تفسير الشوكاني تفسير الصفحة 596 من المصحف



فتح القدير - صفحة القرآن رقم 596

595

15- "لا يصلاها إلا الأشقى" أي يصلاها صليا لازماً على جهة الخلود إلا الأشقى وهو الكافر، وإن صليها غيره من العصاة فليس صليه كصليه، والمراد بقوله يصلاها: يدخلها أو يجد صلاها، وهو حرها.
ثم وصف الأشقى فقال: 16- "الذي كذب وتولى" أي كذب بالحق الذي جاءت به الرسل وأعرض عن الطاعة والإيمان. قال الفراء "إلا الأشقى" إلا من كان شقياً في علم الله جل ثناؤه. قال أيضاً: لم يكن كذب برد ظاهر، ولكن قصر عما أمر به من الطاعة فجعل تكذيباً كما تقول لقي فلان العدو فكذب: إذا نكل ورجع عن اتباعه. قال الزجاج: هذه الآية هي التي من أجلها قال أهل الإرجاء بالإرجاء، فزعموا أنه لا يدخل النار إلا كافر، ولأهل النار منازل، فمنها أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار. والله سبحانه كل ما وعد عليه بجنس من العذاب، فجدير أن يعذب به، وقد قال: "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" فلو كان كل من لم يشرك لم يعذب لم يكن في قوله: "ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" فائدة. وقال في الكشاف: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين، فقيل الأشقى، وجعل مختصاً بالصلي كأن النار لم تخلق إلا له، وقيل الأتقى وجعل مختصاً بالنجاة كأن الجنة لم تخلق إلا له، وقيل المراد بالأشقى أبو جهل أو أمية بن خلف، وبالأتقى أبو بكر الصديق.
ومعنى 17- "سيجنبها الأتقى" سيباعد عنها المتقي للكفر اتقاء بالغاً. قال الواحدي: الأتقى أبو بكر الصديق في قول جميع المفسرين انتهى، والأولى حمل الأشقى والأتقى على كل متصف بالصفتين المذكورتين، ويكون المعنى أنه لا يصلاها صلياً تاماً لازماً إلا الكامل في الشقاء وهو الكافر، ولا يجنبها ويبعد عنها تبعيداً كاملاً بحيث لا يحوم حولها فضلاً عن أن يدخلها إلا الكامل في التقوى، فلا ينافي هذا دخول بعض العصاة من المسلمين النار دخولاً غير لازم، ولا تبعيد بعض من لم يكن كامل التقوى عن النار تبعيداً غير بالغ مبلغ تبعيد الكامل في التقوى عنها. والحاصل أن من تمسك من المرجئة بقوله: "لا يصلاها إلا الأشقى" زاعماً أن الأشقى الكافر، لأنه الذي كذب وتولى ولم يقع التكذيب من عصاة المسلمين فيقال له: فما تقول في قوله: "وسيجنبها الأتقى" فإنه يدل على أنه لا يجنب النار إلا الكامل في التقوى، فمن لم يكن كاملاً فيها كعصاة المسلمين لم يكن ممن يجنب النار، فإن أولت الأتقى بوجه من وجوه التأويل لزمك مثله في الأشقى فخذ إليك هذه مع تلك، وكن كما قال الشاعر: على أنني راض بأن أحمل الهوى وأخرج منه لا علي ولا ليه وقيل أراد بالأشقى والأتقى الشقي والتقي، كما قال طرفة بن العبد: تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد أي بواحد، ولا يخفاك أنه ينافي هذا وصف الأشقى بالتكذيب، فإن ذلك لا يكون إلا من الكافر فلا يتم ما أراده قائل هذا القول من شمول الوصفين لعصاة المسلمين.
ثم ذكر سبحانه صفة الأتقى فقال: 18- " الذي يؤتي ماله " أي يعطيه ويصرفه في وجوه الخير، وقوله: "يتزكى" في محل نصب على الحال من فاعل يؤتي: أي حال كونه يطلب أن يكون عند الله زكياً لا يطلب رياء ولا سمعة، ويجوز أن يكون بدلاً من يؤتى داخلاً معه في حكم الصلة. قرأ الجمهور "يتزكى" مضارع تزكى. وقرأ علي بن الحسين بن علي تزكى بإدغام التاء في الزاي.
19- "وما لأحد عنده من نعمة تجزى" الجملة مستأنفة لتقرير ما قبلها من كون التزكي على جهة الخلوص غير مشوب بشائبة تنافي الخلوص: أي ليس ممن يتصدق بماله ليجازى بصدقته نعمة لأحد من الناس عنده ويكافئه عليها، وإنما يبتغي بصدقته وجه الله تعالى، ومعنى الآية: أنه ليس لأحد من الناس عنده نعمة من شأنها أن يجازى عليها حتى يقصد بإيتاء ما يؤتي من ماله مجازاتها، وإنما قال نجزي مضارعاً مبنياً للمفعول لأجل الفواصل، والأصل يجزيها إياه، أو يجزيه إياها.
20- "إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى" قرأ الجمهور "إلا ابتغاء" بالنصب ويجوز أن يكون منصوباً على أنه مفعول له على المعنى: أي لا يؤتي إلا لابتغاء وجه ربه الأعلى، ويجوز أن يكون منصوباً على أنه مفعول على التأويل: أي ما أعطيتك ابتغاء جزائك بل ابتغاء وجه الله، وقرأ يحيى بن وثاب بالرفع على البدل من محل نعمة، لأن محلها الرفع إما على الفاعلية وإما على الابتداء، ومن مزيدة، والرفع لغة تميم، لأنهم يجوزون البدل في المنقطع ويجرونه مجرى المتصل. قال مكي: وأجاز الفراء الرفع في ابتغاء على البدل من موضع نعمة، وهو بعيد. قال شهاب الدين: كأنه لم يطلع عليها قراءة، واستبعاده هو البعيد فإنها لغة فاشية، وقرأ الجمهور أيضاً ابتغاء بمالد، وقرأ ابن أبي عبلة بالقصر والأعلى نعت للرب.
21- "ولسوف يرضى" اللام هي الموطئة للقسم: أي وتالله لسوف يرضى بما نعطيه من الكرامة والجزاء العظيم. قرأ الجمهور "يرضى" مبنياً للفاعل، وقرئ مبنياً للمفعول. وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس "والليل إذا يغشى" قال: إذا أظلم. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن ابن مسعود قال: إن أبا بكر الصديق اشترى بلالاً من أمية بن خلف وأبي بن خلف ببردة وعشر أواق فأعتقه لله، فأنزل الله "والليل إذا يغشى" إلى قوله: "إن سعيكم لشتى" سعي أبي بكر وأمية وأبي إلى قوله: "وكذب بالحسنى" قال: لا إله إلا الله إلى قوله: "فسنيسره للعسرى" قال: النار. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: "فأما من أعطى" من الفضل "واتقى" قال: اتقى ربه "وصدق بالحسنى" قال: صدق بالخلف من الله "فسنيسره لليسرى" قال: للخير من الله "وأما من بخل واستغنى" قال: بخل بماله واستغنى عن ربه "وكذب بالحسنى" قال: بالخلف من الله "فسنيسره للعسرى" قال للشر من الله. وأخرج ابن جرير عنه "وصدق بالحسنى" قال: أيقن بالخلف. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً "وصدق بالحسنى" يقول: صدق بلا إله إلا الله "وأما من بخل واستغنى" يقول: من أغناه الله فلخل بالزكاة. وأخرج ابن جرير وابن عساكر عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر يعتق على الإسلام بمكة، وكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني أراك تعتق أناساً ضعفاً، فلو أنك تعتق رجالاً جلداً يقومون معك ويمنعوك ويدفعون عنك. قال أي أبت إنما أريد ما عند الله، قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه " فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى ". وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: " فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى " قال: أبو بكر الصديق: " وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى " قال: أبو سفيان بن حرب. وأخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم عن علي بن أبي طالب قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة، فقال "ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة مقعده من النار، فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاء ثم قرأ " فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى " إلى قوله "للعسرى"". وأخرج أحمد ومسلم وغيرهما عن جابر بن عبد الله "أن سراقة بن مالك قال: يا رسول الله في أي شيء نعمل؟ أفي شيء ثبتت فيه المقادير وجرت به الأقلام، أم في شيء يستقبل فيه العمل؟ قال: بلى في شيء ثبتت فيه المقادير وجرت فيه الأقلام، قال سراقة: ففيم العمل إذن يا رسول الله؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية "فأما من أعطى واتقى" إلى قوله "فسنيسره للعسرى"". وقد تقدم حديث عمران بن حصين في السورة التي قبل هذه وفي الباب أحاديث من طريق جماعة من الصحابة. وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال: "لتدخلن الجنة إلا من يأبى، قالوا: ومن يأبى أن يدخل الجنة؟ فقرأ "الذي كذب وتولى"". وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي أمامة قال: لا يبقى أحد من هذه الأمة إلا أدخله الله الجنة، إلا من شرد على الله كما يشرد البعير السوء على أهله، فمن لم يدقني فإن الله يقول: " لا يصلاها إلا الأشقى* الذي كذب وتولى " كذب بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وتولى عنه. وأخرج أحمد والحاكم والضياء عن أبي أمامة الباهلي أنه سئل عن ألين كلمة سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "ألا كلكم يدخل الله الجنة إلا من شرد على الله شراد البعير على أهله". وأخرج أحمد وابن ماجه وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى اللهعليه وسلم: "لا يدخل النار إلا شقي. قيل ومن الشقي؟ قال: الذي لا يعمل لله بطاعة ولا يترك لله معصية". وأخرج أحمد والبخاري عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي تدخل الجنة يوم القيامة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى". وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة أن أبا بكر الصديق أعتق سبعة كلهم يعذب في الله: بلال، وعامر بن فهيرة، والنهدية وابنتها، وزنيرة، وأم عيسى، وأمة بني المؤمل، وفيه نزلت "وسيجنبها الأتقى" إلى آخر السورة. وأخرج الحاكم وصححه عن عامر بن عبد الله بن الزبير ما قدمنا عنه، وزاد فيه، فنزلت فيه هذه الآية "فأما من أعطى واتقى" إلى قوله: " وما لأحد عنده من نعمة تجزى * إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى * ولسوف يرضى ". وأخرج البزار وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه وابن عساكر عنه نحو هذا من وجه آخر. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: "وسيجنبها الأتقى" قال: هو أبو بكر الصديق. سورة الضحى هي إحدى عشرة آية وهي مكية بلا خلاف. وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس: نزلت "والضحى" بمكة. وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب من طريق أبي الحسن المقري قال: سمعت عكرمة بن سليمان يقول: "قرأت على إسماعيل بن قسطيطين، فلما بلغت والضحى قال: كبر حتى تختم، وأخبره عبد الله بن كثير أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك. وأخبره مجاهد أن ابن عباس أمره بذلك. وأخبره ابن عباس أن أبي بن كعب أمره بذلك. وأخبره أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بذلك". وأبو الحسن المقري المذكور هو أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي بزة المقري. قال ابن كثير: فهذه سنة تفرد بها أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله البزي من ولد القاسم بن أبي بزة، وكان إماماً في القراءات. وأما في الحديث فقد ضعفه أبو حاتم الرازي وقال: لا أخذت عنه، وكذلك أبو جعفر العقيلي قال: هو منكر الحديث. قال ابن كثير ثم اختلف القراء في موضع هذا التكبير وكيفيته، فقال بعضهم: يكبر من آخر الليل إذا يغشى، وقال آخرون: من آخر الضحى. وكيفية التكبير عند بعضهم أن يقول الله أكبر ويقتصر، ومنهم من يقول الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر. وذكروا في مناسبة التكبير من أول الضحى أنه لما تأخر الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتر تلك المدة، ثم جاء الملك، فأوحى إليه " والضحى * والليل إذا سجى " السورة كبر فرحاً وسروراً، ولم يرووا ذلك بإسناد يحكم عليه بصحة ولا ضعف. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن جندب البجلي قال: "اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلتين أو ثلاثاً، فأتته امرأة فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك لم يقربك ليلتين أو ثلاثاً، فأنزل الله " والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى "" وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وسعيد بن منصور وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن جندب قال: أبطأ جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال المشركون: قد ودع محمد، فنزلت "ما ودعك ربك وما قلى" وأخرج الطبراني عن جندب قال: احتبس جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت بعض بنات عمه: ما أرى صاحبك إلا قد قلاك، فنزلت "والضحى". وأخرجه الترمذي وصححه وابن أبي حاتم عن جندب، وفيه، فقالت له امرأة: ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فنزلت "والضحى". 1- "والضحى" والمراد بالضحى هنا النهار كله.
لقوله: 2- "والليل إذا سجى" فلما قابل الضحى بالليل دل على أن المراد به النهار كله لا بعضه. وهو في الأصل اسم لوقت ارتفاع الشمس كما تقدم في قوله: "والشمس وضحاها" والظاهر أن المراد به الضحى من غير تعيين. وقال قتادة ومقاتل وجعفر الصادق: إن المراد به الضحى الذي كلم الله فيه موسى، والمراد بقوله: "والليل إذا سجى" ليلة المعراج، وقيل المراد بالضحى هو الساعة التي خر فيها السحرة سجداً، كما في قوله: "وأن يحشر الناس ضحى" وقيل المقسم به مضاف مقدر كما تقدم في نظائره: أي ورب الضحى، وقيل تقديره: وضحاوة الضحى، ولا وجه لهذا، فلله سبحانه أن يقسم بما شاء من خلقه: وقيل الضحى نور الجنة، ولليل ظلمة النار، وقيل الضحى نور قلوب العارفين، والليل سواد قلوب الكافرين "والليل إذا سجى" أي سكن، كذا قال قتادة ومجاهد وابن زيد وعكرمة وغيرهم: يقال ليلة ساجية: إي ساكنة، ويقال للعين إذا سكن طرفها ساجية، يقال سجا الشيء يسجو سجواً: إذا سكن. قال عطاء: سجا إذا غطي بالعظمة. وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: سجا امتد ظلامه. وقال الأصمعي: سجو الليل تغطيته النهار، مثل ما يسجى الرجل بالثوب. وقال الحسن: غشى بظلامه. وقال سعيد بن جبير: أقبل. وقال مجاهد: أيضاً استوى، والأول أولى، وعليه جمهور المفسرين وأهل اللغة. ومعنى سكونه: استقرار ظلامه واستواؤه، فلا يزاد بعد ذلك.
