موقع الحمد لله القرآن الكريم القرآن mp3 المقالات الكتب التسعة مواقيت الصلاة
القرآن الكريم

شرح معنى الآية 17 من سورة المائدة - لقد كفر الذين قالوا إن الله هو

سورة المائدة الآية رقم 17 : شرح و تفسير الآية

تفسير و معنى الآية 17 من سورة المائدة عدة تفاسير, سورة المائدة : عدد الآيات 120 - الصفحة 110 - الجزء 6.

﴿ لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ أَن يُهۡلِكَ ٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗاۗ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ﴾
[ المائدة: 17]


التفسير الميسر

لقد كفر النصارى القائلون بأن الله هو المسيح ابن مريم، قل -أيها الرسول- لهؤلاء الجهلة من النصارى: لو كان المسيح إلهًا كما يدَّعون لقَدرَ أن يدفع قضاء الله إذا جاءه بإهلاكه وإهلاك أُمِّه ومَن في الأرض جميعًا، وقد ماتت أم عيسى فلم يدفع عنها الموت، كذلك لا يستطيع أن يدفع عن نفسه؛ لأنهما عبدان من عباد الله لا يقدران على دفع الهلاك عنهما، فهذا دليلٌ على أنه بشر كسائر بني آدم. وجميع الموجودات في السماوات والأرض ملك لله، يخلق ما يشاء ويوجده، وهو على كل شيء قدير. فحقيقة التوحيد توجب تفرُّد الله تعالى بصفات الربوبية والألوهية، فلا يشاركه أحد من خلقه في ذلك، وكثيرًا ما يقع الناس في الشرك والضلال بغلوهم في الأنبياء والصالحين، كما غلا النصارى في المسيح، فالكون كله لله، والخلق بيده وحده، وما يظهر من خوارق وآيات مَرَدُّه إلى الله. يخلق سبحانه ما يشاء، ويفعل ما يريد.

تفسير الجلالين

«لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسح ابن مريم» حيث جعلوه إلَها وهم اليعقوبية فرقة من النصارى «قل فمن يملك» أي يدفع «من» عذاب «الله شيئا إن أراد أن يُهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا» أي لا أحد يملك ذلك ولو كان المسيح إلَها لقدر عليه «ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء» شاءه «قدير».

تفسير السعدي

لما ذكر تعالى أخذ الميثاق على أهل الكتابين، وأنهم لم يقوموا به بل نقضوه، ذكر أقوالهم الشنيعة.
فذكر قول النصارى، القول الذي ما قاله أحد غيرهم، بأن الله هو المسيح ابن مريم، ووجه شبهتهم أنه ولد من غير أب، فاعتقدوا فيه هذا الاعتقاد الباطل مع أن حواء نظيره، خُلِقَت بلا أم، وآدم أولى منه، خلق بلا أب ولا أم، فهلا ادعوا فيهما الإلهية كما ادعوها في المسيح؟ فدل على أن قولهم اتباع هوى من غير برهان ولا شبهة.
فرد الله عليهم بأدلة عقلية واضحة فقال: قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فإذا كان المذكورون لا امتناع عندهم يمنعهم لو أراد الله أن يهلكهم، ولا قدرة لهم على ذلك - دل على بطلان إلهية من لا يمتنع من الإهلاك، ولا في قوته شيء من الفكاك.
ومن الأدلة أن لِلَّهِ وحده مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يتصرف فيهم بحكمه الكوني والشرعي والجزائي، وهم مملوكون مدبرون، فهل يليق أن يكون المملوك العبد الفقير، إلها معبودا غنيا من كل وجه؟ هذا من أعظم المحال.
ولا وجه لاستغرابهم لخلق المسيح عيسى ابن مريم من غير أب، فإن الله يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إن شاء من أب وأم، كسائر بني آدم، وإن شاء من أب بلا أم، كحواء.
وإن شاء من أم بلا أب، كعيسى.
وإن شاء من غير أب ولا أم [كآدم] فنوع خليقته تعالى بمشيئته النافذة، التي لا يستعصي عليها شيء، ولهذا قال: وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

تفسير البغوي

قوله عز وجل : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ) وهم اليعقوبية من النصارى يقولون المسيح هو الله تعالى ، ( قل فمن يملك من الله شيئا ) أي : من يقدر أن يدفع من أمر الله شيئا إذا قضاه؟ ( إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السموات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير ) .

تفسير الوسيط

اللام في قوله: لَقَدْ كَفَرَ واقعة جوابا لقسم مقدر.
والمراد بالكفر: ستر الحق وإنكاره، والانغماس في الباطل والضلال.
والمعنى: أقسم لقد كفر أولئك النصارى الذين قالوا كذبا وزورا: إن الله المستحق للعبادة والخضوع هو المسيح عيسى ابن مريم.
قال بعض العلماء ما ملخصه: «لقد اتفق النصارى على أن يسوع عندهم فيه عنصر إلهى» وإذا كان الأمر المعروف عندهم أن يسوع ابن الله وفيه عنصر إلهى فقد قالوا: إن الألوهية قد حلت فيه.
ولازم ذلك القول أن يكون هو الله، أو هو إله يعبد ومهما يكن فقد قالوا باتحاد عنصر الألوهية فيه.
وقد قال في ذلك البيضاوي: «هم الذين قالوا بالاتحاد منهم.
وقيل: لم يصرح به أحد منهم.
ولكنهم لما زعموا أن فيه لاهوتا، وقالوا: لا إله إلا واحد لزمهم أن يكون هو المسيح فنسب إليهم لازم قولهم» .
وذلك بلا ريب ينتهى إلى القول بأنهم يعتقدون أن المسيح هو الله، وإن لم يصرحوا بذلك، فهو لازم قولهم باتحاد عنصر الألوهية فيه مع الله.
وإن ذلك الكلام تخريج على أن النصارى مذهب واحد في اعتقاد الألوهية وأنه ابن الله وبذلك يكون قوله- تعالى- في أواخر هذه السورة لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ متلاقيا مع هذا النص الكريم فهنا صرح بلازم قولهم وهناك صرح بذات قولهم.
والحقيقة أن النصارى اليوم- وهم لا يزالون يغيرون ويبدلون- يصرحون بأن الأقانيم ثلاثة.
وأنها شيء واحد.
وينتهون إلى أن المسيح هو الله، والله هو روح القدس.
فقد قال الدكتور بوست في تاريخ الكتاب المقدس: «طبيعة الله عبارة عن ثلاثة أقانيم متساوية الجوهر هي: الله الأب، والله الابن والله الروح القدس فإلى الأب ينتمى الخلق بواسطة الابن وإلى الابن الفداء، وإلى الروح القدس التطيهر.
غير أن ثلاثة الأقانيم تتقاسم جميع الأعمال على السواء.
أما مسألة التثليث فغير واضحة في العهد القديم، كما هي في العهد الجديد» .
ومن هذا الكلام يتبين أن النصارى يصرحون بأن الابن هو الله، ولا يكون الكلام بطريق اللازم لقولهم، بل بطريق الصريح منه.
فهم يصرحون بأن الله هو الابن، كما أن الله هو الأب، كما أن الله هو روح القدس هذا، وقد أمر الله- تعالى- نبيه صلّى الله عليه وسلّم أن يرد على أولئك الذين قالوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ بما يكشف عن جهلهم وضلالهم فقال- تعالى-:قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً.
أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء النصارى الذين قالوا: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، قل لهم على سبيل الإنكار والتوبيخ والتجهيل: من ذا الذي يملك من أمر الله وإرادته شيئا يدفع به الهلاك عن المسيح وعن أمه وعن سائر أهل الأرض، إن أراد الله- سبحانه- أن يهلكهم ويبيدهم؟ لا شك أن أحدا لن يستطيع أن يمنع إرادته- سبحانه- لأنه هو المالك لأمر الوجود كله، ولا يملك أحد من أمره شيئا يستطيع به أن يصرفه عن عمل يريده أو يحمله على أمر لا يريده، أو يستقل بعمل دونه.
ومادام الأمر كذلك فدعوى أن الله هو المسيح ابن مريم ظاهرة البطلان، لأن المسيح وأمه من مخلوقات الله التي هي قابلة لطروء الهلاك والفناء عليها.
وحاشا للمخلوق الفاني أن يكون إلها وإنما الألوهية لله الخالق الباقي أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ قال الإمام الرازي ما ملخصه: «احتج- سبحانه- على فساد ما ذهب إليه النصارى بقوله: فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً.
وهذه جملة شرطية قدم فيها الجزاء على الشرط.
والتقدير: إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا فمن الذي يقدر على أن يدفعه عن مراده ومقدوره.
وقوله فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أى: فمن يملك من أفعال الله شيئا والملك هو القدرة.
يعنى فمن الذي يقدر على دفع شيء من أفعال الله- تعالى- ومنع شيء من مراده.
وقوله: وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً يعنى: أن عيسى مشاكل لمن في الأرض في الصورة والخلقة والجسمية والتركيب وتغيير الصفات والأحوال، فلما سلّم كونه- تعالى- خالقا للكل مدبرا للكل وجب أن يكون أيضا خالقا لعيسى» .
وفي توجيه الأمر إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم للرد عليهم تثبيت له وتقوية لحجته حتى يبطل قولهم الفاسد إبطالا يزداد معه المؤمنون إيمانا بالحق الذي آمنوا به.
قال أبو السعود: وإنما نفيت المالكية المذكورة بالاستفهام الإنكارى عن أحد مع تحقيق الإلزام والتبكيت لا بنفيها عن المسيح فقط، لتحقيق الحق بنفي الألوهية عن كل ما عداه- سبحانه- وإثبات المطلوب في ضمنه بالطريق البرهاني.
وتعميم إرادة الإهلاك للكل- مع حصول المطلوب بقصرها على المسيح- لتهويل الخطب، وإظهار كمال العجز ببيان أن الكل تحت قهره- تعالى- وملكوته.
لا يقدر أحد على دفع ما أريد به.
فضلا عن دفع ما أريد بغيره.
وللإيذان بأن المسيح أسوة لسائر المخلوقات في كونه عرضة للهلاك، كما أنه أسوة لها فيما ذكر من العجز، وعدم استحقاق الألوهية».
وتخصيص الأم بالذكر مع اندراجها في عموم المعطوف، لزيادة تأكيد عجز المسيح، وأنه هو وأمه عبدان من عباد الله لا يقدران على رفع الهلاك عنهما.
وعطف عليهما قوله وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً من باب عطف العام على الخاص، ليكونا قد ذكرا مرتين.
مرة بالنص عليهما.
ومرة بالاندراج في العام، وذلك على سبيل التوكيد والمبالغة في تعلق نفاذ الإرادة فيهما.
وقوله وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما تأكيد لاختصاص الألوهية به- تعالى- إثر بيان انتفائها عما سواه.
أى: ولله- تعالى- وحده دون أن ينازعه منازع.
أو يشاركه مشارك، ملك جميع الموجودات، والتصرف المطلق فيها، إيجادا وإعداما، وإحياء وإماتة.
فهو المالك للسموات وما فيها وللأرض وما عليها، ولما بينهما من فضاء تجرى فيه السحب بأمره، ويطير فيه الطير بإذنه وقدرته.
وما المسيح وأمه إلا من جملة ما في الأرض، فهما عبدان من عباد الله يدينان له- سبحانه- بالعبادة والطاعة والخضوع.
وقال- سبحانه- وَما بَيْنَهُما ولم يقل وما بينهن مع أن السموات بلفظ الجمع، لأن المراد بالسموات والأرض النوعان أو الصنفان.
أى: ولله- تعالى- وحده ملك السموات والأرض وما بين هذين النوعين من مخلوقات خاضعة لمشيئة الله وقدرته.
وقوله يَخْلُقُ ما يَشاءُ جملة مستأنفة مسوقة لبيان بعض أحكام الملك والألوهية على وجه يزيح ما اعترى النصارى من شبه في أمر المسيح لولادته من غير أب، وإحيائه الموتى، وإبرائه الأكمه والأبرص، كل ذلك بإذن الله.
أى أنه- سبحانه- يخلق ما يشاء أن يخلقه من أنواع الخلق بالكيفية التي يريدها تبعا لمشيئته وإرادته.
فتارة يخلق الإنسان من ذكر وأنثى كما هو المعتاد بين الناس، وتارة يخلقه بدون أب أو أم كما هو الشأن في خلق آدم، وتارة يخلقه بدون أب كما هو الشأن في خلق عيسى، إلى ذلك من مخلوقاته التي ليست مقصورة على نوع واحد بل هي شاملة لهذا الكون بما فيه من إنسان وحيوان وجماد، فكل ما تعلقت إرادته بإيجاده أوجده، وكل ما تعلقت إرادته بإعدامه أعدمه، لا راد لمشيئته ولا معقب لحكمه ولا حائل دون نفاذ قدرته.
وقوله: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تذييل مقرر لمضمون ما قبله.
أى: والله- تعالى- قدير على كل شيء ومالك لكل شيء ومهيمن على كل شيء لا يغلبه شيء طلبه، ولا يعجزه أمر أراده وما عيسى وأمه إلا من مخلوقاته وعبيده، وحاشا للمخلوق العاجز أن يكون إلها من دون الله- عز وجل-.
فهذه الآية الكريمة تحكى أقوال النصارى الباطلة في شأن عيسى- عليه السلام- وترد عليهم بما يزهق باطلهم، ويثبت أن عيسى إنما هو عبد من عباد الله وأن العبادة إنما تكون لله الواحد القهار.
ثم ساق- سبحانه- بعض دعاوى أهل الكتاب الباطلة وأمر نبيه صلّى الله عليه وسلّم أن يرد عليهم بما يخرس ألسنتهم فقال- تعالى-:

المصدر : تفسير : لقد كفر الذين قالوا إن الله هو