالخيار بين العقد عليه وتركه.

              وقال الشافعي : لا ينعقد بيع الغائب أصلاً، سواء أكان بالصفة، أو بغير الصفة، لحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع الغرر" وفي هذا البيع غرر، وبما أنه من أنواع البيوع، فلم يصح مع الجهل بصفة المبيع كالسلم، ثم إنه داخل تحت النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان أي ما ليس بحاضر أو مرئي للمشتري. وأما حديث "من اشترى مالم يره فهو بالخيار إذا رآه" فهو حديث ضعيف كما قال البيهقي، وقال الدارقطني عنه "إنه باطل".

              وبناء على الأظهر من اشتراط رؤية المبيع قالوا : تكفي رؤية المبيع قبل العقد فيما لا يتغير غالباً إلى وقت العقد كالأرض والحديد، دون ما يتغير غالباً كالأطعمة، وتكفي رؤية بعض المبيع إن دل على باقية، كظاهر الصبرة من حنطة ونحوها، وجوز ونحوه، وأدقة (جمع دقيق) وكأعالي المائعات في أوعيتها كالدهن، وأعلى التمر في قوصرته (وعاء من قصب يجعل فيه التمر ونحوه) والطعام في آنيته، وكأنموذج المتماثل أي (المتساوي الأجزاء) كالحبوب، فإن رؤيته تكفي عن رؤية باقي المبيع.

              المطلب الثاني -وقت ثبوت الخيار

              يثبت الخيار للمشتري عند رؤية المبيع، لا قبلها فلو أجاز البيع قبل الرؤية : لا يلزم البيع، ولا يسقط الخيار، وله أن يرد المبيع؛لأن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت الخيار للمشتري بعد الرؤية، فلو ثبت له خيار الإجازة قبل الرؤية، وأجاز، لم يثبت له الخيار بعد الرؤية، وهذا خلاف نص الحديث.

              وأما الفسخ قبل الرؤية فقد اختلف مشايخ الحنفية فيه :

              قال بعضهم : لا يملك المشتري الفسخ، لأنه خيار قبل الرؤية، ولهذا لم يملك الإجازة قبل الرؤية، فلا يملك الفسخ.

              وقال بعضهم : يملك الفسخ وهو الصحيح، لا لسبب الخيار، لأنه غير ثابت، ولكن لأن شراء مالم يره المشتري عقد غير لازم، فكان محل الفسخ، كالعقد الذي فيه خيار العيب، وعقد افعارة والإيداع.

              المطلب الثالث -كيفية ثبوت الخيار

              اختلف مشايخ الحنفية فيها :

              فقال بعضهم : إن خيار الرؤية يثبت مطلقاً في جميع العمر، إلا إذا وجد ما يسقطه، وهو الأصح عند الحنفية، لأنه خيار تعلق بالاطلاع على حال المبيع، فأشبه الرد بالعيب، ولأن سبب ثبوت هذا الخيار هو اختلال الرضا، والحكم يبقى ما بقي سببه.

              وقال بعضهم : إنه يثبت مؤقتاً إلى غاية إمكان الفسخ بعد الرؤية، حتى لو رآه وتمكن من الفسخ بعد الرؤية، ولم يفسخ، يسقط خيار الرؤية، وإن لم توجد الأسباب المسقطة للخيار.

              وقال الحنابلة : يكون خيار الرؤية على الفور.

              المطلب الرابع -صفة البيع الذي فيه خيار رؤية وحكمه

              صفة البيع : إن شراء مالم يره المشتري غير لازم، فيخير المشتري بين الفسخ والإجازة إذا رأى المبيع؛ لأن عدم الرؤية يمنع تمام الصفقة، ولأن جهالة وصف البيع تؤثر في رضا المشتري، فتوجب الخيار له، تداركاً لما عساه يندم من أجله، وذلك سواء أكان المبيع موافقاً للوصف المذكور أم مخالفاً له، هذا مذهب الحنفية. وقال المالكية والحنابلة : البيع لازم للمشتري إذا وجد المبيع مطابقاً للصفة المذكورة، فإن كان مخالفاً لما وصف، فللمشتري الخيار.

              حكم البيع : وأما حكم البيع فهو حكم العقد الذي لا خيار فيه، فلا يمنع ثبوت الملك في البدلين أي أنه في البيع تنتقل ملكية المبيع إلى المشتري، وملكية الثمن للبائع فور تمام العقد بالايجاب والقبول، ولكن يمنع لزوم العقد، بخلاف خيار الشرط.

              المطلب الخامس -شرائط ثبوت الخيار

              يشترط لثبوت الخيار شروط، وإلا كان العقد لازماً، منها :

              1- أن يكون محل العقد مما يتعين بالتعيين، أي أن يكون عيناً من الأعيان، فإذا لم يكن عيناً لا يثبت فيه الخيار، حتى لو كان البيع مقايضة عيناً بعين يثبت الخيار لكل من البائع والمشتري إذا لم ير كل منهما المبيع قبل العقد.

              وفي بيع الدين بالدين وهو عقد الصرف : لا يثبت الخيار لكل من البائع والمشتري، لأنه لا فائدة فيه، كما سنبين.

              وفي بيع العين بالدين : يثبت الخيار للمشتري ولا خيار للبائع.

              2- عدم رؤية محل العقد : فإن كان رآه قبل الشراء لا يثبت له الخيار، إذا كان لا يزال على حالته التي رآه فيها، وإلا كان له الخيار لتغيره، فكان مشترياً شيئاً لم يره.

              كيفية تحقيق الرؤية :

              الرؤية قد تكون لجميع المبيع، وقد تكون لبعضه، والضابط فيه : أنه يكفي رؤية ما يدل على المقصود، ويفيد المعرفة به.

              وتفصيله : أنه إذا كان غير المرئي تبعاً للمرئي، فلا خيار له سواء أكان رؤية ما رآه تفيد له العلم بحال مالم يره، أو لا تفيد، لأن حكم التبع حكم الأصل.

              وإن لم يكن غير المرئي تبعاً للمرئي : فإن كان مقصوداً بنفسه كالمرئي، ينظر في ذلك :

              إن كان رؤية ما رأى تعرف حال غير المرئي، فإنه لا خيار له أصلاً في غير المرئي إذا كان غير المرئي مثل المرئي، أو فوقه؛ لأن المقصود العلم بحال الباقي، فكأنه رأى الكل.

              وإن كان رؤية ما رأى لم تعرف حال غير المرئي، فله الخيار فيما لم يره؛ لأن المقصود لم يحصل برؤية ما رأى، فكأنه لم ير شيئاً أصلاً.

              ففي شراء الشاة للحم لابد من الجس حتى يعرف سمنها، حتى لو رآها من بعيد، فهو على خياره؛ لأن اللحم مقصود من شاة اللحم، والرؤية من بعيد لا تفيد العلم بهذا المقصود، وإن اشتراها للدر والنسل لابد من رؤية سائر جسدها، ومن النظر إلى ضرعها أيضاً؛ لأن الضرع مقصود من الشاة الحلوب، والشياة تختلف باختلاف الضرع، والرؤية من بعيد لا تفيد العلم بالمقصود.

              وأما البسط والطنافس : فإن كان مما يختلف وجهه وظهره، فرأى وجهه دون ظهره لا خيار له، وإن رأى ظهره دون الوجه فله الخيار.

              وأما الدور والعقارات والبساتين، فإن رأى ظاهر الدار وداخلها ورأى خارج البستان ورؤوس الأشجار فلا خيار له، ولا يكتفي برؤية صحن الدار، دون الدخول إلى بيوتها في الأصح، لتفاوت الدور.

              هذا إذا كان المعقود عليه شيئاً واحداً، فإذا كان أشياء :

              فإن كان من العدديات المتفاوتة كالدواب والثياب، كأن اشترى ثياباً في جراب أو قطيع غنم أو إبلاً أو بقراً، وكالبطيخ في الشريجة والرمان والسفرجل في القفة، ونحوها، فرأى بعضها، فله الخيار في الباقي؛ لأن الكل مقصود، ورؤية ما رأى لا تعرّف حال الباقي، لأنها متفاوتة.

              وإن كان من المكيلات أو الموزونات أو العدديات المتقاربة كالجوز والبيض، فإن رؤية البعض تسقط الخيار في الباقي إذا كان مالم ير مثل الذي رأى، لأن رؤية البعض من هذه الأشياء تعرف حال الباقي.

              هذا إذا كان المبيع كله في وعاء واحد، فإن كان في وعاءين : فإن كان من جنسين أو من جنس واحد على صفتين فله الخيار بلا خلاف؛ لأن رؤية البعض من جنس أو على وصف لا تفيد العلم بغيره.

              وإن كان المبيع مغيباً في الأرض : لا في الوعاء، كالجزر والبصل والثوم، والفجل، والبطاطا، ففيه تفصيل عند الحنفية :

              أ- إذا كان الشيء مما يكال أو يوزن بعد القلع، كالثوم والبصل والجزر : فإن قلع المشتري شيئاً بإذن البائع، أو قلع البائع برضا المشتري، سقط خيارهفي الباقي؛ لأن رؤية بعض المكيل كرؤية الكل.

              وإن حصل القلع من المشتري بغير إذن البائع، لم يكن له الخيار سواء رضي بالمقلوع، أو لم يرض إذا كان المقلوع شيئاً له قيمة عند الناس لأنه بالقلع صار معياً، وإلا لاستمر في نموه وازدياده، وبعد القلع لا ينمو ولا يزيد، ويتسارع إليه الفساد. وحدوث العيب في المبيع في يد المشتري بغير صنعه، يمنع الرد، فمع صنعه أولى.

              ب- وإن كان المغيب في الأرض مما يباع عدداً، كالفجل والجوز ونحوهما فرؤية البعض لا تكون كرؤية الكل؛ لأن هذا كالعدديات المتفاوتة، فلا تكفي رؤية البعض، كما في الثياب.

              وإن قلع المشتري شيئاً بغير إذن البائع، سقط خياره لأجلا العيب إذا كان المقلوع شيئاً له قيمة، فإن لم يكن له قيمة، فلا يسقط خياره لأنه لا يتحقق به العيب.

              قال أبو حنيفة : المشتري بالخيار إذا قلع الكل أو البعض.

              وقال بعض الحنفية : إذا قلع المشتري شيئاً يستدل به على الباقي، فرضي به، فهو لازم له.

              وإذا كان المبيع دهناً في قارورة، فرأى خارج القارورة، فعن الحنفية روايتان :

              الرواية الأولى : أنه تكفي الرؤية، ويسقط الخيار؛ لأن الرؤية من الخارج تفيد العلم بالداخل، فكأنه رأى الدهن خارج القارورة.

              والرواية الثانية : أن له الخيار لأن العلم بما في داخل القارورة لا يحصل بالرؤية من خارج القارورة؛ لأن ما في الداخل يتلون بلون القارورة، فلا يحصل المقصود من هذه الرؤية.

              والرؤية عند بعضهم لا تحصل بالمرآة أو بالماء، فإذا رأى المشتري المبيع بالمرآة، فلا يسقط خياره، لأنه لم ير عين المبيع، وإنما رأى مثاله. والأصح أنه رأى عين المبيع لا غير المبيع.

              وبناء عليه لو اشترى سمكاً في بحرة صغيرة يمكن أخذه منها من غير اصطياد وحيلة، حتى جاز البيع، فرآه في الماء، ثم أخذه : قال بعضهم : يسقط خياره لأنه رأى عين المبيع.

              وقال بعضهم : لا يسقط خياره، وهو الصحيح، لأن الشيء لا يرى في الماء كما هو، بل يرى أكثر مما هو، فلم يحصل المقصود بهذه الرؤية، وهو معرفته على حقيقته، فله الخيار.

              وقال المالكية : يجوز بيع مغيب الأصل كالجزر والبصل واللفت والكرنب والقلقاس بشرط رؤية ظاهره، وقلع شيء منه ويرى، وأن يحزر إجمالاً، ولا يجوز بيع شيء منه من غير حزر بالقيراط أو الفدان أو القصبة.

              وقال الشافعية والحنابلة : لا يجوز بيع شيء مغيب في الأرض كالفجل والجزر والبصل والثوم؛ لأنه بيع مجهول مشتمل على الغرر.

              البيع بالنموذج : قد يرى المشتري بعض المبيع دون سائره، فيصح البيع ويلزم عند جمهور الفقهاء إن كان المرئي يدل على غير المرئي دلالة كاملة، ونذكر هنا حكم البيع بالنموذج عند الفقهاء باعتباره صورة متعارفة من صور البيع برؤية بعض المبيع.

              مثاله : أن يشتري شخص كمية كبيرة من القمح بعد أن يرى نموذجاً منه. وهذا لا يكون إلا في المثليات كالحبوب والأقطان والكتان ونحوها.

              وحكمه : أنه يجوز عند الحنفية والمالكية والشافعية، ولا يجوز عند الحنابلة.

              قال الحنفية : يجوز بيع المكيل والموزون برؤية بعضه، لجريان العادة بالاكتفاء بالبعض في الجنس الواحد، ولوقوع العلم به بالباقي، إلا إذا كان الباقي أرادأ، فيكون للمشتري الخيار فيه، وفيما رأى لئلا يلزم تفريق الصفقة قبل تمام البيع. والأصح أن هذه الرؤية للبعض تكفي سواء أكان المبيع في وعاء واحد أم في وعاءين كما قدمنا.

              ويلاحظ أن الثياب أصبحت في وقتنا الحاضر من المثليات.

              وقال المالكية : يجوز البيع برؤية بعض المثلي من مكيل وموزون كقطن وكتان، بخلاف القيمي كعدل مملوء من القماش فلا يكفي رؤية بعضه على ظاهر المذهب.

              وقال الشافعية : في بيع النموذج ثلاثة أوجه : أحدها الصحة، والثاني البطلان، وأصحها : إن دخل النموذج في البيع، صح، وإلا فلا.

              وقال الحنابلة : لا يصح بيع النموذج، فلو رأى البائع المشتري صاعاً من صبرة قمح مثلاً، ثم باعه الصبرة على أنها من جنسه، فلا يصح البيع، لأنه يشترط عندهم رؤية المتعاقدين المبيع رؤية مقارنة للبيع، وذلك برؤية جميع المبيع أو بعض منه يدل على بقيته، كأحد وجهي ثوب غير منقوش، وظاهر صبرة متساوية الأجزاء من حب وتمر، وما في ظروف من جنس متساوي.

              التوكيل بالنظر والرؤية أو بالقبض : لو وكل المشتري رجلاً بالنظر إلى ما اشتراه، ولم يره فيلزم العقد إن رضي، ويفسخ العقد إن شاء؛ لأن الوكيل يقوم مقام الموكل في النظر؛ لأنه جعل الرأي اليه.

              وأما إذا وكله بقبض ما اشتراه قبل رؤيته، فتقوم رؤية الوكيل مقام رؤية الموكل، فيسقط خياره عند أبي حنيفة.

              ويرى أبو حنيفة أنه لا فرق بين الوكيل بقبض الشيء المشترى وبين الوكيل بالشراء، ورؤية هذا كافية عن رؤية الموكل، وبها يسقط الخيار إجماعاً؛ لأن الوكيل بالشيء وكيل باتمام الشيء، ومن تمام القبض إسقاط الخيار.

              واتفق الحنفية على أنه إذا أرسل المشتري رسولاً بقبض المبيع، فرآه الرسول ورضي به، كان المرسل على خياره. والفرق بين الوكيل والرسول : هو أن الوكيل أصل في نفس القبض، وإنما الواقع للموكل حكم فعله، فكان إتمام القبض إلى الوكيل. أما الرسول فهو نائب في القبض عن المرسل، فكان قبضه قبض المرسل، فإتمام القبض إلى المرسل.

              واتفقوا في خيار العيب على أنه إذا وكل رجلاً بقبض المبيع، فقبض الوكيل وعلم بالعيب ورضي به : لا يسقط خيار الموكل.

              وقال الشافعية : الاعتبار في رؤية المبيع وعدمها بالعاقد.

              والذي تخلص منه في تحقق رؤية المبيع : أن الرؤية المقصودة ليست هي النظر بالعين خاصة، وإنما تكون في كل شيء بحسبه، وبالحاسة التي يطلع بها على الناحية المقصودة منه فشم المشمومات، وذوق المطعومات ولمس ما يعرف باللمس، وجس مواطن السمن في شاة الذبح وإن لم ينظر لونها، وجس الضرع في شاة اللبن : يعد رؤية كافية في هذه الأشياء، وإن لم تشترك العين فيها، ولا يكفي النظر بالعين فقط كما أوضحنا تفصيله.

              وهذا بالنسبة للبصير. وكذا الأعمى يعد اطلاعه على هذه الأشياء التي تعرف بغير حاسة النظر رؤية كافية كاطلاع البصير، فيكتفي بالجس فيما يجس، والذوق فيما يذاق، والشم فيما يشم، وأما ما يعرف بالنظر فوصفه للأعمى يقوم مقام نظره.

              فإن اشترى الأعمى ثماراً على رؤوس الشجر، فيعتبر الوصف لا غير، في أشهر الروايات.

              وإذا اشترى الأعمى داراً أو عقاراً، فالأصح من الروايات أنه يكتفي بالوصف.

              وعند زوال العمى : لا يعود له الحق في الخيار؛ لأن الوصف في حقه كالبديل أو "الخلف" عن الرؤية، لعجزه عن الأصل، والقدرة على الأصل بعد حصول المقصود بالبديل، لا ببطل حكم البديل، كمن صلى بطهارة التيمم، ثم قدر على الماء ونحوه.

              أما البصير لو اشترى شيئاً لم يره فوصف له، فرضي به فلا يسقط خياره، لأنه لا عبرة للبديل مع القدرة على الأصل.

              الاختلاف في الرؤية :

              لو اختلف البائع والمشتري، فقال البائع : "بعتك هذا الشيء، وقد رأيته" وقال المشتري : "لم أره" فالقول قول المشتري بيمينه؛ لأن البائع يدعي إلزام العقد، والمشتري منكر، فيكون القول قوله، ولكن بيمينه؛ لأن البائع يدعي عليه سقوط حق الفسخ ولزوم العقد، وهذا مما يصح الإقرار به، فيجري فيه الاستحلاف.

              الرؤية منذ زمن :

              من رأى شيئاً ثم اشتراه بعد مدة كشهر، ونحوه : فإن كان على الصفة التي رآه عليها، فلا خيار له، لأن العلم بأوصافه حاصل له بالرؤية السابقة. وإن وجده متغيراً فله الخيار، لأن تلك الرؤية لم تقع مُعْلِمة بأوصافه، فكانت رؤيته وعدمها سواء.

              فإن اختلف البائع والمشتري في التغير، فقال البائع : "لم يتغير" وقال المشتري : "تغير" فالقول قول البائع مع يمينه؛ لأن دعوى التغير دعوى أمر حادث، والأصل عدمه، فلا تقبل إلا ببينة، بخلاف ما إذا اختلف في الرؤية يكون القول للمشتري مع يمينه كما بينا؛ لأن البائع يدعي أمراً عارضاً : هو العلم بصفة المبيع.

              المطلب السادس -مسقطات الخيار

               لا يسقط خيار الرؤية بالإسقاط الصريح، كأن يقول المشتري : "أسقطت خياري" لا قبل الرؤية ولا بعدها، بخلاف خيار الشرط، وخيار العيب.

              والفرق هو أن خيار الرؤية ثبت شرعاً، لحكمة فيه، فلا يملك الإنسان إسقاطه، كما في خيار الرجعة بالنسبة للمرأة المطلقة، فإن الإنسان لا يملك إسقاطه لثبوته شرعاً، ما دامت المرأة في العدة، بخلاف خيار الشرط، فإنه يثبت بشرط المتعاقدين، فجاز أن سقط باسقاطهما. وكذلك خيار العيب: فإن سلامة المبيع مشروطة عادة من المشتري، فكان ذلك كالمشروط صراحة.

              وإنما يسقط خيار الرؤية ويلزم البيع بأحد نوعين : فعل اختياري أو ضروري، والاختياري نوعان : صريح الرضا ونحوه، ودلالة الرضا.

              فالصريح : كأن يقول : "أجزت البيع، أو رضيت أو اخترت" أو ما يجري مجرى الصريح، سواء علم البائع بالإجازة أم لم يعلم.

              ودلالة الرضا : هو أن يوجد تصرف في المبيع بعد الرؤية لا قبلها يدل على الإجازة والرضا، كما إذا قبض المبيع بعد الرؤية، لأن القبض بعد الرؤية دليل الرضا بلزوم البيع؛ لأن للقبض شبهاً بالعقد.

              وبناء عليه : إذا وهب المشتري المبيع من غيره ولم يسلمه أو عرضه على البيع ونحوهما قبل الرؤية : لا يسقط الخيار؛ لأنه لا يسقط بصريح الرضا في هذه الحالة، فكذا لا يسقط بدلالة الرضا.

              ولو رهن المشتري المبيع وسلمه أو آجره من رجل، أو باعه، على أن المشتري بالخيار : سقط خياره، قبل الرؤية وبعدها، حتى إن المشتري لو افتك الرهن بدفع الدين، أو مضت مدة الإجارة، أو رده على المشتري بخيار الشرط، ثم رآه لا يكون له الرد بخيار الرؤية، لأنه أثبت حقاً لازماً لغيره بهذه التصرفات، فيكون من ضرورته لزوم الملك له، وذلك بامتناع ثبوت الخيار، فيبطل ضرورة لأنه لا فائدة فيه.

              وأما الفعل الضروري المسقط لخيار الرؤية : فهو كل ما يسقط به الخيار، ويلزم البيع ضرورة من غير صنع المشتري، مثل موت المشتري عند الحنفية، خلافاً للشافعي كما بينا في خيار الشرط.

              ومثل : إجازة أحد الشريكين دون الآخر ما اشترياه ولم يرياه عند أبي حنيفة.

              وكذا هلاك المبيع كله، أو بعضه، وزيادته منفصلة أو متصلة متولدة، أو غير متولدة على التفصيل السابق ذكره في خيار الشرط.

              المطلب السابع -ما ينفسخ به العقد وشروط الفسخ

              ما ينفسخ به العقد: ينفسخ العقد بسبب خيار الرؤية بالتصريح بالفسخ ونحوه، كأن يقول، فسخت العقد، أو نقضته، أو رددته، ونحوه مما يجري هذا المجرى، أو بهلاك المبيع قبل القبض، لذهاب ركن البيع.

              شروط الفسخ : يشترط لصحة الفسخ شروط :

              1- أن يكون الخيار موجوداً؛ لأن الخيار إذا سقط بشيء مما تقدم، لزم العقد، فلا يحتمل النقض بالفسخ.

              2- ألا يترتب على الفسخ تفريق الصفقة على البائع، برد بعض المبيع وإجازة العقد في البعض الآخر؛ لأن التفريق ضرراً عليه، ولأن خيار الرؤية -قبل القبض وبعده- يمنع تمام الصفقة، وتجزئتها قبل تمامها باطل بلا ريب.

              3- أن يعلم البائع بالفسخ، ليكون على بينة من أمره، وأمر سلعته ليتصرف فيها كما يريد، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. أما أبو يوسف : فلا يشترط علم البائع، على ما تقدم في خيار الشرط.

              ويلاحظ أخيراً أن خيار الرؤية لا يورث كما لا يورث خيار الشرط إذا مات المشتري مثلاً بعد ثبوت الخيار له، لأن "الخيار ثبت بالنص للعاقد، والوارث ليس بعاقد، فلا يثبت له، لأن الخيار وصف له، فلا يجري فيه الإرث" كما قال الزيلعي والحنابلة.

              وقال مالك : يورث خيار الرؤية، كما يورث خيار التعيين والعيب؛ لأن الإرث كما يثبت في الأملاك، يثبت في الحقوق الثابتة بالبيع.

              وهذا أقرب إلى المنطق؛ لأن الوراث يخلف المورث في كل ما ترك من مال وحقوق منها حق الخيار.

    • الإجابة عن الاستفتاءات
      الإجابة عن الاستفتاءات
      #حكم_ضمان_الزرع
       السؤال ( 617) السلام عليكم ورحمة الله وبركاته     ..... ضمان ارض شعير خضراء للغنم هل فيها حرج؟
       
       
       الجواب (617 ) ففي نيل الأوطار: وَأَمَّا بَيْعُ الزَّرْعِ أَخْضَرَ وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: الْقَصِيلُ، فَقَالَ ابْنُ رِسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ الْمَشْهُورُونَ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْقَصِيلِ بِشَرْطِ الْقَطْعِ، وَخَالَفَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ فَأَجَازَ بَيْعَهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ تَمَسُّكًا بِأَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا وَرَدَ عَنْ السُّنْبُلِ، قَالَ: وَلَمْ يَأْتِ فِي مَنْعِ بَيْعِ الزَّرْعِ مُذْ نَبَتَ إلَى أَنْ يُسَنْبِلَ نَصٌّ أَصْلًا.  انتهى.
      وعليه: يجوز ضمان ارض الشعير للغنم اذا انتفى الغرر المفضي للنزاع.
       
      أبو اسحق دراسات
  • محمد الشافعي
    الشركات تعريف الشركة مشروعية الشركة حكمة تشريع الشركة أقسام الشركة شركة العنان شركة المفاوض شركة الأبدان شركة الوجوه فساد عقد الشركة شركة المضاربة (القِراض) الشركات الحديثة شركات السيارات شركة...
  • محمد الشافعي
    الشركات تعريف الشركة مشروعية الشركة حكمة تشريع الشركة أقسام الشركة شركة العنان شركة المفاوض شركة الأبدان شركة الوجوه فساد عقد الشركة شركة المضاربة (القِراض) الشركات الحديثة شركات السيارات شركة...
    • محمد الشافعي
      محمد الشافعي

      شركة المفاوضة

            تعريف المفاوضة:

            المفاوضة في اللغة: المساواة:

            وسميت الشركة مفاوضة لاعتبار المساواة في رأس المال والربح وغير ذلك.

            وقيل: هي مشتقة من التفويض، لأن كل واحد منهما يفوض أمر الشركة في مالٍ صاحبه على الإطلاق تصرفاً كاملاً.

            المفاوضة في اصطلاح الفقهاء: أن يتعاقد اثنان فأكثر على أن يشتركا في مالٍ على عمل بشروط مخصوصة.

            حكم المفاوضة وأدلة الجمهور على بطلانها:

            آ- حكمها:

            ذهب الحنفية إلى صحة شركة المفاوضة عندما تستجمع شرائطها.

            وذهب الجمهور إلى عدم صحتها بمفهومها عند الحنفية.

            ب- أدلة الجمهور:

            استدل الجمهور لبطلانها بما يلي:

            1- أنها تتضمن الكفالة إلى جانب الوكالة، وكل واحد منهما عند انفراده لا يجوز، فبالأولى أن لا يجوز عند اجتماعهما، بيان ذلك أن شركة المفاوضة تضمنت الوكالة والكفالة، والوكالة بمجهول الجنس لا تجوز، ألا ترى أنه لو قال: وكلتك بالشراء أو بشراء الثوب لا تصح الوكالة؟ والكفالة بمجهول لا تصح أيضاً.

            2- أنها عقد لم يرد الشرع بمثله فلم يصح، ولأن فيه غرراً، فلم يصح كبيع الغرر، وبيان غرره أنه يلزم كل واحد منهما ما يلزم الآخر، وقد يلزمه شيء لا يقدر على القيام به، وقد أدخلا فيه الأكساب النادرة.

            ومن هنا قال الشافعي رضي الله عنه: "إن لم تكن شركة المفاوضة باطلة فلا باطل أعرفه في الدنيا" أشار إلى كثرة الغرر والجهالات فيها.

            أدلة الحنفية على صحتها:

            استدل الحنفية على صحة شركة المفاوضة بما يلي:

            1- الحديث: فقد روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "فاوضوا فإنه أعظم بركة" وقال: "إذا تفاوضتم فأحسنوا المفاوضة".

            2- أن المفاوضة عقد يتضمن أمرين مشروعين هما الوكالة والكفالة فتصح لذلك، وما فيها من الجهالة مغتفر، لأنها تثبت تبعاً، والتصرف قد يصح تبعاً ولا يصح مقصوداً كما في شركة المضاربة، فإنها تتضمن الوكالة بشراء مجهول الجنس، وكذلك شركة العنان فإنها تشتمل على الوكالة العامة، وإن كان لا يصح هذا التوكيل حالة الانفراد.

            3- تعامل المسلمين بها من غير نكير، فكان ذلك دليلاً على جوازها.

            شروط صحة شركة المفاوضة عند الحنفية:

            لصحة شركة المفاوضة شروط، منها الشروط الثلاثة الأولى التي مرت في شركة العنان وهي:

            1- أهلية الوكلة في كل من العاقدين

            2- أن يكون الربح معلوم القدر

            3- أن يكون الربح جزءاً شائعاً

            وهذه الشروط عامة في كل شركة.

            ويضاف إلى هذه الشروط الشروط التالية، وهي الشروط الخاصة بشركة المفاوضة وهي:

            1- أهلية الكفالة في العاقدين. وذلك بأن يكونا حرين بالغين عاقلين راشدين غير محجور عليهما.

            2- أن يكون رأس المال من النقدين: وهما المضروب من الذهب والفضة خاصة، وأما حصولها بالفلوس والتبر والنقرة ففيها ما مرّ في شركة العنان.

            3- أن يتساوى الشريكان في مالهما الذي تصح به الشركة، فإذا كان المالان متفاضلين لم تصح مفاوضة، لأن المفاوضة تنبئ عن المساواة، فلا بدّ من اعتبار المساواة فيها ما أمكن، والمساواة في القدر باتفاق، وفي القيمة على المشهور، فلو كانا متساويين في القدر، ولكنهما مختلفان في القيمة، كأن كان أحدهما دنانير صحاصاً، والآخر مكسرة، واختلفت القيمة لم يصح على المشهور.

            4- أن يتساوى الشريكان في الربح: فلو شرط أحدهما لنفسه زيادة من الربح لم تصح مفاوضة، وقد تصح عناناً.

            5- أن تكون المفاوضة في جميع التجارات، فلا يختص أحد الشريكين بتجارة دون شريكه، لأن في الاختصاص إبطالاً لمعنى المفاوضة وهي المساواة.

            6- أن يتساوى الشريكان في حق التصرف في أموالهما عامة: فلا تصح مفاوضة بين عبد وحرّ، ولو كان العبد مكاتباً أو مأذوناً، لأن المكاتب قد يعجز عن أداء بدل الكتابة، فيعود عبداً فاقداً للذمة والمأذون محدود التصرف بالإذن لا يتعداه، أما الحرّ فمطلق التصرف.

            ولا تصح كذلك بين مسلم وغير مسلم، لأنهما مختلفان في حق التصرف، إذ إن غير المسلم يصح منه شراء الخمر، دون المسلم، وأجازها أبو يوسف مع الكراهة، لاستوائهما في أهلية الوكالة والكفالة.

            7- أن لا يكون لأحد المتفاوضين مال مما تصح فيه الشركة ولا يدخل في الشركة، فإن كان لم تكن مفاوضة، لأن ذلك يمنع المساواة. وإن تفاضلا في الأموال التي لا تصح فيها الشركة كالعروض والعقار والدين جازت المفاوضة، وكذا المال الغائب لأن مالاً تنعقد عليه الشركة كان وجوده وعدمه سواء، وكان التفاضل فيه كالتفاضل في الزوجات والأولاد.

            8- أن تكون الشركة بلفظ المفاوضة: لأن للمفاوضة شرائط لا يجمعها إلا لفظ المفاوضة ويقوم مقام لفظ المفاوضة ذكر جميع أحكامها وشروطها.

            هذا ولا بدّ من البيان هنا أنه إذا فقد شرط من شروط المفاوضة انعقدت شركة عنان.

            ما يترتب على شركة المفاوضة من الآثار:

            إذا تمت المفاوضة مستوفية شرائطها جميعها نتج عنها حكمها، ويتلخص في الأمور التالية:

            1- تطلق يد الشركاء جميعاً في مال الشركة على حد سواء، ويكن كل ما اشتراه أحد الشركاء مشتركاً بين الجميع، إلا طعام أهله وكسوتهم، وكذلك كل ما كان من حوائجه الخاصة، كاستئجار دار للسكن وشرائها لذلك، وما أشبه ذلك.

            2- كل ما ينشأ عن تصرفات أحدهم فيما يخص الشركة من دين أو ضمان غصب، أو كفالة بمال أو غير ذلك، فإنه يلزم الآخرين بموجب عقد الشركة.

            3- كل ما تحصل من ربح في الشركة يكون بين الشركاء بالتساوي، وكذلك الخسارة.

            4- إذا حصل أحد الشركاء على مال من خارج الشركة مما تصح به الشركة، بطريق هبة أو إرث أو غير ذلك فقد فسدت شركة المفاوضة وانقلبت عناناً لاختلال أحد شروطها كما مرّ، لأن شرط التساوي في الأموال شرط صحة في الابتداء والبقاء على حد سواء.

            5- إذا هلك مال الشركة جميعه بطلت الشركة.

      شركة الأبدان

            تعريف شركة الأبدان:

            هي أن يعقد اثنان أو أكثر على أن يشتركا في تقبل أعمال معينة والقيام بها، على أن يكون ما يدخل عليهما من ربح بسببها مشتركاً بينهما.

            وتسمى هذه شركة الأعمال والتقبل والصنائع.

            حكم شركة الأبدان:

            ذهبت الحنفية والمالكية والحنابلة إلى جوازها، إلا أن المالكية يشترطون في صحة هذه الشركة اتحاد الصنعة في الشركاء، فلا تجوز بين مختلفي الصنائع، إلا أن تكون إحداهما تسلتزم الأخرى، بأن يتوقف عمل أحدهما على عمل الآخر كغزال ونساج، فيجوز.

            ويشترطون لها أيضاً اتفاق المكان الذي يعملان فيه، فإن كان الشريكان في موضعين لم يجز.

            ويرى الحنابلة جواز هذه الشركة حتى في المباحات كالاحتطاب والاحتشاش ونحوهما.

            ويرى الحنفية جوازها فيما تصح فيه الوكالة، فلا تصح في المباحات لأنها لا تصح الوكالة فيها فإنها تملك بالاستيلاء.

            وذهب الشافعية إلى أنها باطلة، لأن الشركة عندهم تختص بالأموال لا بالأعمال، لأن العمل لا ينضبط فكان فيه غرر، إذ لا يدري أحدهما أن صاحبه يكسب أم لا، ولأن كل واحد متميز عن الآخر ببدنه ومنافعه فيختص بفوائده، كما لو اشتركا في الاحتطاب والاحتشاش والاصطياد وسائر المباحات. وكما لو اشتركا في ماشيتهما وهي متميزة، ويكون الدر والنسل بينهما.

            أدلة جواز شركة الأبدان:

            استدل من يقول بجواز شركة الأبدان بالجملة بأدلة:

            1- ما روي عن ابن مسعود أنه قال: "اشتركت أنا وعمار وسعد يوم بدر، فأصاب سعد أسيرين ولم أصب أنا وعمار شيئاً، فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم علينا". رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه.

            2- الإجماع: وهو أن الناس كانوا يتعاملون بها في سائر الأعصار من غير نكير عليهم من أحد وقال عليه الصلاة والسلام: "لا تجتمع أمتي على ضلالة".

            3- القياس: فلقد قاسوا هذه الشركة على المضاربة وقالوا: إن العمل أحد جهتي المضاربة فصحت الشركة عليه كالمال.

            4- المعقول: وهو أن شركة الأموال شرعت لتنمية المال، وشركة الأعمال شرعت لتحصيل أصل المال. والحاجة إلى تحصيل أصل المال فوق الحاجة إلى تنميته، فلما شرعت لتحصيل الوصف كانت مشروعيتها لتحصيل الأصل أولى.

            شروط صحة شركة الأبدان:

            شركة الأبدان "الأعمال" عند الحنفية إما أن تكون شركة مفاوضة وإما أن تكون شركة عنان، ولكلّ من هذين النوعين شروط تخصه:

            أ- شروط شركة المفاوضة في الأبدان.

            إذا كانت شركة الأبدان شركة مفاوضة اشترط لصحتها كل ما يشترط في شركة المفاوضة، ما عدا ما يخص الأموال، لأنه ليس فيها أموال، فيشترط فيها أهلية الكفالة والوكالة، وأن يتساويا في حق التصرف، وأن يتساويا في الربح والخسارة وأن تكون بلفظ المفاوضة أو ما يقوم مقامه.

            ب- شروط شركة العنان في الأبدان:

            إذا كانت شركة الأبدان شركة عنان فإنه يشترط فيها ما يشترط في شركة العنان سوى ما يتصل بالأموال أيضاً، فيشترط فيها الوكالة ليس غير، وعلى هذا فكل مفاوضة في شركة الأبدان فسدت لفقد بعض شروطها تنقلب عناناً. ويشترط بالإضافة لما ذكر سواء أكانت مفاوضة أم عناناً أن يكون العمل الذي يقوم به الشركاء من الأعمال التي تصح الإجارة عليها، وذلك كتقبل الخياطة والصباغة، وتعليم الكتابة والفقه وما أشبه ذلك، دون الغناء والموسيقى والشهادة لدى القاضي، فإنها لا تصح الإجارة عليها.

            ما يترتب على شركة الأبدان من آثار:

            إذا وقعت شركة الأبدان صحيحة ترتب عليها الأحكام التالية:

            1- أن كل ما يحصل عليه أحد الشركاء من ربح نتيجة عمله بعد عقد الشركة فهو بين الشركاء إن كانت شركة مفاوضة وكذلك الخسارة، وإن كانت شركة عنان فالربح بينهما على حسب الاتفاق من مساواة أو تفاضل، والخسارة بالتساوي.

            2- لكل من الشركاء أن يتقبل الأعمال، وكل ما يتقبله أحد الشركاء من عمل يكلف به الشركاء جميعاً، ويطالبون به جميعاً، لأنه يتقبله عن نفسه بالأصالة وعن شريكه بالوكالة فيجب عليهما.

            3- يجوز لأي من الشركاء مطالبة صاحب السلعة بالأجر، ولو لم يكن هو المتقبل منه.

            4- إذا دفع المستأجر الأجرة إلى أي من الشركاء جاز وبرئت ذمته، ولو لم يكن هو الصانع له.

      شركة الوجوه

            تعريف شركة الوجوه:

            هي أن يشترك وجيهان عند الناس أو أكثر من غير أن يكون لهما رأس مال على أن يشتريا مالاً بالنسيئة "بمؤجل" ويبيعاه، ثم يوفون ثمنها لأصحابها، وما فضل عن ذلك من ربح يكون مشاعاً بينهما.

            وسميت بشركة الوجوه أخذاً من الوجاهة، لأنه لا يشتري بالنسيئة إلا من له وجاهة عند الناس، وقيل لأنهما يشتريان من الوجه الذي لا يعرف، ويقال لها أيضاً شركة المفاليس، لانعدام رأس المال فيها. وتعرف هذه الشركة أيضاً بالشركة على الذمم من غير صنعة ولا مال.

            حكم شركة الوجوه:

            اختلف الفقهاء في صحة هذه الشركة.

            فذهب الحنفية والحنابلة إلى أنها شركة جائزة، ودليلهم في ذلك بعض ما ورد من الأدلة في شركة الأبدان.

            وذهب الشافعي ومالك إلى بطلان هذه الشركة، لأن الشركة إنما تتعلق على المال أو العمل، وكلاهما معدومان في هذه المسألة، مع ما في ذلك من الغرر لأن كل واحد منهما عاوض صاحبه بكسب غير محدود بصناعة ولا عمل مخصوص.

            شروك صحة شركة الوجوه عند من يقول بها:

            شركة الوجوه على نوعين كشركة الأبدان: مفاوضة وعنان فيشترط فيهما ما يشترط في شركة الأبدان بنوعيها.

            ما يترتب على شركة الوجوه من آثار:

            إذا كانت شركة الوجوه مفاوضة ترتب عليها ما يترتب على شركة المفاوضة في الأبدان وإن كانت شركة عنان صح تفاوت الشريكين في حصتهما من الشيء المشتري، وأما استحقاق الربح فيكون بينهما على قدر الحصة في الملك، ولا يجوز أن يزيد أحدهما على ربح حصته شيئاً. لأن استحقاق الربح في شركة الوجوه بالضمان والضمان بقدر الملك في المشترى.

      فساد عقد الشركة

            فساد عقد الشركة عند الشافعية وما يترتب عليه:

            بما أن الشافعية لا يصح عندهم من الشركات الأربع إلا شركة العنان بشروطها المذكورة - فشركة العنان نفسها عندهم إما أن تكون صحيحة - وهي الشركة التي استوفت جميع شروطها - وإما أن تكون فاسدة - وهي ما اختل فيها شرط من شروط الصحة -.

            وإذا حكمنا على الشركة بأنها فاسدة لنقصان شرط من شروط صحتها ترتب على ذلك الأمور التالية:

            أولاً: يقسم الربح على حسب مقدار المالين، لأنه مستفاد منهما وقد أبطلنا الشركة فيرجع إلى الأصل.

            ثانياً: يعود كل منهما على الآخر بأجرة عمله في ماله كما في شركة المضاربة إذا فسدت.

            ثالثاً: تنفذ التصرفات منهما لوجود الإذن في العقد.

            فساد عقد الشركة عند الحنفية وما يترتب عليه:

            عقد الشركة عند الحنفية من حيث الصحة وعدمها على ثلاثة أقسام:

            القسم الأول أن تكون صحيحة من كل وجه وذلك بأن يستوفي كل نوع من أنواعها شروطه المذكورة، فهذا القسم تترتب عليه آثاره التي تحدثنا عنها.

            القسم الثاني: أن تكون فاسدة من وجه وصحيحة من وجه آخر، وذلك كأن تفسد مفاوضة لنقصان شرط من الشروط الخاصة بها، ولكنها تصح عناناً، فإنها في هذه الحالة تعتبر صحيحة، وتأخذ حكم الشركة التي صحت فيها، وتترتب عليها آثارها.

            القسم الثالث: أن تكون فاسدة من كل الوجوه، فهذه هي الشركة الفاسدة ويكون حكمها كما يلي:

            أولاً: إذا كانت الشركة شركة أموال وزع الربح والخسارة على قدر رأس مال كل واحد من الشركاء، ولو كان الشرط على خلاف ذلك، فلو تشارك اثنان فدفع كل واحد منها خمسة آلاف واشترطا التفاضل في الربح قسم الربح بينهما مناصفة، ولو تشارك اثنان فدفع واحد منهم خمسة آلاف والآخر عشرة آلاف واشترطا المساواة في الربح قسم الربح بينهما أثلاثاً، ولا عبرة هنا للشرط الذي اشترطاه.

            ثانياً: إذا كانت الشركة شركة أعمال وزع الربح فيها بين الشركاء على مقدار العمل، فإن كان أحدهما هو الذي عمل وحده أخذ الربح وحده، وإن عمل نصف العمل أخذ نصف الربح وإن عملاه معاً أخذ كل واحد نصف ربحه إن لم يعلم ما لكل واحد منهما، فإن علم استحق المعلوم. وإن كان العمل من أحدهما وأعانه الآخر إعانة، فالربح للعامل وللآخر أجر مثله بالغاً ما بلغ في قول عند الحنفية، لا يجاوز به نصف ثمن ذلك.

            انتهاء عقد الشركة الصحيحة:

            ينتهي عقد الشركة الصحيحة بالأمور التالية:

            1- فسخ عقد الشركة من أحد الشريكين، لأن عقد الشركة عقد جائز غير لازم.

            2- موت أحد الشريكين، فإن مات أحد الشريكين انفسخت الشركة لزوال الملك، وزوال أهلية التصرف بالموت، لأن الشركة تتضمن الوكالة. والوكالة تنتهي بالموت. أما لو كان الشركاء أكثر من اثنين فإن الشركة تنفسخ في حق الميت خاصة، وتبقى بالنسبة للباقين من الشركاء، لأن الوكالة باقية في حقهم.

            والحكم لا يختلف سواء أعلم الشريك الآخر بالموت أم لم يعلم، لأن الموت عزل حكمي عن الوكالة.

            3- ارتداد أحد الشريكين ولحوقه بدار الحرب، لأن ذلك في حكم الموت.

            4- جنون أحد الشريكين جنوناً مطبقاً، ويقدر الإطباق بشهر أو بنصف حول على الخلاف في ذلك، وكالجنون والإغماء.

            5- إنكار أحد الشركاء الشركة، وذلك بأن يقول لست شريكاً في هذه الشركة أو يقول لا أعمل معك.

      شركة المضاربة "القراض"

            تعريف شركة المضاربة لغة:

            اشتقاق هذه التسمية:

            هذه الشركة التي نتحدث عنها تسمى عند أهل الحجاز "القراض" ولفظ القراض مشتق من القرض وهو القطع، سميت هذه الشركة بذلك لأن المالك يقطع للعامل قطعة من ماله يتصرف فيها، وقطعة من الربح.

            وتسمى عند أهل العراق "المضاربة" لأن كلاً منهما يضرب بسهم من الربح، ولما فيها من السفر، والسفر في اللغة يسمى ضرباً.

            تعريف المضاربة شرعاً:

            المضاربة: أن يدفع المالك إلى العامل مالاً ليتجر فيه، والربح مشترك بينهما.

            مشروعية المضاربة ودليلها:

            شركة المضاربة مشروعة وجائزة عند المسلمين، واستدل العلماء على مشروعيتها بالسنة والإجماع.

            أما السنة:

            1- فما روى ابن عباس عن أبيه العباس رضي الله عنهما "أنه كان إذا دفع مالاً مضاربة اشترط على صاحبه أن لا يسلك به بحراً ولا ينزل به وادياً، ولا يشتري به دابة ذات كبد رطبة، فإن فعل ذلك ضمن، فبلغ شرطه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجازه". رواه البيهقي بإسناد ضعيف.

            2- وما أخرجه ابن ماجه عن صهيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث فيهن البركة: البيع إلى أجل، والمقارضة، وخلط البرّ بالشعير للبيت لا للبيع".

            3- ما رواه الدارقطني -ورجاله ثقات - عن حكيم بن حزام أنه كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالاً مقارضة يضرب له به أن لا تجعل مالي في كبد رطبة، ولا تحمله في بحر. ولا تنزل به بطن مسيل، فإن فعلت شيئاً من ذلك فقد ضمنت مالي".

            وأما الأجماع: فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يتعاملون بالمضاربة من غير نكير فكان إجماعاً.

            حكمة مشروعية القراض "المضاربة":

            حكمة مشروعيتها: هي مشروعة لشدة الحاجة إليها من الجانبين، فإن من الناس من هو صاحب مال ولا يهتدي إلى التصرف، ومنهم من هو بالعكس، فشرعت لتنتظم مصالحهم، فإنه عليه الصلاة والسلام بعث والناس يتعاملونها فتركهم عليها وتعاملها الصحابة رضي الله عنهم.

            حكم عقد شركة المضاربة:

            أجمع العلماء على أن عقد المضاربة لا يقتضي اللزوم بل هو عقد جائز، وأن لكل واحد منهما فسخه مالم يشرع العامل في العمل.

            واختلف الفقهاء إذا شرع العامل:

            فقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: العقد غير لازم، ولكل منهما الفسخ متى شاء، وليس هو عقداً يورث.

            وقال مالك: هو لازم بعد الشروع، وهو عقد يورث، فإن مات وكان للمقارض بنون أمناء كانوا في القراض مثل أبيهم، وإن لم يكونوا أمناء كان لهم أن يأتوا بأمين.

            ركن المضاربة وألفاظها وأنواع المضاربة:

            أ- ركن المضاربة:

            ركن عقد المضاربة هو الإيجاب والقبول بألفاظ تدل عليهما.

            فألفاظ الإيجاب: هي ضاربتك وقارضتك وعاملتك، وما يؤدي معاني هذه الألفاظ فيقول مثلاً قارضتك بهذا المال الذي هو ألف ليرة على أن ما رزقنا الله منه من ربح يكون مناصفة أو غير ذلك من الأجزاء المعلومة المتفق عليها، وألفاظ القبول: هي أن يقول العامل المضارب: قبلت منك ذلك أو ما يدل على الرضا والقبول. ويشترط كون القبول متصلاً بالإيجاب.

            فإذا وجد الإيجاب والقبول صح العقد.

            هذا ولا يصح تعليق الصيغة على شرط كقول إذا جاء شهر رمضان فقد قارضتك لا يصح هذا عند الشافعي.

            ب- أنواع المضاربة:

            تكون المضاربة على نوعين مطلقة ومقيدة:

            فالمطلقة: أن يدفع شخص المال إلى آخر دون تقييد بزمن أو نوع أو غير ذلك فهذه جائزة عند الجميع.

            والمقيدة: أن يدفع لشخص مائة دينار ليعمل بها مدة معينة أو بضاعة معينة لم تصح عند الشافعي، لأنه قد لا يكون ربح في ذلك وتصح عند أبي حنيفة، ويعمل بالقيد إن كان مفيداً، وإلا لغا القيد.

            شروط المضاربة:

            1- شروط العاقدين: يشترط في العاقدين - رب المال والعامل - أهلية الوكالة والتوكيل، لأن المضارب يتصرف بإذن صاحب المال، وهذا معنى التوكيل.

            وفي الحقيقة أن المضارب له عدة صفات: المضارب أمين، وبالتصرف وكيل، وبالربح شريك، وبالفساد أجير، وبالخلاف غاصب، وباشتراط كل الربح له مستقرض، وباشتراطه لرب المال مستبضع.

            2- شروط رأس المال:

            يشترط في رأس المال شروط هي:

            أولاً: أن يكون رأس المال من النقود، فلا يجوز عروض وتبر وحلي وغير ذلك.

            ثانياً: أن يكون رأس المال معلوم المقدار: فلا تصح على مجهول القدر دفعاً لجهالة الربح.

            ثالثاً: أن يكون رأس المال معيناً: فلا تصح المضاربة على دين، إلا أنه إذا قارضه على نقد في ذمته ثم عينه في المجلس صح، وكذا لو كان في ذمة العامل وعينه في المجلس.

            رابعاً: أن يكون رأس المال مسلماً إلى العامل: وليس المراد اشتراط تسلميه حال العقد أو في مجلسه وإنما المراد أن يستقل العامل باليد عليه والتصرف فيه، فلا يصح اشتراط أن يكون المال في يد المالك أو غيره ليوفي منه ثمن ما اشتراه العامل، ولا شرط مراجعته في التصرف لأنه قد لا يجده عند الحاجة.

            خامساً: استقلال العامل بالتصرف.

            وكذلك لا يصح اشتراط عمل رب المال معه، فإن شرط فسدت المضاربة، لأن شرط عمله معه شرط بقاء يده على المال. أما إذا لم يشترط ذلك إلا أنه استعان به على العمل، أو دفع إليه المال بضاعة جاز، لأن الاستعانة لا توجب خروج المال عن يده.

            شروط الربح:

            يشترط في الربح ما يلي:

            أولاً: أن يكون الربح معلوم القدر بالجزئية: لأن المعقود عليه والمقصود من العقد الربح، وجهالة المعقود عليه توجب فساد العقد، والعلم بالجزئية كأن يقول قارضتك على أن يكون الربح بيننا مناصفة.

            ثانياً: أن يكون الربح مشتركاً بينهما: فلو قال قارضتك على أن يكون كله لكفقراض فاسد، ويستحق العامل أجرة المثل هذا عند الشافعية.

            وعند الحنفية والحنابلة ينعقد قرضاً، والربح للعامل.

            ولو قال قارضتك على أن يكون الربح لي وقبل المضارب، لم يكن العقد مضاربة، ولكن يكون إبضاعاً. والإبضاع بعث المال مع من يتجر فيه متبرعاً.

            ثالثاً: أن يكون مختصاً بهما: فلا يصح شرط شيء منه لثالث إلا إذا كان عبد المالك أو عبد العامل، فإن ما شرط له يضم إلى ما شرط إلى سيده.

            رابعاً: أن يكون النصيب من الربح جزءاً مشاعاً: فإن شرطا عدداً مقدراً بأن شرطا أن يكون لأحدهما مائة دينار مثلاُ من الربح أو أقل أو أكثر. فسدت المضاربة، لجواز أن لا يربح المضارب إلا هذا القدر المذكور، فيكون لأحدهما دون الآخر فلا تتحقق الشركة، فلا يكون التصرف مضاربة.

            وكذلك إن شرطا أن يكون لأحدهما النصف أو الثلث ومائة دينار، فإنه لا يصح.

            يد المضارب:

            اتفق أئمة المذاهب على أن يد الشريك المضارب يد أمانة، فلا يضمن إلا بالتفريط، والمال عنده بمنزلة الوديعة.

            وإذا اشترى المضارب به شيئاً صار بمنزلة الوكيل بالبيع والشراء، فتطبق عليه أحكام الوكالة.

            وإذا فسدت المضاربة بسبب من الأسباب صارت إجارة، والمضارب بمنزلة الأجير لرب المال.

            وإذا خالف المضارب شرط رب المال، كأن فعل ما ليس له فعله، صار بمنزلة الغاصب، ويصير المال مضموناً عليه للتعدي.

            ما ليس للمضارب فعله:

            أ- لا يشتري للقراض بأكثر من رأس المال وربحه، لأن المالك لم يرض أن يشغل العامل ذمته إلا بذلك، فإن اشترى شيئاً بالذمة وقع ذلك للعامل.

            ب- لا يجوز لصاحب المال معاملة المضارب عند الشافعي. لأن هذا يفضي إلى بيع ماله بماله.

            وأجازه أبو حنيفة.

            جـ- لا يسافر بالمال إلا بإذن من رب المال، لأن السفر مظنة الخطر، فإن أذن له جاز بحسب الإذن، وإن أطلق الإذن سافر لما جرت به العادة من البلاد المأمونة، هذا عند الشافعية.

            أما عند الحنفية في الرواية المشهورة فيصح السفر للمضارب لأن العقد مطلق، والمضاربة مشتقة من الضرب في الأرض وهذا دليل على جواز السفر.

            د- لا يبيع نسيئة إلا بإذن المالك عند الشافعي.

            وعند الحنفية يبيع نسيئة لأن مطلق العقد يتناول ذلك وغيره مما هو معتاد بين التجار.

            هـ- لا يجوز في الأصح عند الشافعية أن يقارض العامل آخر ليشاركه في العمل والربح، ولو بإذن المالك، لأن موضوع القراض أن يكون أحد العاقدين مالكاً لا عمل له، والآخر عاملاً لا ملك له وهذا يدور بين عاملين.

            وعند الحنفية يصح إن أذن له رب المال أو قال له: اعمل برأيك.

            و- لا ينفق العامل المضارب من المال على نفسه حضراً وكذا سفراً في الأظهر، لأن له نصيباً من الربح فلا يستحق شيئاً آخر، ولأن النفقة قد تكون قدر الربح فيؤدي إلى انفراده به، وقد تكون أكثر فيؤدي إلى أن يأخذ جزاءً من رأس المال، وهو ينافي مقتضاه، فلو شرط له النفقة في العقد فسد، ومقابل الأظهر أنه ينفق بالمعروف ما يزيد بسبب السفر كالإداوة والخف والكراء وما أشبه ذلك، هذا هو مذهب الشافعي.

            وذهب الحنفية إلى أنه ليس له نفقة في الحضر، أما إذا سافر فله النفقة.

            لاشك أن الربح في شركة المضاربة الصحيحة يكون اقتسامه على حسب الاتفاق في العقد.

            وأما إذا كانت هناك خسارة فهي على صاحب المال، وليس على العامل منه شيء إذا لم يكن مقصراً.

            متى يملك العامل حصته من الربح:

            يملك العامل حصته من الربح بالقسمة لا بالظهور في الأظهر، إذ لو ملك به لكان شريكاً في المال، حتى لو هلك منه شيء هلك من المالين، وليس كذلك، بل الربح وقاية لرأس المال. ومقابل الأظهر أنه يملك حصته بالظهور قياساً على المساقاة، وفرق الأول بأن الربح وقاية لرأس المال، بخلاف نصيب العامل من الثمار، فإنه لا يجبر به نقص النخل.

            وعلى الأول له فيه قبل القسمة حق مؤكد يورث عنه، ويقدم به على الغرماء لتعلقه بالعين، ويصح إعراضه عنه، ويغرمه له المالك بإتلافه المال أو استرداده.

            ما يطرأ من النقص على رأس المال:

            بعد عقد القراض قد يطرأ نقص في رأس المال، فمن يتحمل هذا النقص؟

            هناك أسباب متعددة لهذا النقص نعرضها فيما يلي مع أحكامها:

            أولاً: إذا كان النقص حاصلاً بسبب الرخص أو العين فهو محسوب من الربح ما أمكن الحساب منه، ومجبور ذلك النقص من الربح، لاقتضاء العرف ذلك.

            ثانياً: إذا تلف بعضه بآفة أو غصب أو سرقة بعد تصرف العامل، فجبر ذلك أيضاً في الربح على الأصح، قياساً على ما مرّ، ومقابل الأصح أنه على المالك، لأنه نقص لا تعلق له بتصرف العامل وتجارته بخلاف الحاصل بالرخص، وليس ناشئاً من نفس المال بخلاف المرض والعيب.

            ثالثاً: إذا تلف بعضه بآفة أو غصب أو سرقة قبل تصرفه، فالأصح أنه يحسب من رأس المال. لأن العقد لم يتأكد بالعمل، ومقابل الأصح أنه يحسب من الربح لأنه بقبض العامل قد صار مال قراض.

            أما إذا تلف رأس المال جميعه فقد انتهت المضاربة.

            انتهاء عقد المضاربة:

            ينتهي عقد المضاربة بواحد من الأمور التالية:

            أولاً: الفسخ: بما أن عقد المضاربة عقد جائز، فينتهي بفسخهما أو فسخ أحدهما متى شاء من غير حضور الآخر ولا رضاه، لأن القراض في ابتدائه وكالة، وفي انتهائه إما شركة أو جعالة، وكلها عقود جائزة.

            ويحصل الفسخ بقوله: فسخت عقد القراض أو رفعته أو أبطلته أو لا تتصرف بعد هذا، أو نحو هذا، كما يحصل الفسخ باسترجاع المال، فإن استرجع بعض المال انفسخ فيه، وبقي في الباقي.

            وعند الحنفية لابدّ من علم المقارض بالفسخ، ويترتب على ذلك أنه إذا لم يعلم بالفسخ وتصرف نفذ تصرفه.

            وإذا علم بالعزل، وكان المال عروضاً فله أن يبيعه إذا توقع فيه ربحاً كأن ظفر بسوق أو راغب.

            وكذلك عليه أن يبيع العروض لينض رأس المال ويظهر الربح إذا طلب المالك منه ذلك.

            ثانياً: موت أحد العاقدين: لأن المضاربة تشتمل على الوكالة، والوكالة تبطل بموت الموكل أو الوكيل.

            إلا أن للمضارب إذا مات المالك التنضيض بغير إذن الورثة، اكتفاء بإذن العاقد كما في حال الحياة. بخلاف ما لو مات العامل، فإن ورثته لا تملك البيع بدون إذن المالك لأن صاحب المال لم يرض بتصرفهم.

            وعند المالكية إن مات العامل لا تنفسخ المضاربة بل لوارثه الأمين أن يكمل على حكم ما كان مورثه، وإن لم يكن الوارث أميناً أتي بأمين كالعامل في الأمانة والثقة. وإن لم يأت بأمين سلم المال لصاحبه هدراً من غير شيء، لأن عمل القراض كالجعل لا يستحق العامل فيه شيئاً إلا بتمام العمل.

            ثالثاً: جنون أحد العاقدين: فإذا جن أحدهما جنوناً مطبقاً بطلت المضاربة، لأن الجنون المطبق مبطل لأهلية التصرف والآمر. وحدَّ الحنفية الجنون المطبق بما يستوعب الشهر وفي قول ما يستوعب السنة.

            أما الشافعية فقد ذكروا الجنون مطلقاً، وقالوا: وإن زال عن قرب، لأنه لو قارن منع الانعقاد، فإذا طرأ قطعه. وجعلوا الإغماء مبطلاً كالمجنون.

            رابعاً: هلاك رأس مال المضاربة: سواء في ذلك أتلف بآفة سماوية أم بإتلاف المالك أم العامل أم أجنبي، لكن يستقر نصيب العامل من الربح فيما إذا أتلفه المالك، ويبقى القراض فيما إذا أتلفه أجنبي إذا أخذ منه البدل، والمطالب بالبدل هو المالك إن لم يكن ربح، فإن كان في المال ربح فالخصم في المطالبة المالك والعامل. وكذلك الحكم إذا أتلفه العامل فهو كالأجنبي.

            خامساً: الردة، فإذا ارتد رب المال عن الإسلام ومات أو قتل على الردّة، أو لحق بدار الحرب وقضى القاضي بلحاقه بطلت المضاربة من يوم الردّة عند أبي حنيفة رحمه الله، لأن اللحاق بدار الحرب بمنزلة الموت، وهو يزيل أهلية رب المال، بدليل أن المرتد يقسم ماله بين ورثته.

            وبعض الحنفية قالوا: لا تبطل لأن تصرفاته نافذة، وإذا كان المرتد هو المضارَب فالمضاربة على حالها في قولهم جميعاً، لأن وقوف تصرف رب المال بنفسه لوقوف ملكه، ولا ملك للمضارب فيتصرف فيه بل الملك لرب المال ولم توجد منه الردّة فبقيت المضاربة.

            وإن مات المضارب أو قتل على الردّة بطلت المضاربة، لأن موته في الردّة كموته قبل الردّة، وكذا إذا لحق بدار الحرب وقضي بلحوقه، لأن ردّته مع اللحاق والحكم به بمنزلة موته في بطلان تصرفه.

            1- شركة التضامن: وهي الشركة التي يعقدها اثنان أو أكثر بقصد الاتجار في جميع أنواع التجارات أو في بعضها، ويكون الشركاء فيها مسؤولين بالتضامن عن جميع التزامات الشركة، ليس في حدود رأس المال فقط، بل قد يتعدى ذلك إلى الأموال الخاصة لكل شريك.

            ويلاحظ أن لعنصر الضمان (أو الكفالة أو الالتزام) في هذه الشركة شبهاً فيما تتميز به شركة المفاوضة التي لم يجزها غير الحنفية والزيدية، وهي التي تتطلب الاشتراك في عموم التجارات، بشرط التساوي بين الشركاء في رأس المال والتصرف والدين أي الملة، ويكن كل شريك كفيلاً عن الآخر فيما يلتزم به من التزامات تتعلق بالشركة. وبما أن تحقيق المساواة بين الشركاء أمر عسير، لاحتمال حدوث زيادة في أموال كل من الشركاء، فتصبح هذه الشركة نادرة الوجود، أو قصيرة الأجل وعديمة الاستمرار، مما يجعلها سريعة التحول والانقلاب إلى شركة عنان.

            وشركة العنان لا تتطلب المساواة في المال ولا في التصرف ولا في الملة، وهي أن يشترك اثنان في مال لهما على أن يتجرا فيه، والربح بينهما. فيجوز أن يكون مال أحدهما أكثر من الآخر، كما يجوز أن يكون أحدهما مسؤولاً عن الشركة، والآخر غير مسؤول، فليس فيها كفالة، فلا يطالب أحدهما إلا بما عقده بنفسه من التصرفات، أما تصرفات شريكه فهو غير مسؤول عنها. ويقسم الربح بينهما حسب شرطهما الذي اتفقا عليه عند جمهور الفقهاء (خلافاً للشافعي فإن الربح عنده على قدر المال)، فيجوز أن يزيد ربح أحدهما عن الآخر بسبب خبرته في التجارة، مع التساوي في رؤوس الأموال أو التفاوت فيها، وتكون الوضيعة أو الخسارة على قدر رأس المال باتفاق المذاهب عملاً بالحديث "الربح على ما شرطا، والوضيعة على قدر المالين" ولا مانع من اشتراط الكفالة في شركة العنان، فيصبح كل شريك كفيلاً عن صاحبه وضامناً له، لأن الكفالة عقد تبرع، وقد شرطها الشريكان، وهي جائزة في غير الشركة، وإذا جازت الكفالة بين شخصين لا علاقة مالية بينهما، فلأن تجوز بين شخصين ارتبطاً بعقد الشركة أولى. ويؤكد ذلك أن الأصل في العقود هو التراضي، والشركة عقد يقوم على التراضي، فيلزم الوفاء بكل شرط لا يصادم النصوص الشرعية.

            2- شركة التوصية البسيطة: هي الشركة التي تعقد بين شركاء بعضهم متضامنون، وبعضهم موصون، فالمتضامنون هم الذين لهم أموال ويقومون بأعمال إدارة الشركة، وهم مسؤولون عن الإدارة، متحملون لالتزاماتها، متضامنون في هذه المسؤولية وفي إيفاء ديون الشركة. والموصفون: يقدمون المال، ولا يسألون عن إدارتها، ولا يتحملون التزاماتها.

            وهذه الشركة جائزة أيضاً، لأن فقهاءنا أجازوا في شركة العنان أن يشترط العمل لأحد الشريكين، ويسأل عنه دون غيره، ويجوز بناء على ذلك أن تشترط زيادة الربح للعامل، أو يقدر له مرتب خاص، ويكون أجيراً. ولا فرق بين أن يكون المسؤول عن إدارة الشركة شريكاً واحداً أو أكثر، وغير المسؤول واحداً أو أكثر، فاشتراط الكفالة والمسؤولية بين الفريق الأول دون الثاني جائز، كما بينّا في شركة التضامن.

            كما أنه يمكن جعل هذه الشركة نوعاً من أنواع شركة المضاربة، الشريك المتضامن هو المضارب، المتصرف في الشركة، المسؤول عن الحقوق المتعلقة بها أمام الغير. والشريك الموصي هو رب المال في شركة المضاربة، وهو غير مسؤول عن إدارة الشركة، ولا يضمن لأصحاب الحقوق المتعاملين حقوقهم، ولا يتحمل من الالتزامات إلا خسارة رأس ماله في حالة الخسارة، ولا يسأل العامل المضارب عن الخسارة فيما يسمح له من التصرفات، ويكون المضارب حر التصرف بحسب عادة التجار، وتوزع الأرباح على حسب الاتفاق بين المتشاركين في شركة المضاربة.

            والخلاصة: أن هذه الشركة تعتبر شركة مضاربة مع بعض الفروق الطفيفة بينهما في الأحكام الفقهية. ويلاحظ أن انتشار شركات المساهمة حدَّ كثيراً من انتشار شركات التوصية، لأن شركات المساهمة تمارس عادة نشاطاً واسعاً في الاستثمارات، وكثيراً ما يكون التوفيق حليفها لما يتوفر لها من رؤوس أموال كبيرة. ومزية شركة التوصية تتحقق في شركة المساهمة، وهذه المزية هي أن المساهم لا يكتسب صفة التاجر، ولا يسأل إلا في حدود قيمة الأسهم التي اكتتب فيها.

            3- شركة المحاصة: هي عقد كباقي العقود، يلتزم شخصان أو أكثر بأن يساهم كل منهم في مشروع مالي، بتقديم حصة من مال، أو من عمل، لاقتسام ما قد ينشأ من ربح أو من خسارة، إلا أنها تمتاز بخفائها عن الجمهور، فليس لها رأس مال شركة، ولا عنوان شركة، فهي غير معروفة من الناس، وليس لها وجود ظاهر، وليس لها شخصية معنوية مستقلة كباقي الشركات. فهي شركة وقتية كالتي تنشأ في مزاد مثلاً أو في صفقة خاصة تنتهي بانتهائها، وتصفى الأرباح عقب الفراغ منها. فالذي يبرز منها شريك واحد يتعامل في الظاهر باسمه، وتبقى الشركة مستترة، ليس لها شخصية اعتبارية.

            وهذه الشركة إجمالاً جائزة شرعاً، لأنها نوع من أنواع شركة العنان، ليست فيها مساواة، ولا تضامن، ولا تكافل، وهي معقودة على نوع خاص من أنواع التجارات، والربح يوزع فيها حسب الاتفاق، والخسارة تكون حسب رؤوس الأموال التي استعملت فيها.

            وبصفة دقيقة تعد شركة المحاصة شركة عنان إذا كانت حصص الشركاء شائعة الملكية بين الشركاء. وتعد شركة عنان ومضاربة إذا احتفظ كل شريك بملكية حصته، لكنه سلمها لواحد لاستثمارها مع بقية الحصص لمصلحة الكل، على أن يقتسموا الربح أو الخسارة فيما بينهم بحسب الاتفاق أو الحصص. فالمال المقدم من أصحابه إلى أحدهم يعد مضاربة، ويكون الشريك المتصرف مضارباً، لكنه لما كان متقدماً بجزء من رأس المال فهو شريك عنان أيضاً، كما أنه إذا تصرف معه بعض الشركاء، كانت الشركة شركة عنان بينهم. وأما الذين لم يساهموا في الإدارة فهم شركاء مضاربون. ومن المعلوم أن شركة المفاوضة: هي اشتراك أنواع من شركة العنان والوجوه والأبدان، لأن ماصح بانفراده، صح مع غيره. فيجوز بناء عليه تعدد أنواع من الشركات في شركة واحدة.

            4- شركة المساهمة: هي أهم أنواع شركات الأموال، وهي التي يقسم فيها رأس المال إلى أجزاء صغيرة متساوية، يطلق على كل منها سهم غير قابل للتجزئة، ويكون قابلاً للتداول. وتتحدد مسؤولية المساهم بقدر القيمة الاسمية لأسهمه. ويعتبر مدير الشركة وعمالها أجزاء عند المساهمين، لهم مرتبات خاصة، سواء أكان مساهمين أم غير مساهمين. وليس لمدير الشركة أن يستدين عليها بأكثر من رأس مالها، فإن فعل ضمن هو، ولا ضمان على المساهمين إلا في حدود أسهمهم. وتوزع الأرباح بنسبة الأسهم أي بنسبة رؤوس الأموال. وتسمى شركة مغْفَلة لإغفال الاعتبار الشخصي فيها، وإنما الاعتبار الأول في تكوينها هو للمال، وليس لشخصية الشركاء، بل لا يعرف الشركاء بعضهم بعضاً، ولا يعرفون شيئاً عن إدارة الشركة إلا ما تعرضه مجلس إدارتها على الجمعية العمومية عند اجتماعها كل سنة. ورأى المشرع الوضعي قصر نشاط الشركات المساهمة على المشروعات الكبيرة نسبياً التي تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة لا تتوافر عادة لدى الأشخاص، كصناعة الغزل والنسيج، والمنسوجات القطنية وغيرها، والحديد والصلب، والخزف ونحو ذلك.

      &nbsp

    • ammar
      ammar

      #نقض_اتفاق_الشراكة
      السؤال ( 1249) السؤال : اتفق أحمد وزيد على الشراكة فيما بينهما لفتح صيدلية .
      يقدم أحمد حماية الصيدلية (كونها في منطقة سيطرة فصيله ).
      ويقدم كذلك رأس المال..

      وزيد عليه العمل كونه يعمل صيدلاني..

      فذهب أحمد يومين لقضاء أمر يخصه.
      لمّا رجع وجد زيد قد أحضر شركاء وفتحوا المحل ..

      أحمد لم يناسبه الامر كون زيد اتفق معه على فتح الصيدلية واحضر أشخاص غيره وتشاركوا في العمل

      فقال زيد لأحمد سأعطيك مبلغاً من المال شهرياً ترضيةً لك..
      لان المشروع كان فكرته وتحت حمايته.

      فهل يجوز لأحمد اخذ المبلغ الذي سيعطيه اياه زيد برضاه..؟

      الجواب (1249 )
      ابتداء نقول حسبنا الله و نعم الوكيل و انا لله و انا اليه راجعون
      و ذلك ان ابتزاز الناس و شراكتها في اموالها و مشاريعها مقابل حمايتهم هو مصاب جلل
      اذ ينبغي على من نصب نفسه اميرا على الناس ان يكون من اولى اولوياته حفظ دمائهم و اموالهم
      و اما الجواب :
      فاذا كان يعطيه المبلغ كونه شريكا فلا يجوز
      اذ لا بد ان يكون نصيب الشريك حصة و نسبة كالربع و النصف و غير ذلك مع مراعاة الخسارة ايضا
      و اما اذا كان يقوم بحمايته فعليا و جعل له لقاء ذلك اجرا فيجوز
      و الله اعلم

      أبو إسلام الحموي

    • ammar
      ammar

      #نقض_اتفاق_الشراكة
      السؤال ( 1249) السؤال : اتفق أحمد وزيد على الشراكة فيما بينهما لفتح صيدلية .
      يقدم أحمد حماية الصيدلية (كونها في منطقة سيطرة فصيله ).
      ويقدم كذلك رأس المال..

      وزيد عليه العمل كونه يعمل صيدلاني..

      فذهب أحمد يومين لقضاء أمر يخصه.
      لمّا رجع وجد زيد قد أحضر شركاء وفتحوا المحل ..

      أحمد لم يناسبه الامر كون زيد اتفق معه على فتح الصيدلية واحضر أشخاص غيره وتشاركوا في العمل

      فقال زيد لأحمد سأعطيك مبلغاً من المال شهرياً ترضيةً لك..
      لان المشروع كان فكرته وتحت حمايته.

      فهل يجوز لأحمد اخذ المبلغ الذي سيعطيه اياه زيد برضاه..؟

      الجواب (1249 )
      ابتداء نقول حسبنا الله و نعم الوكيل و انا لله و انا اليه راجعون
      و ذلك ان ابتزاز الناس و شراكتها في اموالها و مشاريعها مقابل حمايتهم هو مصاب جلل
      اذ ينبغي على من نصب نفسه اميرا على الناس ان يكون من اولى اولوياته حفظ دمائهم و اموالهم
      و اما الجواب :
      فاذا كان يعطيه المبلغ كونه شريكا فلا يجوز
      اذ لا بد ان يكون نصيب الشريك حصة و نسبة كالربع و النصف و غير ذلك مع مراعاة الخسارة ايضا
      و اما اذا كان يقوم بحمايته فعليا و جعل له لقاء ذلك اجرا فيجوز
      و الله اعلم

      أبو إسلام الحموي

  • محمد الشافعي
    كتاب السلم الفصل الأول: تعريف السلم المبحث الأول: تعريف السلم من حيث اللغة.-تعريف السلم من حيث الإصطلاح المبحث الثاني: حكم السلم من حيث الوصف الشرعي القائم به ودليل ذلك  الفصل الثاني: ركن السلم وشروطه...

المُدوّنات

المزيد من التدوينات

الدفتر

لم يتم إضافة أي دفتر بعد

شكرا لدعمكم

تم تأسيس موقع القرآن الكريم بالرسم العثماني و موقع الحمد لله كبادرة متواضعة بهدف خدمة الكتاب العزيز و السنة المطهرة و الاهتمام بطلاب العلم و تيسير العلوم الشرعية على منهاج الكتاب و السنة , وإننا سعيدون بدعمكم لنا و نقدّر حرصكم على استمرارنا و نسأل الله تعالى أن يتقبل منا و يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم .
مجتمعنا القرآن الكريم

الإنجليزية | العربية | Dutch | الألمانية | Galician | الفرنسية | الإسبانية | الإيطالية | البرتغالية البرازيلية