3- "ما ودعك ربك" هذا جواب القسم: أي ما قطعك قطع المودع: قرأ الجمهور "ما ودعك" بتشديد الدال من التوديع، وهو توديع المفارق، وقرأ ابن عباس وعروة بن الزبير وابن هاشم وابن أبي عبلة وأبو حيوة بتخفيفها، من قولهم ودعه: أي تركه، ومنه قول الشاعر: سل أميري ما الذي غيره عن وصالي اليوم حتى ودعه والتوديع أبلغ في الودع، لأن من ودعك مفارقاً فقد بالغ في تركك. قال المبرد: لا يكادون يقولون ودع ولا وذر لضعف الواو إذا قدمت واستغنوا عنها بترك. قال أبو عبيدة: ودعك من التوديع كما يودع المفارق. وقال الزجاج: لم يقطع الوحي، وقد قدمنا سبب نزول هذه الآية في فاتحة هذه السورة "وما قلى" القلى البغض، يقال قلاه يقليه قلاء. قال الزجاج: وما أبغضك، وقال: وما قلى ولم يقل وما قلاك لموافقة رؤوس الآي، والمعنى. وما أبغضك، ومنه قول امرئ القيس: ولست بمقلي الخلال ولا قالي
4- "وللآخرة خير لك من الأولى" اللام جواب قسم محذوف: أي الجنة خير لك من الدنيا، مع أنه صلى الله عليه وسلم قد أوتي في الدنيا من شرف النبوة ما يصغر عنده كل شرف ويتضاءل بالنسبة إليه كل مكرمة في الدنيا، ولكنها لما كانت الدنيا بأسرها مشوبة بالأكدار منغصة بالعوارض البشرية، وكانت الحياة فيها كأحلام نائم أو كظل زائل لم تكن بالنسبة إلى الآخرة شيئاً، ولما كانت طريقاً إلى الآخرة وسبباً لنيل ما أعده الله لعبادة الصالحين من الخير العظيم بما يفعلونه فيها من الأعمال الموجبة للفوز بالجنة كان فيها خير في الجملة من هذه الحيثية.
5- "ولسوف يعطيك ربك فترضى" هذه اللام فيل هي لام الابتداء دخلت على الخبر لتأكيد مضمون الجملة، والمبتدأ محذوف تقديره ولأنت سوف يعطيك الخ، وليست للقسم لأنها لا تدخل على المضارع إلا مع النون المؤكدة، وقيل هي للقسم. قال أبو علي الفارسي: ليست هذه اللام هي التي في قولك: إن زيداً لقائم، بل هي التي في قولك لأقومن، ونابت سوف عن إحدى نوني التأكيد، فكأنه قال: وليعطينك. قيل المعنى: ولسوف يعطيك ربك الفتح في الدنيا والثواب في الآخرة فترضى. وقيل الحوض والشفاعة، وقيل ألف قصر من لؤلؤ أبيض تربه المسك، وقيل غير ذلك. والظاهر أنه سبحانه يعطيه ما يرضى به من خيري الدنيا والآخرة، ومن أهم ذلك عنده وأقدمه لديه قبول شفاعته لأمته.
6- " ألم يجدك يتيما فآوى " هذا شرع في تعداد ما أفاضله الله سبحانه عليه من النعم: أي وجدك يتيماً لا أب لك فآوى: أي جعل لك مأوى تأوى إليه، قرأ الجمهور " فآوى " بألف بعد الهمزة رباعياً، من آواه يؤويه، وقرأ أبو الأشهب فأوى ثلاثياً، وهو إما بمعنى الرباعي، أو هو من أوى له إذا رحمه. وعن مجاهد معنى الآية: ألم يجدك واحداً في شرفك لا نظير لك فآواك الله بأصحاب يحفظونك ويحوطونك، فجعل يتيماً من قولهم درة يتيمة، وهو بعيد جداً، والهمزة لإنكار النفي وتقرير المنفي على أبلغ وجه، فكأنه قال: قد وجدك يتيماً فآوى، والوجود بمعنى العلم، ويتمياً مفعوله الثاني، وقيل بمعنى المصادفة، ويتمياً حال من مفعوله.
7- "ووجدك ضالاً فهدى" معطوف على المضارع المنفي، وقيل هو معطوف على ما يقتضيه الكلام الذي قبله كما ذكرنا: أي قد وجدك يتيماً فآوى ووجدك ضالاً فهدى، والضلال هنا بمعنى الغفلة، كما في قوله: "لا يضل ربي ولا ينسى" وكما في قوله: "وإن كنت من قبله لمن الغافلين" والمعنى: أنه وجدك غافلاً عما يراد بك من أمر النبوة، واختار هذا الزجاج. وقيل معنى ضالاً: لم تكن تدري القرآن ولا الشرئع فهداك لذلك. وقال الكلبي والسدي والفراء: وجدك في قوم ضلال فهداهم الله لك. وقيل وجدك طالباً للقبلة فهداك إليها كما في قوله: " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها " ويكون الضلال بمعنى الطلب. وقيل وجدك ضائعاً في قومك فهداك إليه، ويكون الضلال بمعنى الضياع. وقيل وجدك محباً للهداية فهداك إليها، ويكون الضلال بمعنى المحبة، ومنه قول الشاعر: عجباً لعزة في اختيار قطيعتي بعد الضلال فحبلها قد أخلقا وقيل وجدك ضالاً في شعاب مكة فهداك: أي ردك إلى جدك عبد المطلب.
8- "ووجدك عائلاً فأغنى" أي وجدك فقيراً لا مال لك فأغناك، يقال عال الرجل يعيل علية: إذا افتقر، ومنه قول أحيحة بن الجلاح: فما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل أي يفتقر. قال الكلبي: فأغنى: أي رضاك بما أعطاك من الرزق، واختار هذا الفراء، قال: لأنه لم يكن غنياً من كثرة، ولكن الله سبحانه رضاه بما آتاه، وذلك حقيقة الغنى. وقال الأخفش: عائلاً ذا عيال، ومنه قول جرير: الله أنزل في الكتاب فريضة لابن السبيل وللفقير العائل وقيل فأغنى بما فتح لك من الفتوح، وفيه نظر، لأن السورة مكية، وقيل بمال خديجة بنت خويلد، وقيل وجدك فقيراً من الحجج والبراهين فأغناك بها. قرأ الجمهور "عائلاً" وقرأ محمد بن السميفع واليماني عيلا بكسر الياء المشددة كسيد.
ثم أوصاه سبحانه باليتامى والفقراء فقال: 9- "فأما اليتيم فلا تقهر" أي لا تقهره بوجه من وجوه القهر كائناً من كان. قال مجاهد: لا تحقر اليتيم فقد كنت يتيماً. قال الأخفش: لا تسلط عليه بالظلم، ادفع إليه حقه واذكر يتمك. قال الفراء والزجاج: لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه. وكذا كانت العرب تفعل في حق اليتامى تأخذ أموالهم وتظلمهم حقوقهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحسن إلى اليتيم ويبره ويوصي باليتامى. قرأ الجمهور "فلا تقهر" بالقاف، وقرأ ابن مسعود والنخعي والشعبي والأشهب العقيلي تكهر بالكاف، والعرب تعاقب بين القاف والكاف. قال النحاس: إنما يقال كهره: إذا اشتد عليه وغلظ. وقيل القهر الغلبة، والكهر الزجر. قال أبو حيان: هي لغة: يعني قراءة الكاف مثل قراءة الجمهور، واليتيم منصوب بتقهر.
10- "وأما السائل فلا تنهر" يقال نهره وانتهره: إذا استقبله بكلام يزجره، فهو نهي عن زجر السائل والإغلاظ له، ولكن يبذل له اليسير أو يرده بالجميل. قال الواحدي: قال المفسرون: يريد السائل على الباب، يقول لا تنهره: إذا سألك فقد كنت فقيراً، فإما تطعمه، وإما أن ترده رداً ليناً. قال قتادة: معناه رد السائل برحمة ولين. وقيل المراد بالسائل الذي يسأل عن الدين، فلا تنهره بالغلظة والجفوة، وأجبه برفق ولين، كذا قال سفيان، والسائل منصوب بتنهر، والتقدير: مهما يكن من شيء فلا تقهر اليتيم ولا تنهر السائل.
11- "وأما بنعمة ربك فحدث" أمره سبحانه بالتحدث بنعم الله عليه وإظهارها للناس وإشهارها بينهم، والظاهر النعمة على العموم من غير تخصيص بفرد من أفرادها أو نوع من أنواعها. وقال مجاهد والكلبي: المراد بالنعمة هنا القرآن. قال الكلبي: وكان القرآن أعظم ما أنعم الله به عليه فأمره أن يقرأه. قال الفراء: وكن يقرأه ويحدث به. وقال مجاهد أيضا: المراد بالنعمة النبوة التي أعطاه الله، واختار هذا الزجاج فقال: أي بلغ ما أرسلت به وحدث بالنبوة التي آتاك الله، وهي أجل النعم. وقال مقاتل: يعني اشكر ما ذكر من النعمة عليك في هذه السورة من الهدى بعد الضلالة وجبر اليتم، والإغناء بعد العيلة فاشكر هذه النعم. والتحدث بنعمة الله شكر، والجار والمجرور متعلق بحدث، والفاء غير مانعة من تعلقه به، وهذه النواهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم هي نواه له ولأمته لأنهم أسوته، فكل فرد من أفراد هذه الأمة منهي بكل فرد من أفراد هذه النواهي. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس "والليل إذا سجى" قال: إذا أقبل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه "إذا سجى" قال: إذا ذهب "ما ودعك ربك" قال ما تركك "وما قلى" قال: ما أبغضك. وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي في الدلائل عنه أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عرض علي ما هو مفتوح لأمتي بعدي فأنزل الله "وللآخرة خير لك من الأولى"". وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي وأبو نعيم عنه أيضاً قال "عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو مفتوح على أمته من بعده فسر بذلك، فأنزل الله "ولسوف يعطيك ربك فترضى" فأعطاه في الجنة ألف قصر من لؤلؤ ترابه المسك في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم" وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله: "ولسوف يعطيك ربك فترضى" قال: رضاه أن يدخل أمته كلهم الجنة. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً في الآية قال: من رضا محمد أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار. وأخرج الخطيب في التلخيص من وجه آخر عنه أيضاً في الآية قال: لا يرضى محمد وأحد من أمته في النار، ويدل على هذا ما أخرجه مسلم عن ابن عمرو "أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله في إبراهيم "فمن تبعني فإنه مني" وقول عيسى "إن تعذبهم فإنهم عبادك" الآية، فرفع يديه وقال: اللهم أمتي أمتي وبكى، فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك". وأخرج ابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية من طريق حرب بن شريح قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين أرأيت هذه الشفاعة التي يتحدث بها أهل العراق أحق هي؟ قال: إي والله. حدثني محمد بن الحنفية عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أشفع لأمتي حتى يناديني ربي أرضيت يا محمد؟ فأقول: نعم يا رب رضيت، ثم أقبل علي فقال: إنكم تقولون يا معشر أهل العراق إن أرجى آية في كتاب الله "يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً" قلت إنا لنقول ذلك، قال: فكنا أهل البيت نقول: إن أرجى آية في كتاب الله "ولسوف يعطيك ربك فترضى" وهي الشفاعة". وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنا أهل البيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، "ولسوف يعطيك ربك فترضى"". وأخرج العسكري في المواعظ وابن مردويه وابن النجار عن جابر بن عبد الله قال "دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاطمة وهي تطحن بالرحى وعليها كساء من جلد الإبل، فلما نظر إليها قال: يا فاطمة تعجلي مرارة الدنيا بنعيم الآخرة، فأنزل الله "ولسوف يعطيك ربك فترضى"". وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي وأبو نعيم وابن عساكر عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألته، قلت: قد كانت قبلي أنبياء منهم من سخرت له الريح، ومنهم من كان يحيى الموتى، فقال تعالى: يا محمد ألم أجدك يتيماً فآويتك؟ ألم أجدك ضالاً فهديتك؟ ألم أجدك عائلاً فأغنيتك؟ ألم أشرح لك صدرك؟ ألم أضع عنك وزرك؟ ألم أرفع لك ذكرك؟ قلت بلى يا رب". وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: "لما نزلت "والضحى" على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يمن علي ربي وأهل أن يمن ربي". وأخرج ابن مردويه عنه في قوله: "ووجدك ضالاً فهدى" قال: وجدك بين الضالين فاستنقذك من ضلالتهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن بن علي في قوله: "وأما بنعمة ربك فحدث" قال: ما علمت من الخير. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في الآية قال: إذا أصبت خيراً فحدث إخوانك. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند والبيهقي في الشعب والخطيب في المتفق، قال السيوطي بسند ضعيف عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة". وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه أبو يعلى وابن حبان والبيهقي والضياء عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أبلى بلاء فذكره فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره " وأخرج البخاري في الأدب وأبو داوود والضياء عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أعطي عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط فإنه كلابس ثوب زور". وأخرج أحمد والطبراني في الأوسط والبيهقي عن عائشة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أولي معروفاً فليكافئ به، فإن لم يستطع فليذكره، فإن من ذكره فقد شكره". سورة الشرح هي ثمان آيات وهي مكية بلا خلاف. وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت ألم نشرح - بمكة، وزاد: بعد الضحى. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: نزلت سورة ألم نشرح بمكة. 1- "ألم نشرح لك صدرك" معنى شرح الصدر: بإذهاب ما يصد عن الإدراك، والاستفهام إذا دخل على النفي قرره، فصار المعنى: قد شرحنا لك صدرك، وإنما خص الصدر لأنه محل أحوال النفس من العلوم والإدراكات، والمراد الامتنان عليه صلى الله عليه وسلم بفتح صدره وتوسيعه حتى قام بما قال به من الدعوة، وقدر على ما قدر عليه من حمل أعباء النبوة وحفظ الوحي، وقد مضى القول في هذا عند تفسير قوله: "أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه".
2- "ووضعنا عنك وزرك" معطوف على معنى ما تقدم، لا على لفظه: أي قد شرحنا لك صدرك ووضعنا الخ، ومنه قول جرير يمدح عبد الملك بن مروان: ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح أي أنتم خير من ركب المطايا، وأندى الخ. قرأ الجمهور "نشرح" بسكون الحاء بالجزم، وقرأ أبو جعفر المنصور العباسي بفتحها. قال الزمخشري: قالوا لعله بين الحاء وأشبعها في مخرجها، فظن السامع أنه فتحها. وقال ابن عطية: إن الأصل ألم نشرحن بالنون الخفيفة، ثم إبدالها ألفاً، ثم حذفها تخفيفاً كما أنشد أبو زيد: من أي يومي من الموت أفر أيوم لم يقدر أم يوم قدر بفتح الراء من لم يقدر، ومثله قوله: اضرب عنك الهموم طارقها ضربك بالسيف قونس الفرس بفتح الباء من اضرب، وهذا مبني على جواز توكيد المجزوم بلم، وهو قليل جداً كقوله: يحسبه الجاهل ما لم يعلما شيخاً على كرسيه معما فقد تركبت هذه القراءة من ثلاثة أصول كلها ضعيفة: الأول توكيد المجزوم بلم، وهو ضعيف. الثاني إبدالها ألفاً، وهو خاص بالوقف، فإجراء الوصل مجرى الوقف ضعيف. والثالث حذف الألف، وهو ضعيف أيضاً لأنه خلاف الأصل، وخرجها بعضهم على لغة بعض العرب الذين ينصبون بلم ويجزمون بلن، ومنه قول الشاعر: في كل ما هم أمضى رأيه قدماً ولم يشاور في إقدامه أحدا بنصب الراء من يشاور، وهذه اللغة لبعض العرب ما أظنها تصح، وإن صحت فليست من اللغات المعتبرة فإنها جاءت بعكس ما عليه لغة العرب بأسرها. وعلى كل حال فقراءة هذا الرجل مع شدة جوره ومزيد ظلمه وكثرة جبروته وقلة علمه ليست بحقيقة بالأشتغال بها. والوزر: الذنب أي وضعنا عنك ما كنت فيه من أمر الجاهلية. قال الحسن وقتادة والضحاك ومقاتل: المعنى حططنا عنك الذي سلف منك في الجاهلية، وهذا كقوله: "ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر".
3- "الذي أنقض ظهرك" قال المفسرون: أي أثقل ظهرك. قال الزجاج: أثقله حتى سمع له نقيض: أي صوت، وهذا مثل معناه: أنه لو كان حملاً يحمل لسمع نقيض ظهره، وأهل اللغة يقولون: أنقض الحمل ظهر الناقة: إذا سمع له صرير، ومنه قول جميل: وحتى تداعت بالنقيض حباله وهمت ثواني زوره أن تحطما وقول العباس بن مرداس: وأنقض ظهري ما تطويت منهم وكنت عليهم مشفقاً متحننا قال قتادة: كان للنبي صلى الله عليه وسلم ذنوب قد أثقلته فغفرها الله له، وقوم يذهبون إلى أن هذا تخفيف أعباء النبوة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها سهل الله ذلك عليه حتى تيسرت له: وكذا قال أبو عبيدة وغيره وقرأ ابن مسعود وحللنا عنك وقرك.
ثم ذكر سبحانه منته عليه وكرامته فقال: 4- "ورفعنا لك ذكرك" قال الحسن: وذلك أن الله لا يذكر في موضع إلا ذكر معه صلى الله عليه وسلم. قال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله. قال مجاهد: "ورفعنا لك ذكرك" يعني بالتأذين. وقيل المعنى: ذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبله وأمرناهم بالبشارة به، وقيل رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء وعند المؤمنين في الأرض. والظاهر أن هذا الرفع لذكره الذي امتن الله به عليه يتناول جميع هذه الأمور، فكل واحد منها من أسباب رفع الذكر، وكذلك أمره بالصلاة والسلام عليه، وإخباره صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل أن من صلى عليه واحدة صلى الله عليه بها عشراً، وأمر الله بطاعته كقوله: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول" وقوله: "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" وقوله: " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله " وغير ذلك. وبالجملة فقد ملأ ذكره الجليل السموات والأرضين، وجعل الله له من لسان الصدق والذكر الحسن والثناء الصالح ما لم يجعله لأحد من عباده "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم" الله صل وسلم عليه وعلى آله عدد ما صلى عليه المصلون بكل لسان في كل زمان، وما أحسن قول حسان: أغــر عليــه للــنبـــوة خاتــم مــن الله مشهـور يلوح ويشهد وضم الإله اسم النبي مع اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشق لــه من اســمه ليــجله فذو العرش محمـود وهذا محمــد
5- "فإن مع العسر يسرا" أي إن مع الضيقة سعة، ومع الشدة رخاء، ومع الكرب فرج. وفي هذا وعد منه سبحانه بأن كل عسير يتيسر، وكل شديد يهون، وكل صعب يلين.
ثم زاد سبحانه هذا الوعد تقريراً وتأكيداً، فقال مكرراً له بلفظ 6- "إن مع العسر يسرا" أي إن مع ذلك العسر المذكور سابقاً يسراً آخر لما تقرر من أنه إذا أعيد المعرف يكون الثاني عين الأول سواء كان المراد به الجنس أو العهد، بخلاف المنكر إذا أعيد فإنه يراد بالثاني فرد مغاير لما أريد بالفرد الأول في الغالب، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في معنى هذه الآية لن يغلب عسر يسرين قال الواحدي: وهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والمفسرين على أن العسر واحد واليسر اثنان. قال الزجاج: ذكر العسر مع الألف واللام ثم ثني ذكره، فصار المعنى: إن مع العسر يسرين. قيل والتنكير في اليسر للتفخيم والتعظيم، وهو في مصحف ابن مسعود غير مكرر. قرأ الجمهور بسكون السين في العسر واليسر في الموضعين. وقرأ يحيى بن وثاب وأبو جعفر وعيسى بضمها في الجميع.
7- "فإذا فرغت فانصب" أي إذا فرغت من صلاتك، أو من التبليغ، أو من الغزو فانصب: أي فاجتهد في الدعاء واطلب من الله حاجتك، أو فانصب في العبادة، والنصب التعب، يقال نصب ينصب نصباً: أي تعب. قال قتادة والضحاك ومقاتل والكلبي: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب إلى ربك في الدعاء وارغب إليه في المسألة يعطك، وكذا قال مجاهد. قال الشعبي: إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب: أي استغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات. وقال الحسن وقتادة: إذا فرغت من جهاد عدوك فانصب لعبادة ربك. وقال مجاهد أيضاً: إذا فرغت من دنياك فانصب في صلاتك.
8- "وإلى ربك فارغب" قال الزجاج: أي اجعل رغبتك إلى الله وحده. قال عطاء: يريد أنه يضرع إليه راهباً من النار، راغباً في الجنة، والمعنى: أنه يرغب إليه سبحانه لا إلى غيره كائناً من كان، فلا يطلب حاجاته إلا منه، ولا يعول في جميع أموره إلا عليه. قرأ الجمهور فارغب وقرأ زيد بن علي وابن أبي عبلة فرغب بتشديد الغين: أي فرغب الناس إلى الله وشوقهم إلى ما عنده من الخير. وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: "ألم نشرح لك صدرك" قال: شرح الله صدره للإسلام. وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أتاني جبريل فقال: إن ربك يقول: تدري كيف رفعت ذكرك؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: إذا ذكرت ذكرت معي". وإسناد ابن جرير هكذا: حدثني يونس أخبرنا ابن وهب أخبرنا عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد. وأخرجه أبو يعلى من طريق ابن لهيعة عن دراج. وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق يونس بن عبد الأعلى به. وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: "ورفعنا لك ذكرك" الآية قال: لا يذكر الله إلا ذكر معه. وأخرج البزار وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أنس قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالساً وحياله جحر، فقال: العسر لو دخل العسر هذا الحجر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه، فأنزل الله " فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا "" ولفظ الطبراني "وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم " فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا "". وأخرج ابن النجار عنه مرفوعاً نحوه. وأخرج الطبراني وابن مردويه عنه أيضاً مرفوعاً نحوه. قال السيوطي وسنده ضعيف. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن ابي الدنيا في الصبر وابن المنذر والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود مرفوعاً "لو كان العسر في جحر لتبعه اليسر حتى يدخل فيه فيخرجه، ولن يغلب عسر يسرين إن الله يقول: " فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا "" قال البزار: لا نعلم رواه عن أنس إلا عائذ بن شريح. قال فيه أبو حاتم الرازي في حديثه ضعف، ولكن رواه شعبة عن معاوية بن قرة عن رجل عن عبد الله بن مسعود. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير والحاكم والبيهقي عن الحسن قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فرحاً مسروراً وهو يضحك ويقول: "لن يغلب عسر يسرين، إن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا" وهذا مرسل. وروي نحوه مرفوعاً مرسلاً عن قتادة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله: "فإذا فرغت فانصب" الآية قال: إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء واسأل الله وارغب إليه. وأخرج ابن مردويه عنه قال: قال الله لرسوله: إذا فرغت من الصلاة وتشهدت فانصب إلى ربك وأسأله حاجتك. وأخرج ابن أبي الدنيا في الذكر عن ابن مسعود "فإذا فرغت فانصب" إلى الدعاء "وإلى ربك فارغب" في المسألة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه "فإذا فرغت فانصب" قال: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل.