تفسير الطبري تفسير الصفحة 591 من المصحف

 تفسير الطبري - صفحة القرآن رقم 591
592
590
 سورة الطارق مكية
وآياتها سبع عشرة
بسم الله الرحمَن الرحيـم

الآية : 1-10
القول فـي تأويـل قوله تعالى:{وَالسّمَآءِ وَالطّارِقِ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الطّارِقُ * النّجْمُ الثّاقِبُ * إِن كُلّ نَفْسٍ لّمّا عَلَيْهَا حَافِظٌ * فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مّآءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ * إِنّهُ عَلَىَ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَىَ السّرَآئِرُ * فَمَا لَهُ مِن قُوّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ }.
أقسم ربنا بالسماء وبالطارق الذي يطرق ليلاً من النجوم المضيئة, ويخفى نهارا, وكلّ ما جاء ليلاً فقد طرق. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
28512ـ حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس والسّماءِ والطّارِقِ قال: السماء وما يطرق فيها.
28513ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة والسّماءِ والطّارِق وَما أدْرَاك ما الطّارِقُ قال: طارق يطرق بليل, ويخفى بالنهار.
28514ـ حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله: والطّارِقِ قال: ظهور النجوم, يقول: يطرقك ليلاً.
28515ـ حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: الطّارِق النجم.
وَما أدْرَاكَ ما الطّارِقُ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وما أشعرك يا محمد ما الطارق الذي أقسمت به؟ ثم بين ذلك جلّ ثناؤه, فقال: هو النجم الثاقب, يعني: يتوقد ضياؤه ويتوهّج. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
28516ـ حدثني عليّ, قال: حدثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, في قوله: النّجْمُ الثّاقِبُ يعني: المضيء.
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس النّجْمُ الثاقِبُ قال: هي الكواكب المضيئة, وثقوبه: إذا أضاء.
28517ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا يحيى بن واضح, قال: حدثنا الحسين, عن يزيد, عن عكرِمة, في قوله: النّجْمُ الثّاقِبُ قال: الذي يثقب.
28518ـ حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثني الحرث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: الثّاقِبُ قال: الذي يتوهَج.
28519ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: ثقوبه: ضوءه.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة النّجْمُ الثّاقِبُ: المضيء.
28520ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: النّجْمُ الثّاقِبُ قال: كانت العرب تسمي الثّريّا النجم, ويقال: إن الثاقب النجم الذي يقال له زُحَل. والثاقب أيضا: الذي قد ارتفع على النجوم, والعرب تقول للطائر: إذا هو لحق ببطن السماء ارتفاعا: قد ثَقَب, والعرب تقول: أثقِب نارك: أي أضئها.
وقوله: إنْ كُلّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأه من قرّاء المدينة أبو جعفر, ومن قرّاء الكوفة حمزة لَمّا عَلَيْها بتشديد الميم. وذُكِر عن الحسن أنه قرأ ذلك كذلك.
28521ـ حدثني أحمد بن يوسف, قال: حدثنا أبو عبيد, قال: حدثنا حجاج, عن هارون, عن الحسن أنه كان يقرؤها: إنْ كُلّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ مشدّدة, ويقول: إلاّ عليها حافظ, وهكذا كلّ شيء في القرآن بالتثقيل.
وقرأ ذلك من أهل المدينة نافع, ومن أهل البصرة أبو عمرو: «لَمَا» بالتخفيف, بمعنى: إن كلّ نفس لعليها حافظ. وعلى أن اللام جواب «إن» و«ما» التي بعدها صلة. وإذا كان ذلك كذلك لم يكن فيه تشديد.
والقراءة التي لا أختار غيرها في ذلك: التخفيف, لأن ذلك هو الكلام المعروف من كلام العرب, وقد أنكر التشديد جماعة من أهل المعرفة بكلام العرب, أن يكون معروفا من كلام العرب, غير أن الفرّاء كان يقول: لا نعرف جهة التثقيل في ذلك, ونرى أنها لغة من هُذَيل, يجعلون إلا مع إن المخففة لَمَا, ولا يجاوزون ذلك, كأنه قال: ما كلّ نفس إلاّ عليها حافظ, فإن كان صحيحا ما ذكر الفرّاء, من أنها لغة هُذَيل, فالقراءة بها جائزة صحيحة, وإن كان الاختيار أيضا إذا صحّ ذلك عندنا, القراءة الأخرى, وهي التخفيف, لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب, ولا ينبغي أن يترك الأعرف إلى الأنكر. وقد:
28522ـ حدثني أحمد بن يوسف, قال: حدثنا أبو عبيد, قال: حدثنا معاذ, عن ابن عون, قال: قرأت عند ابن سيرين: «إنْ كُلّ نَفْسٍ لَمَا عَلَيْها حافِظٌ» فأنكره, وقال: سبحان الله, سبحان الله.
فتأويل الكلام: إذن: إن كلّ نفس لَعَليها حافظ من ربها, يحفظ عملها, وَيَحْصِي عليها ما تكسب من خير أو شرّ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
28523ـ حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: «إنْ كُلّ نَفْسٍ لَمَا عَلَيْها حافِظٌ» قال: كلّ نفس عليها حفظة من الملائكة.
28524ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: «إنْ كُلّ نَفْسٍ لَمَا عَلَيْها حافِظٌ»: حفظة يحفظون عملك ورزقك وأجلك إذا توفيته يا بن آدم قبضت إلى ربك.
وقوله: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمّ خُلِقَ؟ يقول تعالى ذكره: فلينظر الإنسان المكذّب بالبعث بعد الممات, المُنكر قُدرة الله على إحيائه بعد مماته, مِمّ خُلِقَ يقول: من أيّ شيء خلقه ربه؟ ثم أخبر جلّ ثناؤه عما خلقه منه, فقال: خُلِقَ مِنْ ماءٍ دَافِقٍ يعني: من ماء مدفوق, وهو مما أخرجته العرب بلفظ فاعل, وهو بمعنى المفعول, ويقال: إن أكثر من يستعمل ذلك من أحياء العرب, سكان الحجاز إذا كان في مذهب النعت, كقولهم: هذا سرّ كاتم, وهمّ ناصب, ونحو ذلك.
وقوله: يَخْرُجُ مِنْ بَينِ الصّلْبِ والتّرَائِبِ يقول: يخرج من بين ذلك, ومعنى الكلام منهما, كما يقال: سيخرج من بين هذين الشيئين خير كثير, بمعنى: يخرج منهما.
واختلف أهل التأويل في معنى الترائب وموضعها, فقال بعضهم: الترائب: موضع القِلادة من صدر المرأة. ذكر من قال ذلك:
28525ـ حدثني عبد الرحمن بن الأسود الطّفاويّ, قال: حدثنا محمد بن ربيعة, عن سَلَمة بن سابور, عن عطية العَوْفيّ, عن ابن عباس الصّلْبِ والتّرَائِبِ قال: الترائب: موضع القِلادة.
28526ـ حدثني عليّ, قال: حدثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: يَخْرُجُ مِنْ بَينِ الصّلْبِ والترائِبِ يقول: من بين ثدي المرأة.
28527ـ حدثني يعقوب, قال: حدثنا ابن عُلَية, عن أبي رجاء, قال: سُئل عكرِمة عن الترائب, فقال: هذه, ووضع يده على صدره بين ثدييه.
28528ـ حدثني ابن المثنى, قال: ثني سلم بن قتيبة, قال: ثني عبد الله بن النّعمان الحُدَانيّ أنه سمع عكرِمة يقول: يَخْرُجُ مِنْ بَين الصّلْبِ والتّرَائِبِ قال: صُلْب الرجل, وترائب المرأة.
28529ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا ابن يمان, عن شريك, عن عطاء, عن سعيد بن جُبير, قال: الترائب: الصدر.
28530ـ قال: ثنا ابن يمان, عن مِسْعر, عن الحكم, عن أبي عياض, قال: التّرَائِبِ: الصدر.
28531ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: يَخْرُجُ مِنْ بَينَ الصّلْبِ والتّرائِبِ قال: الترائب: الصدر, وهذا الصلب, وأشار إلى ظهره.
وقال آخرون: الترائب: ما بين المَنْكِبين والصدر. ذكر من قال ذلك:
28532ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا ابن يمان, عن إسرائيل, عن ثَوَير, عن مجاهد, قوله: التّرَائِبِ ما بين المنكبين والصدر.
حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثني الحرث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: التّرَائِبِ قال: أسفل من التراقي.
28533ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا مهران, عن سفيان, قال: الصّلْب للرجل, والترائب للمرأة, والترائب فوق الثديين.
وقال آخرون: هو اليدان والرجلان والعينان. ذكر من قال ذلك:
28534ـ حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: يَخْرُجُ مِنْ بَينِ الصّلْبِ والتّرَائِبِ قال: فالترائب أطراف الرجل واليدان والرجلان والعينان, فتلك الترائب.
28535ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا مهران, عن سفيان, عن أبي رَوْق, عن الضحاك يَخْرُجُ مِنْ بَينِ الصّلْبِ والتّرَائِبِ قال: الترائب: اليدان والرجلان.
28536ـ قال: ثنا مهران, عن سفيان, قال: قال غيره: الترائب: ماء المرأة وصلب الرجل.
28537ـ حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: يَخْرُجُ مِنْ بَين الصّلْبِ والتّرَائِبِ: عيناه ويداه ورجلاه.
وقال آخرون: معنى ذلك, أنه يخرج من بين صلب الرجل ونحره. ذكر من قال ذلك:
28538ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: يَخْرُجُ مِنْ بَين الصّلْبِ وَالتّرَائِبِ يقول: يخرج من بين صُلْب الرجل ونحره.
وقال آخرون: هي الأضلاع التي أسفل الصلب. ذكر من قال ذلك:
28539ـ حدثنا أبو كُرَيب, قال: حدثنا ابن يمان, عن أشعث, عن جعفر, عن سعيد, في قوله: يَخْرُجُ مِنْ بَين الصّلْب والتّرَائِبِ قال: الترائب: الأضلاع التي أسفل الصلب.
وقال آخرون: هي عصارة القلب. ذكر من قال ذلك:
28540ـ حدثني محمد بن إسحاق, قال: حدثنا أبو صالح, قال: ثني الليث أن معمر بن أبي حَبِيبة المَدِيني حدّثه, أنه بلغه في قول الله: يَخْرُجُ مِنْ بَين الصّلْب والتّرَائِبِ قال: هو عُصارة القلب, ومنه يكون الولد.
والصواب من القول في ذلك عندنا: قول من قال: هو موضع القِلادة من المرأة, حيث تقع عليه من صدرها, لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب, وبه جاءت أشعارهم, قال المثقّب العبدي:
ومِنْ ذَهَبٍ يُسَنّ على تَرِيبكَلَوْنِ العاج ليسَ بذي غُضُونِ
وقال آخر:
والزّعْفَرَانُ عَلى تَرَائِبِهَاشَرِقا بِهِ اللّبّاتُ والنّحْرُ
وقوله: إنّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يقول تعالى ذكره: إن هذا الذي خلقكم أيها الناس من هذا الماء الدافق, فجعلكم بشرا سويّا, بعد أن كنتم ماء مدفوقا, على رجعه لقادر.
واختلف أهل التأويل في الهاء التي في قوله: عَلى رَجْعِهِ على ما هي عائدة, فقال بعضهم: هي عائدة على الماء. وقالوا: معنى الكلام: إن الله على ردّ النطفة في الموضع التي خرجت منه لَقادِرٌ. ذكر من قال ذلك:
28541ـ حدثني يعقوب, قال: حدثنا ابن عُلَية, عن أبي رجاء, عن عكرِمة, في قوله: إنّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ قال: إنه على رَدّه في صُلْبه لقادر.
حدثنا ابن المثنى, قال: حدثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله, قال: حدثنا شعبة, عن أبي رجاء, عن عكرِمة في قوله: إنّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ قال: للصّلب.
28542ـ حدثني عُبيد بن إسماعيل الهباريّ, قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربيّ, عن ليث, عن مجاهد في قوله: إنّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ قال: على أن يرد الماء في الإحليل.
حدثني نصر بن عبد الرحمن الأَوْدِيّ الوشاء, قال: حدثنا أبو قَطَن عمرو بن الهيثم, عن ورقاء, عن عبد الله بن أبي نجيح, عن عبد الله بن أبي بكر, عن مجاهد, في قوله: إنّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ قال: على ردّ النطفة في الإحليل.
حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثني الحرث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: إنّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ قال: في الإحليل.
حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا مهران, عن سفيان, عن ليث, عن مجاهد إنّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ قال: ردّه في الإحليل.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنه على ردّ الإنسان ماء كما كان قبل أن يخلقه منه. ذكر من قال ذلك:
28543ـ حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: إنّهُ عَلى رَجْعه لَقادِرٌ إن شئتُ رددتُه كما خلقته من ماء.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنه على حبس ذلك الماء لقادر. ذكر من قال ذلك:
28544ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: إنّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ قال: على رجع ذلك الماء لقادر, حتى لا يخرج, كما قدر على أن يخلق منه ما خلق, قادر على أن يرجعه.
وقال آخرون: بل معنى ذلك أنه قادر على رجع الإنسان من حال الكبر إلى حال الصغر. ذكر من قال ذلك:
28545ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا يحيى بن واضح, قال: حدثنا الحسين, عن مقاتل بن حَيّان, عن الضحاك قال: سمعته يقول في قوله: إنّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يقول: إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب, ومن الشباب إلى الصّبا, ومن الصبا إلى النطفة.
وعلى هذا التأويل تكون الهاء في قوله: عَلى رَجْعِهِ من ذكر الإنسان.
وقال آخرون ممن زعم أن الهاء للإنسان معنى ذلك أنه على إحيائه بعد مماته لقادر. ذكر من قال ذلك:
28546ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: إنّهُ عَلى رَجْعِهِ لقادِرٌ إن الله تعالى ذكره على بعثه وإعادته قادر.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال معنى ذلك: إن الله على ردّ الإنسان المخلوق من ماء دافق من بعد مماته حيا, كهيئته قبل مماته لقادر.
وإنما قلت هذا أولى الأقوال في ذلك بالصواب, لقوله: يَوْمَ تُبْلَى السّرائِرُ فكان في إتباعه قوله: إنّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ نبأ من أنباء القيامة, دلالة على أن السابق قبلها أيضا منه, ومنه يَوْمَ تُبْلَى السّرائِرُ يقول تعالى ذكره: إنه على إحيائه بعد مماته لقادر, يوم تُبلى السرائر فاليوم من صفة الرجع, لأن المعنى: إنه على رجعه يوم تبلى السرائر لقادر.
وعُنِي بقوله: يَوْمَ تُبْلى السّرَائِرُ يوم تُخْتَبرُ سرائر العباد, فيظهر منها يومئذٍ ما كان في الدنيا مستخفيا عن أعين العباد, من الفرائض التي كان الله ألزمه إياها, وكلّفه العمل بها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
28547ـ حُدثت عن عبد الله بن صالح, عن يحيى بن أيوب, عن ابن جريج, عن عطاء بن أبي رباح, في قوله: يَوْمَ تُبْلَى السّرائِرُ قال: ذلك الصوم والصلاة وغُسْل الجنابة, وهو السرائر ولو شاء أن يقول: قد صُمْتُ وليس بصائم, وقد صلّيتُ ولم يصلّ, وقد اغتسلت ولم يغتسل.
28548ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة يَوْمَ تُبْلَى السّرائِرُ إن هذه السرائر مختبرة, فأسِرّوا خيرا وأعلنوه إن استطعتم, ولا قوّة إلا بالله.
28549ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا مهران, عن سفيان يَوْمَ تُبْلَى السّرائِرُ قال: تُخْتَبر.
وقوله: فَمَا لَهُ مِنْ قُوّةٍ وَلا ناصِرٍ يقول تعالى ذكره: فما للإنسان الكافر يومئذٍ من قوّة يمتنع بها من عذاب الله, وأليم نكاله, ولا ناصر ينصره, فيستنقذه ممن ناله بمكروه, وقد كان في الدنيا يرجع إلى قوّة من عشيرته, يمتنع بهم ممن أراده بسوء, وناصر من حليف ينصره على من ظلمه واضطهده. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
28550ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: فَمَا لَهُ مِنْ قُوّةٍ وَلا ناصِر ينصره من الله.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله: وَلا ناصِرٍ قال: من قوّة يمتنع بها, ولا ناصر ينصره من الله.
28551ـ حدثني عليّ بن سهل, قال: حدثنا ضَمْرة بن ربيعة, عن سفيان الثوريّ, في قوله: مِنْ قُوّةٍ وَلا ناصِرٍ قال: القوّة: العشيرة, والناصر: الحليف.
الآية : 11-17
القول فـي تأويـل قوله تعالى:{وَالسّمَآءِ ذَاتِ الرّجْعِ * وَالأرْضِ ذَاتِ الصّدْعِ * إِنّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هوَ بِالْهَزْلِ * إِنّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً }.
يقول تعالى ذكره: وَالسّماءِ ذَاتِ الرّجْعِ ترْجع بالغيوم وأرزاق العباد كلّ عام ومنه قول المتنخّل في صفة سيف:
أبْيَضُ كالرّجْعِ رَسُوبٌ إذَاما ثاخَ فِي مُحْتَفَلٍ يَخْتَلِي
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
28552ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا مِهران, قال: حدثنا سفيان, عن خصيف, عن عكرمة, عن ابن عباس. وَالسّماءِ ذَاتِ الرّجْعِ قال: السحاب فيه المطر.
حدثنا عليّ بن سهل, قال: حدثنا مؤمل, قال: حدثنا سفيان, عن خَصِيف, عن عكِرمة, عن ابن عباس في قوله: وَالسّماءِ ذَاتِ الرّجْعِ قال: ذات السحاب فيه المطر.
28553ـ حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: وَالسّماءِ ذَاتِ الرّجْعِ يعني بالرجع: القطر والرزق كلّ عام.
28554ـ حدثني يعقوب, قال: حدثنا ابن عُلَية, عن أبي رجاء, عن الحسن, في قوله: وَالسّماءِ ذَاتِ الرّجْعِ قال: ترجع بأرزاق الناس كلّ عام قال أبو رجاء: سُئل عنها عكرِمة, فقال: رجعت بالمطر.
28555ـ حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثني الحرث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ذَاتِ الرّجْعِ قال: السحاب يمطر, ثم يَرجع بالمطر.
28556ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: وَالسّماءِ ذَاتِ الرّجْعِ قال: ترجع بأرزاق العباد كلّ عام, لولا ذلك هَلكوا وهلَكت مواشيهم.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, قوله: وَالسّماءِ ذَاتِ الرّجْعِ قال: ترجع بالغيث كلّ عام.
28557ـ حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: وَالسّماءِ ذَاتِ الرّجْعِ يعني: المطر.
وقال آخرون: يعني بذلك: أن شمسها وقمرها يغيب ويطلُع. ذكر من قال ذلك:
28558ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: وَالسّماءِ ذَاتِ الرّجْعِ قال: شمسها وقمرها ونجومها يأتين من ها هنا.
وقوله: وَالأرْضِ ذَاتِ الصّدْعِ يقول تعالى ذكره: والأرض ذات الصدع بالنبات. وبنحو الذي قلنافي ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
28559ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا مهران, عن سفيان, عن خَصِيف, عن عكرِمة, عن ابن عباس وَالأرْضِ ذَاتِ الصّدْعِ قال: ذات النبات.
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: وَالأرْضِ ذَاتِ الصّدْعِ يقول: صدعها إخراج النبات في كلّ عام.
28560ـ حدثني يعقوب, قال: حدثنا ابن عُلَية, عن أبي رجاء, عن الحسن وَالأرْضِ ذَاتِ الصّدْعِ قال: هذه تصدع عما تحتها قال أبو رجاء: وسُئل عنها عكرِمة, فقال: هذه تصدع عن الرزق.
28561ـ حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثني الحرث, قال: حدثنا الحسن, عن ابن أبي نجيح, قال مجاهد وَالأرْضِ ذَاتِ الصّدعِ مثل المأزم مَأْزِمِ مِنًى.
حدثني الحارث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد وَالأرْضِ ذَاتِ الصّدْعِ قال: الصدع: مثل المأْزِم, غير الأودية وغير الجُرُف.
28562ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: وَالأرْضِ ذَاتِ الصّدْعِ تصدع عن الثمار وعن النبات, كما رأيتم.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة وَالأرْضِ ذات الصّدْعِ قال: تصدع عن النبات.
28563ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: وَالأرْضِ ذَاتِ الصّدْعِ وقرأ: ثُمّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقّا فَأنْبَتْنا فِيه حَبّا وَعِنَبا وَقَضْبا إلى آخر الاَية, قال: صدعها للحرث.
28564ـ حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: والأرْضِ ذَاتِ الصّدْعِ: النبات.
وقوله: إنّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ يقول تعالى ذكره: إن هذا القول وهذا الخبر لقول فصل: يقول: لقول يفصل بين الحقّ والباطل ببيانه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في العبارة عنه, فقال بعضهم: لقول حقّ.
وقال بعضهم: لقول حُكْم. ذكر من قال ذلك:
28565ـ حدثني عليّ, قال: حدثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: إنّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ يقول: حقّ.
28566ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: إنّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ: أي حُكْم.
وقوله: وَما هُوَ بالهَزْلِ يقول: وما هو باللعب ولا الباطل. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
28567ـ حدثني عليّ, قال: حدثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: وَما هُوَ بِالْهَزْلِ يقول: بالباطل.
28568ـ حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثني الحرث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: وَما هُوَ بِالْهَزْلِ قال: باللعب.
وقوله: إنّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدا يقول تعالى ذكره: إن هؤلاء المكذّبين بالله ورسوله والوعد والوعيد يمكرون مكرا.
وقوله: وَأَكِيدُ كَيْدا يقول: وأمكر مكرا ومكره جلّ ثناؤه بهم: إملاؤه إياهم على معصيتهم وكفرهم به.
وقوله: فَمَهّلِ الْكافِرِينَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فمهّل يا محمد الكافرين ولا تعجلْ عليهم أمْهِلْهُمْ رُوَيْدا يقول: أمهلهم آنا قليلاً, وأنظرهم للموعد الذي هو وقت حلول النقمة بهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
28569ـ حدثني عليّ, قال: حدثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدا يقول: قريبا.
28570ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدا الرويد: القليل.
28571ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: فَمَهّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدا قال: مَهّلهم, فلا تعجل عليهم تَرْكَهُمْ, حتى لما أراد الانتصار منهم, أمره بجهادهم وقتالهم, والغلظة عليهم.

نهاية تفسير الإمام الطبري لسورة الطارق

سورة الأعلى مكيّة
وآياتها تسع عشرة
بسم الله الرحمَن الرحيـم

الآية : 1-7
القول فـي تأويـل قوله تعالى:{سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعْلَىَ * الّذِي خَلَقَ فَسَوّىَ * وَالّذِي قَدّرَ فَهَدَىَ * وَالّذِيَ أَخْرَجَ الْمَرْعَىَ * فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىَ * سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىَ * إِلاّ مَا شَآءَ اللّهُ إِنّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىَ }.
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: سَبّحِ اسْم رَبّكَ الأعْلىَ فقال بعضهم: معناه: عظّم ربك الأعلى, لا ربّ أعلى منه وأعظم. وكان بعضهم إذا قرأ ذلك قال: سبحان ربي الأعلى. ذكر من قال ذلك:
28572ـ حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: حدثنا هشيم, قال: أخبرنا أبو بشر, عن سعيد بن جُبير, عن ابن عمر أنه كان يقرأ: سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعْلىَ: سبحان ربي الأعلى الّذِي خَلَقَ فَسَوّى قال: وهي في قراءة أُبيّ بن كعب كذلك.
28573ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن, قال: حدثنا سفيان, عن السّديّ, عن عبد خير, قال: سمعت عليا رضي الله عنه قرأ: سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعْلَى فقال: سبحان ربي الأعلى.
28574ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا حكام, عن عنبسة, عن أبي إسحاق الهمْداني, أن ابن عباس كان إذا قرأ: سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعْلَى يقول: سبحان ربي الأعلى, وإذا قرأ: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ فأتى على آخرها ألَيْسَ ذَلك بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِي المَوْتَى؟ يقول: سبحانك اللهمّ وبَلَى.
28575ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعْلَى ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأها قال: سبحان ربيَ الأعلَى.
حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا مهران, عن خارجة, عن داود, عن زياد بن عبد الله, قال: سمعت ابن عباس يقرأ في صلاة المغرب سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعْلَى سبحان ربي الأعلَى.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: نزّه يا محمد اسم ربك الأعلى, أن تسمي به شيئا سواه, ينهاه بذلك أن يفعل ما فعل من ذلك المشركون, من تسميتهم آلهتهم بعضَها اللات, وبعضَها العزّى.
وقال غيرهم: بل معنى ذلك: نزّهِ الله عما يقول فيه المشركون كما قال: وَلاَ تَسُبّوا الّذِينَ يَدْعَونَ مِنْ دُونِ اللّهِ فيَسبّوا اللّهَ عَدْوا بِغَيرِ عِلْمٍ. وقالوا: معنى ذلك: سبح ربك الأعلى قالوا: وليس الاسم معنى.
وقال آخرون: نزّه تسميتك يا محمد ربك الأعلى وذكرك إياه, أن تذكره إلاّ وأنت له خاشع متذلل قالوا: وإنما عُنِي بالاسم: التسمية, ولكن وُضع الاسم مكان المصدر.
وقال آخرون: معنى قوله: سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعْلَى: صلّ بذكر ربك يا محمد, يعني بذلك: صلّ وأنت له ذاكر, ومنه وَجِل خائف.
وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب: قول من قال: معناه: نزّه اسم ربك أن تدعو به الاَلهة والأوثان, لما ذكرت من الأخبار, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وعن الصحابة أنهم كانوا إذا قرأوا ذلك قالوا: سبحان ربيَ الأعلى, فبَيّن بذلك أن معناه كان عندهم معلوما: عظم اسم ربك, ونزّهه.
وقوله: الّذِي خَلَقَ فَسَوّى يقول: الذي خلق الأشياء فسوّى خلقها, وعدّلها والتسوية التعديل.
وقوله: وَالّذِي قَدّرَ فَهَدَى يقول تعالى ذكره: والذي قدّر خلقه فهدى.
واختلف أهل التأويل في المعنى الذي عُني بقوله: فَهَدَى, فقال بعضهم: هدى الإنسان لسبيل الخير والشرّ, والبهائم للمراتع. ذكر من قال ذلك:
28576ـ حدثنا محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثني الحرث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: قَدّرَ فَهَدَى قال: هدى الإنسان للشّقوة والسعادة, وهَدى الأنعام لمراتعها.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: هدى الذكور لمأتى الإناث. وقد ذكرنا الرواية بذلك فيما مضى.
والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الله عمّ بقوله فَهَدَى الخبر عن هدايته خلقه, ولم يخصص من ذلك معنى دون معنى, وقد هداهم لسبيل الخير والشرّ, وهدى الذكور لمأتى الإناث, فالخبر على عمومه, حتى يأتي خبر تقوم به الحجة, دالّ على خصوصه. واجتمعت قرّاء الأمصار على تشديد الدال من قَدّر, غير الكسائي فإنه خفّفها. والصواب في ذلك التشديد, لإجماع الحجة عليه.
وقوله: وَالّذِي أَخْرَجَ المَرْعَى يقول: والذي أخرج من الأرض مرعَى الأنعام, من صنوف النبات وأنواع الحشيش. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
28577ـ حدثني يعقوب بن مكرم, قال: حدثنا الحفريّ, قال: حدثنا سفيان, عن منصور, عن أبي رَزِين أَخْرَجَ المَرْعَى قال: النبات.
28578ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: وَالّذِي أَخْرَجَ المَرْعَى... الاَية, نبت كما رأيتم, بين أصفر وأحمر وأبيض.
وقوله: فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوَى يقول تعالى ذكره: فجعل ذلك المرعَى غُثاء, وهو ما جفّ من النبات ويبس, فطارت به الريح وإنما عُنِي به هاهنا أنه جعله هشيما يابسا متغيرا إلى الحُوّة, وهي السواد, من بعد البياض أو الخُضرة, من شدّة اليبس. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
28579ـ حدثني علي, قال: حدثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, في قوله: غُثاءً أحْوَى يقول: هَشيما متغيرا.
28580ـ حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثني الحرث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: غُثاءً أحْوَى قال: غُثاء السيل أحوى, قال: أسود.
28581ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, في قوله: غُثاءً أحْوَى قال: يعود يبسا بعد خُضرة.
28582ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوَى قال: كان بقلاً ونباتا أخضر, ثم هاج فيبُس, فصار غُثاء أحوى, تذهب به الرياح والسيول.
وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يرى أن ذلك من المؤخّر الذي معناه التقديم, وأن معنى الكلام: والذي أخرج المرعى أحوى: أي أخضر إلى السواد, فجعله غثاء بعد ذلك, ويعتلّ لقوله ذلك بقول ذي الرّمة:
حَوّاءُ قَرْحاءُ أشْراطِيّةُ وكَفَتْفِيها الذّهابُ وحَفّتْها البَرَاعِيمُ
وهذا القول وإن كان غير مدفوع أن يكون ما اشتدّت خضرته من النبات, قد تسميه العرب أسود, غير صواب عندي بخلافه تأويل أهل التأويل في أن الحرف إنما يحتال لمعناه المخرج بالتقديم والتأخير إذا لم يكن له وجه مفهوم إلاّ بتقديمه عن موضعه, أو تأخيره, فإما وله في موضعه وجه صحيح فلا وجه لطلب الاحتيال لمعناه بالتقديم والتأخير.
وقوله: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إلاّ ما شاءَ اللّهُ يقول تعالى ذكره: سنقرئك يا محمد هذا القرآن فلا تنساه, إلاّ ما شاء الله.
ثم اختلف أهل التأويل في معنى قوله فلا تَنْسَى إلاّ ما شاءَ اللّهُ فقال بعضهم: هذا إخبار من الله نبيه عليه الصلاة والسلام أنه يعلمه هذا القرآن, ويحفظه عليه, ونهي منه أن يعجل بقراءته, كما قال جلّ ثناؤه: لا تُحَرّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بهِ إنّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرآنَهُ. ذكر من قال ذلك:
28583ـ حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثني الحرث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى قال: كان يتذكر القرآن في نفسه مخافة أن ينسى.
فقال قائلو هذه المقالة: معنى الاستثناء في هذا الموضع على النسيان, ومعنى الكلام: فلا تنسى, إلاّ ما شاء الله أن تنساه, ولا تذكُرَه, قالوا: ذلك هو ما نسخه الله من القرآن, فرفع حكمه وتلاوته. ذكر من قال ذلك:
28584ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى كان صلى الله عليه وسلم لا ينسى شيئا إلاّ ما شاءَ اللّهُ.
وقال آخرون: معنى النسيان في هذا الموضع: الترك وقالوا: معنى الكلام: سنقرئك يا محمد فلا تترك العمل بشيء منه, إلاّ ما شاء الله أن تترك العمل به, مما ننسخه.
وكان بعض أهل العربية يقول في ذلك: لم يشأ الله أن تنسى شيئا, وهو كقوله: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السّمَوَاتُ والأرْضُ إلاّ ما شاءَ رَبّكَ ولا يشاء. قال: وأنت قائل في الكلام: لأعطينك كلّ ما سألت إلاّ ما شئت, وإلاّ أن أشاء أن أمنعك, والنية أن لا تمنعه, ولا تشاء شيئا. قال: وعلى هذا مجارِي الأَيمان, يستثنى فيها, ونية الحالف: اللمام.
والقول الذي هو أولى بالصواب عندي, قول من قال: معنى ذلك: فلا تنسى إلاّ أن نشاء نحن أن نُنسيكه بنسخه ورفعه. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب, لأن ذلك أظهر معانيه.
وقوله: إنّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وَما يَخْفَى يقول تعالى ذكره: إن الله يعلم الجهر يا محمد من عملك, ما أظهرته وأعلنته وَما يَخْفَى يقول: وما يخفى منه فلم تظهره, مما كتمته, يقول: هو يعلم جميع أعمالك, سرّها وعلانيتها يقول: فاحذره أن يطلع عليك وأنت عامل في حال من أحوالك بغير الذي أذن لك به.
الآية : 8-13
القول فـي تأويـل قوله تعالى:{وَنُيَسّرُكَ لِلْيُسْرَىَ * فَذَكّرْ إِن نّفَعَتِ الذّكْرَىَ * سَيَذّكّرُ مَن يَخْشَىَ * وَيَتَجَنّبُهَا الأشْقَى * الّذِى يَصْلَى النّارَ الْكُبْرَىَ * ثُمّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا }.
يقول تعالى ذكره: ونسهلك يا محمد لعمل الخير, وهو اليُسرَى واليُسرَى: هو الفُعلى من اليسر.
وقوله: فَذَكّرْ إنْ نَفَعَتِ الذّكْرَى يقول تعالى ذكره: فذكّر عباد الله يا محمد عظمته, وعظْهم, وحذّرهم عقوبته إنْ نَفَعَتِ الذّكْرَى يقول: إن نفعت الذكرى الذين قد آيستُك من إيمانهم, فلا تنفعهم الذكرى. وقوله فَذَكّرْ أمر من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بتذكير جميع الناس, ثم قال: إن نفعت الذكرى هؤلاء الذين قد آيستك من إيمانهم.
وقوله: سَيَذّكّرُ مَنْ يَخْشَى يقول جلّ ثناؤه: سيذّكّر يا محمد إذا ذَكّرت الذين أمرتك بتذكيرهم من يخشى الله, ويخاف عقابه ويَتَجَنّبُها يقول: ويتجنّب الذكرى الأشْقَى يعني: أشقى الفريقين الّذِي يَصْلَى النّارَ الكُبْرَى وهم الذين لم تنفعهم الذكرى. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
28585ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: فَذَكّرْ إنْ نَفَعَت الذّكْرَى سَيَذّكّرُ مَنْ يَخْشَى فاتقوا الله, ما خَشِي الله عبد قطّ إلاّ ذكره ويَتَجَنّبُها الأشْقَى فلا والله لا يتنكّب عبد هذا الذكر زهدا فيه وبُغضا لأهله, إلاّ شقيّ بَيّنُ الشقاء.
وقوله: الّذِي يَصْلَى النّارَ الكُبْرَى يقول: الذي يَرِد نار جهنم, وهي النار الكبرى, ويعني بالكبرى لشدّة الحرّ والألم.
وقوله: ثُمّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيا يقول: ثم لا يموت في النار الكُبرى ولا يحيا, وذلك أن نفس أحدهم تصير فيها في حلقه, فلا تخرج فتفارقه فيموت, ولا ترجع إلى موضعها من الجسم فيحيا. وقيل: لا يموت فيها فيستريح, ولا يحيا حياة تنفعه.
وقال آخرون: قيل ذلك, لأن العرب كانت إذا وصفت الرجل بوقوع في شدة شديدة, قالوا: لا هو حيّ, ولا هو ميت, فخاطبهم الله بالذي جرى به ذلك من كلامهم