الحمد لله

telegram

مفسدات الصوم عند المذاهب الأربعة

مفسدات الصوم:

      يَفْسد الصوم كلما انتفى شرط من شروطه، أو اختل أحد أركانه، كالردة، وكطروء الحيض والنفاس، وكل ما ينافيه من أكل وشرب ونحوهما، ودخول شيء من خارج البدن إلى جوف الصائم.

      ويشترط في فساد الصوم بما يدخل إلى الجوف ما يلي:-

      أ- أن يكون الداخل إلى الجوف، من المنافذ الواسعة -كما قيده بذلك المالكية- والمفتوحة - كما قال الشافعية- أي: المخارق الطبيعية الأصلية في الجسم، والتي تعتبر موصلة للمادة من الخارج إلى الداخل، كالفم والأنف والأذن.

      وقد استدل لذلك، بالاتفاق على أن من اغتسل في ماء، فوجد برده في باطنه لا يفطر، ومن طلى بطنه بدهن لا يضر، لأن وصوله إلى الجوف بتشرّب.

      - والحنابلة لم يشترطوا ذلك، بل اكتفوا بتحقق وصوله إلى الحلق والجوف، والدماغُ جوف.

      ب- أن يكون الداخل إلى الجوف مما يمكن الاحتراز عنه، كدخول المطر والثلج بنفسه حلق الصائم إذا لم يبتلعه بصنعه، فإن لم يمكن الاحتراز عنه -كالذباب يطير إلى الحلق، وغبار الطريق- لم يفطر إجماعاً.

      والجوف هو: الباطن، سواء أكان مما يحيل الغذاء والدواء، أي يغيرهما كالبطن والأمعاء، أم كان مما يحيل الدواء فقط كباطن الرأس أو الأذن، أم كان مما لا يحيل شيئا كباطن الحلق.

      قال الشافعية: الحلق كالجوف، في بطلان الصوم بوصول الواصل إليه، فإذا جاوز الشيء الحلقوم أفطر.

      فباطن الدماغ والأمعاء والمثانة مما يفطر الوصول إليه.

      ج- والجمهور على أنه لا يشترط أن يكون الداخل إلى الجوف مغذياً، فيفسد الصوم بالداخل إلى الجوف مما يغذي أو لا يغذي، كابتلاع التراب ونحوه.

      د-وشُرط كون الصائم قاصدا ذاكرا لصومه، أما لو كان ناسيا أنه صائم،فلا يفسد صومه عند الجمهور، وذلك لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه". متفق عليه.

      ويستوي في ذلك الفرض والنفل لعموم الأدلة.

·     وذهب مالك إلى أن من نسى في رمضان، فأكل أو شرب، عليه القضاء، أما لو نسي في غير رمضان، فأكل أو شرب، فإنه يتم صومه، ولا قضاء عليه.

هـ- وشرط الحنفية والمالكية استقرار المادة في الجوف، وعللوه بأن الحصاة-مثلا-تشغل المعدة شغلاً ما وتنقص الجوع.

      وعلى قول الحنفية والمالكية: لو لم تستقر المادة، بأن خرجت من الجوف لساعتها لا يفسد الصوم، كما لو أصابته سهام فاخترقت بطنه ونفذت من ظهره، ولو بقى النصل في جوفه فسد صومه، ولو كان ذلك بفعله يفسد صومه.

      ولم يشترط الشافعية والحنابلة استقرار المادة في الجوف إذا كان باختياره.

      و- وشرط الشافعية والحنابلة، أن يكون الصائم مختاراً فيما يتناوله، من طعام أو شراب أو دواء، فلو أُوجر الماءَ، أو صُبَّ الدواءُ في حلقه مكرهاً، لم يفسد صومه عندهم، لأنه لم يفعل ولم يقصد.

      ولو أكره على الإفطار، فأكل أو شرب.

      قال الشافعية: بعدم الفطر، وعللوا عدم الإفطار بأن الحكم الذي ينبني على اختياره ساقط، لعدم وجود الاختيار.

      ومذهب الحنابلة: أنه لا يفسد صومه قولاً واحداً، وهو كالإيجار، وذلك لحديث"إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"رواه ابن حاجه، فإنه عام.

·     ومذهب الحنفية والمالكية: أن الإكراه على الإفطار يفسد الصوم، ويستوجب القضاء.

      17- ما يفسد الصوم، ويوجب القضاء:

      وذلك يرجع إلى الإخلال بأركانه وشروطه، ويمكن حصره فيما يلي:-

      1- تناول مالا يؤكل في العادة.

      2- قضاء الوطر قاصراً.

      3- شئون المعالجة والمداواة.

      4- التقصير في حفظ الصوم والجهل بأحكامه.

      5- الإفطار بسبب العوارض.

أولاً: تناول مالا يؤكل عادة:

      تناول مالا يؤكل عادة كالتراب والحصى، والدقيق غير المخلوط. -على الصحيح-والحبوب النيئة، كالقمح والشعير والحمص والعدس، والثمار الفجة التي لا تؤكل قبل النضج، كالسفرجل والجوز، وكذا تناول ملح كثير دفعة واحدة يوجب القضاء دون الكفارة.

      أما إذا أكله على دفعات، بتناول دفعة قليلة، في كل مرة، فيجب القضاء والكفارة عند الحنفية.

      أما في أكل نواة أو قطن أو ورق، أو ابتلاع حصاة، أو حديد أو ذهب أو فضة، وكذا شرب مالا يشرب من السوائل كالبترول، فالقضاء دون كفارة لقصور الجناية بسبب الاستقذار والعيافة ومنافاة الطبع، فانعدم معنى الفطر، وهو بإيصال ما فيه نفع البدن إلى الجوف، سواء أكان مما يتغذى به أم يتداوى به. وأن هذه المذكورات ليست غذائية، ولا في معنى الغذاء-ولتحقيق الإفطار في الصورة، وهو الابتلاع.

      وكل مالا يتغذى به، ولا يتداوى به عادة، لا يوجب الكفارة.

ثانيا: قضاء الوطر أو الشهوة على وجه القصور:

وذلك في الصور الآتية:

      أ- تعمد إنزال المني بلا جماع، وذلك كالاستمناء بالكف أو بالتبطين والتفخيذ، أو باللمس والتقبيل ونحوهما.

      ذهب الجمهور -الحنفية والشافعية والحنبلية-: إلى أنه يوجب القضاء دون الكفارة.

      وذهب المالكية إلى أنه يوجب القضاء والكفارة معاً.

      ب- الإنزال بوطء ميتة أو بهيمة، أو صغيرة لا تشتهى:

      وهو يفسد الصوم، لأن فيه قضاء إحدى الشهوتين، وأنه ينافي الصوم، ولا يوجب الكفارة، لتمكن النقصان في قضاء الشهوة، فليس بجماع.

      ذهب الحنابلة إلى خلاف ذلك، فإنه لا فرق عندهم بين كون الموطوءة كبيرة أو صغيرة، ولا بين العمد والسهو، ولا بين الجهل والخطأ، وفي كل ذلك القضاء والكفارة، لإطلاق حديث الأعرابي.

      وذهب المالكية: إلى إيجاب الكفارة، لتعمد إخراج المني.

      ج- المساحقة بين المرأتين إذا أنزلت:

      عمل المرأتين، كعمل الرجال، جماع فيما دون الفرج.

      ذهب الحنفية وهو وجه عند الحنابلة إلى عدم القضاء على واحدة منهما، إلا إذا أنزلت، ولا كفارة مع الإنزال.

      د- الإنزال بالفكر والنظر:

      إنزال المنيِّ بالنظر أو الفكر، فيه التفصيل الآتي:-

      مذهب الحنفية والشافعية أن الإنزال بالفكر -وإن طال- وبالنظر بشهوة، ولو إلى فرج المرأة مراراً، لا يفسد الصوم، وإن علم أنه ينزل به، لأنه إنزال من غير مباشرة، فأشبه الاحتلام.

      ومذهب المالكية أنه إن أمنى بمجرد الفكر أو النظر، من غير استدامة لهما، يفسد صومه ويجب القضاء دون الكفارة. وإن استدامهما حتى أنزل فإن كانت عادته الإنزال بهما عند الاستدامة، فالكفارة قطعاً، وإن كانت عادته عدم الإنزال بهما عند الاستدامة، فخالف عادته وأمنى، فقولان في لزوم الكفارة.

      ولو أمنى في أداء رمضان بتعمد نظرة واحدة يفسد صومه، ويجب القضاء، وفي وجوب الكفارة وعدمه تأويلان، محلهما إذا كانت عادته الإنزال بمجرد النظر، وإلا فلا كفارة اتفاقاً.

      ومذهب الحنابلة، التفرقة بين النظر وبين الفكر، ففي النظر، إذا أمنى يفسد الصوم، لأنه أنزل بفعل يتلذذ به، ويمكن التحرز منه، فأفسد الصوم، كالإنزال باللمس، والفكر لا يمكن التحرز منه، بخلاف النظر.

      ولو أمذى بتكرار النظر، فظاهر كلام أحمد لا يفطر به، لأنه لا نص في الفطر به، ولا يمكن قياسه على إنزال المني، لمخالفته إياه في الأحكام، فيبقى على الأصل.

      وإذا لم يكرر النظر لا يفطر، سواء أمنى أو أمذى، وهو المذهب، لعدم إمكان التحرز، ونص أحمد : يفطر بالمني لا بالمذي.

      أما الفكر، فإن الإنزال به لا يفسد الصوم. استدلوا بحديث أبي هريرة رضى الله عنه: "إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها، ما لم تعمل به أو تكلم" رواه البخاري.

      ولأنه لا نص في الفطر به ولا إجماع، ولا يمكن قياسه على المباشرة ولا تكرار النظر، لأنه دونهما في استدعاء الشهوة، وإفضائه إلى الإنزال.

      ثالثاً: المعالجات ونحوها، وهي أنواع أهمها:

      أ- الاستعاط:

      الاستعاط: افتعال من السَّعوط، دواء يصب في الأنف والاستعاط.

       والإسعاط عند الفقهاء: إيصال الشيء إلى الدماغ من الأنف.

      وإنما يفسد الاستعاط الصوم، بشرط أن يصل الدواء إلى الدماغ، والأنف منفذ إلى الجوف، فلو لم يصل إلى الدماغ لم يضر، بأن لم يجاوز الخيشوم، فلو وضع دواء في أنفه ليلاً، وهبط نهاراً، فلا شيء عليه.

      ولو وضعه في النهار، ووصل إلى دماغه أفطر، لأنه واصل إلى جوف الصائم باختياره فيفطره كالواصل إلى الحلق، والدماغ جوف - كما قرروا - والواصل إليه يغذيه، فيفطره، كجوف البدن.

      والواجب فيه القضاء لا الكفارة، لأن الكفارة موجب الإفطار صورة ومعنى، والصورة هي الابتلاع، وهي منعدمة، والنفع المجرد عنها يوجب القضاء فقط.

      وهذا الحكم لا يخص صب الدواء، بل لو استنشق الماء، فوصل إلى دماغه أفطر عند الحنفية.

      ب- استعمال البخور:

      ويكون بإيصال الدخان إلى الحلق، فيفطر، أما شم رائحة البخور ونحوه بلا وصول دخانه إلى الحلق فلا يفطر ولو جاءته الرائحة واستنشقها، لأن الرائحة لا جسم لها.

      فمن أدخل بصنعه دخاناً في حلقه، بأية صورة كان الإدخال، فسد صومه، سواء أكان دخان عنبر أم عود أم غيرهما، حتى من تبخر بعود، فآواه إلى نفسه، واشتم دخانه، ذاكراً لصومه، أفطر، لإمكان التحرز من إدخال المفطر جوفه ودماغه.

      ج- بخار القدر:

      بخار القدر، متى وصل للحلق باستنشاق أوجب القضاء، لأن دخان البخور وبخار القدر كل منهما جسم يتكيف به الدماغ، ويتقوى به، أي تحصل له قوة كالتي تحصل من الأكل، أما لو وصل واحد منهما للحلق بغير اختياره فلا قضاء عليه.

      هذا بخلاف دخان الحطب، فإنه لا قضاء في وصوله للحلق، ولو تعمد استنشاقه، لأنه لا يحصل للدماغ به قوة كالتي تحصل له من الأكل.

      وقال الشافعية: لو فتح فاه عمداً حتى دخل الغبار في جوفه، لم يفطر على الأصح.

      ومذهب الحنابلة الإفطار بابتلاع غربلة الدقيق وغبار الطريق، إن تعمده.

      د- التدخين:

      اتفق الفقهاء على أن شرب الدخان المعروف أثناء الصوم يفسد الصيام، لأنه من المفطرات.

      هـ- التقطير في الأذن:

      ذهب جمهور الفقهاء، إلى فساد الصوم بتقطير الدواء أو الدهن أو الماء في الأذن.

      فقال المالكية: يجب الإمساك عما يصل إلى الحلق، مما ينماع أو لا ينماع. والمذهب: أن الواصل إلى الحلق مفطر ولو لم يجاوزه، إن وصل إليه، ولو من أنف أو أذن أو عين نهاراً.

      وتوجيهه عندهم: أنه واصل من أحد المنافذ الواسعة في البدن، وهي: الفم والأنف والأذن، وأن كل ما وصل إلى المعدة من منفذ عال، موجب للقضاء، سواء أكان ذلك المنفذ واسعاً أم ضيقاً. وأنه لا تفرقة عندهم، بين المائع وبين غيره في الواصل إلى المعدة من الحلق.

      قال الشافعية: لو صب الماء أو غيره في أذنيه، فوصل دماغه أفطر على الأصح، وقال بعضهم: الإفطار بالتقطير في الأذنين.

      وقال الحنفية: بفساد الصوم بتقطير الدواء والدهن في الأذن، لأن فيه صلاحاً لجزء من البدن، فوجد إفساد الصوم معنى.

      أما إدخال الماء قصداً فيفسده، وأما دخوله دون قصد فلا يفسده.

      و- مداواة الآمة والجائفة والجراح:

      الآمة: جراحة في الرأس.

      والجائفة: جراحة في البطن.

      والمراد بهذا ما يصل إلى الجوف من غير المخارق الأصلية.

      فإذا داوى الصائم الآمة أو الجراح، فمذهب الجمهور فساد الصوم، إذا وصل الدواء إلى الجوف.

      قال الشافعية: لو داوى جرحه فوصل الدواء إلى جوفه أو دماغه أفطر عندنا سواء أكان الدواء رطباً أم يابساً.

      وعلله الحنابلة بأنه أوصل إلى جوفه شيئاً باختياره، فأشبه ما لو أكل.

      وعلله الحنفية -مع نصهم على عدم التفرقة بين الدواء الرطب وبين الدواء اليابس- بأن بين جوف الرأس وجوف المعدة منفداً أصلياً، فمتى وصل إلى جوف الرأس، يصل إلى جوف البطن.

      ومذهب المالكية عدم الإفطار بمداواة الجراح، لأنه لا يصل لمحل الطعام والشراب، وإلا لمات من ساعته.

      ز- الاحتقان:

      الاحتقان: صب الدواء أو إدخال نحوه في الدبر.

      وقد يكون بمائع أو بغيره: فالاحتقان بالمائع من الماء -وهو الغالب- أو غير الماء.

      ذهب جمهور الفقهاء والمالكية في قول مشهور إلى فساد الصوم ويوجب القضاء، وهو معلل بأنه يصل به الماء إلى الجوف من منفذ مفتوح، وبأن غير المعتاد كالمعتاد في الواصل، وبأنه أبلغ وأولى بوجوب القضاء من الاستعاط استدراكاً للفريضة الفاسدة.

      ولا تجب الكفارة، لعدم استكمال الجناية على الصوم صورة ومعنى، كما هو سبب الكفارة، بل هو لوجود معنى الفطر، وهو وصول ما فيه صلاح البدن إلى الجوف، دون صورته، وهو الوصول من الفم دون ما سواه.

      قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما: "الفطر مما دخل، وليس مما يخرج" رواه ابن أبي شيبة.

      أما الاحتقان بالجامد، ففيه بعض الخلاف:

      فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن ما يدخل إلى الجوف من الدبر بالحقنة يفطر، لأنه واصل إلى الجوف باختياره، فأشبه الأكل.

      كذلك دخول طرف أصبع في المخرج حال الاستنجاء يفطر.

      قال الشافعية: لو أدخل الرجل أصبعه أو غيرها دبره، وبقي البعض خارجاً، بطل الصوم، باتفاق أصحابنا.

      وذهب الحنفية إلى أن تغييب القطن ونحوه من الجوامد الجافة، يفسد الصوم، وعدم التغييب لا يفسده، كما لو بقي طرفه خارجاً، لأن عدم تمام الدخول كعدم دخول شيء بالمرة، كإدخال الأصبع غير المبلولة، أما المبلولة بالماء والدهن فيفسده.

      وخص المالكية الإفطار وإبطال الصوم، بالحقنة المائعة نصاً.

      وسئل مالك عن الفتائل تجعل للحقنة؟ قال مالك: أرى ذلك خفيفاً، ولا أرى عليه فيه شيئاً، قال مالك: وإن احتقن بشيء يصل إلى جوفه، فأرى عليه القضاء. أي: ولا كفارة عليه.

      ح- الحقنة المتخذة في مسالك البول:

      ويعبر عن هذا الشافعية بالتقطير، ولا يسمونه احتقاناً وفيه هذا التفصيل:

      الأول: التقطير في الإحليل، أي الذكر:

      في التقطير أقوال:

       فذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد، وهو وجه عند الشافعية، إلى أنه لا يفطر، سواء أوصل المثانة أم لم يصل، لأنه ليس بين باطن الذكر وبين الجوف منفذ، وإنما يمر البول رشحاً، فالذي يتركه فيه لا يصل إلى الجوف، فلا يفطر، كالذي يتركه في فيه ولا يبتلعه.

      وللشافعية -مع ذلك- في المسألة أقوال:

      أحدها: إذا قطر فيه شيئاً لم يصل إلى المثانة لم يفطر، وهذا أصحها.

      الثاني: لا يفطر.

      الثالث: إن جاوز الحشفة أفطر، وإلا لا.

      الثاني: التقطير في فرج المرأة:

      ذهب جمهور الفقهاء إلى فساد الصوم به.

      رابعاً: التقصير في حفظ الصوم والجهل به:

      الأول: التقصير:

      أ- من صور التقصير ما لو تسحر أو جامع، ظاناً عدم طلوع الفجر، والحال أن الفجر طالع.

      ذهب الحنفية والمالكية في قول مشهور والشافعية في القول الصحيح والحنابلة: إلى أنه يفطر ويجب عليه القضاء دون الكفارة. وذلك للشبهة، لأن الأصل بقاء الليل، والجناية قاصرة، وهي جناية عدم التثبت، لا جناية الإفطار، لأنه لم يقصده، ولهذا صرحوا بعدم الإثم عليه.

      وإذا لم يتبين له شيء، ذهب الحنفية: إلى عدم وجوب القضاء عليه، وقيل: يقضي احتياطاً.

      وكذلك الحكم إذا أفطر بظن الغروب، والحال أن الشمس لم تغرب، عليه القضاء ولا كفارة عليه، لأن الأصل بقاء النهار.

      قال المالكية: من شك في طلوع الفجر، حرم عليه الأكل، وقيل: يكره ... فإن أكل فعليه القضاء وجوباً -على المشهور-، وإن شك في الغروب، لم يأكل اتفاقاً، فإن أكل فعليه القضاء.

      وقيل عند الشافعية: لا يفطر في صورتي الشك في الغروب والفجر، وقيل: يفطر في الأولى، دون الثانية.

      ومن ظن أو اشتبه في الفطر، كمن أكل ناسياً فظن أنه أفطر، فأكل عامداً، فإنه لا تجب عليه الكفارة، لقيام الشبهة الشرعية.

      والقضاء في كلا الصورتين عند الحنفية.

      أما لو فعل ما لا يظن به الفطر، كالفصد والحجامة والاكتحال واللمس والتقبيل بشهوة ونحو ذلك، فظن أنه أفطر بذلك، فأكل عمداً، فإنه يقضى في تلك الصور ويكفر لأنه ظن في غير محله.

      فلو كان ظنه في محله فلا كفارة، كما لو أفتاه مفت -يعتمد على قوله ويؤخذ بفتواه في البلد- بالإفطار في الحجامة فأكل عامداً، بعدما احتجم لا يكفر.

      والمالكية قسموا الظن في الفطر إلى قسمين:

      أ- تأويل قريب، وهو الذي يستند فيه المفطر إلى أمر موجود، يعذر به شرعاً، فلا كفارة عليه، كما في هذه الصور:

      - لو أفطر ناسياً، فظن لفساد صومه إباحة الفطر، فأفطر ثانياً عامداً، فلا كفارة عليه.

      - أو لزمه الغسل ليلاً لجنابة أو حيض، ولم يغتسل إلا بعد الفجر، فظن الإباحة، فأفطر عمداً.

      - أو تسحر قرب الفجر، فظن بطلان صومه، فأفطر.

      - أو قدم المسافر ليلاً، فظن أنه لا يلزمه صوم صبيحة قدومه، فأفطر مستنداً إلى هذا التأويل، لا تلزمه الكفارة.

      - أو أفطر لحجامة فعلها بغيره، أو فعلت به، فظن الإباحة، فإنه لا يكفر. لاستناده لموجود، وهو قول عليه الصلاة والسلام: "أفطر الحاجم والمحجوم". رواه أبو داود.

      - أو سافر دون مسافة القصر، فظن إباحة الفطر فبيت الفطر، فلا كفارة عليه.

      - أو رأى هلال شوال نهاراً، يوم ثلاثين من رمضان، فاعتقد أنه يوم عيد، فأفطر.

      فهؤلاء إذا ظنوا إباحة الفطر فأفطروا، فعليهم القضاء، ولا كفارة عليهم، وإن علموا الحرمة، أوشكوا فيها فعليهم الكفارة.

      ب- تأويل بعيد، وهو المستند فيه إلى أمر معدوم، أو موجود لكنه لم يعذر به شرعاً، فلا ينفعه.

      - فمن رأى هلال رمضان، فشهد عند حاكم، فَرُدَّ ولم يقبل لمانع، فظن إباحة الفطر، فأفطر، فعلية الكفارة لبعد تأويله.

      - أو بيَّت الفطر وأصبح مفطراً، في يومٍ لحمَّى تأتيه فيه عادة، ثم حُمَّ في ذلك اليوم، وأولى إن لم يحمّ.

      - أو بيتت الفطر امرأة لحيض اعتادته في يومها، ثم حصل الحيض بعد فطرها، واولى إن لم يحصل.

      - أو اغتاب شخصاً في نهار رمضان، فظن إباحة الفطر فأفطر، فعليه الكفارة.

      ونص الشافعية على أن من جامع عامداً، بعد الأكل ناسياً، وظن أنه أفطر به، لا كفارة عليه، وإن كان الأصح بطلان صومه بالجماع، لأنه جامع وهو يعتقد أنه غير صائم، فلم يأثم به، لذلك قيل: لا يبطل صومه، وبطلانه مقيس على من ظن الليل وقت الجماع، فبان خلافه.

      وأما لو قال: علمت تحريمه، وجهلت وجوب الكفارة، لزمته الكفارة بلا خلاف.

      ونص الحنابلة على أنه لو جامع في يوم رأى الهلال في ليلته، وردت شهادته لفسقه أو غيره، فعليه القضاء والكفارة، لأنه أفطر يوماً من رمضان بجماع، فلزمته كما لو قبلت شهادته.

      وإذا لم يعلم برؤية الهلال إلا بعد طلوع الفجر، أو نسي النية، أو أكل عامداً، ثم جامع تجب عليه الكفارة، لهتكه حرمة الزمن به، ولأنها تجب على المستديم للوطء، ولا صوم هناك، فكذا هنا.

      الثاني: الجهل:

      ب- الجهل: عدم العلم بما من شأنه أن يعلم.

      ذهب الجمهور من الحنفية والشافعية، هو مشهور مذهب المالكية، على إعذار حديث العهد بالإسلام، إذا جهل الصوم في رمضان.

      قال الحنفية: يعذر من أسلم بدار الحرب فلم يصم، ولم يصل، ولم يزك بجهله بالشرائع، مدة جهله، لأن الخطاب إنما يلزم بالعلم به أو بدليله، ولم يوجد، إذ لا دليل عنده على فرض الصلاة والصوم.

      وقال الشافعية: لو جهل تحريم الطعام أو الوطء، بأن كان قريب عهد بالإسلام، أو نشأ بعيداً عن العلماء، لم يفطر، كما لو غلب عليه القيء.

      والمعتمد عند المالكية: أن الجاهل بأحكام الصيام لا كفارة عليه، وليس هو كالعامد.

      والجاهل عندهم على ثلاثة أقسام: فجاهل حرمة الوطء، وجاهل رمضان، لا كفارة عليهما، وجاهل وجوب الكفارة -مع علمه بحرمة الفعل- تلزمه الكفارة.

      وذهب الحنابلة إلى وجوب الكفارة، وصرحوا بالتسوية بين العامد والجاهل والمكره والساهي والمخطئ.

      خامساً: عوارض الإفطار:

      المراد بالعوارض: ما يبيح عدم الصوم.

      وهي: المرض، والسفر، والحمل، والرضاع، والهرم، وإرهاق الجوع والعطش، والإكراه.

      أولاً: المرض:

      المرض هو: كل ما خرج به الإنسان عن حد الصحة من علة.

      أجمع أهل العلم على إباحة الفطر للمريض في الجملة والأصل فيه قول الله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185].

      وعن سلمة بن الأكوع رضى الله تعالى عنه قال: "لما نزلت هذه الآية:

{وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} كان من أراد أن يفطر، يفطر ويفتدى، حتى أنزلت الآية التي بعدها يعني قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185] فنسختها رواه البخاري.

      فالمريض الذي يخاف زيادة مرضه بالصوم أو إبطاء البرء أو فساد عضو، له أن يفطر، بل يسن فطره، ويكره إتمامه، لأنه قد يفضي إلى الهلاك، فيجب الاحتراز عنه.

      ثم إن شدة المرض تجيز الفطر للمريض. أما الصحيح إذا خاف الشدة أو التعب، فإنه لا يجوز له الفطر، إذا حصل له بالصوم مجرد شدة تعب.

      وقال الحنفية: إذا خاف الصحيح المرض بغلبة الظن فله الفطر، فإن خافه بمجرد الوهم، فليس له الفطر.

      وقال المالكية: إذا خاف حصول أصل المرض بصومه، فإنه لا يجوز له الفطر -على المشهور- إذ لعلَّه لا ينزل به المرض إذا صام.

      فإن خاف كل من المريض والصحيح الهلاك على نفسه بصومه، وجب الفطر. وكذا لو خاف أذى شديداً، كتعطيل منفعة، من سمع أو بصر أو غيرهما، لأن حفظ النفس والمنافع واجب، وهذا بخلاف الجهد الشديد، فإنه يبيح الفطر للمريض.

      وقال الشافعية: إن المريض -وإن تعدى بفعل ما أمرضه- يباح له ترك الصوم، إذا وجد به ضرراً شديداً، لكنهم شرطوا لجواز فطره نية الترخص.

      وفرّقوا بين المرض المطبق، وبين المرض المتقطع: فإن كان المرض مطبقاً، فله ترك النية في الليل.

      وإن كان يحم وينقطع، نظر: فإن كان محموماً وقت الشروع في الصوم، فله ترك النية، وإلا فعليه أن ينوي من الليل، فإن احتاج إلى الإفطار أفطر.

      ومثل ذلك الحصَّاد والبنَّاء والحارس -ولو متبرعاً- فتجب عليهم النية ليلاً، ثم إن لحقتهم مشقة أفطروا.

      ولا يشترط أن ينتهي إلى حالة لا يمكنه فيها الصوم.

      وشرط إباحة الفطر أن يلحقه بالصوم مشقة يشق احتمالها، وأما المرض اليسير الذي لا يلحق به مشقة ظاهرة فلم يجز له الفطر.

      وقال الحنابلة: المعتبر خوف الضرر، أما خوف التلف بسبب الصوم فإنه يجعل الصوم مكروهاً، وجزم جماعة بحرمته، ولا خلاف في الإجزاء، لصدوره من أهله في محله، كما لو أتم المسافر.

      قالوا: ولو تحمل المريض الضرر، وصام معه، فقد فعل مكروهاً، لما يتضمنه من الإضرار بنفسه، وتركه تخفيفاً من الله وقبول رخصته، لكن يصح صومه ويجزئه، لأنه عزيمة أبيح تركها رخصة، فإذا تحمله أجزأه، لصدوره من أهله في محله، كما أتم المسافر، وكالمريض الذي يباح له ترك الجمعة، إذا حضرها.

      وقال المالكية للمريض أحوال:

      الأولى: أن لا يقدر على الصوم أو يخاف الهلاك من المرض أو الضعف إن صام، فالفطر عليه واجب.

      الثانية: أن يقدر على الصوم بمشقة، فالفطر له جائز.

      الثالثة: أن يقدر بمشقة، ويخاف زيادة المرض، ففي وجوب فطره قولان.

      الرابعة: أن لا يشق عليه، ولا يخاف زيادة المرض، فلا يفطر.

      وقال الشافعية على أنه إذا أصبح الصحيح صائماً، ثم مرض، جاز له الفطر بلا خلاف، لأنه أبيح له الفطر للضرورة، والضرورة موجودة، فجاز له الفطر.

      ثانياً: السفر:

      يشترط في السفر المرخص في الفطر ما يلي:

      أ- أن يكون السفر طويلاً مما تقصر فيه الصلاة.

      ب- أن لا يعزم المسافر الإقامة خلال سفره مدة أربعة أيام بلياليها عند المالكية والشافعية، وأكثر من أربعة أيام عند الحنابلة، وهي نصف شهر أو خمسة عشر يوماً عند الحنفية.

      ج- أن لا يكون سفره في معصية، بل في غرض صحيح عند الجمهور، وذلك: لأن الفطر رخصة وتخفيف، فلا يستحقها عاص بسفره، بأن كان مبنى سفره على المعصية، كما لو سافر لقطع طريق مثلاً.

      والحنفية يجيزون الفطر للمسافر، ولو كان عاصياً بسفره، عملاً بإطلاق النصوص المرخصة، ولأن نفس السفر ليس بمعصية، وإنما المعصية ما يكون بعده أو يجاوره، والرخصة تتعلق بالسفر لا بالمعصية.

      د- أن يجاوز المدينة وما يتصل بها، والبناءات والأفنية والأخبية.

      وذهب أصحاب المذاهب الأربعة، إلى أن من أدرك هلال رمضان وهو مقيم، ثم سافر، جاز له الفطر، لأن الله تعالى جعل مطلق السفر سبب الرخصة، بقوله:

{وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185]، ولما ثبت من "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة الفتح في رمضان مسافراً، وأفطر" رواه البخاري.

      ولأن السفر إنما كان سبب الرخص