تفسير ابن كثير تفسير الصفحة 580 من المصحف



تفسير ابن كثير - صفحة القرآن رقم 580

580 : تفسير الصفحة رقم 580 من القرآن الكريم

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلاً {23} فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ
مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً {24} وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً {25}
وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً {26} إِنَّ
هَؤُلَاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً {27} نَحْنُ
خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً
{28} إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً {29}
وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً {30}
يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً {31}
يقول تعالى ممتنا على رسوله بما أنزله عليه من القرآن العظيم تنزيلا ( فاصبر لحكم ربك ) أي كما أكرمتك بما أنزلت عليك فاصبر على قضائه وقدره واعلم أنه سيدبرك بحسن تدبيره ( ولا تطع منهم آثما أو كفورا ) أي لا تطع الكافرين والمنافقين إن أرادوا صدك عما أنزل إليك بل بلغ ما أنزل إليك من ربك وتوكل على الله فإن الله يعصمك من الناس فالآثم هو الفاجر في أفعاله والكفور هو الكافر قلبه ( واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا ) أي أول النهار وآخره ( ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا ) كقوله تعالى ( ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) وكقوله تعالى ( يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا ) ثم قال تعالى منكرا على الكفار ومن أشبههم في حب الدنيا والإقبال عليها والانصباب إليها وترك الدار الآخرة وراء ظهورهم ( إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا ) يعني يوم القيامة ثم قال تعالى ( نحن خلقناهم وشددنا أسرهم ) قال بن عباس ومجاهد وغير واحد يعني خلقهم ( وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا ) أي وإذا شئنا بعثناهم يوم القيامة وبدلناهم فأعدناهم خلقا جديدا وهذا استدلال بالبداءة على الرجعة وقال بن زيد وبن جرير ( وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا ) أي وإذا شئنا أتينا بقوم آخرين غيرهم كقوله تعالى ( إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا ) وكقوله تعالى ( إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز ) ثم قال تعالى ( إن هذه تذكرة ) يعني هذه السورة تذكرة ( فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ) أي طريقا ومسلكا أي من شاء اهتدى بالقرآن كقوله تعالى ( وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر ) الآية ثم قال تعالى ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله ) أي لا يقدر أحد أن يهدي نفسه ولايدخل في الإيمان ولايجر لنفسه نفعا ( إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما ) أي عليم بمن يستحق الهداية فييسرها له ويقيض له أسبابها ومن يستحق الغواية فيصرفه عن الهدى وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة ولهذا قال تعالى ( إن الله كان عليما حكيما ) ثم قال تعالى ( يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما ) أي يهدي من يشاء ويضل من يشاء فمن يهده فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له

( سورة المرسلات )

مقدمة تفسير سورة الإنسان ولله الحمد والمنة
تفسير سورة المرسلات
قال البخاري 4934 حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي حدثنا الأعمش حدثني إبراهيم عن الأسود عن عبد الله هو بن مسعود رضي الله عنه قال بينما نحن مع رسول الله في غار بمنى إذ نزلت عليه ( والمرسلات ) فإنه ليتلوها وإني لأتلقاها من فيه وإن فاه لرطب بها إذ وثبت علينا حية فقال النبي اقتلوها فابتدرناها فذهبت فقال النبي وقيت شركم كما وقيتم شرها وأخرجه مسلم أيضا من طريق الأعمش وقال الإمام أحمد 6338 ثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عبيد الله عن بن عباس عن أمه أنها سمعت النبي يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفا وفي رواية مالك عن الزهري عن عبيد الله عن بن عباس أن أم الفضل سمعته يقرأ ( والمرسلات عرفا ) فقالت يابني أذكرتني بقراءتك هذه السورة إنها لآخر ما سمعت من رسول الله يقرأ بها في المغرب أخرجاه في الصحيحين من طريق مالك
به
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفاً {1} فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً {2} وَالنَّاشِرَاتِ نَشْراً {3}
فَالْفَارِقَاتِ فَرْقاً {4} فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً {5} عُذْراً أَوْ نُذْراً {6} إِنَّمَا
تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ {7} فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ {8} وَإِذَا السَّمَاء فُرِجَتْ
{9} وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ {10} وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ {11} لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ
{12} لِيَوْمِ الْفَصْلِ {13} وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ {14} وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ
لِّلْمُكَذِّبِينَ {15}
قال بن أبي حاتم حدثنا أبي ثنا زكريا بن سهل المروزي ثنا علي بن الحسن بن شقيق أنا الحسين بن واقد ثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ( والمرسلات عرفا ) قال الملائكة وروي عن مسروق وأبي الضحى ومجاهد في إحدى الروايات والسدي والربيع بن أنس مثل ذلك وروي عن أبي صالح أنه قال هي الرسل وفي رواية عنه أنها الملائكة وهكذا قال أبو صالح في العاصفات والناشرات والفارقات والملقيات أنها الملائكة وقال الثوري عن سلمة بن كهيل عن مسلم البطين عن أبي العبيدين قال سألت بن مسعود عن المرسلات عرفا قال الريح وكذا قال في ( العاصفات عصفا والناشرات نشرا ) إنها الريح وكذا قال بن عباس ومجاهد وقتادة وأبو صالح في رواية عنه وتوقف بن جرير في ( والمرسلات عرفا ) هل هي الملائكة إذا أرسلت بالعرف أو كعرف الفرس يتبع بعضهم بعضا أو هي الرياح إذا هبت شيئا فشيئا وقطع بأن العاصفات عصفا الرياح كما قاله بن مسعود ومن تابعه وممن قال ذلك في العاصفات عصفا أيضا علي بن أبي طالب والسدي وتوقف في الناشرات نشرا هل هي الملائكة أو الريح كما تقدم وعن أبي صالح أن الناشرات نشرا هي المطر والأظهر أن المرسلات هي الرياح كما قال تعالى ( وأرسلنا الرياح لواقح ) وقال تعالى ( وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ) وهكذا العاصفات هي الرياح يقال عصفت الرياح إذا هبت بتصويت وكذا الناشرات هي الرياح التي تنشر السحاب في آفاق السماء كما يشاء الرب عز وجل وقوله تعالى ( فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا ) يعني الملائكة قاله بن مسعود وبن عباس ومسروق ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس والسدي والثوري ولا خلاف ها هنا فإنها تنزل بأمر الله على الرسل تفرق بين الحق والباطل والهدى والغي والحلال والحرام وتلقي إلى الرسل وحيا فيه إعذار إلى الخلق وإنذار لهم عقاب الله إن خالفوا أمره وقوله تعالى ( إنما توعدون لواقع ) هذا هو المقسم عليه بهذه الأقسام أي ماوعدتم به من قيام الساعة والنفخ في الصور وبعث الأجساد وجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد ومجازاة كل عامل بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر إن هذا كله لواقع أي لكائن لا محالة ثم قال تعالى ( فإذا النجوم طمست ) أي ذهب ضوءها كقوله تعالى ( وإذا النجوم انكدرت ) وكقوله تعالى ( وإذا الكواكب انتثرت ) ( وإذا السماء فرجت ) أي انفطرت وانشقت وتدلت أرجاؤها ووهت أطرافها ( وإذا الجبال نسفت ) أي ذهب بها فلا يبقى لها عين ولا أثر كقوله تعالى ( ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا ) الآية وقال تعالى ( ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا ) وقوله تعالى ( وإذا الرسل أقتت ) قال العوفي عن بن عباس جمعت وقال بن زيد وهذه كقوله تعالى ( يوم يجمع الله الرسل ) وقال مجاهد ( أقتت ) أجلت وقال الثوري عن منصور عن إبراهيم ( أقتت ) أوعدت وكأنه يجعلها كقوله تعالى ( وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون ) ثم قال تعالى ( لأي يوم أجلت ليوم الفصل وما أدراك ما يوم الفصل ويل يومئذ للمكذبين ) يقول تعالى لأي يوم أجلت الرسل وأرجىء أمرها حتى تقوم الساعة كما قال تعالى ( فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار ) وهو يوم الفصل كما قال تعالى ( ليوم الفصل ) ثم قال تعالى معظما لشأنه ( وما أدراك ما يوم الفصل ويل يومئذ للمكذبين ) أي ويل لهم من عذاب الله غدا وقد قدمنا في الحديث أن ويل واد في جهنم ولا يصح