الحمد لله

telegram

المحرمات من النساء تحريما مؤقتا

       المحرمات من النساء تحريما مؤقتا:

      وقد عدَّ منها الفقهاء أصنافاً. أهمها:

      1- من تعلق بها حق للغير.                 2- الجمع بين محرمين.

      3- المطلقة ثلاثاً قبل أن تتزوج غير مطلقها. 4- من لا تدين بدين سماوي.

      5- المرأة التي لاعنها.               6- الزيادة على أربع زوجات.

المبحث الأول

في من تعلق بها حق للغير بالزوجية أو بالاعتداد بعدها

      يحرم على المسلم التزوُّج بزوجة غيره لأن الله عدها من المحرمات في قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} إلى أن قال: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء:24] ولفظ المحصنات وإن أطلق في القرآن على العفيفات غير المتزوجات كما في قوله تعالى {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ}. [المائدة:5] وقوله: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور :4 ].

       إلا أن المراد منه هنا المتزوجات بإجماع العلماء وإلا لتناقضت مع آية المائدة حيث عدها ممن أحل لنا.

      ولفظ المحصنات عام يشمل كل متزوجة مسلمة كانت أو غير مسلمة، لم يستثن من ذلك إلا الزوجة التي سبيت وحدها دون زوجها لأن القرآن استثني من المحصنات ما ملكت في قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 24].

      وأما تحريم المعتدة من غيره سواء كانت العدة من طلاق رجعي أو بائن أو عن وفاة فبالآيات التي أوجبت على المرأة الاعتداد وهي قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] وقوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] وقوله جل شأنه: {وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4].

      فإذا كان الشارع أوجب على المعتدة الانتظار من غير زواج تكون في هذه المدة محرمة على الرجال الأجانب على أن النهي عن تزويج المعتدة عن وفاة جاء صريحاً في قوله تعالى: {وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة: 235] بعد أن نفى الجناح عن التعريض بالخطبة. وهذه وإن كانت في شأن المعتدة عن وفاة إلا أنه لا فرق بين معتدة ومعتدة فتكون كل معتدة محرمة على غير من اعتدت منه.

      لكن يجوز لمن اعتدت منه أن يتزوجها في العدة بدون عقد ومهر إذا كان الطلاق رجعياً، وبعقد ومهر جديدين إذا كان الطلاق بائناً بينونة صغرى، وأما في البينونة الكبرى فلا تحل لمطلقها إلا بعد أن تتزوج بآخر ويدخل بها ثم يطلقها وتنقضي عدتها.

      وهذا التحريم متفق عليه، فإذا عقد الرجل زواجه على زوجة الغير أو معتدته كان العقد فاسداً لا يترتب عليه شيء من آثار الزواج إن لم يدخل بها، فإن دخل بها قبل انتهاء عدتها كان لها المهر بما استحمل منها وهو مهر المثل إن لم يكن سمى لها مهراً أو الأقل منهما إذا وجدت تسمية وعليها العدة، ويلحق بالمعتدة من زواج صحيح المعتدة من دخول بعقد فاسد أو مخالطة بشبهة لأن الولد من كل منهما محترم لثبوت نسبه من أبيه.

المبحث الثاني

في الجمع بين محرمين

      المحرمان كل امرأتين تربطهما علاقة محرمية كالأختين والبنت وأمها أو جدتها، والمرأة وعمتها أو خالتها أو بنت أخيها أو أختها فإننا لو فرضنا إحداهما ذكراً لا يحل له أن يتزوج الأخرى لأنه يؤدي إلى أن يتزوج الأخ أخته.

      والأصل في تحريم هذا قوله تعالى في سياق المحرمات {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ} [النساء: 23] وليس المراد الجمع بين الأختين فقط بل هو إشارة إلى كل جمع فيه علاقة كعلاقة الأختين، لأن القرآن لم يأت لبيان تفاصيل أحكام الجزئيات، ولهذا جاءت السنة مبينة هذا الإجمال فيما رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا المرأة على ابنة أخيها ولا ابنة أختها إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم "وزاد في بعض الروايات: "لا الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى".

      فالحديث بين بعض الصور وصرح بعلة هذا التحريم وهي قطع الرحم التي بين الأقارب لما يقع بين الضرائر عادة من الغيرة المؤدية إلى التباغض والتنازع، وقطع الرحم حرام، فما أفضى إليه يكون حراماً، وعلى ضوء الآية والحديث قرر الفقهاء قاعدة لتحريم الجمع تقول "يحرم الجمع بين كل امرأتين لو فرضنا إحداهما رجلاً لا يحل له أن يتزوج الأخرى" لما في هذا الجمع من قطع الوصلة بينهما.

      ولما كان الرضاع يأخذ حكم النسب بالحديث "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب" عمموا في القاعدة فجعلوها شاملة للجمع بين المرأتين اللتين ربطتهما رابطة النسب أو الرضاع، فكما يحرم الجمع بين الأختين نسباً يحرم الجمع بين الأختين رضاعاً، وكما يحرم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها من النسب يحرم الجمع بينها وبين عمتها أو خالتها من الرضاع.

      ثم إن القاعدة السابقة يشترط فيها عند الفقهاء أن تكون من الجانبين على معنى أننا لو فرضنا كلاً من المرأتين رجلاً لا تحل له الأخرى كالأختين والمرأة وبنتها والمرأة وعمتها أو خالتها وما شابه ذلك فإن التحريم ثابت من الجانبين.

      أما إذا كان من جانب واحد فقط كما في زوجة الرجل وابنته من غيرها فإننا لو فرضنا البنت رجلاً لا يحل له أن يتزوج الأخرى لأنها زوجة أبيه، ولو فرضنا الزوجة رجلاً حل له التزوج بالبنت لأنها أجنبية عنه حيث إن فرضها رجلاً يخرجها عن كونها زوجة الأب فانعدمت العلاقة بينهما. وعلى ذلك يحل للرجل أن يجمع بين امرأة أخرى كانت زوجة لأبي الأول من قبل. ومثلهما المرأة وزوجة ابنها لأننا لو فرضنا المرأة رجلاً لا يحل له التزوج بالأخرى لأنها حليلة ابنه، ولو فرضنا زوجة الابن رجلاً حل له التزوج بالأخرى لعدم المحرمية بينهما لأن فرضها رجلاً يخرجها عن كونها زوجة للابن.

المبحث الثالث

في المطلقة ثلاثاً

      المطلقة ثلاثاً تحرم مؤقتاً على مطلقها فتحرم عليه حتى تتزوج آخر ويطلقها بعد الدخول بها وتنقضي عدتها. فإذا زال المانع بأن تزوجت غيره ثم طلقها لسبب من الأسباب أو مات عنها وانقضت عدتها حلت لزوجها الأول فجاز له أن يعقد عليها من جديد.

      والدليل على هذا التحريم قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230] فإن المراد بها الطلقة الثالثة بدليل قوله قبلها {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229] ولابد في حلها له من دخول الزوج الثاني بها دخولاً حقيقياً كما صرحت به السنة في قول رسول الله للمرأة التي تزوجت زوجاً آخر وأرادت الرجوع إلى زوجها الأول قبل أن يدخل بها الثاني دخولاً حقيقياً: لا حتى تذوقي عُسَيْلَتَهُ ويذوقَ عُسَيْلَتَكِ".

المبحث الرابع

في المرأة التي لاعنها زوجها حتى يكذب نفسه

      إذا قذف الرجل زوجته بالزنى أو نفى ولدها عن نفسه ولم يثبت ذلك بالبينة التي تثبت الزنى وهي أربعة شهود عدول، فعلى القاضي أن يجري بينهما اللعان، وهو أن يقسم الرجل أربع مرات بالله إنه صادق في دعواه ويقول في الخامسة: إن عليه لعنة الله إن كان من الكاذبين. وتقسم هي أربع مرات بالله إنه كاذب في دعواه وتقول في الخامسة: إن عليها غضب الله إن كان من الصادقين. فإذا فعلا ذلك تَمَّ اللعان بينهما ويفرق بينهما.

      ذهب الحنفية إلى أنه تحرم عليه ولا تحل له إلا إذا عاد وكذب نفسه، فإذا كذب نفسه أقيم عليه حد القذف، وحلَّت بعد ذلك فيجوز له أن يعقد عليها عقداً جديداً، وسبب هذا التحريم أنه بعد حصول ذلك اللعان تنعدم الثقة بينهما، والزواج ينبني أولاً على وجود الثقة بين الزوجين، فإذا ما كذب نفسه تعود الثقة فيحل العقد عليها إذا رغبت في ذلك، لأنه إذا أكذب نفسه فقد بطل حكم اللعان، فكما يلحق به الولد كذلك ترد المرأة عليه، لأن السبب الموجب للتحريم إنما هو الجهل بتعيين صدق أحدهما مع القطع بأن أحدهما كاذب فإذا انكشف ارتفع التحريم.

      وذهب الأئمة الثلاثة المالكية والشافعية والحنبلية أن اللعان فسخ يوجب تحريماً مؤبداً لا يرتفع بحال وإن أكذب نفسه للحديث الذي رواه أبو داود عن سهل بن سعد "مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبداً" وما رواه الدارقطني عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبداً".

المبحث الخامس

في تحريم من لا تدين بدين سماوي 

      والمراد بها من لا تؤمن بكتاب سماوي أنزل على رسول من الرسل في حينه، ولتوضيح هذا تقول: إن المخالفين للمسلمين في الدين أصنافٌ ثلاثة:

      الأول: من ليس لهم كتاب سماوي ولا شبهة كتاب. وهؤلاء هم الذين يعبدون غير الله من الأصنام والأوثان والشمس والقمر والنجوم والنار والحيوان وغير ذلك. ومنهم الملاحدة الذين لا يدينون بدين مطلقاً ويحاربون الأديان كلها. ويلحق بهم بعض الشيعة الذين ينكرون المعلوم من الدين بالضرورة فيعتقدون أن جبريل غلط في الوحي فأوحى إلى محمد مع أن الله أمره بالإيحاء إلى علي، أو يدعون ألوهية علي، وكذلك المرتدون وهم الخارجون عن الإسلام وإن انتقلوا إلى دين سماوي آخر لأنهم لا يقرون على ما انتقلوا إليه فلا دين لهم، كما يلحق بهم كل من اعتقد مذهباً يخرج صاحبه من الإيمان إلى الكفر كالبابية أو البهائية، والقاديانية أو الأحمدية.

      الصنف الثاني: من لهم شبهة كتاب، وهؤلاء هم المجوس الذي يعبدون النار فقد قيل إن الله أنزل على نبيهم وهو زرادشت كتاباً فحرقوه وقتلوا نبيهم فرفع الله هذا الكتاب من بينهم.

      الصنف الثالث: من لهم كتاب سماوي يؤمنون به كاليهود الذين يؤمنون بالتوراة والنصارى الذي يؤمنون بالتوراة والإنجيل.

      فالصنف الأول: يحرم على المسلم أن يتزوج بواحدة منه تحريماً مؤقتاً حتى تؤمن بالله.

      كما لا يجوز للمسلمة أن تتزوج برجل من هؤلاء إلى أن يؤمن لقوله تعالى: {وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 221].

      كما لا يجوز الزواج بهن ابتداء لا يجوز بقاءً، فيما إذا أسلم واحد منهم وكان متزوجاً بمن تشاركه في عقيدته ولم تدخل في الإسلام فإنه يفرق بينهما وينتهي ذلك الزواج، لقوله تعالى:{وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة: 10].

      والمراد بالكوافر المشركات. ولفظ المشرك وإن كان يتبادر منه عبدة الأوثان وكل من عبد غير الله في لغة القرآن إلا أنه في عرف الشرعيين - بعد وجود طوائف عديدة - يشمل هؤلاء جميعاً.

      ويدخل في عبدة الأوثان الزنادقة والباطنية والإباحية وكل من اعتقد مذهباً يكفر به معتقده لأن اسم المشرك يتناولهم جميعاً.

      والحكمة في تحريم زواج المسلم بمن لا دين لها أن الزواج مشروع للأغراض الكريمة، وزواج المشركة لا يحقق تلك الأغراض لبعد ما بين الزوجين.

      فهذا يؤمن بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب وتلك لا تؤمن بشيء من ذلك، وكل منهما يتمسك بما يعتقده ويدافع عنه فيكونان على طرفي نقيض وحياتهما إما منازعة ومخاصمة فلا يتحقق السكن، وإما مسالمة قد تستهوي فيها المرأة الرجل بما فيها من جمال ولين طباع وأحكام التدبير لجذب زوجها إليها، فتزل قدمه فيتهاون في دينه أو يضيعه، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى في الآية السابقة تعليلاً للنهي عن ذلك الزواج {أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ}.

      وأما الصنف الثاني: فقد ذهب أصحاب المذاهب الأربعة إلى تحريم تزوج المسلمين من نسائهم، لأن حقيقة المجوس أنهم يعبدون النار فيدخلون في عداد المشركين الذي لا يدينون بدين سماوي. وقد عدهم القرآن فرقة مغايرة لأهل الكتاب في قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الحج: 17]. كما بين لنا رسول الله أنهم ليسوا بأهل كتاب ولا يحل التزوج منهم في قوله "سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم" وهذا يدل على أنه لا كتاب لهم وهو يأمر المسلمين أن يعاملوهم معاملة أهل الكتاب من حقن دمائهم وإقرارهم بالجزية دون التزوج بنسائهم وأكل ذبائحهم.

      وأما الصنف الثالث: فيحل التزوج بنسائه عند جماهير الفقهاء لقوله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} إلى قوله {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: 5]. والمراد بأهل الكتاب في هذه الآية أهل التوراة والإنجيل.

      - وهل يشترط في حل الكتابية أن يكون أبواها كتابيين أو يكفي أن يكون أحدهما كتابياً والآخر وثنياً أو مجوسياً؟

      ذهب الحنابلة والشافعية في الأظهر عندهم إلى أنه يشترط في حلها أن يكون أبواها كتابيين فلو كان أحدهما كتابياً والآخر غير كتابي لا تحل حتى ولو كانت بالغة واختارت دين أهل الكتاب، لأنها ليست خالصة من أهل الكتاب لأنها مولودة بين من يحل ومن لا يحل.

      وذهب الحنفية إلى الاكتفاء بكون أحدهما كتابياً لأنها تكون تابعة لأفضلهما ديناً فتعطى حكم أهل الكتاب كما لو كان أحد الأبوين مسلماً، فإن الولد يتبع خير الأبوين ديناً.

      وقد كان عمر رضي الله عنه ينهى عن التزوج بالكتابيات خشية الفتنة وإلحاق الضرر بالمسلمات. ورد عن إبراهيم عن حذيفة أنه تزوج يهودية بالمدائن. فكتب إليه عمر: أن خل سبيلها، فكتب إليه: أحرام هي يا أمير المؤمنين؟ فكتب إليه عمر: أعزم عليك أن لا تضع كتابي هذا حتى تخلي سبيلها، فإني أخاف أن يقتدي بك المسلمون فيختاروا نساء أهل الذمة لجمالهن وكفى بذلك فتنة لنساء المسلمين.

      ويُروى أن عمر قال للذين تزوجوا من نساء أهل الكتاب: طلقوهن فطلقوهن إلا حذيفة فقال له عمر: طلقها. قال: تشهد أنها حرام؟ قال: هي خمرة طلقها، قال: قد علمت أنها خمرة ولكنها لي حلال فلما كان بعد طلقها، فقيل له: ألا طلقتها حين أمرك عمر ؟ قال: كرهت أن يرى الناس أني ركبت أمراً لا ينبغي لي.

      فليت الذي يتسابقون في التزوج بالأجنبيات من أهل الكتاب يتدبرون تلك المعاني التي من أجلها منع الفاروق بعض الصحابة من الإبقاء على زواجهن. وحكم أكثر الفقهاء عليه بالكراهة، ليتهم يفكرون بعقولهم ولا يسيرون وراء هذا السراب الخادع، ولا يغرنهم إسلام هؤلاء بعد الزواج أو قبله فإنه إسلام ظاهري لغرض، ولا أدل على ذلك من أن أغلب هؤلاء حتى بعد إسلامهن الصوري يطبعن بيوتهن بطابع غير إسلامي مما لا يخفى على أحد.

المبحث السادس

في جمع الرجل بين أكثر من أربع زوجات في عصمته

      ويتحقق هذا بزواج الخامسة فمن جمع بين أربع زوجات يحرم عليه أن يتزوج بخامسة تحريماً مؤقتاً حتى ينتهي زواجه من إحداهن إما بالموت أو الطلاق.

      فإذا فعل ذلك كان العقد فاسداً يجب عليه أن يفارقها فإن لم يفعل فرق القاضي بينهما فإن كان قبل الدخول لا تستحق شيئاً وإن كان بعده وجب لها مهر المثل إن لم يكن سمى لها مهراً أو الأقل من المسمى ومهر المثل إن وجدت التسمية.

      يستوي في ذلك كون الأربع زوجات حقيقة كلهن أو بعضهن زوجات والبعض معتدات أو كلهن معتدات، فلو كان متزوجاً بأربع وطلقهن طلاقاً رجعياً حرم عليه التزوج بخامسة قبل انتهاء عدتهن أو انتهاء عدة إحداهن إذا سبقت الأخريات باتفاق الفقهاء.

      أما إذا كان الطلاق بائناً:

      فذهب الحنفية إلى منع التزوج أيضاً حتى تنتهي العدة.

      وذهب المالكية والشافعية إلى حل التزوج في العدة.

      والدليل على هذا التحريم قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء:3]، هذه الآية جاءت لبيان العدد المباح من الزوجات وقد جعلت غايته أربعاً. ولو كانت الزيادة مباحة لما اقتصرت على هذا العدد.

      ثم جاءت السنة الشارحة مؤكدة لذلك فكان العربي إذا أسلم مع زوجاته وكان يجمع أكثر من أربع أمره رسول الله أن يمسك أربعاً منهن ويفارق الباقي فقد روى أحمد والترمذي وابن ماجه عن ابن عمر: أن غيلان الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعاً ويفارق سائرهن.

      وروى أحمد وأبو داود عن قيس بن الحارث قال: أسلمت وتحتي ثمان نسوة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له ذلك فقال: اختر منهن أربعاً.

      هذا هو العدد الذي جاء الإسلام بإباحته من الزوجات كما نطقت به الآية وأكدته السنة ولم يؤثر عن أحد من الصحابة ومن جاء بعدهم ممن يعتد بإسلامه أنه زاد على هذا العدد لا في خاصة نفسه ولا في فتواه لغيره.

المبحث السابع

الجمع المشروع:

      شرع الله تعداد الزوجات. وبعبارة أدق أقره بعد أن حدده وقصره على أربع وجعله مرتبطاً بالعدل والمساواة بين الزوجات يباح عند الثقة بإقامة العدل والأمن من الجور، فإذا انتفى الوثوق وخيف توقع الظلم فالتعدد حرام {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}.

      وهناك قيد آخر هو القدرة على الانفاق على أكثر من زوجة، لأن القدرة شرط في إباحة أصل الزواج. لقوله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفْ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 33] ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج" فإذا توفر الأمران الوثوق من العدل، والقدرة على الإنفاق ومتطلبات المعيشة الثنائية أو الثلاثية جاز التعدد، وإن انعدما أو انعدم أحدهما حرم التعدد وأثم فاعله، لكن هذا التحريم ديني لا يقع تحت سلطان القضاء، لأن العدل أمر نفسي لا يعلم إلا من جهته، والقدرة على الإنفاق أمر نسبي ليس له ميزان واحد يحدد به فهما متروكان إلى الشخص يقدرهما ولأنهما يتعلقان بالمستقبل، فالعاجز قد يصير قادراً والظالم قد يتبدل حاله فيعدل، فإذا عقد العقد دون توفر الشرطين أو أحدهما يكون العقد في ذاته صحيحاً، بل يكون فاعله آثماً إن وقع منه جور أو عجز عن الإنفاق يحاسبه الله عليه.