موقع الحمد لله القرآن الكريم القرآن mp3 المقالات مواقيت الصلاة
القرآن الكريم

تفسير ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي - الآية 74 من سورة البقرة

سورة البقرة الآية رقم 74 : شرح و تفسير الآية

تفسير و معنى الآية 74 من سورة البقرة عدة تفاسير, سورة البقرة : عدد الآيات 286 - الصفحة 11 - الجزء 1.

﴿ ثُمَّ قَسَتۡ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَٱلۡحِجَارَةِ أَوۡ أَشَدُّ قَسۡوَةٗۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلۡحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنۡهُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخۡرُجُ مِنۡهُ ٱلۡمَآءُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَهۡبِطُ مِنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ﴾
[ البقرة: 74]


التفسير الميسر

ولكنكم لم تنتفعوا بذلك؛ إذ بعد كل هذه المعجزات الخارقة اشتدت قلوبكم وغلظت، فلم يَنْفُذ إليها خير، ولم تَلِنْ أمام الآيات الباهرة التي أريتكموها، حتى صارت قلوبكم مثل الحجارة الصمَّاء، بل هي أشد منها غلظة؛ لأن من الحجارة ما يتسع وينفرج حتى تنصبَّ منه المياه صبًا، فتصير أنهارًا جاريةً، ومن الحجارة ما يتصدع فينشق، فتخرج منه العيون والينابيع، ومن الحجارة ما يسقط من أعالي الجبال مِن خشية الله تعالى وتعظيمه. وما الله بغافل عما تعملون.

تفسير الجلالين

«ثم قست قلوبكم» أيها اليهود صلبت عن قبول الحق «من بعد ذلك» المذكور من إحياء القتيل وما قبله من الآيات «فهي كالحجارة» في القسوة «أو أشد قسوة» منها «وإن من الحجارة لما يتفجَّر منه الأنهار وإن منها لما يشقق» فيه إدغام التاء في الأصل في الشين «فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط» ينزل من علو إلى أسفل «من خشية الله» وقلوبكم لا تتأثر ولا تلين ولا تخشع «وما الله بغافل عما تعلمون» وإنما يؤخركم لوقتكم وفي قراءة بالتحتانية وفيه التفات عن الخطاب.

تفسير السعدي

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ أي: اشتدت وغلظت, فلم تؤثر فيها الموعظة، مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ أي: من بعد ما أنعم عليكم بالنعم العظيمة وأراكم الآيات، ولم يكن ينبغي أن تقسو قلوبكم, لأن ما شاهدتم, مما يوجب رقة القلب وانقياده، ثم وصف قسوتها بأنها كَالْحِجَارَةِ التي هي أشد قسوة من الحديد، لأن الحديد والرصاص إذا أذيب في النار, ذاب بخلاف الأحجار.
وقوله: أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً أي: إنها لا تقصر عن قساوة الأحجار، وليست " أو " بمعنى " بل " ثم ذكر فضيلة الأحجار على قلوبهم، فقال: وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ فبهذه الأمور فضلت قلوبكم.
ثم توعدهم تعالى أشد الوعيد فقال: وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ بل هو عالم بها حافظ لصغيرها وكبيرها, وسيجازيكم على ذلك أتم الجزاء وأوفاه.
واعلم أن كثيرا من المفسرين رحمهم الله, قد أكثروا في حشو تفاسيرهم من قصص بني إسرائيل, ونزلوا عليها الآيات القرآنية, وجعلوها تفسيرا لكتاب الله, محتجين بقوله صلى الله عليه وسلم: " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج " والذي أرى أنه وإن جاز نقل أحاديثهم على وجه تكون مفردة غير مقرونة, ولا منزلة على كتاب الله, فإنه لا يجوز جعلها تفسيرا لكتاب الله قطعا إذا لم تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن مرتبتها كما قال صلى الله عليه وسلم: " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم " فإذا كانت مرتبتها أن تكون مشكوكا فيها, وكان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن القرآن يجب الإيمان به والقطع بألفاظه ومعانيه، فلا يجوز أن تجعل تلك القصص المنقولة بالروايات المجهولة, التي يغلب على الظن كذبها أو كذب أكثرها, معاني لكتاب الله, مقطوعا بها ولا يستريب بهذا أحد، ولكن بسبب الغفلة عن هذا حصل ما حصل، والله الموفق.

تفسير البغوي

قوله تعالى: ثم قست قلوبكم يبست وجفت، جفاف القلب: خروج الرحمة واللين عنه، وقيل: غلظت، وقيل: اسودت.
من بعد ذلك من بعد ظهور الدلالات.
قال الكلبي: "قالوا بعد ذلك: نحن لم نقتله، فلم يكونوا قط أعمى قلباً ولا أشد تكذيباً لنبيهم منهم عند ذلك".
فهي أي في الغلظة والشدة.
كالحجارة أو أشد قسوة قيل: أو بمعنى بل، وقيل: بمعنى الواو كقوله تعالى: مائة ألف أو يزيدون [147-الصافات] أي: بل يزيدون أو ويزيدون، وإنما لم يشبهها بالحديد مع أنه أصلب من الحجارة، لأن الحديد قابل للين فإنه يلين بالنار، وقد لان لداود عليه السلام، والحجارة لا تلين قط، ثم فضل الحجارة على القلب القاسي فقال:وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار قيل: أراد به (جميع) الحجارة، وقيل: أراد به الحجر الذي كان يضرب عليه موسى للأسباط.
وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء أراد به عيوناً دون الأنهار.
وإن منها لما يهبط ينزل من أعلى الجبل إلى أسفله.
من خشية الله وقلوبكم لا تلين ولا تخشع يا معشر اليهود.
فإن قيل: جماد لا يفهم، فكيف (يخشى)؟ قيل: الله يفهمه ويلهمه فيخشى بإلهامه.
ومذهب أهل السنة والجماعة أن الله تعالى خلق علماً في الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقل، لا يقف عليه غيره، فلها صلاة وتسبيح وخشية كما قال جل ذكره: وإن من شيء إلا يسبح بحمده [44-الاسراء]، وقال: والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه [41-النور]، وقال: ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر [18-الحج] الآية، فيجب (المؤمن) الإيمان به ويكل علمه إلى الله تعالى سبحانه وتعالى.
ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على ثبير والكفار يطلبونه فقال الجبل: انزل عني فإني أخاف أن تؤخذ علي فيعاقبني الله بذلك فقال له جبل حراء: إلي يا رسول الله.
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ثنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي أنا أحمد بن محمد بن عبد الوهاب النيسابوري أنا محمد بن إسماعيل الصائغ أنا يحيى بن أبي بكر أنا إبراهيم بن طهمان عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث وإني لأعرفه الآن" [ هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يحيى بن أبي بكر.
وصح عن أنس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلع على أُحُد فقال: هذا جبل يحبنا و نحبه".
وروي عن أبي هريرة يقول: "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح ثم أقبل على الناس بوجهه وقال: بينما رجل يسوق بقرة إذ عيي فركبها فضربها فقالت: إنا لم نخلق لهذا، إنما خلقنا لحراثة الأرضفقال الناس: سبحان الله بقرة تتكلم!؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني أومن به أنا وأبو بكر وعمر وماهُمَا ثَمّ، وقال: " بينما رجل في غنم له إذ عدا الذئب على شاة منها فأدركها صاحبها فاستنفذها، فقال الذئب: فمن لها يوم السبع؟ أي يوم القيامة، يوم لا راعي لها غيري، فقال الناس: سبحان الله ذئب يتكلم؟ فقال: أومن به أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم".
وصح عن أبي هريرة قال:"كان رسول صلى الله عليه وسلم على حراء وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم اهدأ -أي: اسكن- فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" صحيح أخرجه مسلم .
أنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو سعيد يحيى بن أحمد بن علي الصانع أنا أبو الحسن علي بن إسحاق بن هشام الرازي أنا محمد بن أيوب بن ضريس البجلي الرازي أنا محمد بن الصباح عن الوليد بن أبي ثور عن السدي عن عباد بن أبي يزيد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فخرجنا في نواحيها خارجاً من مكة بين الجبال والشجر، فلم يمر بشجرة ولا جبل إلا قال السلام عليك يارسول الله".
أنا أبو الحسن عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا عبد المجيد بن عبد العزيز عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنه يقول: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب استند إلى جذع نخلة من سواري المسجد، فلما صنع له المنبر فاستوى عليه اضطربت تلك السارية وحنت كحنين الناقة حتى سمعها أهل المسجد، حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتنقها فسكنت".
قال مجاهد: "لا ينزل حجر من أعلى إلى الأسفل إلا من خشية الله".
ويشهد لما قلنا قوله تعالى: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون [21-الحشر].
قوله عز وجل: وما الله بغافل بِسَاه.
عما تعملون وعيد وتهديد، وقيل: بتارك عقوبة ما تعملون، بل يجازيكم به.
قرأ ابن كثير (يعملون) بالياء، والآخرون بالتاء.

تفسير الوسيط

ثم بين القرآن الكريم ، بعد ذلك أن هذه المعجزات الباهرة التي تزلزل المشاعر ، وتهز القلوب ، وتبعث في النفوس الإِيمان ، لم تؤثر في قلوب بني إسرائيل الصلدة لأنه قد طرأ عليهم بعد رؤيتها ما أزال آثارها من قلوبهم ، ومحا الاعتبار بها من عقولهم ، فقال تعالى : ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذلك فَهِيَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ المآء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) .
والمعنى : ثم صلبت قلوبكم - يا بني إسرائيل - وغلظت من بعد أن رأيت ما رأيتم من معجزات منها إحياء القتيل أمام عينكم ، فهي كالحجارة في صلابتها ويبوستها ، بل هي أشد صلابة منها ، لأن من الحجرة ما فيه ثقوب متعددة ، وخروق متسعة ، فتتدفق منه مياه الأنهار التي تعود بالمنافع على المخلوقات ، ولأن من بينها ما يتصدق تصدعاً قليلاً فيخرج منه ماء اليعون والآبار ولأن منها ما يتردى من رأس الجبل إلى الأرض والسفح من خوف الله وخشيته ، أما أنتم - يا بني إسرائيل - فإن قلوبكم لا تتأثر بالمواعظ ولا تنقاد للخير ، ولا تفعل ما تؤمر به مهما تعاقبت عليكم النعم والنقم والآيات ، وما الله بغافل عما تعملون .
وقوله تعالى : ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذلك فَهِيَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ) بيان لما طرأ على قلوب بني إسرائيل من بعد عن الاعتبار ، وعدم تأثر بالعظات وإعراض عن الإِنابة والإِذعان لآيات الله وتحلل من المواثيق التي أقروا بها على أنفسهم وجيء ( بثم ) التي هي للترتيب والتراخي .
لاستبعاد استيلاء الغلظة والقسوة على قلوبهم بعد أن رأوا الكثير من المعجزات ، فكأنه - سبحانه - يقول لهم - بعد أن ساق لهم قصة البقرة وما ترتب عليها من منافع وعبر : ومع ذلك كله لم تلن قلوبكم - يا بني إسرائيل - ولم تفدكم المعجزات : فقست قلوبكم وكان من المستبعد أن تقسوا .
وقوله تعالى : ( بَعْدِ ذلك ) فيه زيادة تعجيب من إحاطة القساوة بقلوبهم ، بعد توالي النعم ، وتكاثر المعجزات التي أشار القرآن الكريم إلى بعضها في الآيات السابقة .
واسم الإِشارة ( ذلك ) مشار به إلى إحياء القتيل بعد ضربه بجزء من البقرة أو إلى جميع النعم والمعجزات الواردة في الآيات السابقة .
و ( أو ) في قوله تعالى : ( فَهِيَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ) قيل : للتنويع ، فإن قلوبهم متفاوتة في القسوة ، فمنها ما هو قاس كالحجارة ، ومنها ما هو أشد منها قسوة ، أي : فبعض قلوبكم كالحجارة في صلابتها وبعضها أشد من الحجارة في صلابتها .
وقيل : للتشكيك بالنسبة للمخاطبين ، لا إلى المتكلم ، كأن يقول أحد الناس لآخر ، إن هذه القلوب قسوتها تشبه الحجارة أو تزيد عليها .
والأظهر أن تكون للإِضراب على طريقة المبالغة والمعنى : ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة بل هي أشد منها قسوة ، إذ لا شعور فيها يأتي بخير ، والحجارة ليست كذلك .
وشبه - سبحانه - قلوبهم بالحجارة في القسوة ، لأن صلابة الحجرة أعرف للناس وأشهر ، حيث إنها محسوسة لديهم ومتعارفة بينهم ولذا جاء التشبيه بها .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت لم قيل أشد قسوة ، وفعل القسوة مما يخرج منه أفعل التفضيل وفعل التعجب؟ قلت : لكونه أبين وأدل على فرط القسوة ، ووجه آخر ، وهو أن لا يقصد معنى الأقسى ولكن قصد وصف القسوة بالشدة .
كأنه قيل اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة " .
وقوله تعالى : ( وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ المآء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله ) بيان لفضل الحجارة على قلوبهم القاسية ، قصد به إظهار زيادة قسوة قلوبهم عن الحجارة ، لأن هذا الأمر لغرابته يحتاج إلى بيان سببه .
فكأنه - سبحانه - يقول لهم .
إن هذه الحجارة على صلابتها ويبوستها منها ما تحدث فيه المياه خروقاً واسعة تتدفق منها الأنهار الجارية النافعة ، ومنها ما تحدث فيه المياه شقوقاً مختلفة تنجم عنها العيون النابعة ، والآبار الجوفية المفيدة .
ومنها ما ينقاد لأوامر الله عن طواعية وامتثال .
أما قلوبكم أنتم فلا يصدر عنها نفع ، ولا تتأثر بالعظات والعبر ، ولا تنقاد للحكم التي من شأنها هداية النفوس .
وقوله تعالى : ( وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) تهديد وتخويف ، حيث إنه - سبحانه - سيحاسبهم على أعمالهم ، وسيذيقهم ما يستحقونه من عقاب جزاء جحودهم لنعمه ، وعصيانهم لأمره .
وبذلك تكون الآية الكريمة قد وصفت بني إسرائيل بما هم أهله .
من قساوة القلب وانطماس البصيرة ، وعدم التأثر بالعظات مهما كثرت .
وبالآيات مهما توالت .
ما يؤخذ من هذه القصة من العظات والعبر :اشتملت هذه القصة على كثير من العظات والتوجيهات الإِلهية من ذلك .
1 - دلالتها على ما جبل عليه بنو إسرائيل من فظاظة وغلظة ، وسوء أدب مع مرشيدهم ، وإحفاء في الأسئلة بلا موجب ، وعدم استعداد للتسليم بما يأتيهم به الرسل ، ومما طلة في الانصياع للتكاليف ، وانحراف عن الطريق المستقيم .
2 - دلالتها على أن التنطع في الدين ، والإِلحاف في المسألة يؤديان إلى التشديد في الأحكام ، لأن بني إسرائيل لو أنهم أول الأمر عمدوا إلى ذبح أي بقرة لأجزأتهم ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم .
أخرد ابن جرير - رحمه الله - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : " لو أن القوم أخذوا أدنى بقرة لأجزائهم .
لكنهم شددوا فشد الله عليهم " .
وقد أدى بهم هذا التنطع والتشديد إلى تضييق دائرة اختيارهم ، وتكثير للشروط التي يجب توافرها في البقرة المطلوبة ، وذلك لتأديبهم على مما طلتهم وبلادة عقولهم ، وسوء تلقيهم للشريعة بأنواع من التقصير عملا وشكرا وفهما ، وبذلك يعلم أن ما كلفهم الله به أولا هو ذبح بقرة ما ، وأن ما أمروا به بعد ذلك من كونها صفراء سالمة من آثار الخدمة ليس من باب تأخير البيان عن وقت الخطاب ، وإنما هو تشريع طارئ قصد منه تأديبهم على تعنتهم ولجاجهم وكثرة أسئلتهم .
وقد جاءت تعاليم الإِسلام بالنهي عن كثرة السؤال قال تعالى :( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القرآن تُبْدَ لَكُمْ عَفَا الله عَنْهَا والله غَفُورٌ حَلِيمٌ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ ) وفي الحديث الشريف : " ذروني ما تركتكم ، فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم ، واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيء فأتوه ، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه ما استطعتم " .
قال صاحب المنار : " وقد امتثل سلفنا لأمر الله فلم يشددوا على أنفسهم ، فكان الدين عندهم فطرياً وحنيفياً سمحاً ، ولكن من خلفهم عمد إلى ما عفا الله عنه فاستخرج له أحكاماً استنبطها باجتهاده ، حتى صار الدين حملا ثقيلا على الأمة فسئمته وملت وألقته وتخلت " .
4 - قال الإِمام ابن القيم - رحمه الله - : وفي هذه القصة أنواع من العبر منها .
أنه لا يجوز مقابلة أمر الله الذي لا يعلم المأمور به وجه الحكمة فيه بالإِنكار ، فإن القوم لما قال لهم نبيهم ( إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ) قابلوا هذا الأمر بقولهم : ( أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً ) فلما لم يعلموا وجه الحكمة في ارتباط هذا الأمر بما سألو عنه قالوا ( أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً ) .
وهذا من غاية جهلهم بالله ورسوله ، فإنه أخبرهم عن أمر الله لهم بذلك ، فلما قال لهم : ( أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين ) وتيقنوا أن الله - تعالى - أمره بذلك ، أخذوا في التعنت بسؤالهم عن عينها ولنها ، فلما أخبروا عن ذلك رجعوا إلى السؤال مرة ثالثة ، فلما تعينت لهم ولم يبق إشكال توقفوا في الامتثال ، ولم يكادوا يفعلون .
ثم من أقبح جهلهم وظلمهم قولهم لنبيهم : ( الآن جِئْتَ بالحق ) فإن أردوا بذلك : أنك لم تأت بالحق قبل ذلك في أمر البقرة ، فتلك ردة وكفر ظاهر ، وإن أرادوا : أنك الآن بينت لنا البيان التام في تعيين البقرة المأمور بذبحها فذلك جهل ظاهر ، فإن البيان قد حصل بقوله : ( إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ) فإنه لا إجمال في الأمر ولا في الفعل ولا في المذبوح فقد جاء رسول الله بالحق من أول مرة .
قال الإِمام بن جرير : " وقد كان بعض من سلف يزعم أن القوم ارتدوا عن دينهم وكفروا بقولهم لموسى ( الآن جِئْتَ بالحق ) وزعم أن ذلك نفي منهم أن يكون موسى - عليه السلام - أتاهم بالحق في أمر البقرة قبل ذلك ، وأن ذلك كفر منهم ، وليس الأمر كما قال عندنا ، لأنهم قد أذعنوا بالطاعة بذبحها ، وإن كان قولهم الذي قالوه لموسى يعد من جهالاتهم وهفوة من هفواتهم " .
( ب ) ومنها : الدلالة على صحة ما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم من معاد الأبدان ، وقيام الموتى من قبورهم .
( ج ) ومنها : إقامة أنواع الآيات والبراهين والحجج على عباده بالطرق المتوعات ، زيادة في هداية المهتدى ، وإعذارا وإنذارا للضال :( د ) - ومنها : الإِخبار عن قساوة هذه الأمة وغلظها ، وعدم تمكن الإِيمان فيها .
قال عبد الصمد بن معقل عن وهب : كان ابن عباس يقول " إن القوم بعد أن أحيا الله - تعالى - الميت فأخبرهم يقاتله ، أنكروا قتله ، وقالوا : والله ما قتلناه بعد أن رأوا الآيات الحق " .
( ه ) ومنها : مقابلة الظالم الباغي بنقيض قصده شرعاً وقدراً ، فإن القاتل قصد ميراث المقتول ، ودافع القاتل عن نفسه ، ففضحة الله - تعالى - وهتكه ، وحرمه ميراث المقتول .
( و ) ومنها : أن بني إسرائيل فتنوا بالبقرة مرتين من سائر الدواب ففتنوا بعبادة العجل وفتنوا بالأمر بذبح البقرة ، والبقرة من أبلد الحيوان حتى ليضرب به المثل في البلادة .
ثم قال الإِمام ابن القيم في ختام حديثه عن هذه القصة : والظاهر أن هذه كانت بعد قصة العجل؛ ففي الأمر بذبح البقرة تنبيه على أن هذا النوع من الحيوان الذي لا يمتنع من الذبح والحرث والسقي ، لا يصلح أن يكون إلهاً معبوداً من دون الله ، وأنه إنما يصلح للذبح والحرث والسقي والعمل " .
5 - دلالتها على قدرة الله - تعالى - فإن إحياء الميت عن طريق الضرب بقطعة من جسم بقرة مذبوحة - دليل على قدرة الله - تعالى - على الإِحياء والإِماتة وما هذا الضرب إلا وسيلة كشفت للناس عن طريق المشاهدة عن آثار قدرته - تعالى - التي لا يدرون كيف تعمل ، فهم يرون آثارها الخارقة ولكنهم لا يعرفون كنهها ، وصدق الله حيث يقول : ( فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي الله الموتى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) .
وإلى هنا تكون هذه القصة قد دمغت بني إسرائيل برذيلة التنطع في الدين ، والتعنت في الأسئلة ، والإِساءة إلى نبيهم - عليه السلام - وعدم اعتبارهم بالعظات والمثلات .
لقساوة قلوبهم ، وسوء طباعهم ، وانطماس بصيرتهم ( يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ )

المصدر : تفسير : ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي