موقع الحمد لله القرآن الكريم القرآن mp3 المقالات الكتب التسعة مواقيت الصلاة
القرآن الكريم

شرح معنى الآية 41 من سورة المائدة - ياأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في

سورة المائدة الآية رقم 41 : شرح و تفسير الآية

تفسير و معنى الآية 41 من سورة المائدة عدة تفاسير, سورة المائدة : عدد الآيات 120 - الصفحة 114 - الجزء 6.

﴿ ۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ يَقُولُونَ إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ﴾
[ المائدة: 41]


التفسير الميسر

يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في جحود نبوتك من المنافقين الذين أظهروا الإسلام وقلوبهم خالية منه، فإني ناصرك عليهم. ولا يحزنك تسرُّع اليهود إلى إنكار نبوتك، فإنهم قوم يستمعون للكذب، ويقبلون ما يَفْتَريه أحبارُهم، ويستجيبون لقوم آخرين لا يحضرون مجلسك، وهؤلاء الآخرون يُبَدِّلون كلام الله من بعد ما عَقَلوه، ويقولون: إن جاءكم من محمد ما يوافق الذي بدَّلناه وحرَّفناه من أحكام التوراة فاعملوا به، وإن جاءكم منه ما يخالفه فاحذروا قبوله، والعمل به. ومن يشأ الله ضلالته فلن تستطيع -أيها الرسول- دَفْعَ ذلك عنه، ولا تقدر على هدايته. وإنَّ هؤلاء المنافقين واليهود لم يُرِدِ الله أن يطهِّر قلوبهم من دنس الكفر، لهم الذلُّ والفضيحة في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم.

تفسير الجلالين

«يا أيها الرسول لا يَحزنك» صنع «الذين يسارعون في الكفر» يقعون فيه بسرعة أي يظهرونه إذا وجدوا فرصة «من» للبيان «الذين قالوا آمنا بأفوههم» بألسنتهم متعلق بقالوا «ولم تؤمن قلوبهم» وهم المنافقون «ومن الذين هادوا» قوم «سماعون للكذب» الذي افترته أحبارهم سماع قبول «سماعون» منك «لقوم» لأجل قوم «آخرين» من اليهود «لم يأتوك» وهم أهل خيبر زنى فيهم محصنان فكرهوا رجمهما فبعثوا قريظة ليسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن حكمهما «يحرفون الكلم» الذي في التوراة كآية الرجم «من بعد مواضعه» التي وضعه الله عليها أي يبدِّلونه «يقولون» لمن أرسلوهم «إن أُوتيتم هذا» الحكم المحرف أي الجلد الذي أفتاكم به محمد «فخذوه» فاقبلوه «وإن لم تؤتوه» بل أفتاكم بخلافه «فاحذروا» أن تقبلوه «ومن يرد الله فتنته» إضلاله «فلن تملك له من الله شيئا» في دفعها «أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم» من الكفر ولو أراده لكان «لهم في الدنيا خزي» ذل بالفضيحة والجزية «ولهم في الآخرة عذاب عظيم».

تفسير السعدي

كان الرسول صلى الله عليه وسلم من شدة حرصه على الخلق يشتد حزنه لمن يظهر الإيمان، ثم يرجع إلى الكفر، فأرشده الله تعالى، إلى أنه لا يأسى ولا يحزن على أمثال هؤلاء.
فإن هؤلاء لا في العير ولا في النفير.
إن حضروا لم ينفعوا، وإن غابوا لم يفقدوا، ولهذا قال مبينا للسبب الموجب لعدم الحزن عليهم - فقال: مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ فإن الذين يؤسى ويحزن عليهم، من كان معدودا من المؤمنين، وهم المؤمنون ظاهرا وباطنا, وحاشا لله أن يرجع هؤلاء عن دينهم ويرتدوا، فإن الإيمان -إذا خالطت بشاشته القلوب- لم يعدل به صاحبه غيره، ولم يبغ به بدلا.
وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا أي: اليهود سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ أي: مستجيبون ومقلدون لرؤسائهم، المبني أمرهم على الكذب والضلال والغي.
وهؤلاء الرؤساء المتبعون لَمْ يَأْتُوكَ بل أعرضوا عنك، وفرحوا بما عندهم من الباطل وهو تحريف الكلم عن مواضعه، أي: جلب معان للألفاظ ما أرادها الله ولا قصدها، لإضلال الخلق ولدفع الحق، فهؤلاء المنقادون للدعاة إلى الضلال، المتبعين للمحال، الذين يأتون بكل كذب، لا عقول لهم ولا همم.
فلا تبال أيضا إذا لم يتبعوك، لأنهم في غاية النقص، والناقص لا يؤبه له ولا يبالى به.
يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا أي: هذا قولهم عند محاكمتهم إليك، لا قصد لهم إلا اتباع الهوى.
يقول بعضهم لبعض: إن حكم لكم محمد بهذا الحكم الذي يوافق أهواءكم، فاقبلوا حكمه، وإن لم يحكم لكم به، فاحذروا أن تتابعوه على ذلك، وهذا فتنة واتباع ما تهوى الأنفس.
وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا كقوله تعالى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ أي: فلذلك صدر منهم ما صدر.
فدل ذلك على أن من كان مقصوده بالتحاكم إلى الحكم الشرعي اتباع هواه، وأنه إن حكم له رضي، وإن لم يحكم له سخط، فإن ذلك من عدم طهارة قلبه، كما أن من حاكم وتحاكم إلى الشرع ورضي به، وافق هواه أو خالفه، فإنه من طهارة القلب، ودل على أن طهارة القلب، سبب لكل خير، وهو أكبر داع إلى كل قول رشيد وعمل سديد.
لَهُم فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ أي: فضيحة وعار وَلَهُم فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ هو: النار وسخط الجبار.

تفسير البغوي

قوله تعالى : ( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ) أي : في موالاة الكفار فإنهم لم يعجزوا الله ، ( من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ) وهم المنافقون ، ( ومن الذين هادوا ) يعني : اليهود ، ( سماعون ) أي : قوم سماعون ، ( للكذب ) أي : قائلون للكذب ، كقول المصلي : سمع الله لمن حمده ، أي : قبل الله ، وقيل : سماعون لأجل الكذب ، أي يسمعون منك ليكذبوا عليك ، وذلك أنهم كانوا يسمعون من الرسول صلى الله عليه وسلم ثم يخرجون ويقولون سمعنا منه كذا ولم يسمعوا ذلك منه ، ( سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ) أي هم جواسيس ، يعني : بني قريظة لقوم آخرين ، وهم أهل خيبر .
وذلك أن رجلا وامرأة من أشراف أهل خيبر زنيا وكانا محصنين ، وكان حدهما الرجم في التوراة ، فكرهت اليهود رجمهما لشرفهما ، فقالوا : إن هذا الرجل الذي بيثرب ليس في كتابه الرجم ولكنه الضرب ، فأرسلوا إلى إخوانكم من بني قريظة فإنهم جيرانه وصلح له فليسألوه عن ذلك .
فبعثوا رهطا منهم مستخفين وقالوا لهم : سلوا محمدا عن الزانيين إذا أحصنا ما حدهما؟ فإن أمركم بالجلد فاقبلوا منه ، وإن أمركم بالرجم فاحذروه ولا تقبلوا منه ، وأرسلوا معهم الزانيين فقدم الرهط حتى نزلوا على بني قريظة والنضير فقالوا لهم : إنكم جيران هذا الرجل ومعه في بلده وقد حدث فينا حدث فلان وفلانة قد فجرا وقد أحصنا ، فنحب أن تسألوا لنا محمدا عن قضائه فيه ، فقالت لهم قريظة والنضير : إذا والله يأمركم بما تكرهون .
ثم انطلق قوم ، منهم كعب بن الأشرف وكعب بن أسد وسعية بن عمرو ومالك بن الصيف وكنانة بن أبي الحقيق وغيرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا محمد أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا ما حدهما في كتابك؟فقال صلى الله عليه وسلم : هل ترضون بقضائي؟ قالوا : نعم ، فنزل جبريل عليه السلام بالرجم فأخبرهم بذلك فأبوا أن يأخذوا به .
فقال له جبريل عليه السلام : اجعل بينك وبينهم ابن صوريا ، ووصفه له .
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هل تعرفون شابا أمرد أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا؟ قالوا : نعم ، قال : فأي رجل هو فيكم؟ فقالوا : هو أعلم يهودي بقي على وجه الأرض بما أنزل الله سبحانه وتعالى على موسى عليه السلام في التوراة .
قال : فأرسلوا إليه ، ففعلوا فأتاهم ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " أنت ابن صوريا " ؟ قال : نعم ، قال : وأنت أعلم اليهود؟ قال : كذلك يزعمون ، قال : أتجعلونه بيني وبينكم؟ قالوا : نعم .
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " أنشدك بالله الذي لا إله إلا هو ، الذي أنزل التوراة على موسى عليه السلام وأخرجكم من مصر ، وفلق لكم البحر وأنجاكم وأغرق آل فرعون ، والذي ظلل عليكم الغمام وأنزل عليكم المن والسلوى ، وأنزل عليكم كتابه وفيه حلاله وحرامه هل تجدون في كتابكم الرجم على من أحصن؟ " .
قال ابن صوريا : نعم والذي ذكرتني به لولا خشية أن تحرقني التوراة إن كذبت أو غيرت ما اعترفت لك ، ولكن كيف هي في كتابك يا محمد؟ قال : " إذا شهد أربعة رهط عدول أنه قد أدخله فيها كما يدخل الميل في المكحلة وجب عليه الرجم " ، فقال ابن صوريا : والذي أنزل التوراة على موسى هكذا أنزل الله عز وجل في التوراة على موسى عليه السلام ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " فما كان أول ما ترخصتم به أمر الله؟ " ، قال : كنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد ، فكثر الزنا في أشرافنا حتى زنا ابن عم ملك لنا فلم نرجمه ، ثم زنى رجل آخر من الناس فأراد ذلك الملك رجمه فقام دونه قومه ، فقالوا : والله لا ترجمه حتى يرجم فلان - لابن عم الملك - فقلنا : تعالوا نجتمع فلنضع شيئا دون الرجم يكون على الوضيع والشريف ، فوضعنا الجلد والتحميم ، وهو أن يجلد أربعين جلدة بحبل مطلي بالقار ثم يسود وجوههما ، ثم يحملان على حمارين ووجوههما من قبل دبر الحمار ويطاف بهما ، فجعلوا هذا مكان الرجم ، فقالت اليهود لابن صوريا ما أسرع ما أخبرته به ، وما كنا لما أثنينا عليك بأهل ولكنك كنت غائبا فكرهنا أن نغتابك ، فقال لهم : إنه قد أنشدني بالتوراة ولولا خشية التوراة أن تهلكني لما أخبرته ، فأمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم فرجما عند باب مسجده ، وقال : اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه ، فأنزل الله عز وجل ( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ) .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم قال : إن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ " فقالوا : نفضحهم ويجلدون ، قال عبد الله بن سلام : كذبتم إن فيها لآية الرجم ، فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها ، فقال له عبد الله : ارفع يدك ، فرفع يده فإذا فيها آية الرجم ، قالوا : صدق يا محمد فيها آية الرجم ، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما ، فقال عبد الله بن عمر : فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة .
وقيل : سبب نزول هذه الآية القصاص ، وذلك أن بني النضير كان لهم فضل على بني قريظة فقال بنو قريظة : يا محمد إخواننا بنو النضير وأبونا واحد وديننا واحد ونبينا واحد ، إذا قتلوا منا قتيلا واحدا لم يقيدونا وأعطونا ديته سبعين وسقا من تمر ، وإذا قتلنا منهم قتلوا القاتل وأخذوا منا الضعف مائة وأربعين وسقا من تمر ، وإن كان القتيل امرأة قتلوا بها الرجل منا وبالرجل منهم الرجلين منا ، وبالعبد الحر منا ، وجراحتنا على التضعيف من جراحاتهم ، فاقض بيننا وبينهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
والأول أصح لأن الآية في الرجم .
قوله : ( ومن الذين هادوا سماعون للكذب ) قيل : اللام بمعنى إلى ، وقيل : هي لام كي ، أي : يسمعون لكي يكذبوا عليك ، واللام في قوله : ( لقوم ) أي : لأجل قوم ( آخرين لم يأتوك ) وهم أهل خيبر ، ( يحرفون الكلم ) [ جمع كلمة ] ( من بعد مواضعه ) أي : من بعد وضعه مواضعه ، ذكر الكناية ردا على لفظ الكلم ، ( يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه ) أي : [ إن ] أفتاكم محمد صلى الله عليه وسلم بالجلد والتحميم فاقبلوا ، ( وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته ) كفره وضلالته ، قال الضحاك : هلاكه ، وقال قتادة : عذابه ، ( فلن تملك له من الله شيئا ) فلن تقدر على دفع أمر الله فيه ، ( أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ) وفيه رد على من ينكر القدر ، ( لهم في الدنيا خزي ) أي : للمنافقين واليهود ، فخزي المنافقين الفضيحة وهتك الستر بإظهار نفاقهم ، وخزي اليهود الجزية والقتل والسبي والنفي ، ورؤيتهم من محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيهم ما يكرهون ، ( ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) الخلود في النار .

تفسير الوسيط

وردت أحاديث متعددة في سبب نزول هذه الآيات الكريمة، ومن ذلك: ما أخرجه البخاري عن ابن عمر- رضى الله عنهما- أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة قد زنيا.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون.
فقال عبد الله بن سلام: كذبتم.
إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها.
فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها.
فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك.
فرفع يده فإذا آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم.
فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما.
فقال عبد الله بن عمر: فرأيت الرجل يميل نحو المرأة يقيها الحجارة .
وروى مسلم في صحيحه عن البراء بن عازب قال: مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودي محمم مجلود- أى قد وضع الفحم الأسود على وجهه للتنكيل به- فدعاهم فقال.
هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقالوا: نعم فدعا رجلا من علمائهم فقال: أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقال:لا والله ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، تجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه.
وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد.
فقلنا: تعالوا حتى نجعل شيئا نقيمه على الشريف والوضيع.
فاجتمعنا على التحميم والجلد- مكان الرجم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم إنى أول من أحيا أمرك إذ أماتوه قال: فأمر به فرجم.
قال: فأنزل الله- تعالى-: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ .
وأخرج الإمام أحمد عن ابن عباس قال: إن الله أنزل: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ وفَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ.
قال ابن عباس: أنزلها الله في الطائفتين من اليهود.
وكانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية، حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا .
وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق.
فكانوا على ذلك حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة أن ابعثوا لنا بمائة وسق فقالت الذليلة: وهل كان في حيين دينهما واحد ونسبهما واحد، وبلدهما واحد، دية بعضهم نصف دية بعض؟ إنما أعطيناكم هذا خوفا منكم، فأما إذ قدم محمد صلى الله عليه وسلم فلا نعطيكم، فكادت الحرب تهيج بينهما.
ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حكما بينهم.
ثم ذكرت العزيزة فقالت:والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم.
ولقد صدقوا.
ما أعطونا هذا إلا خوفا منا.
فدسوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه.
إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه، وإن لم يعطكم لا تحكموه.
فدسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا من المنافقين ليخبروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما جاءوه أخبر الله رسوله بأمرهم كله وما أرادوا.
فأنزل الله- تعالى-: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ إلى قوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ .
قال ابن كثير- بعد أن ساق هذه الأحاديث وغيرها- فهذه الأحاديث دالة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم بما يوافق حكم التوراة.
وليس هذا من باب الإكرام لهم بما يعتقدون صحته، لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لا محالة، ولكن هذا بوحي خاص من الله- تعالى- إليه بذلك وسؤالهم إياه عن ذلك ليقررهم على ما بأيديهم مما تواطأوا على كتمانه وجحوده وعدم العمل به تلك الدهور الطويلة.
فلما اعترفوا به مع عملهم على خلافه، ظهر زيفهم وعنادهم وتكذيبهم لما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، وعدولهم إلى تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم إنما كان عن هوى منهم وشهوة لموافقة آرائهم لا لاعتقادهم صحة ما يحكم به، ولهذا قالوا: إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ، أى: إن حكم بالجلد والتحميم فاقبلوا حكمه، وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا أى: وإن لم يحكم بذلك فاحذروا من قبوله واتباعه .
وبمطالعتنا لهذه الأحاديث التي وردت في سبب نزول الآيات، نراها جميعها قد وردت بأسانيدها صحيحة وفي كتب السنة المعتمدة، وأن بعضها قد حكى أن الآيات نزلت في شأن القضية التي تحاكم فيها اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبعضها قد حكى أنها نزلت في قضية دماء.
ولا تعارض بين هذه الأحاديث، فقد يكون هذان السببان قد حصلا في وقت واحد، أو متقارب، فنزلت هذه الآيات فيهما معا.
وقد قرر العلماء أنه لا مانع من تعدد أسباب النزول للآية الواحدة أو للطائفة من الآيات.
هذا، وقد افتتحت هذه الآيات الكريمة بنداء من الله- تعالى- لرسوله صلى الله عليه وسلم فقال- سبحانه-: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا.
قال القرطبي: قوله- تعالى- لا يَحْزُنْكَ قرأ نافع بضم الياء وكسر الزاى وقرأ الباقون بفتح الياء وضم الزاى.
والحزن خلاف السرور.
ويقال: حزن الرجل- بالكسر- فهو حزن وحزين» .
والمعنى: يا أيها الرسول الكريم إن ربك يقول لك: لا تهتم ولا تبال بهؤلاء المنافقين، وبأولئك اليهود الذين يقعون في الكفر بسرعة ورغبة، ويقولون بأفواههم آمنا بك وصدقناك، مع أن قلوبهم خالية من الإيمان، ومليئة بالنفاق والفسوق والعصيان.
.
لا تهتم- أيها الرسول الكريم- بهؤلاء جميعا، فإنى ناصرك عليهم، وكافيك شرهم.
وفي ندائه صلى الله عليه وسلم بعنوان الرسالة يا أَيُّهَا الرَّسُولُ تشريف له وتكريم وإشعار بأن وظيفته كرسول أن يبلغ رسالة الله دون أن يصرفه عن ذلك عناد المعاندين، أو كفر الكافرين، فإن تكاليف الرسالة تحتم عليه الصبر على أذى أعدائه حتى يحكم الله بينه وبينهم.
والنهى عن الحزن- وهو أمر نفسي لا اختيار للإنسان فيه- المراد به هنا: النهى عن لوازمه، كالإكثار من محاولة تجديد شأن المصائب.
وتعظيم أمرها، وبذلك تتجدد الآلام، وتعز السلوى.
وفي هذه الجملة الكريمة تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتأنيس لقلبه، وإرشاد له إلى ما سيقع له من أعدائه من شرور حتى لا يتأثر بها عند وقوعها.
وفي التعبير بقوله: يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ذم لهم على انحدارهم في دركات الكفر بسرعة من غير مواناة ولا تدبر ولا تفكر.
فهم يتنقلون بحركات سريعة في ثنايا الكفر ومداخله دون أن يزعهم وازع من خلق أو دين.
قال صاحب الكشاف: يقال: أسرع فيه الشيب، وأسرع فيه الفساد بمعنى: وقع فيه سريعا.
فكذلك مسارعتهم في الكفر عبارة عن إلقائهم أنفسهم فيه على أسرع الوجوه، بحيث إذا وجدوا فرصة لم يخطئوها» وقال أبو السعود: والمسارعة في الشيء: الوقوع فيه بسرعة ورغبة.
وإيثار كلمة فِي على كلمة إلى، للإيمان إلى أنهم مستقرون في الكفر لا يبرحونه.
وإنما ينتقلون بالمسارعة عن بعض فنونه وأحكامه إلى بعض آخر منها، كإظهار موالاة المشركين، وإبراز آثار الكيد للإسلام ونحو ذلك» وقوله: مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ بيان لأولئك المسارعين في الكفر.
والمتنقلين في دركاته من دركة إلى دركة.
وقوله بِأَفْواهِهِمْ متعلق بقوله: قالُوا وقوله: وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ جملة حالية من ضمير، قالوا.
وقوله: وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا معطوف على قوله: مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وعليه فيكون الذين هادوا داخلين في الذين يسارعون في الكفر.
أى أن المسارعين في الكفر فريقان: فريق المنافقين الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وفريق اليهود الذين تميزوا بهذا الإسم واشتركوا مع المنافقين في نفاقهم والمعنى: لا تهتم يا محمد بأولئك الذين يسارعون في الكفر من المنافقين واليهود الذين من صفاتهم أنهم يظهرون الإيمان على أطراف ألسنتهم والحال أن قلوبهم خالية منه.
وعلى هذا المعنى يكون الكلام قد تم عند قوله- تعالى- وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا، ويكون ما بعده وهو قوله: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ.
ألخ.
من أوصاف الفريقين معا، لأنهم مشتركون في المسارعة في الكفر.
ومنهم من يرى أن قوله تعالى: وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا جمله مستأنفة لبيان أحوال فريق آخر من الناس وهم اليهود، وأن قوله- تعالى- بعد ذلك سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ إلخ.
من أوصاف هؤلاء اليهود، وأن الكلام قد تم عند قوله- تعالى- وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وأن البيان بقوله:مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ لفريق المنافقين.
قال الفخر الرازي: قوله وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ذكر الفراء والزجاج ها هنا وجهين:الأول: أن الكلام إنما يتم عند قوله: وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا ثم يبدأ الكلام من قوله سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ وتقدير الكلام لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من المنافقين ومن اليهود ثم بعد ذلك وصف الكل بكونهم سماعين للكذب.
الثاني: أن الكلام تم عند قوله- تعالى-: وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ثم ابتدأ من قوله: وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ وعلى هذا التقدير فقوله سَمَّاعُونَ صفة لمحذوف.
والتقدير: ومن الذين هادوا قوم سماعون .
قال الجمل: الأولى والأحسن أن يكون قوله: ووَ مِنَ الَّذِينَ هادُوا معطوفا على البيان وهو قوله: مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا فيكون البيان بشيئين المنافقين واليهود.
أما على القول الثاني فيكون البيان بشيء واحد وهو المنافقون» .
وقوله: سَمَّاعُونَ للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك صفتان أخريان لأولئك الذين يقعون في الكفر بسرعة ورغبة.
وقوله: سَمَّاعُونَ جمع سماع.
وهو صيغة مبالغة جيء بها لإفادة أنهم كثير والسماع للكذب، وأنهم لفساد نفوسهم يجدون لذة في الاستماع إليه من رؤسائهم وأحبارهم، ومن هم على شاكلتهم في العناد والضلال.
واللام في قوله: لِلْكَذِبِ للتقوية أى: أنهم يسمعون الكذب كثيرا سماع قبول وتلذذ، ويأخذونه ممن يقوله من أعداء الإسلام على أنه حقائق ثابتة لا مجال للريب فيها.
وقيل إن اللام للتعليل أى أنهم كثير والسماع لكلام الرسول صلى الله عليه وسلم ولأخباره من أجل الكذب عليه، عن طريق تغيير وتبديل ما سمعوه على حسب ما تهواه نفوسهم المريضة.
وقوله: سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ بيان لمسلك آخر من مسالكهم الخبيثة بعد بيان احتفالهم بالأخبار الكاذبة، وتقبلها بفرح وسرور.
أى: أن هؤلاء المسارعين في الكفر من المنافقين واليهود من صفاتهم أنهم كثير والسماع للأكاذيب التي يروجها أعداء الدعوة الإسلامية ضدها كثير والسماع والقبول والاستجابة لما يقوله عنها قوم آخرون من أعدائها لم يحضروا مجالس الرسول صلى الله عليه وسلم تكبرا وعتوا.
ويجوز أن يكون المعنى: أنهم كثير والسماع للكذب عن محبة ورغبة، وأنهم كثير والسماع لما يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم لينقلوه إلى قوم آخرين- من أشباههم في الكفر والعناد- ولم يحضروا مجالس الرسول صلى الله عليه وسلم أنفة وبغضا فأنت ترى أن القرآن قد وصفهم بفساد بواطنهم حيث استحبوا الكذب على الصدق.
كما وصفهم بضعف نفوسهم حيث صاروا مطايا لغيرهم يطيعون أمرهم ويبلغون أخبار المسلمين، فهم عيون على المسلمين ليبلغوا أخبارهم إلى زعماء الكفر والنفاق.
وإلى هذين المعنيين أشار صاحب الكشاف بقوله: ومعنى سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ: قابلون لما يفتريه الأحبار ويفتعلونه من الكذب على الله وتحريف كتابه، من قولك: الملك يسمع كلام فلان، ومنه سمع الله لمن حمده.
وقوله: سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يعنى اليهود الذين لم يصلوا إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجافوا عنه لما أفرط فيهم من شدة البغضاء.
وتبالغ من العداوة، أى: قابلون من الأحبار ومن أولئك المفرطين في العداوة الذين لا يقدرون أن ينظروا إليك وقيل: سماعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل أن يكذبوا عليه، بأن يمسخوا ما سمعوا منه بالزيادة والنقصان والتبديل والتغيير سماعون من رسول الله لأجل قوم آخرين من اليهود وجهوهم عيونا ليبلغوهم ما سمعوا منه» .
وقوله: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ.
صفة أخرى للقوم الآخرين الذين لم يأتوا إلى مجالس الرسول صلى الله عليه وسلم أنفة وبغضا.
أو للمسارعين في الكفر من الفريقين.
وقوله: يُحَرِّفُونَ من التحريف وأصله من الحرف وهو طرف الشيء.
ومعناه إمالة الكلام عن معناه، وإخراجه عن أطرافه وحدوده.
والكلم: اسم جنس جمعى للفظ كلمة ومعناه الكلام.
أى أن هؤلاء القوم الآخرين الذين لم يحضروا مجلسك نفورا منك، أو هم والمسارعون في الكفر من المنافقين واليهود من صفاتهم ودأبهم تحريف جنس الكلم عن مواضعه.
فهو يحرفون كلامك يا محمد، ويحرفون التوراة، ويحرفون معاني القرآن حسب أهوائهم وشهواتهم ويحرفون الحق الذي جئت به تارة تحريفا لفظيا، وتارة تحريفا معنويا، وتارة بغير ذلك من وجوه التحريف والتبديل.
وقوله: مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ أى: يحرفون الكلم من بعد استقرار مواضعه وبيان حلالها وحرامها.
وعبر هنا بقوله «من بعد مواضعه» وفي مواطن أخرى بقوله عَنْ مَواضِعِهِ لأن المقام هنا للحديث عن الأحكام المستقرة الثابتة التي حاول أولئك المسارعون في الكفر تغييرها وإحلال أحكام أخرى محلها تبعا لأهوائهم كما حدث في قضية الزنا وفي غيرها من القضايا التي تحاكموا فيها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان من المناسب هنا التعبير بقوله: مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ أى: من بعد استقرار مواضعه وثبوتها ثبوتا لا يقبل التحريف أو التغيير أو الإهمال.
وقوله: يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا بيان لما نطقت به أفواه أولئك الذين لم يحضروا مجالس رسول الله من مكر وخداع وضلال.
أى: أن أولئك القوم الآخرين الذين لم يحضروا مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم عنادا وتكبرا لم يكتفوا بتحريف الكلم عن مواضعه هم وأشياعهم.
بل كانوا إلى جانب ذلك يقولون لمطاياهم السامعين منهم أو السامعين من أجلهم: يقولون لهم عند ما أرسلوهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهم إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ أى: إن أفتاكم محمد صلى الله عليه وسلم يمثل هذا الذي نفتيكم به- كالجلد والتحميم بدل الرجم- فاقبلوا حكمه وخذوه واعملوا به وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا أى: وإن أفتاكم بغير ما أفتيناكم به فاحذروا قبول حكمه، وإياكم أن تستجيبوا له، أو تميلوا إلى ما قاله لكم.
واسم الإشارة هذا في قوله: يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا يعود إلى القول المحرف الذي تواضع أحبار اليهود على الإفتاء به تبعا لأهوائهم.
كما حدث منهم في قضية الزنا حيث غيروا حكم الرجم بحكم آخر هو الجلد والتحميم.
وفي ترتيب الأمر بالحذر على مجرد عدم إيتاء المحرف، إشارة إلى تخوفهم الشديد من ميل أتباعهم إلى حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم يحذرونهم بشدة من الاستماع إلى ما يقوله لهم مما يخالف ما تواضعوا عليه من أباطيل.
وقوله: إِنْ أُوتِيتُمْ مفعول لقوله قَدِيرٌ.
واسم الإشارة يَقُولُونَ مفعول ثان «لأوتيتم» والأول نائب الفاعل وقوله: فَخُذُوهُ جواب الشرط ثم بين- سبحانه- سوء عاقبتهم فقال: وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً، أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ.
أى: ومن يقض الله بكفره وضلاله، فلن تملك له- أيها الرسول الكريم- شيئا من الهداية لتدفع بها ضلاله وكفره، أولئك الموصوفون بما ذكر من الصفات الذميمة لم يرد الله- تعالى- أن يطهر قلوبهم من النفاق والضلال لأنهم استحبوا العمى على الهدى، لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ أى: فضيحة وهوان بسبب ظهور كذبهم، وفساد نفوسهم، وانتشار تعاليم الإسلام التي يحاربونها ويشيعون الأباطيل حولها وحول من جاء بها صلى الله عليه وسلم.
وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ وهو خلودهم في النار بسبب اجتراحهم السيئات، ومحاربتهم لمن جاءهم بالحق والهدى والسعادة.

المصدر : تفسير : ياأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في