موقع الحمد لله القرآن الكريم القرآن mp3 المقالات الكتب التسعة مواقيت الصلاة
القرآن الكريم

شرح معنى الآية 26 من سورة المائدة - قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون

سورة المائدة الآية رقم 26 : شرح و تفسير الآية

تفسير و معنى الآية 26 من سورة المائدة عدة تفاسير, سورة المائدة : عدد الآيات 120 - الصفحة 112 - الجزء 6.

﴿ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيۡهِمۡۛ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗۛ يَتِيهُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ﴾
[ المائدة: 26]


التفسير الميسر

قال الله لنبيه موسى عليه السلام: إن الأرض المقدَّسة محرَّم على هؤلاء اليهود دخولها أربعين سنة، يتيهون في الأرض حائرين، فلا تأسف -يا موسى- على القوم الخارجين عن طاعتي.

تفسير الجلالين

(قال) تعالى له (فإنها) أي الأرض المقدسة (محرمة عليهم) أن يدخلوها (أربعين سنة يتيهون) يتحيرون (في الأرض) وهي تسعة فراسخ قاله ابن عباس (فلا تأس) تحزن (على القوم الفاسقين) روي أنهم كانوا يسيرون الليل جادين فإذا أصبحوا إذا هم في الموضع الذي ابتدأوا منه ويسيرون النهار كذلك حتى انقرضوا كلهم إلا من لم يبلغ العشرين، قيل: وكانوا ستمائة ألف ومات هارون وموسى في التيه وكان رحمة لهما وعذابا لأولئك وسأل موسى ربه عند موته أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر فأدناه كما في الحديث، ونبئ يوشع بعد الأربعين وأمر بقتال الجبارين فسار بمن بقي معه وقاتلهم وكان يوم الجمعة ووقفت له الشمس ساعة حتى فرغ من قتالهم، وروى أحمد في مسنده حديث "" إن الشمس لم تحبس على بشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس "".

تفسير السعدي

قَالَ الله مجيبا لدعوة موسى: فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ أي: إن من عقوبتهم أن نحرم عليهم دخول هذه القرية التي كتبها الله لهم، مدة أربعين سنة، وتلك المدة أيضا يتيهون في الأرض، لا يهتدون إلى طريق ولا يبقون مطمئنين، وهذه عقوبة دنيوية، لعل الله تعالى كفر بها عنهم، ودفع عنهم عقوبة أعظم منها، وفي هذا دليل على أن العقوبة على الذنب قد تكون بزوال نعمة موجودة، أو دفع نقمة قد انعقد سبب وجودها أو تأخرها إلى وقت آخر.
ولعل الحكمة في هذه المدة أن يموت أكثر هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة، الصادرة عن قلوب لا صبر فيها ولا ثبات، بل قد ألفت الاستعباد لعدوها، ولم تكن لها همم ترقيها إلى ما فيه ارتقاؤها وعلوها، ولتظهر ناشئة جديدة تتربى عقولهم على طلب قهر الأعداء، وعدم الاستعباد، والذل المانع من السعادة.
ولما علم الله تعالى أن عبده موسى في غاية الرحمة على الخلق، خصوصا قومه، وأنه ربما رق لهم، واحتملته الشفقة على الحزن عليهم في هذه العقوبة، أو الدعاء لهم بزوالها، مع أن الله قد حتمها، قال: فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ أي: لا تأسف عليهم ولا تحزن، فإنهم قد فسقوا، وفسقهم اقتضى وقوع ما نزل بهم لا ظلما منا.

تفسير البغوي

قال الله تعالى : ( فإنها محرمة عليهم ) قيل : هاهنا تم الكلام ، معناه تلك البلدة محرمة عليهم أبدا لم يرد به تحريم تعبد ، وإنما أراد تحريم منع ، فأوحى الله تعالى إلى موسى : [ بي حلفت ] لأحرمن عليهم دخول الأرض المقدسة غير عبدي يوشع وكالب ، ولأتيهنهم في هذه البرية ( أربعين سنة ) [ يتيهون ] مكان كل يوم من الأيام التي تحبسون فيها سنة ، ولألقين جيفهم في هذه القفار ، وأما بنوهم الذين لم يعملوا الشر فيدخلونها ، فذلك قوله تعالى : ( فإنها محرمة عليهم أربعين سنة ) ( يتيهون : ) يتحيرون ، ( في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين ) أي : لا تحزن على مثل هؤلاء القوم ، فلبثوا أربعين سنة في ستة فراسخ وهم ستمائة ألف مقاتل ، وكانوا يسيرون كل يوم جادين فإذا أمسوا كانوا في الموضع الذي ارتحلوا عنه .
وقيل : إن موسى وهارون عليهما السلام لم يكونا فيهم ، والأصح أنهما كانا فيهم ولم يكن لهما عقوبة إنما كانت العقوبة لأولئك القوم ، ومات في التيه كل من دخلها ممن جاوز عشرين سنة غير يوشع وكالب ، ولم يدخل أريحاء أحد ممن قالوا إنا لن ندخلها أبدا فلما هلكوا وانقضت الأربعون سنة ، ونشأت النواشئ من ذراريهم ساروا إلى حرب الجبارين .
واختلفوا فيمن تولى تلك الحرب وعلى يدي من كان الفتح ، فقال قوم : وإنما فتح موسى أريحاء وكان يوشع على مقدمته ، فسار موسى عليه السلام إليهم فيمن بقي من بني إسرائيل ، فدخلها يوشع فقاتل الجبابرة ثم دخلها موسى عليه السلام فأقام فيها ما شاء الله تعالى ، ثم قبضه الله تعالى إليه ، ولا يعلم قبره أحد ، وهذا أصح الأقاويل لاتفاق العلماء أن عوج بن عنق قتله موسى عليه السلام .
وقال الآخرون : إنما قاتل الجبارين يوشع ولم يسر إليهم إلا بعد موت موسى عليه السلام ، [ وقالوا : مات موسى ] وهارون جميعا في التيه .
قصة وفاة هارونقال السدي : أوحى الله عز وجل إلى موسى أني متوفي هارون فأت به جبل كذا وكذا ، فانطلق موسى وهارون عليهما السلام نحو ذلك الجبل فإذا هما بشجرة لم ير مثلها وإذا ببيت مبني وفيه سرير عليه فرش وإذا فيه ريح طيبة ، فلما نظر هارون إلى ذلك أعجبه ، فقال : يا موسى إني أحب أن أنام على هذا السرير قال : فنم عليه ، فقال : إني أخاف أن يأتي رب هذا البيت فيغضب علي ، قال له موسى : لا ترهب إني أكفيك أمر رب هذا البيت فنم ، قال : يا موسى نم أنت معي فإن جاء رب البيت غضب علي وعليك جميعا فلما ناما أخذ هارون الموت فلما وجد منيته قال : يا موسى خدعتني ، فلما قبض رفع البيت وذهبت تلك الشجرة ورفع السرير به إلى السماء ، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل وليس معه هارون قالوا : إن موسى قتل هارون وحسده لحب بني إسرائيل له ، فقال موسى عليه السلام : ويحكم كان أخي فكيف أقتله ، فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم دعا الله تعالى ونزل السرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض فصدقوه .
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : صعد موسى وهارون عليهما السلام الجبل فمات هارون [ وبقي موسى ] فقالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام أنت قتلته فآذوه فأمر الله الملائكة فحملوه حتى مروا به على بني إسرائيل وتكلمت الملائكة بموته حتى عرف بنو إسرائيل أنه مات ، فبرأه الله تعالى مما قالوا ، ثم إن الملائكة حملوه ودفنوه فلم يطلع على موضع قبره أحد إلا الرخم فجعله الله أصم وأبكم .
وقال عمرو بن ميمون : مات هارون قبل موت موسى عليه السلام في التيه ، وكانا قد خرجا إلى بعض الكهوف فمات هارون ودفنه موسى وانصرف إلى بني إسرائيل ، فقالوا : قتلته لحبنا إياه ، وكان محببا في بني إسرائيل ، فتضرع موسى عليه السلام إلى ربه عز وجل فأوحى الله إليه أن انطلق بهم إلى قبره فإني باعثه ، فانطلق بهم إلى قبره [ فناداه موسى ] فخرج من قبره ينفض رأسه ، فقال : أنا قتلتك؟ قال : لا ولكني مت ، قال : فعد إلى مضجعك ، وانصرفوا .
وأما وفاة موسى عليه السلام ، قال ابن إسحاق : كان موسى عليه الصلاة والسلام قد كره الموت وأعظمه فأراد الله أن يحبب إليه الموت ، فنبأ يوشع بن نون فكان يغدو ويروح عليه ، قال : فيقول له موسى عليه السلام يا نبي الله ما أحدث الله إليك؟ [ فيقول له يوشع : يا نبي الله ألم أصحبك كذا وكذا سنة ، فهل كنت أسألك شيئا مما أحدث الله إليك ] حتى تكون أنت الذي تبتدئ به وتذكره؟ ولا يذكر له شيئا ، فلما رأى ذلك كره موسى الحياة وأحب الموت .
أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنا أحمد بن يوسف السلمي أنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه قال : أخبرنا أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " جاء ملك الموت إلى موسى بن عمران ، فقال له : أجب ربك ، قال : فلطم موسى عليه السلام عين ملك الموت ففقأها ، قال : فرجع ملك الموت إلى الله تعالى فقال : إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت وقد فقأ عيني قال فرد الله إليه عينه ، وقال : ارجع إلى عبدي فقل له : الحياة تريد؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور ، فما وارت يدك من شعرة فإنك تعيش بها سنة ، قال : ثم مه؟ قال : ثم تموت ، قال : فالآن من قريب ، رب أدنني من الأرض المقدسة رمية بحجر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والله لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جنب الطريق عند الكثيب الأحمر " .
وقال وهب : خرج موسى لبعض حاجته فمر برهط من الملائكة يحفرون قبرا لم ير شيئا قط أحسن منه ولا مثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة ، فقال لهم : يا ملائكة الله لم تحفرون هذا القبر؟ قالوا : لعبد كريم على ربه ، فقال : إن هذا العبد من الله لهو بمنزلة ، ما رأيت كاليوم مضجعا قط ، فقالت الملائكة : يا صفي الله تحب أن يكون لك؟ قال : وددت ، قالوا : فانزل واضطجع فيه وتوجه إلى ربك ، قال : فاضطجع فيه وتوجه إلى ربه ثم تنفس أسهل تنفس فقبض الله تبارك وتعالى روحه ، ثم سوت عليه الملائكة .
وقيل : إن ملك الموت أتاه بتفاحة من الجنة فشمها فقبض روحه .
وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة فلما مات موسى عليه السلام وانقضت الأربعون سنة بعث الله يوشع نبيا فأخبرهم أن الله قد أمره بقتال الجبابرة ، فصدقوه وتابعوه فتوجه ببني إسرائيل إلى أريحاء ومعه تابوت الميثاق ، فأحاط بمدينة أريحاء ستة أشهر ، فلما كان السابع نفخوا في القران وضج الشعب ضجة واحدة فسقط سور المدينة ، ودخلوا فقاتلوا الجبارين وهزموهم وهجموا عليهم يقتلونهم ، وكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها حتى يقطعونها ، فكان القتال يوم الجمعة فبقيت منهم بقية وكادت الشمس تغرب وتدخل ليلة السبت ، فقال : اللهم اردد الشمس علي وقال للشمس : إنك في طاعة الله سبحانه وتعالى وأنا في طاعته فسأل الشمس أن تقف والقمر أن يقيم حتى ينتقم من أعداء الله تعالى قبل دخول السبت ، فردت عليه الشمس وزيدت في النهار ساعة حتى قتلهم أجمعين ، وتتبع ملوك الشام فاستباح منهم أحدا وثلاثين ملكا حتى غلب على جميع أرض الشام ، وصارت الشام كلها لبني إسرائيل وفرق عماله في نواحيها وجمع الغنائم ، فلم تنزل النار ، فأوحى الله إلى يوشع أن فيها غلولا فمرهم فليبايعوا فبايعوه فالتصقت يد رجل منهم بيده فقال : هلم ما عندك فأتاه برأس ثور من ذهب مكلل بالياقوت والجواهر كان قد غله ، فجعله في القربان وجعل الرجل معه فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان ، ثم مات يوشع ودفن في جبل أفرائيم ، وكان عمره مائة وستا وعشرين سنة ، وتدبيره أمر بني إسرائيل من بعد موسى عليه السلام سبعا وعشرين سنة .

تفسير الوسيط

وهذا الرجاء من موسى لربه في معنى الدعاء عليهم بسبب جبنهم وعصيانهم وقد أجاب الله- تعالى- دعاءه فيهم، بأن أضلهم ظاهرا كما ضلوا باطنا وجاء الحكم الفاصل ممن يملكه فقال- تعالى-: قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ، فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ.
وقوله: يَتِيهُونَ من التيه وهو الحيرة.
يقال: تاه يتيه ويتوه إذا تحير وضل الطريق.
ووقع فلان في التيه.
أى: في مواضع الحيرة.
وقوله: فَلا تَأْسَ أى: فلا تحزن عليهم من الأسى وهو الحزن.
يقال: أسى- كتعب- أى: حزن.
فهو آس مثل حزين.
وأسا على مصيبته- من باب عدا- أى: حزن قال امرؤ القيس:وقوفا بها صحبي على مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجمل أى: يقولون لا تهلك نفسك حزنا وتجمل بالصبر.
والمعنى: قال الله- تعالى- لنبيه موسى مجيبا لدعائه: يا موسى إن الأرض المقدسة محرمة على هؤلاء الجبناء العصاة مدة أربعين سنة، يسيرون خلالها في الصحراء تائهين حيارى لا يستقيم لهم أمر، ولا يستقر لهم قرار، فلا تحزن عليهم بسبب هذه العقوبة فإننا ما عاقبناهم بهذه العقوبة إلا بسبب خروجهم عن طاعتنا، وتمردهم على أوامرنا، وجبنهم عن قتال أعدائنا، وسوء أدبهم مع أنبيائنا.
قال الآلوسى.
قوله: مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أى: لا يدخلونها ولا يملكونها.
والتحريم تحريم منع لا تحريم تعبد، وجوز أن يكون تحريم تعبد والأول أظهر وقوله أَرْبَعِينَ سَنَةً متعلق بقوله:محرمة فيكون التحريم مؤقتا لا مؤبدا، فلا يكون مخالفا لظاهر قوله- تعالى- ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ.
والمراد بتحريمها عليهم أنه لا يدخلها أحد منهم هذه المدة، لكن لا بمعنى أن كلهم يدخلونها بعدها، بل بعضهم ممن بقي- يجوز له دخولها- فقد روى أن موسى سار بمن بقي من بنى إسرائيل- بعد انقضاء هذه المدة- إلى الأرض المقدسة.
وقوله: يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ استئناف لبيان كيفية حرمانهم.
وقيل حال من ضمير عَلَيْهِمْ.
وقيل: الظرف متعلق بقوله: يَتِيهُونَ فيكون التيه مؤقتا والتحريم مطلقا يحتمل التأبيد وعدمه».
وقال الفخر الرازي: اختلف الناس في أن موسى وهارون- عليهما السلام- هل بقيا في التيه أو لا؟ فقال قوم: إنهما ما كانا في التيه لأن موسى دعا الله أن يفرق بينه وبين القوم الفاسقين، ودعوات الأنبياء مجابة، لأن التيه كان عذابا والأنبياء لا يعذبون.
وقال آخرون: إنهما كانا مع القوم في ذلك التيه، إلا أن الله- تعالى- سهل عليهما ذلك العذاب كما سهل النار على إبراهيم فجعلها بردا وسلاما.
وإنهما قد ماتا في التيه وبقي يوشع بن نون- وكان ابن أخت موسى ووصيه بعد موته- وهو الذي فتح الأرض المقدسة- بعد انقضاء مدة التيه وقيل بل بقي موسى بعد ذلك وخرج من التيه وحارب الجبارين وقهرهم وأخذ الأرض المقدسة» .
هذا ونرى من المناسب في هذا المقام أن نتعرض بشيء من التفصيل للمسائل الآتية:أولا: الرد على اليهود في دعواهم أن الأرض المقدسة- فلسطين- ملك لهم مستندين إلى قوله- تعالى-: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ثانيا: الحكمة في كون عقابهم أربعين سنة يتيهون في الأرض.
ثالثا: ما يؤخذ من هذه الآيات من العبر والعظات.
وللإجابة على المسألة الأولى نقول: للمفسرين أقوال في المراد من الكتابة في قوله- تعالى- ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أشهرها قولان:أولهما: أن معنى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ: أمركم بدخولها، وفرضه عليكم كما أمركم بالصلاة والزكاة فالكتب هنا مثله في قوله- تعالى- كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ: أى: فرض عليكم وهذا قول قتادة والسدى والثاني: أن معنى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ قدرها لكم وقضى أن تكون مساكن لكم دون الجبارين.
وهذا القضاء مشروط بالإيمان، وطاعة الأنبياء، والجهاد في سبيل نصرة الحق، فإذا لم يكونوا كذلك- وهم لم يكونوا كذلك فعلا- لم يتحقق لهم التمكين في الأرض المقدسة، ولذا بعد أن أغراهم نبيهم موسى- عليه السلام- بدخولها، حذرهم من الجبن والعصيان فقال لهم: وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ.
قال الآلوسى: «وترتيب الخيبة والخسران على الارتداد يدل على اشتراط الكتب بالمجاهدة المترتبة على الإيمان قطعا».
وقال ابن عباس: كانت هبة من الله لهم ثم حرمها- سبحانه- عليهم بشؤم تمردهم وعصيانهم.
وقال الفخر الرازي: إن الوعد بقوله كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ مشروط بقيد الطاعة فلما لم يوجد الشرط لا جرم لم يوجد المشروط».
والخلاصة أن الكتابة في قوله- تعالى- كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ: إما أن تكون تكليفية على معنى: أن الله- تعالى- كتب عليكم وفرض أن تدخلوها مجاهدين مطيعين لنبيكم فإذا خالفتم ذلك حقت عليكم العقوبة.
وإما أن تكون كتابة قدرية.
أى: قضى وقدر- سبحانه- أن تكون لكم متى آمنتم وأطعتم.
وبنو إسرائيل ما آمنوا وما أطاعوا، بل كفروا وعصوا فحرمها- سبحانه- عليهم.
وبذلك ترى أن دعوى اليهود بأن الأرض المقدسة ملك لهم، بدليل قوله- تعالى- كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ لا أساس لها من الصحة ولا يشهد لها عقل أو نقل.
وللإجابة عن المسألة الثانية نقول: اقتضت حكمة الله- تعالى- أن يجعل عقوبته لقوم مناسبة لما اجترحوا من ذنوب وآثام وبنو إسرائيل لطول ما ألفوا من ذل واستعباد، هانت عليهم نعمة الحرية.
وضعف عندهم الشعور بالعزة.
وأصبحت حياة الذلة مع القعود.
أحب إليهم من حياة العزة مع الجهاد ولهذا عند ما أمرهم نبيهم موسى- عليه السلام- بدخول الأرض المقدسة اعتذروا بشتى المعاذير الواهية وأكدوا له عدم اقترابهم منها مادام الجبارون فيها:وقالوا: إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ.
فاقتضت حكمة الله- تعالى- أن يحرمهم منها جزاء جبنهم وعصيانهم وأن يعاقبهم بما يشبه القعود، بأن يحكم عليهم بالتيهان في بقعة محدودة من الأرض، يذهبون فيها ويجيئون وهم حيارى لا يعرفون لهم مقرا وأن يستمروا على تلك الحالة أربعين سنة حتى ينشأ من بينهم جيل آخر سوى ذلك الجيل الذي استمرأ الذل والهوان.
قال ابن خلدون في مقدمته.
.
ويظهر من مساق قوله- تعالى- قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ومن مفهومه: أن حكمة ذلك التيه مقصودة، وهي فناء الأجيال الذين خرجوا من قبضة الذل والقهر، وأفسدوا من عصبيتهم، حتى نشأ في ذلك التيه جيل آخر عزيز لا يعرف القهر ولا يسام بالمذلة.
فنشأت لهم بذلك عصبية أخرى اقتدروا بها على المطالبة والتغلب ويظهر لك من ذلك أن الأربعين سنة أقل ما يأتى فيها فناء جيل ونشأة جيل آخر.
فسبحان الحكيم العليم» .
هذا ولصاحب المنار كلام حسن في حكمة هذه العقوبة، نرى من المناسب إثباته هنا، فقد قال- رحمه الله- في ختام تفسيره لهذه الآيات:«إن الشعوب التي تنشأ في مهد الاستبداد، والإحساس بالظلم والاضطهاد، تفسد أخلاقها، وتذل نفوسها.
وإذا طال عليها أمد الظلم تصير هذه الأخلاق موروثة ومكتسبة، حتى تكون كالغرائز الفطرية.
والطبائع الخلقية، وإذا أخرجت صاحبها من بيئتها، ورفعت عن رقبته نيرها، ألفيته ينزع بطبعه إليها ويتفلت منك ليقتحم فيها، وهذا شأن البشر في كل ما يألفونه، ويجرون عليه من خير وشر، وإيمان وكفر.
أفسد ظلم فرعون فطرة بنى إسرائيل في مصر، وطبع عليها بطابع المهانة والذل.
وقد أراهم الله- تعالى- من الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته وصدق رسوله موسى- عليه السلام- وبين لهم أنه أخرجهم من مصر لينقذهم من الذل إلى الحرية.
ولكنهم كانوا مع هذا كله إذا أصابهم ضرر يتطيرون بموسى، ويذكرون مصر ويحنون إليها.
وكان الله- تعالى- يعلم أنهم لا تطاوعهم أنفسهم المهينة على دخول أرض الجبارين، وأن وعده- تعالى- لأجدادهم إنما يتم على وفق سنته في طبيعة الاجتماع البشرى، إذا هلك ذلك الجيل الذي نشأ في الوثنية والعبودية.
ونشأ بعده جيل جديد في حرية البداوة، وعدل الشريعة، ونور الآيات الإلهية، وما كان الله ليهلك قوما بذنوبهم، حتى يبين لهم حجته عليهم، ليعلموا أنه لم يظلمهم إنما يظلمون أنفسهم.
وعلى هذه السّنة العادلة أمر الله- تعالى- بنى إسرائيل بدخول الأرض المقدسة، فأبوا واستكبروا.
فأخذهم الله بذنوبهم وأنشأ من بعدهم قوما آخرين.
فعلينا أن نعتبر بهذه الأمثال التي ضربها الله لنا، وأن نعلم أن إصلاح الأمم من بعد فسادها بالظلم والاستبداد إنما يكون بإنشاء جيل جديد جمع بين حرية البداوة واستقلالها وعزتها، وبين معرفة الشريعة والفضائل والعمل بها.
وللإجابة عن المسألة الثالثة- وهي ما يؤخذ من هذه الآيات من عظات وعبر- نقول: إن هذه الآيات الكريمة قد اشتملت على لون حكيم في أسلوب الدعوة إلى الله- تعالى- فقد بدأت بتذكير بنى إسرائيل بأمجادهم وبعظم نعم الله عليهم، لتغرس فيهم الشعور بالعزة ولتغريهم بالاستجابة لما أمر به- سبحانه-.
كما اشتملت على تحذيرهم من مغبة الجبن والمخالفة لأن ذلك يؤدى إلى الخسران.
وفوق ذلك فقد صورت تصويرا معجزا طبيعة بنى إسرائيل على حقيقتها وكشفت عن خور عزيمتهم، وسقوط همتهم وسوء اختيارهم لأنفسهم.
.
بما جعلهم أهلا للعقوبات الرادعة وفي كل ذلك تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما لحقه من اليهود المعاصرين له من أذى، وتحذير لهم من السير على طريقة آبائهم المعوجة، حتى لا يعرضوا أنفسهم للعقوبات التي حلت بأسلافهم.
قال الإمام ابن جرير: عند تفسيره للآيات الكريمة: وهذا- أيضا- من الله- تعالى تعريف- لنبيه صلى الله عليه وسلم بتمادي هؤلاء اليهود في الغي، وبعدهم عن الحق، وسوء اختيارهم لأنفسهم، وشدة خلافهم لأنبيائهم وبطء إثابتهم إلى الرشاد، مع كثرة نعم الله عندهم، وتتابع آياته وآلائه عليهم، مسليا بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم عما ينزل به من مجادلاتهم في ذات الله، يقول الله- له: لا تأس على ما أصابك منهم، فإن الذهاب عن الله، والبعد عن الحق، وما فيه من الحظ لهم في الدنيا والآخرة، من عاداتهم وعادات أسلافهم، وأوائلهم، وتعزّ بما لاقى منهم أخوك موسى- عليه السلام-.
وقال الإمام ابن كثير: وهذه القصة تضمنت تقريع اليهود، وبيان فضائحهم، ومخالفتهم لله ولرسوله، ونكولهم عن طاعتهما فيما أمرهم به من الجهاد، فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء ومجالدتهم ومقاتلتهم، مع أن بين أظهرهم كليم الله وصفيه من خلقه في ذلك الزمان.
وهو يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم.
هذا مع ما شاهدوا من فعل الله بعدوهم فرعون من الغرق له ولجنوده في اليم وهم ينظرون.
لتقر به أعينهم- وما بالعهد من قدم- ثم ينكلون عن مقاتلة أهل بلد هي بالنسبة إلى ديار مصر لا توازن عشر المعشار في عدة أهلها وعددهم.
وظهرت قبائح صنيعهم للخاص والعام وافتضحوا فضيحة لا يغطيها الليل، ولا يسترها الذيل.
وقال- رحمه الله- قبل ذلك: وما أحسن ما أجاب به الصحابة- رضى الله عنهم- يوم بدر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استشارهم في قتال قريش.
فقد قالوا فأحسنوا.
لقد قال المقداد: يا رسول الله، إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ولكن نقول لك: «اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون» كذلك يؤخذ من هذه القصة أن معصية الله ورسله تؤدى إلى الخسران، فإن بنى إسرائيل لما جبنوا عن دخول الأرض المقدسة، وعصوا أمر نبيهم، عاقبهم الله بالتيه مدة أربعين سنة، صارت قصتهم عبرة للمعتبرين، وموعظة للمتقين.
وبعد أن ساق- سبحانه- جوانب متعددة من أحوال أهل الكتاب وما جبلوا عليه من أخلاق سيئة، أتبع ذلك بقصة ابني آدم، فقال- تعالى-:

المصدر : تفسير : قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون