موقع الحمد لله القرآن الكريم القرآن mp3 المقالات الكتب التسعة مواقيت الصلاة
القرآن الكريم

شرح معنى الآية 6 من سورة المائدة - ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة

سورة المائدة الآية رقم 6 : شرح و تفسير الآية

تفسير و معنى الآية 6 من سورة المائدة عدة تفاسير, سورة المائدة : عدد الآيات 120 - الصفحة 108 - الجزء 6.

﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ﴾
[ المائدة: 6]


التفسير الميسر

يا أيها الذين آمنوا إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وأنتم على غير طهارة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم مع المرافق (والمِرْفَق: المِفْصَل الذي بين الذراع والعَضُد) وامسحوا رؤوسكم، واغسلوا أرجلكم مع الكعبين (وهما: العظمان البارزان عند ملتقى الساق بالقدم). وإن أصابكم الحدث الأكبر فتطهروا بالاغتسال منه قبل الصلاة. فإن كنتم مرضى، أو على سفر في حال الصحة، أو قضى أحدكم حاجته، أو جامع زوجته فلم تجدوا ماء فاضربوا بأيديكم وجه الأرض، وامسحوا وجوهكم وأيديكم منه. ما يريد الله في أمر الطهارة أن يُضَيِّق عليكم، بل أباح التيمم توسعةً عليكم، ورحمة بكم، إذ جعله بديلا للماء في الطهارة، فكانت رخصة التيمُّم من تمام النعم التي تقتضي شكر المنعم؛ بطاعته فيما أمر وفيما نهى.

تفسير الجلالين

«يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم» أي أردتم القيام «إلى الصلاة» وأنتم محدثون «فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق» أي معها كما بينته السنة «وامسحوا برؤوسكم» الباء للإلصاق أي ألصقوا المسح بها من غير إسالة ماء وهو اسم جنس فيكفي أقل ما يصدق عليه وهو مسح بعض شعرة وعليه الشافعي «وأرجلكم» بالنصب عطفا على أيديكم وبالجر على الجوار «إلى الكعبين» أي معهما كما بينته السنة وهما العظمان الناتئان في كل رجل عند مفصل الساق والقدم والفصل بين الأيدي والأرجل المغسولة بالرأس المسموح يفيد وجوب الترتيب في طهارة هذه الأعضاء وعليه الشافعي ويؤخذ من السنة وجوب النية فيه كغيره من العبادات «وإن كنتم جنبا فاطَّهروا» فاغتسلوا «وإن كنتم مرضى» مَرَضا يضره الماء «أو على سفر» أي مسافرين «أو جاء أحد منكم من الغائط» أي أحدث «أو لا مستم النساء» سبق مثله في آيه النساء «فلم تجدوا ماء» بعد طلبه «فتيمموا» اقصدوا «صعيدا طيَّبا» ترابا طاهرا «فامسحوا بوجوهكم وأيديكم» مع المرفقين «منه» بضربتين والباء للإلصاق وبينت السنة أن المراد استيعاب العضوين بالمسح «ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج» ضيق بما فرض عليكم من الوضوء والغسل والتيمم «ولكن يريد ليطهركم» من الأحداث والذنوب «وليتم نعمته عليكم» بالإسلام ببيان شرائع الدين «لعلكم تشكرون» نعمه.

تفسير السعدي

هذه آية عظيمة قد اشتملت على أحكام كثيرة، نذكر منها ما يسره الله وسهله.
أحدها: أن هذه المذكورات فيها امتثالها والعمل بها من لوازم الإيمان الذي لا يتم إلا به، لأنه صدرها بقوله يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ْ إلى آخرها.
أي: يا أيها الذين آمنوا، اعملوا بمقتضى إيمانكم بما شرعناه لكم.
الثاني: الأمر بالقيام بالصلاة لقوله: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ْ الثالث: الأمر بالنية للصلاة، لقوله: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ْ أي: بقصدها ونيتها.
الرابع: اشتراط الطهارة لصحة الصلاة، لأن الله أمر بها عند القيام إليها، والأصل في الأمر الوجوب.
الخامس: أن الطهارة لا تجب بدخول الوقت، وإنما تجب عند إرادة الصلاة.
السادس: أن كل ما يطلق عليه اسم الصلاة، من الفرض والنفل، وفرض الكفاية، وصلاة الجنازة، تشترط له الطهارة، حتى السجود المجرد عند كثير من العلماء، كسجود التلاوة والشكر.
السابع: الأمر بغسل الوجه، وهو: ما تحصل به المواجهة من منابت شعر الرأس المعتاد، إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولا.
ومن الأذن إلى الأذن عرضا.
ويدخل فيه المضمضة والاستنشاق، بالسنة، ويدخل فيه الشعور التي فيه.
لكن إن كانت خفيفة فلا بد من إيصال الماء إلى البشرة، وإن كانت كثيفة اكتفي بظاهرها.
الثامن: الأمر بغسل اليدين، وأن حدهما إلى المرفقين و "إلى" كما قال جمهور المفسرين بمعنى "مع" كقوله تعالى: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ ْ ولأن الواجب لا يتم إلا بغسل جميع المرفق.
التاسع: الأمر بمسح الرأس.
العاشر: أنه يجب مسح جميعه، لأن الباء ليست للتبعيض، وإنما هي للملاصقة، وأنه يعم المسح بجميع الرأس.
الحادي عشر: أنه يكفي المسح كيفما كان، بيديه أو إحداهما، أو خرقة أو خشبة أو نحوهما، لأن الله أطلق المسح ولم يقيده بصفة، فدل ذلك على إطلاقه.
الثاني عشر: أن الواجب المسح.
فلو غسل رأسه ولم يمر يده عليه لم يكف، لأنه لم يأت بما أمر الله به.
الثالث عشر: الأمر بغسل الرجلين إلى الكعبين، ويقال فيهما ما يقال في اليدين.
الرابع عشر: فيها الرد على الرافضة، على قراءة الجمهور بالنصب، وأنه لا يجوز مسحهما ما دامتا مكشوفتين.
الخامس عشر: فيه الإشارة إلى مسح الخفين، على قراءة الجر في وأرجلكم ْ وتكون كل من القراءتين، محمولة على معنى، فعلى قراءة النصب فيها، غسلهما إن كانتا مكشوفتين، وعلى قراءة الجر فيها، مسحهما إذا كانتا مستورتين بالخف.
السادس عشر: الأمر بالترتيب في الوضوء، لأن الله تعالى ذكرها مرتبة.
ولأنه أدخل ممسوحا -وهو الرأس- بين مغسولين، ولا يعلم لذلك فائدة غير الترتيب.
السابع عشر: أن الترتيب مخصوص بالأعضاء الأربعة المسميات في هذه الآية.
وأما الترتيب بين المضمضة والاستنشاق والوجه، أو بين اليمنى واليسرى من اليدين والرجلين، فإن ذلك غير واجب، بل يستحب تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه، وتقديم اليمنى على اليسرى من اليدين والرجلين، وتقديم مسح الرأس على مسح الأذنين.
الثامن عشر: الأمر بتجديد الوضوء عند كل صلاة، لتوجد صورة المأمور به.
التاسع عشر: الأمر بالغسل من الجنابة.
العشرون: أنه يجب تعميم الغسل للبدن، لأن الله أضاف التطهر للبدن، ولم يخصصه بشيء دون شيء.
الحادي والعشرون: الأمر بغسل ظاهر الشعر وباطنه في الجنابة.
الثاني والعشرون: أنه يندرج الحدث الأصغر في الحدث الأكبر، ويكفي من هما عليه أن ينوي، ثم يعمم بدنه، لأن الله لم يذكر إلا التطهر، ولم يذكر أنه يعيد الوضوء.
الثالث والعشرون: أن الجنب يصدق على من أنزل المني يقظة أو مناما، أو جامع ولو لم ينزل.
الرابع والعشرون: أن من ذكر أنه احتلم ولم يجد بللا، فإنه لا غسل عليه، لأنه لم تتحقق منه الجنابة.
الخامس والعشرون: ذكر مِنَّة الله تعالى على العباد، بمشروعية التيمم.
السادس والعشرون: أن من أسباب جواز التيمم وجود المرض الذي يضره غسله بالماء، فيجوز له التيمم.
السابع والعشرون: أن من جملة أسباب جوازه، السفر والإتيان من البول والغائط إذا عدم الماء، فالمرض يجوز التيمم مع وجود الماء لحصول التضرر به، وباقيها يجوزه العدم للماء ولو كان في الحضر.
الثامن والعشرون: أن الخارج من السبيلين من بول وغائط، ينقض الوضوء.
التاسع والعشرون: استدل بها من قال: لا ينقض الوضوء إلا هذان الأمران، فلا ينتقض بلمس الفرج ولا بغيره.
الثلاثون: استحباب التكنية عما يستقذر التلفظ به لقوله تعالى: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِّنَ الْغَائِطِ ْ الحادي والثلاثون: أن لمس المرأة بلذة وشهوة ناقض للوضوء.
الثاني والثلاثون: اشتراط عدم الماء لصحة التيمم.
الثالث والثلاثون: أن مع وجود الماء ولو في الصلاة، يبطل التيمم لأن الله إنما أباحه مع عدم الماء.
الرابع والثلاثون: أنه إذا دخل الوقت وليس معه ماء، فإنه يلزمه طلبه في رحله وفيما قرب منه، لأنه لا يقال "لم يجد" لمن لم يطلب.
الخامس والثلاثون: أن من وجد ماء لا يكفي بعض طهارته، فإنه يلزمه استعماله، ثم يتيمم بعد ذلك.
السادس والثلاثون: أن الماء المتغير بالطاهرات، مقدم على التيمم، أي: يكون طهورا، لأن الماء المتغير ماء، فيدخل في قوله: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً ْ السابع والثلاثون: أنه لا بد من نية التيمم لقوله: فَتَيَمَّمُوا ْ أي: اقصدوا.
الثامن والثلاثون: أنه يكفي التيمم بكل ما تصاعد على وجه الأرض من تراب وغيره.
فيكون على هذا، قوله: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ْ إما من باب التغليب، وأن الغالب أن يكون له غبار يمسح منه ويعلق بالوجه واليدين، وإما أن يكون إرشادا للأفضل، وأنه إذا أمكن التراب الذي فيه غبار فهو أولى.
التاسع والثلاثون: أنه لا يصح التيمم بالتراب النجس، لأنه لا يكون طيبا بل خبيثا.
الأربعون: أنه يمسح في التيمم الوجه واليدان فقط، دون بقية الأعضاء.
الحادي والأربعون: أن قوله: بِوُجُوهِكُمْ ْ شامل لجميع الوجه وأنه يعممه بالمسح، إلا أنه معفو عن إدخال التراب في الفم والأنف، وفيما تحت الشعور، ولو خفيفة.
الثاني والأربعون: أن اليدين تمسحان إلى الكوعين فقط، لأن اليدين عند الإطلاق كذلك.
فلو كان يشترط إيصال المسح إلى الذراعين لقيده الله بذلك، كما قيده في الوضوء.
الثالث والأربعون: أن الآية عامة في جواز التيمم، لجميع الأحداث كلها، الحدث الأكبر والأصغر، بل ولنجاسة البدن، لأن الله جعلها بدلا عن طهارة الماء، وأطلق في الآية فلم يقيد [وقد يقال أن نجاسة البدن لا تدخل في حكم التيمم لأن السياق في الأحداث وهو قول جمهور العلماء] الرابع والأربعون: أن محل التيمم في الحدث الأصغر والأكبر واحد، وهو الوجه واليدان.
الخامس والأربعون: أنه لو نوى مَنْ عليه حدثان التيمم عنهما، فإنه يجزئ أخذا من عموم الآية وإطلاقها.
السادس والأربعون: أنه يكفي المسح بأي شيء كان، بيده أو غيرها، لأن الله قال فامسحوا ْ ولم يذكر الممسوح به، فدل على جوازه بكل شيء.
السابع والأربعون: اشتراط الترتيب في طهارة التيمم، كما يشترط ذلك في الوضوء، ولأن الله بدأ بمسح الوجه قبل مسح اليدين.
الثامن والأربعون: أن الله تعالى -فيما شرعه لنا من الأحكام- لم يجعل علينا في ذلك من حرج ولا مشقة ولا عسر، وإنما هو رحمة منه بعباده ليطهرهم، وليتم نعمته عليهم.
وهذا هو التاسع والأربعون: أن طهارة الظاهر بالماء والتراب، تكميل لطهارة الباطن بالتوحيد، والتوبة النصوح.
الخمسون: أن طهارة التيمم، وإن لم يكن فيها نظافة وطهارة تدرك بالحس والمشاهدة، فإن فيها طهارة معنوية ناشئة عن امتثال أمر الله تعالى.
الحادي والخمسون: أنه ينبغي للعبد أن يتدبر الحِكَم والأسرار في شرائع الله، في الطهارة وغيرها ليزداد معرفة وعلما، ويزداد شكرا لله ومحبة له، على ما شرع من الأحكام التي توصل العبد إلى المنازل العالية الرفيعة.

تفسير البغوي

قوله عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ) أي : إذا أردتم القيام إلى الصلاة ، كقوله تعالى : " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله " ، ( سورة النحل ، 98 ) ، أي : إذا أردت القراءة .
وظاهر الآية يقتضي وجوب الوضوء عند كل مرة يريد القيام إلى الصلاة ، لكن أعلمنا ببيان السنة وفعل النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد من الآية : " إذا قمتم إلى الصلاة " وأنتم على غير طهر ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ " .
وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق بين أربع صلوات بوضوء واحد ، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد الحنيفي أنا أبو الحارث طاهر بن محمد الطاهري أنا أبو محمد الحسن بن محمد بن حليم أنا أبو الموجه محمد بن عمرو بن الموجه أنا عبدان أنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم فتح مكة صلى الصلوات بوضوء واحد ، ومسح على خفيه .
وقال زيد بن أسلم : معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة من النوم .
وقال بعضهم : هو أمر على طريق الندب ، ندب من قام إلى الصلاة أن يجدد لها طهارته وإن كان على طهر ، روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات " .
وروي عن عبد الله بن حنظلة بن عامر " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهرا أو غير طاهر ، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك لكل صلاة " .
وقال بعضهم : هذا إعلام من الله سبحانه وتعالى لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا وضوء عليه إلا إذا قام إلى الصلاة دون غيرها من الأعمال ، فأذن له أن يفعل بعد الحدث ما بدا له من الأفعال غير الصلاة ، أخبرنا أبو القاسم الحنيفي أنا أبو الحارث الطاهري أنا الحسن بن محمد بن حليم أنا أبو الموجه أنا صدقة أنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار سمع سعيد بن الحويرث سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول : ( كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فرجع من الغائط فأتي بطعام فقيل له : ألا تتوضأ؟ " فقال : لم؟ أأصلي فأتوضأ؟ ) .
قوله عز وجل : ( فاغسلوا وجوهكم ) وحد الوجه من منابت شعر الرأس إلى منتهى الذقن طولا وما بين الأذنين عرضا ، ويجب غسل جميعه في الوضوء ، ويجب أيضا إيصال الماء إلى ما تحت الحاجبين وأهداب العينين والشارب والعذار أو العنفقة وإن كانت كثيفة وأما العارض واللحية فإن كانت كثيفة لا ترى البشرة من تحتها لا يجب غسل باطنها في الوضوء ، بل يجب غسل ظاهرها .
وهل يجب إمرار الماء على ظاهر ما استرسل من اللحية عن الذقن؟ فيه قولان :أحدهما : لا يجب ، وبه قال أبو حنيفة ، لأن الشعر النازل عن حد الرأس لا يكون حكمه حكم الرأس في جواز المسح عليه ، كذلك النازل عن حد الوجه لا يكون حكمه حكم الوجه في وجوب غسله .
والقول الثاني : يجب إمرار الماء على ظاهره ، لأن الله تعالى أمر بغسل الوجه ، والوجه ما يقع في المواجهة من هذا العضو ، ويقال في اللغة بقل وجه فلان وخرج وجهه : إذا نبتت لحيته .
قوله تعالى : ( وأيديكم إلى المرافق ) أي : مع المرافق ، كما قال الله تعالى : " ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم " ( سورة النساء ، 2 ) أي : مع أموالكم ، وقال : " من أنصاري إلى الله " ( سورة آل عمران ، 52 وسورة الصف ، 14 ) ، أي : مع الله .
وأكثر العلماء على أنه يجب غسل المرفقين ، وفي الرجل يجب غسل الكعبين ، وقال الشعبي ومحمد بن جرير : لا يجب غسل المرفقين والكعبين في غسل اليد والرجل لأن حرف " إلى " للغاية والحد ، فلا يدخل في المحدود .
قلنا : ليس هذا بحد ولكنه بمعنى مع كما ذكرنا ، وقيل : الشيء إذا حد إلى جنسه يدخل فيه الغاية ، وإذا حد إلى غير جنسه لا يدخل ، كقوله تعالى : " ثم أتموا الصيام إلى الليل " ( سورة البقرة ، 187 ) ، لم يدخل الليل فيه لأنه ليس من جنس النهار .
قوله تعالى : ( وامسحوا برءوسكم ) اختلف العلماء في قدر الواجب من مسح الرأس ، فقال مالك : يجب مسح جميع الرأس كما يجب مسح جميع الوجه في التيمم ، وقال أبو حنيفة : يجب مسح ربع الرأس ، وعند الشافعي رحمه الله : يجب قدر ما يطلق عليه اسم المسح .
واحتج من أجاز مسح بعض الرأس بما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا يحيى بن حسان عن حماد بن زيد وابن علية عن أيوب السختياني عن ابن سيرين عن عمرو بن وهب الثقفي عن المغيرة بن شعبة " أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى عمامته وخفيه " ، فأجاز بعض أهل العلم المسح على العمامة بهذا الحديث ، وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق .
ولم يجوز أكثر أهل العلم المسح على العمامة بدلا من المسح على الرأس ، وقالوا : في حديث المغيرة إن فرض المسح سقط عنه بمسح الناصية ، وفيه دليل على أن مسح جميع الرأس غير واجب .
قوله عز وجل : ( وأرجلكم إلى الكعبين ) ، قرأ نافع وابن عامر والكسائي ويعقوب وحفص " وأرجلكم " بنصب اللام ، وقرأ الآخرون " وأرجلكم " بالخفض ، فمن قرأ " وأرجلكم " بالنصب فيكون عطفا على قوله : " فاغسلوا وجوهكم وأيديكم " أي : واغسلوا أرجلكم ، ومن قرأ بالخفض فقد ذهب قليل من أهل العلم إلى أنه يمسح على رجلين ، وروي عن ابن عباس أنه قال : الوضوء غسلتان ومسحتان ، ويروى ذلك عن عكرمة وقتادة ، وقال الشعبي : نزل جبريل بالمسح وقال : ألا ترى المتيمم يمسح ما كان غسلا ويلغي ما كان مسحا ؟وقال محمد بن جرير الطبري يتخير المتوضئ بين المسح على الخفين وبين غسل الرجلين .
وذهب عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين وغيرهم إلى وجوب غسل الرجلين ، وقالوا : خفض اللام في الأرجل على مجاورة اللفظ لا على موافقة الحكم ، كما قال تبارك وتعالى : " عذاب يوم أليم " ، فالأليم صفة العذاب ، ولكنه أخذ إعراب اليوم للمجاورة ، وكقولهم : جحر ضب خرب ، فالخرب نعت للجحر ، وأخذ إعراب الضب للمجاورة .
والدليل على وجوب غسل الرجلين : ما أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الحميدي الخطيب أنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب أنا يحيى بن محمد بن يحيى أنا الحجبي ومسدد قالا أخبرنا أبو عوانة عن أبي بشر عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو قال : " تخلف عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر سافرناه فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة صلاة العصر ، ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادانا بأعلى صوته : " ويل للأعقاب من النار " .
أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل حدثنا عبدان أنا عبد الله أنا معمر حدثني الزهري عن عطاء بن يزيد عن حمران مولى عثمان قال : " رأيت عثمان رضي الله عنه توضأ فأفرغ على يديه ثلاثا ثم مضمض واستنشق واستنثر ، ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثا ثم غسل يده اليسرى إلى المرفق ثلاثا ، ثم مسح رأسه ، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثا ثم اليسرى ثلاثا ثم قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا ، ثم قال : من توضأ وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث نفسه فيهما بشيء غفر الله له ما تقدم من ذنبه " .
وقال بعضهم : أراد بقوله ( وأرجلكم ) المسح على الخفين كما روي " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع وضع يديه على ركبتيه " وليس المراد منه أنه لم يكن بينهما حائل ، ويقال : قبل فلان رأس الأمير ويده ، وإن كانت العمامة على رأسه ، ويده في كمه .
أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو نعيم أنا زكريا عن عامر عن عروة بن المغيرة عن أبيه رضي الله عنهما قال : " كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة في سفر فقال : " أمعك ماء؟ " فقلت : نعم ، فنزل عن راحلته فمشى حتى توارى عني في سواد الليل ، ثم جاء فأفرغت عليه من الإداوة فغسل وجهه ويديه ، وعليه جبة من صوف فلم يستطع أن يخرج ذراعيه منها حتى أخرجهما من أسفل الجبة فغسل ذراعيه ، ثم مسح برأسه ، ثم أهويت لأنزع خفيه فقال : دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين " ، فمسح عليهما .
قوله تعالى : ( إلى الكعبين ) فالكعبان هما العظمان الناتئان من جانبي القدمين ، وهما مجتمع مفصل الساق والقدم ، فيجب غسلهما مع القدمين كما ذكرنا في المرفقين .
وفرائض الوضوء : غسل الأعضاء الثلاثة كما ذكر الله تعالى ، ومسح الرأس ، واختلف أهل العلم في وجوب النية : فذهب أكثرهم إلى وجوبها لأن الوضوء يفتقر إلى النية كسائر العبادات ، وذهب بعضهم إلى أنها غير واجبة وهو قول الثوري وأصحاب الرأي .
واختلفوا في وجوب الترتيب ، وهو أن يغسل أعضاءه على الولاء كما ذكر الله تبارك وتعالى : فذهب جماعة إلى وجوبه ، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق رحمهم الله ، ويروى ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه .
واحتج الشافعي بقول الله تعالى : " إن الصفا والمروة من شعائر الله " ، ( سورة البقرة ، 158 ) .
وبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالصفا ، وقال : " نبدأ بما بدأ الله به " وكذلك هاهنا بدأ الله تعالى بذكر غسل الوجه فيجب علينا أن نبدأ فعلا بما بدأ الله تعالى به ذكرا .
وذهب جماعة إلى أن الترتيب سنة ، وقالوا : الواوات المذكورة في الآية للجميع لا للترتيب كما قال الله تعالى : " إنما الصدقات للفقراء والمساكين " الآية ( سورة التوبة ، 60 ) ، واتفقوا على أنه لا تجب مراعاة الترتيب في صرف الصدقات إلى أهل السهمان ، ومن أوجب الترتيب أجاب بأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه راعى الترتيب بين أهل السهمان ، وفي الوضوء لم ينقل أنه توضأ إلا مرتبا كما ذكر الله تعالى ، وبيان الكتاب يؤخذ من السنة كما قال الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا " ( سورة الحج ، 77 ) ، لما قدم ذكر الركوع على السجود ، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل إلا كذلك فكان مراعاة الترتيب فيه واجبة ، كذلك الترتيب هنا .
قوله عز وجل : ( وإن كنتم جنبا فاطهروا ) أي : اغتسلوا ، أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة ، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره ، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه ، ثم يفيض الماء على جلده كله "قوله تعالى : ( وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ) فيه دليل على أنه يجب مسح الوجه واليدين بالصعيد وهو التراب ، ( ما يريد الله ليجعل عليكم ) بما فرض عليكم من الوضوء والغسل والتيمم ، ( من حرج ) ضيق ، ( ولكن يريد ليطهركم ) من الأحداث والجنابات والذنوب ، ( وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ) قال محمد بن كعب القرظي : إتمام النعمة تكفير الخطايا بالوضوء كما قال الله تعالى : " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " ( سورة الفتح ، 2 ) ، فجعل تمام نعمته غفران ذنوبه .
أخبرنا أبو الحسن عبد الوهاب بن محمد الكسائي أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن حمران : أن عثمان توضأ بالمقاعد ثلاثا ثلاثا ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من توضأ وضوئي هذا خرجت خطاياه من وجهه ويديه ورجليه " .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن حمران مولى عثمان : أن عثمان بن عفان رضي الله عنه جلس على المقاعد يوما فجاءه المؤذن فآذنه بصلاة العصر فدعا بماء فتوضأ ، ثم قال : والله لأحدثنكم حديثا لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه ، ثم قال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من امرئ [ مسلم ] يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يصلي الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها " قال مالك : أراه يريد هذه الآية ( وأقم الصلاة لذكري ) ورواه ابن شهاب وقال عروة : الآية إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات ( سورة البقرة ، 159 ) .
أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا يحيى بن بكير أنا الليث عن خالد عن سعيد بن أبي هلال عن نعيم المجمر قال رقيت مع أبي هريرة رضي الله عنه على ظهر المسجد ، فتوضأ قال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء ، فمن استطاع أن يطيل منكم غرته فليفعل " .

تفسير الوسيط

قال الفخر الرازي: اعلم أنه- تعالى- افتتح السورة بقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وذلك لأنه حصل بين الرب وبين العبد عهد الربوبية وعهد العبودية.
فقوله: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ طلب الله- تعالى- من عباده أن يفوا بعهد العبودية.
فكأنما قيل:يا إلهنا العهد نوعان: عهد الربوبية منك وعهد العبودية منا فأنت أولى بأن تقدم الوفاء بعهد الربوبية والإحسان.
فقال- تعالى-: نعم أنا أوفى أولا بعهد الربوبية والكرم.
معلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين: لذات المطعم، ولذات المنكح فاستقصى- سبحانه- في بيان ما يحل ويحرم من المطاعم والمناكح.
وعند تمام هذا البيان كأنه يقول: قد وفيت بعهد الربوبية فيما يطلب في الدنيا من المنافع واللذات فاشتغل أنت في الدنيا بالوفاء بعهد العبودية.
ولما كان أعظم الطاعات بعد الإيمان الصلاة وكانت الصلاة لا يمكن إقامتها إلا بالطهارة لا جرم بدأ- سبحانه- بذكر فرائض الوضوء فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ .
والمراد بالقيام إلى الصلاة إرادة القيام إليها، والتهيؤ للدخول فيها من باب إطلاق المسبب وإرادة السبب، للإيجاز وللتنبيه على أن الشأن في المؤمنين أن يكونوا دائما على ذكر من إرادتها وعدم الإهمال في أدائها.
وإنما قلنا المراد بالقيام إلى الصلاة إرادتها لأنه لو بقي الكلام على حقيقته للزم تأخير الوضوء عن الصلاة، وهذا باطل بالإجماع.
وليس المراد بالقيام انتصاب القامة أو ما يشبه ذلك، بل المراد به الاشتغال بأفعال الصلاة وأقوالها وكل ما يتعلق بذاتها.
قال الآلوسى ما ملخصه: وظاهر الآية يفيد وجوب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثا نظرا إلى عموم الَّذِينَ آمَنُوا من غير اختصاص بالمحدثين.
لكن الإجماع على خلاف ذلك، فقد أخرج مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلّم صلى الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد.
فقال له عمر: يا رسول صنعت شيئا لم تكن تصنعه.
فقال صلى الله عليه وسلّم: «عمدا فعلته يا عمر» .
يعنى: بيانا للجواز.
فاستحسن الجمهور كون الآية مقيدة، والمعنى: إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون بقرينة دلالة الحال.
ولأنه اشترط الحدث في البدل وهو التيمم، فلو لم يكن له مدخل في الوضوء مع المدخلية في التيمم لم يكن البدل بدلا.
وقوله- تعالى- فَلَمْ تَجِدُوا ماءً صريح في البدلية.
ويحكى عن داود الظاهري أنه أوجب الوضوء لكل صلاة لأن النبي صلى الله عليه وسلّم والخلفاء من بعده كانوا يتوضئون لكل صلاة، ورد بأن فعل النبي صلى الله عليه وسلّم والخلفاء لا يدل على أكثر من الندب والاستحباب وقد ورد: «من توضأ على طهر كتب الله- تعالى- له عشر حسنات» .
وقوله: فَاغْسِلُوا من الغسل وهو إمرار الماء على المحل حتى يسيل عنه وزاد بعضهم: مع الدلك.
وقوله: بِوُجُوهِكُمْ جمع وجه.
وهو مأخوذ من المواجهة.
وحد الوجه من مبدأ سطح الجبهة إلى منتهى الذقن طولا ومن الأذن إلى الأذن عرضا.
والمرافق: جمع مرفق- كمنبر ومجلس- وهو ملتقى عظم العضد بعظم الذراع.
والكعبين: تثنية كعب.
وهما الجزءان البارزان في أعلى القدم.
والمعنى: يا أيها الذين آمنوا إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون حدثا أصغر، فاغسلوا وجوهكم، أى: فأسيلوا الماء على وجوهكم، وأسيلوه أيضا على أيديكم إلى المرافق وامسحوا بأيديكم المبللة بالماء رءوسكم واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين.
وهنا توسع الفقهاء وبعض المفسرين في ذكر مسائل تتعلق بهذه الآية نرى من الواجب الإلمام بأهمها فنقول:أولا: أخذ جمهور الفقهاء من قوله- تعالى- إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا إلخ أن الوضوء لا بد فيه من القصد إليه وإرادته لأجل الصلاة لا لأجل أى شيء آخر كالنظافة وغيرها مما يشبهها، وذلك لأن الوضوء عمل من الأعمال التي يقصد بها المسلم الطاعة لله، والنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: «إنما الأعمال بالنيات» وعليه تكون النية ركنا من أركان الوضوء، فإذا لم يقصد بوضوئه إرادة الصلاة وابتغاء رضاء الله، لم تكن صلاته بهذا الوضوء صحيحة.
وقال الأحناف.
إن النية في الوضوء ليست بفرض.
لأن الوضوء ليس عبادة مقصودة لذاتها.
وإنما هو وسيلة لغيره وهو الصلاة، والنية إنما هي شرط في العبادة نفسها وهي الصلاة باعتبارها المقصد، وليست شرطا في الوسيلة وهي الوضوء.
وعليه فالوضوء يتحقق بغسل ما يجب غسله من الأعضاء المعروفة، ومسح ما يجب مسحه منها، وللمسلم أن يصلى بهذا الوضوء ما شاء من الفرائض والنوافل.
قالوا: ومما يشهد بأن الوضوء وسيلة لعبادة ظاهر قوله- تعالى- إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فإنه يدل على أن الصلاة هي المقصودة وهي الغاية أما الوضوء فقد شرع ليكون سبيلا إليها.
ثانيا: قوله فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ اتفق الفقهاء على وجوب غسل الوجه إلا أنهم اختلفوا في دخول المضمضة والاستنشاق فيه.
فجمهور الفقهاء اتفقوا على أنهما لا يدخلان في غسل الوجه، بل هما سنتان كان يفعلهما النبي صلى الله عليه وسلّم وأصحابه قبل غسل الوجه.
وقال بعض الفقهاء: المضمضة والاستنشاق داخلان في الغسل.
ثالثا: أخذ كثير من الفقهاء من قوله- تعالى- إِلَى الْمَرافِقِ.
.
وإِلَى الْكَعْبَيْنِ أن المرافق داخلة مع اليدين في وجوب الغسل، وأن الكعبين داخلان مع الرجلين في وجوب الغسل.
قالوا: لأن إِلَى هنا بمعنى مع، ولأن بعض علماء اللغة وعلى رأسهم سيبويه قد قرروا أن ما بعد إلى إذا كان من نوع ما قبلها دخل في الحد، وإذا لم يكن من نوعه لم يدخل.
وهنا ما بعد إلى من نوع ما قبلها فوجب دخوله في الحد.
ولأن جعل ما قبل المرفقين حدا، لا يصلح أن يكون علامة واضحة على ذلك، ومن شأن العلامات أن تكون واضحة وهذا لا يتأتى إلا بغسل المرفقين والكعبين.
وفضلا عن كل ذلك فالمعروف من وضوء النبي صلى الله عليه وسلّم أنه كان يغسل المرفقين والكعبين.
قال القرطبي: وهذا هو الصحيح لما رواه الدّارقطنيّ عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه» .
ويرى بعض الفقهاء أن غسل المرفقين والكعبين مستحب، لأن الغاية من قوله: إِلَى الْمَرافِقِ وإِلَى الْكَعْبَيْنِ تحتمل أن تدخل المرافق والكعبين في الوجوب وتحتمل عدم الدخول، ولا وجوب مع الاحتمال.
وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذه المسألة بقوله: قوله إِلَى الْمَرافِقِ تفيد معنى الغاية مطلقا.
فأما دخولها في الحكم وخروجها، فأمر يدور مع الدليل.
فمما فيه دليل على الخروج قوله: فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ لأن الإعسار علة الإنظار.
وبوجود الميسرة تزول العلة.
ولو دخلت الميسرة فيه لكان منظرا في كلتا الحالتين معسرا وموسرا.
وكذلك ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ لو دخل الليل لوجب الوصال في الصوم.
ومما فيه دليل على الدخول قولك: حفظت القرآن من أوله إلى آخره- لأن الكلام مسوق لحفظ القرآن كله.
ومنه قوله- تعالى-: مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَىلوقوع العلم بأنه لا يسرى به إلى بيت المقدس من غير أن يدخله.
وقوله إِلَى الْمَرافِقِ وإِلَى الْكَعْبَيْنِ لا دليل فيه على أحد الأمرين، فأخذ كافة العلماء بالاحتياط فحكموا بدخولها في الغسل.
وأخذ زفر وداود بالمتيقن فلم يدخلاها.
وعن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه كان يدير الماء على مرفقيه» .
رابعا: أجمع الفقهاء على أن مسح الرأس من أركان الوضوء، لقوله- تعالى- وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ إلا أنهم اختلفوا في مقدار المسح.
فقال المالكية: يجب مسح جميع الرأس أخذا بالاحتياط، وتبعهم في ذلك الحنابلة.
وقال الشافعية: يكفى مسح أقل ما يطلق عليه اسم المسح أخذا باليقين وقال الحنفية:يفترض مسح ربع الرأس.
ومنشأ الخلاف هنا اعتبار الباء زائدة أو أصلية.
فقال المالكية والحنابلة إن الباء كما تكون أصلية تكون- أيضا- زائدة لتقوية تعلق العامل بالمعمول واعتبارها هنا زائدة أولى، لأن التركيب حينئذ يدل على مسح جميع الرأس، ويكون البعض داخلا في ذلك.
وقال الأحناف والشافعية الباء هنا للتبعيض، إلا أن البعض لم يقدره الشافعية بمقدار معين، وقدره الأحناف بمقدار ربع الرأس أخذا من حديث المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان في سفر فنزل لحاجته ثم جاء فتوضأ ومسح على ناصيته» قالوا: والناصية تساوى ربع الرأس.
قال بعض العلماء: والسنة الصحيحة وردت بالبيان.
وفيها ما يفيد جواز الاقتصار على مسح البعض في بعض الحالات كما في صحيح مسلم وغيره من حديث المغيرة أنه صلى الله عليه وسلّم أدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة.
وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه مسح رأسه فأقبل وأدبر.
وهذه هي التي استمر عليها صلى الله عليه وسلّم فاقتضى هذا أفضلية الهيئة التي كان يداوم عليها.
وهي مسح الرأس مقبلا ومدبرا.
وإجراء غيرها في بعض الأحوال .
خامسا: قوله تعالى وَأَرْجُلَكُمْ وردت فيه قراءتان متواترتان.
إحداهما: بفتح اللام وهي قراءة نافع وابن عامر وحفص والكسائي ويعقوب.
والثانية: بكسر اللام وهي قراءة الباقين.
أما قراءة النصب فعلى أن قوله وَأَرْجُلَكُمْ معطوف على قوله وُجُوهَكُمْ أو هو منصوب بفعل مقدر أى: وامسحوا برءوسكم واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين.
وأما قراءة الجر فعلى أن قوله وَأَرْجُلَكُمْ معطوف على بِرُؤُسِكُمْ قال القرطبي ما ملخصه: فمن قرأ بالنصب جعل العامل «اغسلوا» وبنى على ذلك أن الفرض في الرجلين الغسل دون المسح.
وهذا مذهب الجمهور والكافة من العلماء وهو الثابت من فعل النبي صلى الله عليه وسلّم واللازم من قوله في غير ما حديث.
وقد رأى قوما يتوضئون وأعقابهم تلوح فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء» ثم إن الله حدهما فقال: إِلَى الْكَعْبَيْنِ كما قال في اليدين إِلَى الْمَرافِقِ فدل على وجوب غسلهما، ومن قرأ بالخفض جعل العامل الباء.
فقال ابن العربي: اتفقت العلماء على وجوب غسلهما، وما علمت من رد ذلك سوى الطبري من فقهاء المسلمين، والرافضة من غيرهم.
وتعلق الطبري بقراءة الخفض- أى قال بمسح الرجلين.
ثم قال: وقد قيل: إن قوله وَأَرْجُلَكُمْ بقراءة الخفض- معطوف على اللفظ دون المعنى- أى لفظ الرءوس- وهذا أيضا يدل على الغسل، فإن المراعى المعنى لا اللفظ وإنما خفض للجوار كما تفعل العرب.
وقد جاء هذا في القرآن وغيره قال- تعالى- يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ بالجر لأن النحاس هو الدخان.
ثم قال: والقاطع في الباب من أن فرض الرجلين الغسل ما قدمناه، وما ثبت من قوله صلّى الله عليه وسلّم «ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار» فخوفنا ذكر النار على مخالفة مراد الله.
ومعلوم أن النار لا يعذب بها إلا من ترك الواجب.
ومعلوم أن المسح ليس من شأنه الاستيعاب.
ولا خلاف بين القائلين بالمسح على الرجلين أن ذلك على ظهورهما لا على بطونهما فتبين بهذا الحديث بطلان من قال بالمسح.
إذ لا مدخل لمسح بطونهما عندهم، وإنما ذلك يدرك بالغسل لا بالمسح.
ونقل الجمهور كافة عن كافة عن نبيهم صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يغسل رجليه في وضوئه مرة واثنتين وثلاثا حتى ينقيهما.
وحسبك بهذا حجة في الغسل مع ما بيناه فقد وضح وظهر أن قراءة الخفض المعنى فيها الغسل لا المسح وأن العامل في قوله وَأَرْجُلَكُمْ قوله فَاغْسِلُوا والعرب قد تعطف الشيء على الشيء بفعل ينفرد به أحدهما.
تقول: أكلت الخبز واللبن.
أى: وشربت اللبن .
وقد عقد الإمام ابن كثير فصلا أورد فيه- عند تفسيره لهذه الآية- كثيرا من الأحاديث التي وردت في غسل الرجلين، وجعل عنوانه: «ذكر الأحاديث الواردة في غسل الرجلين وأنه لا بد منه» .
ومن هذه الأحاديث ما جاء في الصحيحين والسنن عن عثمان وعلى وابن عباس.
أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غسل الرجلين في وضوئه إما مرة، وإما مرتين أو ثلاثا.
على اختلاف رواياتهم.
وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم توضأ فغسل قدميه ثم قال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» .
وعن جابر بن عبد الله قال: رأى النبي صلّى الله عليه وسلّم في رجل رجل مثل الدرهم لم يغسله فقال:«ويل للأعقاب من النار» .
ثم قال ابن كثير: ووجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهرة.
وذلك أنه لو كان فرض الرجلين مسحهما، أو أنه يجوز ذلك لما توعد على تركه، لأن المسح لا يستوعب جميع الرجل.
بل يجرى فيه ما يجرى في مسح الخف .
ويرى الزمخشري أن قراءة الجر في قوله وَأَرْجُلَكُمْ محمولة في المعنى على النصب ويكون السبب في عطفها على الرءوس المجرورة، للإشارة إلى وجوب عدم الإسراف في الماء.
فقد قال: فإن قلت: فما تصنع بقراءة الجر ودخولها في حكم المسح؟ قلت: الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها: فكانت مظنة للإسراف المذموم المنهي عنه، فعطفت على الثالث المسموح لا لتمسح، ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها.
وقد وضح هذا المعنى الشيخ ابن المنير بقوله: لم يوجه الزمخشري قراءة الجر بما يشفى الغليل.
والوجه فيه أن الغسل والمسح متقاربان من حيث أن كل واحد منهما مساس بالعضو، فيسهل عطف المغسول على الممسوح من ثم، كقوله: متقلدا سيفا ورمحا.
وعلفتها تبنا وماء باردا.
ونظائره كثيرة.
ثم يقال: ما فائدة هذا التشريك بعلة التقارب؟ وهلا أسند إلى كل واحد منهما الفعل الخاص به على الحقيقة؟ فيقال: فائدته الإيجاز والاختصار.
وتحقيقه أن الأصل أن يقال مثلا:واغسلوا أرجلكم غسلا خفيفا لا إسراف فيه كما هو المعتاد، فاختصرت هذه المقاصد بإشراكه الأرجل مع الممسوح، ونبه بهذا التشريك- الذي لا يكون إلا في الفعل الواحد أو الفعلين المتقاربين جدا.
على أن الغسل المطلوب في الأرجل غسل خفيف يقارب المسح.
وحسن إدراجه معه تحت صيغة واحدة وهذا تقرير كامل لهذا المقصود» .
هذا ومن كل ما تقدم نرى وجوب غسل الرجلين في الوضوء سواء أكانت القراءة بالنصب أم بالجر.
وقد بسطت بعض كتب الفقه والتفسير هذه المسألة بسطا موسعا فليرجع إليها من شاء .
سادسا: أخذ الأحناف من هذه الآية الكريمة أن أركان الوضوء هي هذه الأربعة فحسب أى: غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين.
وقد أضاف جمهور الفقهاء إلى ذلك النية- كما سبق أن أشرنا- كما أضافوا الترتيب بين الأركان بحيث يغسل الوجه أولا ثم اليدان ثم من بعدهما مسح الرأس، ثم غسل الرجلين، لأن هذه الأركان قد ذكرت بهذا التريب في القرآن فيجب التزامه.
ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يخالف هذا الترتيب ولو مرة واحدة فوجب اتباع ما جاء عنه صلّى الله عليه وسلّم.
وقال الأحناف: الترتيب ليس فرضا، لأن العطف بين الأركان بالواو وهي لا تقتضي ترتيبا ولا تعقيبا.
كذلك أضاف بعض الفقهاء إلى أركان الوضوء الموالاة بمعنى أن يواصل المتوضئ الاشتغال بوضوئه ولا ينقطع عنه.
وذهب بعضهم إلى أن ذلك سنة.
والذي تطمئن إليه النفس أن المتوضئ إذا انقطع وضوؤه بعمل أجنبى لمدة جفت معها أعضاء الوضوء وجب عليه استئناف الوضوء مبتدئا بأوله.
أما إذا قطع المتوضئ وضوءه لفترة قصيرة بحيث بقيت آثار الوضوء ظاهرة فإنه في هذه الحالة يجوز له الاستمرار فيه.
تلك هي بعض المسائل التي رأينا أن نتكلم عنها بإيجاز بمناسبة حديثنا عن هذه الآية الكريمة وهناك مسائل أخرى تتعلق بها تكفلت كتب الفروع بتفصيلها.
وقد انتقلت الآية الكريمة بعد حديثها عن الوضوء إلى الحديث عن الاغتسال وموجبه فقال- تعالى- وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا.
والجنب من أصابته الجنابة بسبب جماع أو احتلام أو غيرهما مما تتحقق معه الجنابة.
وكلمة جنب من الألفاظ التي يستوي فيها الواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث لجريانها مجرى المصدر، فيقال: رجل جنب، وامرأة جنب، وهما جنب، ورجال ونساء جنب.
.
واشتقاقه من المجانبة بمعنى المباعدة، لأن الجنابة معنى شرعي يستلزم من المسلم اجتناب الصلاة وقراءة القرآن ومس المصحف ودخول المسجد إلى أن يتطهر.
وقوله فَاطَّهَّرُوا أصله فتطهروا فأدغمت التاء في الطاء فسكنت فأتى بالهمزة.
والمعنى: يا أيها الذين آمنوا إذا أردتم الدخول في الصلاة فعليكم أن تتوضئوا قبل دخولكم فيها بأن تغسلوا وجوهكم وتغسلوا أيديكم إلى المرافق، وتمسحوا برءوسكم.
وتغسلوا أرجلكم إلى الكعبين، هذا إذا كنتم محدثين حدثا أصغر وأردتم الصلاة أما إذا كنتم محدثين حدثا أكبر، بأن كنتم جنبا بسبب خروج منى أو التقاء ختانين وأردتم الدخول في الصلاة فعليكم في هذه الحالة أن تتطهروا.
أى: تغسلوا بالماء جميع بدنكم.
لأن الأمر بالتطهر لما لم يتعلق بعضو دون عضو، كان أمرا شاملا لتطهير جميع البدن، بدليل أن الوضوء لما تعلق بعضو دون عضو نص الله- تعالى- في الآية على تلك الأعضاء التي أوجب غسلها.
وإنما حملت الطهارة هنا على الطهارة بالماء لأن الماء هو الأصل كما يشير إلى ذلك قوله- تعالى- وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ولأنه- سبحانه- قد ذكر بعد هذه الجملة ما يحل محل الماء عند فقده.
والتعبير بقوله فَاطَّهَّرُوا فيه إشارة إلى وجوب العناية في تعميم الماء على الجسد كله، وإيماء إلى أن النجاسة المعنوية قد عمت كل أجزاء الجسم، فوجب أن تكون الطهارة عامة لكل أجزاء الجسم ولا شك أن الاغتسال بعد الجناية أو الحيض أو النفاس فيه إنعاش الجسم بعد أن أصابه التعب والإنهاك، وفيه كذلك طهارة نفسية، لأنه يبعث في الإنسان حسن الاستعداد لذكر الله، ولأداء تكاليفه.
قال الفخر الرازي: والدلك غير واجب في الغسل.
وقال مالك: الدلك واجب وحجة غيره أن قوله فَاطَّهَّرُوا أمر بتطهير البدن لا يعتبر فيه الدلك.
ثم قال:والشافعى قال: المضمضة والاستنشاق غير واجبين في الغسل- ومثله في ذلك الإمام مالك.
وقال أبو حنيفة- والحنابلة- هما: واجبان لأن الآية تقول فَاطَّهَّرُوا وهذا أمر بأن يطهروا أنفسهم.
وتطهير النفس لا يحصل إلا بتطهير جميع أجزاء النفس، ما عدا الأجزاء الباطنة التي لا يمكن تطهيرها.
وداخل الفم والأنف يمكن تطهير هما.
فوجب بقاؤهما تحت النص.
ولأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «بلوا الشعر وأنقوا البشرة فإن تحت كل شعرة جنابة» فقوله «بلوا الشعر» يدخل فيه الأنف.
لأن داخله شعر.
وقوله «وأنقوا البشرة» يدخل فيه الجلدة التي داخل الفم.
وحجة الشافعى- ومالك قوله صلّى الله عليه وسلّم أما أنا فأحثى على رأسى ثلاث حثيات فإذا أنا.
قد طهرت» وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم ذلك في مجلس جماعة من أصحابه كانوا يتحدثون أمامه في أمر الغسل، وكل يبين ما يعمله .
ثم شرع- سبحانه- في بيان الاعذار التي تبيح التيمم من أجل الطهارة عند العجز عن استعمال الماء فقال- تعالى-: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ، أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ والمراد بالمرضى في قوله- تعالى- وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى المرض الذي يمنع من استعمال الماء مطلقا كأن يكون استعمال الماء يزيد المرض شدة، أو يبطئ البرء.
وقوله أَوْ عَلى سَفَرٍ في محل نصب عطفا على خبر كان وهو قوله مرضى وليس المراد بالسفر هنا سفر القصر، وإنما المراد السير خارج العمران سواء أوصل المسافر إلى مسافة القصر أم لا، بخلافه في قوله- تعالى- في سورة البقرة: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ فان المراد به هناك سفر القصر، إنما قيد الأمر هنا بالسفر مع أن المنظور إليه عدم الماء لأن السفر هو الذي يغلب فيه عدم الماء بخلاف الحضر ولو فرض عدم الماء في الحضر وجب التيمم على المحدث عند إرادة الصلاة عند الحنفية والمالكية والشافعية.
وقوله أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ معطوف على ما قبله والغائط: من الغيط وهو المكان المنخفض من الأرض.
وهو هنا كناية عن الحدث لأن العادة جرت أن من يريد الحدث يذهب إلى ذلك المكان المنخفض ليتوارى عن أعين الناس.
وفي إسناد المجيء إلى واحد مبهم من المخاطبين، سمو في التعبير.
حيث تحاشى- سبحانه- التصريح بنسبتهم إلى ما يستحيا من ذكره أو يستهجن التصريح به.
وفي ذلك ما فيه من تعليم الناس الأدب في الخطاب، والبعد عن الألفاظ التي تخدش الحياء، ويمجها الذوق السليم.
والمراد بالملامسة في قوله تعالى أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ الجماع: فهو هنا كناية عما يكون بين الرجل والمرأة مما يوجب الاغتسال: وهي كناية قرآنية أراد- سبحانه- أن يعلم الناس منها حسن التعبير، والبعد عن الألفاظ التي تتنافى مع آداب الإسلام وتعاليمه السامية.
وإلى هذا الرأى اتجه كثير من الصحابة، منهم على بن أبى طالب وابن عباس وأبو موسى.
وتبعهم في ذلك كثير من الفقهاء كأبى حنيفة وأبى يوسف وزفر والثوري فقد قالوا: لا وضوء على من مس امرأة سواء أكان المس بشهوة أو بدونها.
واستدلوا بأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يقبل نساءه ثم يصلّى ولم يتوضأ وكان يقبلهن وهو صائم.
واستدلوا- أيضا- بأن ظاهر مادة المفاعلة يكون في الفعل من الجانبين مقصودا، وذلك إنما يتأتى في الجماع دون اللمس باليد.
وأيضا فإن اللمس وإن كان حقيقة في اللمس باليد إلا أنه قد عهد في القرآن إطلاقه كناية عن الجماع كما في قوله- تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً.
ويرى جماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وابن مسعود أن المراد بالملامسة هنا اللمس باليد، وكانا يوجبان على من مس امرأة الوضوء.
وقد سار الإمام الشافعى على هذا الرأى فقال: إذا مس جسدها فعليه الوضوء سواء أكان المس بشهوة أم بغير شهوة.
ومن أدلته أن اللمس حقيقة في المس باليد، وهو في الجماع مجاز أو كناية ولا يعدل عن الحقيقة إلى غيرها إلا عند تعذر الحقيقة ويرى الإمام مالك أن اللمس إن كان بشهوة وتلذذ فعليه الوضوء، وكذا إذا مسته بشهوة وتلذذ، وإن كان بغير شهوة فلا وضوء عليهما.
وقد انتصر كل فريق لرأيه بصورة أوسع من ذلك في كتب الفروع.
والذي نراه أولى بالصواب في هذه المسألة ما قاله الإمام مالك- رحمه الله- لأنه بنى رأيه على وجود الشهوة وعدمها.
والفاء في قوله: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً عطفت ما بعدها على الشرط السابق وهو قوله.
وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى.
والضمير في قوله: فَلَمْ تَجِدُوا يعود لكل من تقدم من مريض ومسافر ومتغوط وملامس وفيه تغليب للخطاب على الغيبة.
والمراد بعدم الوجدان في قوله هنا فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ما هو أعم من الوجود الحسى أى: أن قوله: «فلم تجدوا ماء» كناية عن عدم التمكن من استعماله وإن وجد حسا، إذ أن الشيء المتعذر استعماله هو والمعدوم سواء.
وقوله: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً جواب الشرط وهو قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى.
والمعنى: وإن كنتم- أيها المؤمنون- في حالة مرض يحول بينكم وبين استعمال الماء أو كنتم مستقرين على سفر أو كنتم محدثين حدثا أصغر أو أكبر، أو لامستم النساء، فلم تجدوا ماء تستعملونه لطهارتكم، ولأداء ما كلفكم الله به من تكاليف، أو وجدتموه ولكن منعكم مانع من استعماله، أو كنتم في حاجة ماسة إليه، فعليكم في هذه الأحوال أن تتيمموا صعيدا طيبا بدلا من الماء، فإن الله- تعالى- ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ.
ومنهم من يرى أن الضمير في قوله: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً يعود إلى الجميع ما عدا المرضى، لأن المرضى يباح لهم التيمم مع وجود الماء إذا تضرروا من استعماله.
وعلى هذا الرأى يكون المراد بعدم الوجدان، عدم الوجدان الحسى.
والتيمم لغة القصد.
يقال تيممت الشيء إذا قصدته.
ويطلق في الشرع على القصد إلى التراب لمسح الوجه واليدين به.
وأما الصعيد- بوزن فعيل- فيطلق على وجه الأرض البارز ترابا كان أو غيره.
وقيل يطلق على التراب فحسب.
والطيب: الطاهر الذي لم تلوثه نجاسة ولا قذر.
وقوله: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ بيان لكيفية التيمم.
أى: إذا لم تجدوا ماء للتطهر به، أو وجدتموه ولكنكم عجزتم عن استعماله، فاقصدوا ترابا طاهرا فامسحوا منه بوجوهكم وأيديكم.
وقد استدل بعض الفقهاء بقوله: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً على أن التيمم لا يجوز إلا بالتراب الطاهر، لأنه هو المقصود بالصعيد الطيب.
ويرى بعض آخر أن التيمم يجوز بالتراب وبالحجر وبما ماثله من كل ما كان من جنس الأرض.
متى كان طاهرا.
قالوا: لأن الظاهر من لفظ الصعيد وجه الأرض.
وهذه الصفة لا تختص بالتراب.
قال القرطبي- بعد أن ذكر آراء الفقهاء في ذلك- «وإذا تقرر هذا فاعلم أن مكان الإجماع فيما ذكرناه أن يتيمم الرجل على تراب طاهر غير منقول ولا مغصوب.
ومكان الإجماع في المنع أن يتيمم الرجل على الذهب والصرف والفضة والياقوت والأطعمة كالخبز واللحم وغيرهما أو على النجاسات واختلف في غير هذا كالمعادن، فأجيز وهو مذهب مالك وغيره ومنع وهو مذهب الشافعى وغيره» .
كما استدل الأحناف والشافعية بقوله- تعالى- فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ على أن التيمم المطلوب شرعا هو استعمال الصعيد في عضوين مخصوصين على قصد التطهير.
والعضوان هما الوجه واليدان إلى المرفقين، فقد جاء في الحديث الشريف عن جابر بن عبد الله أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «التيمم ضربتان ضربة للوجه.
وضربة للذراعين إلى المرفقين» .
ويرى الحنابلة والمالكية أن العضوين هما الوجه واليدين إلى الرسغين.
هذا، وقد تكلمنا عن هذه المسألة وغيرها بصورة أوسع عند تفسيرنا لقوله- تعالى- في سورة النساء:وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً، فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ .
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة ببيان بعض مظاهر رحمته بعباده، ورعايته لمصالحهم فقال- تعالى ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ، وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
أى: ما يريد الله- تعالى- بما فرض عليكم من الوضوء إذا قمتم إلى الصلاة ومن الغسل بعد الجنابة، ومن الأمر بالتيمم عند وجود أسبابه، ما يريد- سبحانه- بذلك لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ أى ضيق ومشقة وعسر، ولكن يريد بذلك ليطهركم.
أى: ليطهر نفوسكم من الأرجاس الحسية والمعنوية وليزيل عنها ما علق بها من ذنوب وأوساخ، ويريد بذلك أيضا لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ بما شرع لكم من أحكام ميسرة ومن آداب عالية، ومن تكاليف جليلة لكي تشكروه على نعمه وإحسانه وتشريعاته، لأنكم متى شكرتم زادكم من فضله ومننه.
وعبر- سبحانه- عن نفى الحرج بنفي إرادته، مبالغة في بيان رأفته- سبحانه- بعباده، ورعايته لمصالحهم.
فكأنه- سبحانه- يقول: ما كان من شأن الله- تعالى- مع عباده أن يشرع لهم ما فيه مشقة أو حرج.
وقوله لِيَجْعَلَ يحتمل أن يكون الجعل بمعنى الخلق والإيجاد فيتعدى لواحد وهو قوله:مِنْ حَرَجٍ وتكون مِنَ زائدة لتأكيد النفي وقوله عَلَيْكُمْ متعلق بالجعل.
ويحتمل أن يكون بمعنى التصيير فيكون قوله عَلَيْكُمْ هو المفعول الثاني، وقوله: وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ استدراك قصد به بيان بعض مظاهر رحمته- سبحانه- بالمؤمنين ومحبته لسعادتهم ولتزكية نفوسهم وتطهيرها من الذنوب والأدران كما قصد به حضهم على مداومة شكره حتى يزيدهم من فضله.
وقريب من معنى هذه الجملة قوله- تعالى- يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ .
وقوله- تعالى- وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وقوله تعالى- يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً .
وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت للمؤمنين ما يجب عليهم أن يفعلوه إذا ما أرادوا الدخول في الصلاة، وما يجب عليهم أن يفعلوه إذا ما كانوا جنبا، وما يجب أن يفعلوه إذا ما فقدوا الماء أو عجزوا عن استعماله وكانوا يريدون الطهارة أو أداء ما عليهم من تكاليف، كما بينت لهم حكمة الله في تشريعاته لهم، ورعايته لمصالحهم حتى يشكروه على نعمه فيزيدهم منها.

المصدر : تفسير : ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة