القلب في الاسلام : الحمد لله

القلب في الاسلام

بين القلب العضلي والمعنوي



لقد ارتبط لفظ القلب على مدى التاريخ الإنساني بالعواطف والمحبة, بل بالإدراك والفهم.. وجاء العلم الحديث لينزع هذه الهالة عن القلب ويعتبره مجرد مضخة - وإن كانت في غاية الأهمية - تضخ الدم إلى كل خلية في الجسم عبر شبكة معقدة طويلة من الشرايين والأوردة والشعيرات الدموية التي يبلغ طولها آلاف الكيلومترات. 
وتضخ هذه المضخة الجبارة خمسة لترات في الدقيقة الواحدة (بدون مجهود) أو 300 لتر في الساعة أو 7200 لتر يومياً. وتبدأ هذا العمل الجبار  من بداية تشكيل الجنين - منذ بداية الأسبوع الرابع من التلقيح - إلى لحظة الوفاة, دون توقف برهة من ليل أو نهار, والواقع كما يقرر كثير من فقهاء الإسلام الأجلاء أن القلب هو أول الأعضاء تكونا وخلقا, توقفا وموتا. إن وزن القلب لدى الشخص البالغ لا يزيد عن ثلث كيلوجرام, وحجمه في حجم قبضة اليد وينبض حوالي 70 نبضة في الدقيقة, أو ما يزيد عن مائة ألف مرة في اليوم الواحد, أو قرابة أربعين مليون مرة في العام. 
إن هذا القلب العجيب الذي وصفه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله, وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب»متفق عليه, فلا شك أن هذا القلب إذا فسد فسدت الدورة الدموية واضطرب شأنها وتجمع الدم غير المؤكسد في خلايا الجسم كلها, فتفسد بالتالي كل الأعضاء وتضطرب وظيفتها. 
أما إذا صلح القلب واستقامت الدورة الدموية نالت كل الأعضاء حظها من الدم الذي يحمل إليها الغذاء من الجلوكوز والأحماض الأمينية والدهنية والفيتامينات والهرمونات, وأهم من ذلك كله الأوكسجين الذي به سر الحياة, وبه يتم الاحتراق وتنطلق الطاقة من عقالها. 
إن هذه المضخة العجيبة الفذة تدفع الدم إلى الدماغ في ثمان ثوان فقط، وتدفعه إلى الأقدام في أقصى أطراف الجسم في 18 ثانية. وإذا توقف الدم عن الدماغ لأي سبب من الأسباب لمدة دقيقتين أصيب الدماغ إصابة بالغة تؤدي إلى غيبوبة قد يفيق منها أو لا يفيق, كما قد تؤدي إلى مختلف أنواع الشلل وإصابات الدماغ أما إذا توقفت الدورة الدموية عن الدماغ لمدة أربع دقائق فقط, فإن هذا الشخص يعتبر في عداد الموتى لأن دماغه قد توفي ومات وبموت الدماغ يموت الإنسان. 
وها هنا يرد السؤال: أليس الطب قد تقدم واستطاع الأطباء إيقاف عمل القلب لمدة قد تصل إلى أربع أو خمس ساعات في عمليات القلب المفتوح؟ 
وإذا كان الأمر كذلك فكيف لا يعتبر القلب قد توقف فعلا عن الضخ والعمل؟ ولكن عمله هذا تقوم به آلة حيث يتم أخذ الدم من الوريد الأجوف العلوي والوريد الأجوف السفلي عند دخولهما إلى الأذين الأيمن من القلب, ويتحول الدم إلى مجازة تقوم بتنظيف الدم من ثاني أوكسيد الكربون وضخ الأوكسجين له, ثم يعاد الدم المؤكسد إلى الشريان الأورطي (إما مباشرة أو عبر الشريان الفخذي بواسطة قسطرة) ويتم ضخ الدم بواسطة المضخة عبر الشريان الأورطي إلى الدماغ, وإلى كل أجزاء الجسم بحيث لا تتوقف الدورة مطلقا ولا لثوان. وفي هذه الأثناء يتم تبريد القلب كما يتم أيضا تغذيته بواسطة قسطرة خاصة من الشريان الأورطي إلى الشريان الأكليني (الشرايين التاجية للقلب التي تغذيه) وهذا يبين أن القلب رغم إيقافه إيقافا تاما لمدة قد تصل إلى عدة ساعات إلا أن عمله الذي تقوم به المضخات الخاصة لا يتوقف على الإطلاق, وقد تم هذا الإنجاز الباهر لأول مرة في التاريخ في 6 مايو 1953م في الولايات المتحدة بواسطة الجراح جبون الذي قام بإيقاف القلب تماما لمدة 26 دقيقة, قام أثناءها بإصلاح ثقب في جدار القلب بين الأذينين لفتاة تبلغ من العمر 18 عاما, فتخلصت من هذا العيب الخلقي الذي أدى إلى هبوط في عضلة القلب (احتشاء عضلة القلب) ومنذ ذلك الوقت تطورت هذه المضخات والمجازات (Heart Lung Machine) وأصبح الجراحون المختصون يجرون هذه العمليات الباهرة, ويوقفون القلب إيقافا تاما لعدة ساعات حتى يتم إصلاح العيوب الكبيرة في القلب, صماماته أو شرايينه. 
ويتم إجراء الآلاف من عمليات القلب المفتوح سنويا في مختلف أرجاء العالم, بما في ذلك البلاد العربية والإسلامية, وفي السعودية يجرى منها المئات كل عام بنسبة نجاح كبيرة في العديد من مستشفياتها الحكومية والخاصة. 
ومنذ أن قام الدكتور برنارد بأول عملية زرع قلب في العالم في 3 ديسمبر 1967م حيث أخذ قلب امرأة سوداء توفيت دماغيا في حادثة (عمرها 24 عاما) ونقله لرجل أبيض (في جنوب أفريقيا) يعاني من مرض شديد بالقلب, انتشرت عمليات زرع القلب في مختلف بقاع العالم, وقد تجاوز عدد الذين أجريت لهم هذه العملية العشرة آلاف شخص أغلبها في الولايات المتحدة وأوروبا. 
وتعتبر المملكة العربية السعودية رائدة في مجال زراعة الأعضاء من المتوفين دماغيا في البلاد الإسلامية, وقد تم في المملكة إجراء 82 عمليةزراعة قلب بالإضافة إلى 176 صمامًا استبدلت من متوفين دماغيا. وذلك حتى شهر يونية 1999م. 
وهنا يرد سؤال: هل تغيرت عواطف وعقائد من أجريت لهم عمليات زرع القلب؟ 
ورغم أن كل الثقافات العربية تعتقد أن القلب هو محط العواطف, فإن كل هؤلاء الذين أجريت لهم عمليات زرع قلب لم تتغير عواطفهم ولا شخصياتهم وقد تم زرع قلب فلبيني مسيحي لسعودي مسلم, فلم يتغير السعودي المسلم لا في عقيدته ولا في أفكاره ولا في عواطفه نحو أهله وبنيه وزوجته, ولم يتعلق قلبه بتلك الفلبينية التي كان يحبها صاحب القلب المتبرع به والمتوفى دماغيا. 
وهذه العملية تكررت عشرات المرات في السعودية, وآلاف المرات على مستوى العالم.. لذا فهو دليل علمي قطعي ينفي نفيا باتا كل ما يتخيله الناس من وظائف القلب الوهمية في الحب والعاطفة وأن القلب هو أيضا مركز الفكر, وموطن العقائد ومنبع السلوك. 
ولكن يبرز إشكال واضح بين كلامنا هذا وبين ما ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة من ذكر للقلب مرتبطا بهذه المعاني. والآيات في ذلك كثيرة : فهي تارة تتحدث باسم الفؤاد وتارة باسم القلب. فإذا كان القلب مجرد مضخة - على أهميتها – 
فأين مركز العواطف والفكر؟
وأين منبع العقيدة والسلوك؟
وكيف نوفق بين هذه الحقائق العلمية الدامغة وبين ما ورد في النصوص الشرعية من كتاب الله الذي {لاّ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ } (فصلت 42) ومن سنة المصطفى - صلوات ربي وسلامه عليه - الذي لا يقول إلا حقا. 
وحل هذا الإشكال يتجلى في فهمنا لكلمة القلب, فهي تستعمل على معنيين في لغة البشر: 
أولها: هو القلب العضلي الموجود في القفص الصدري مائلا إلى الجانب الأيسر منه, والذي لا يزيد في وظيفته عن مضخة تضخ الدم إلى أنحاء الجسم (رغم الأهمية القصوى لهذه المضخة), وما يتصل بها من تنظيم هرموني وعصبي لإتمام عملها على أكمل وجه. 
والثاني: هو القلب المعنوي المتعلق بالعواطف, بالحب والكره, بالميل والنفور, بل بالإدراك والفهم. 
الغزالي يحل الإشكال ويكشف السر: 
ولقد استطاع الإمام أبو حامد محمد بن محمد الغزالي المتوفى سنة 505هـ (أي منذ تسعمائة عام ونيف) أن يميز بكل وضوح بين هذين المعنيين اللذين يختلطان في أذهان الناس اختلاطا شديدا. 
قال الإمام الغزالي في (كتاب عجائب القلب) من موسوعته الفذة «إحياء علوم الدين»: لفظ القلب, وهو يطلق على معنيين: أحدهما اللحم الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر, وهو لحم مخصوص (تختلف عضلة القلب من الناحية التشريحية عن العضلات الإرادية المخططة, كما تختلف عن العضلات غير الإرادية الملساء غير المخططة. 
وفي باطنه تجويف وفي ذلك التجويف دم أسود (هذا هو تجويف البطين الأيمن الذي يحمل الدم غير المؤكسد فيبدو لونه ضاربا إلى السواد). 
«ولسنا نقصد الآن شرح شكله وكيفيته, إذ يتعلق به غرض الأطباء ولا يتعلق به الأغراض الدينية, وهذا القلب موجود للبهائم بل هو موجود للميت ونحن إذا أطلقنا لفظ القلب في هذا الكتاب (أي كتاب إحياء علوم الدين) لم نعن به ذلك, فإنه قطعة لحم لا قدر له, وهو من عالم الملك والشهادة إذ تدركه البهائم بحاسة البصر فضلا عن الآدميين». 
ولله در الغزالي ما أدق كلامه وأروعه وأصدقه, فالقلب العضلي موجود لدى البهائم, وهو قطعة لحم وظيفته معروفة ومحدودة بضخ الدم وجريانه في العروق وهو أمر هام في بابه إذ أن توقفه يعني توقف الحياة كلها (إلا في الحالات التي ذكرنا آنفا مثل توقفه فيها أثناء عمليات القلب المفتوح) وهو مع ذلك لا علاقة له واضحة بالعواطف وبالعقائد والأفكار... والمتعلقة بالمعنى الثاني للقلب الذي يشرحه الإمام الغزالي بقوله: 

«والمعنى الثاني: هو لطيفة ربانية روحانية لها بهذا القلب الجسماني تعلق (لا ندرك كنهه) وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان وهو المدرك العالم العارف من الإنسان وهو المخاطب والمعاقب والمعاتب والمطالب ولها علاقة مع القلب الجسماني, وقد تحيرت عقول أكثر الخلق في إدراك وجه علاقته, فإن تعلقه به أيضا هو تعلق الأعراض بالأجسام والأوصاف بالموصوفات أو تعلق المستعمل للآلة بالآلة.. ثم يقول: «والمقصود أنا إذا أطلقنا لفظ القلب في هذا الكتاب, أردنا هذه اللطيفة (الربانية) , وغرضنا ذكر أوصافها وأحوالها لا ذكر حقيقتها في ذاتها, وعلم المعاملة يفتقر إلى معرفة أوصافها وأحوالها, ولا يفتقر إلى ذكر حقيقتها»( انظر كلام الغزالي مع شرحه للزبيدي في إتحاف السادة المتقني ح 8/ 368 وما بعدها.). 

وحقيقتها القلب المعنوي أو اللطيفة الربانية مرتبطة بمعنى الروح وحققته, وهو سر مغلق قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرّوحِ قُلِ الرّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي وَمَآ أُوتِيتُم مّن الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً} (الإسراء 85 ( أما القلب العضلي فمجال دراسته واسع جدا, وهو كما أسلفنا القول يختلف عن العضلات الهيكلية  الإرادية المخططة التي تحرك الجسم والأطراف التي لا تعمل إلا بتنبيه عصبي, فإذا قطع هذا العصب المغذي لها زوت وضمرت وفقدت وظيفتها. كما أنه يختلف عن تلك العضلات الملساء غير الإرادية والموجودة في الجهاز الهضمي, ابتداء من المريء وانتهاء بالمستقيم, والموجودة في الجهاز البولي التناسلي, وجدر جميع الأوعية الدموية, فهي جميعها ملساء غير مخططة وتتأثر بجهاز عصبي لا تتحكم فيه الإرادة, وهو الجهاز العصبي الذاتي بشقيه التعاطفي (الودي) ونظير التعاطفي (اللودي (Sympathatic and Parasympathatic N.S) 

ويعمل القلب العضلي كخلية واحدة, بحيث تنقبض جميع الخلايا في البطينين وكأنهما قطعة واحدة, وترتخيان في لحظة واحدة.. ولا يحتاج القلب إلى الأعصاب كي ينقبض, على عكس بقية العضلات في الجسم, فانقباضه وانبساطه ذاتي تتحكم فيه خلايا خاصة موجودة في الأذين الأيمن (العقدة الأذينية الجيبية) (Sino atrial node) فإن فشلت هذه حلت محلها خلايا متخصصة في العقدة الموجودة بين الأذين والبطين (Atrioventricular) فإن فشلت هذه - لا سمح الله - حلت محلها عضلة البطين ذاته, وفي هذا يختلف القلب عن جميع عضلات الجسم إرادية وغير إرادية, مخططة وغير مخططة. 
كل هذا جعله اُ سبحانه وتعالى للقلب حتى يستمر في نشاطه الدائب الذي لا يتوقف ولا يتريث لحظة من ليل أو نهار. 
كيفية ارتباط القلب العضلي بالعواطف والجهاز العصبي: 
إذا رأى العاشق الولهان محبوبته أسرع قلبه وصار يدق صدره دقا عنيفا, وإذا غضب المرء انتفخت أوداجه واحمر وجهه وزادت ضربات قلبه سرعة وقوة. وإذا تعرض للخطر فإن وجيب القلب يزداد, وفي الهلع والخوف تدور الأعين في المحاجر وتبلغ القلوب الحناجر. 
إن الجهاز العصبي والهرموني يتحكمان إلى حد كبير في سرعة ضربات القلب زيادة أو نقصانا, كما يتحكمان في شدة الضربات وقوتها أو انثنائها وخفوتها فناظمة القلب (Rythmicity) الموجودة في جيب الأذين الأيمن (S.A.node) تنطلق بسرعة 120 نبضة في الدقيقة, ولكن الجهاز العصبي نظير التعاطفي يهدّئ من روعها بواسطة العصب الحائر (Vagus Nerve) فيجعلها تنبض ما بين الستين والثمانين. 
وعلى العكس من ذلك الجهاز العصبي التعاطفي (الودّي) الذي يفرز مادة الأدرينالين والكاتيكول أمين فيجعل ضربات القلب سريعة وقوية.. وتتدخل في ذلك أيضا هرمونات الغدة الكظرية والغدة الدرقية والشوارد (Electerolytes) مثل الكالسيوم والبوتاسيوم والصوديوم. وانعكاسات من الجسم بمختلف أجهزته, وهذه كلها تؤثر على مدى هذه السرعة وقوة تلك النبضات. 
وهناك ميزان دقيق جعله الله سبحانه وتعالى لهذا القلب العضلي كي ينظم ضرباته وحركاته حسب الأحوال والطلب, فإذا استلقى الإنسان ومال للنوم قلّّت الضربات, وإذا قام يجري ازدادت سرعتها قوة وشدة, وإذا انتابه الشجون وخطرت له الخواطر استجاب لها القلب بزيادة الضربات أو نقصانها حسب الحالة المزاجية. 
لهذا كله ارتبط القلب بالعواطف ارتباطا وثيقا فهو المعبر عنها سرعة وقوة وخفوتا واتئادا, ولكن الأمر يظل في أن القلب العضلي ليس مقر العواطف ولا منبعها وإن كانت نبضاته تتأثر بها بواسطة الجهاز العصبي الذاتي (Autonomic Ner Sys بشقيه الودّي ونظير الودّي, وبواسطة الهرمونات والمواد الكيماوية العديدة التي تصب في الدم فتؤثر على القلب ونبضاته. 
ما ورد في القرآن والسنة عن القلب هو عن القلب المعنوي: 
ونخلص في ذلك بأن ما ورد في القرآن والسنة من عجائب القلب ووظائفه لا علاقة له بالقلب العضلي الصنوبري الموجود في القفص الصدري الجانب الأيسر منه, فهو - كما يقول الغزالي - موجود لدى البهائم بل ولدى الميت, ويؤكد الغزالي ذلك بقوله: «وحيث ورد في القرآن والسنة لفظ القلب فالمراد به المعنى الذي يفقه من الإنسان ويعرف حقيقة الأشياء, وقد يكنى عنه بالقلب الذي في الصدر, لأنه بين تلك اللطيفة الربانية وبين جسم القلب علاقة خاصة» 
ما أروع الغزالي وما أوسع علمه فقد سبق عصره بل سبق علماء عصرنا بمراحل في هذا الموضوع. 
وإليك بعض ما جاء في القرآن الكريم حول القلب المعنوي: 
{أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنّ الْقُلُوبُ} (28 الرعد)
وقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ } (الحج 46), وقوله عز وجل: {أَفَلاَ يَتَدَبّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىَ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} (محمد 24), وقوله: {هُوَ الّذِيَ أَنزَلَ السّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوَاْ إِيمَاناً } (الفتح 4), وقوله: (أَلَمْ يَأْنِ لِلّذِينَ آمَنُوَاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقّ } (الحديد 16). 
ووصف سبحانه قلوب المنافقين والكافرين وأمراضها ووصف الران الذي يغطي القلب, والأكنّة التي تمنع القلب عن الهدى فلا ترى بصيصا من نور, ووصف القلوب القاسية الجاسية التي هي كالحجارة أو أشد قسوة من الحجارة, قال تعالى: {كَلاّ بَلْ رَانَ عَلَىَ قُلُوبِهِمْ مّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} (المطففين 14) 
وقال تعالى عن الكافرين: {خَتَمَ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِهمْ وَعَلَىَ سَمْعِهِمْ وَعَلَىَ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ } (البقرة 7), وقال يصف المنافقين: {فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً } (البقرة 10), وهو مرض الشك, وقال سبحانه وتعالى: {فَيَطْمَعَ الّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ } (الأحزاب 32) وهو مرض الشهوة, والآيات في هذا الباب كثيرة وفيما ذكرناه غنية. 
وفي أحاديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - يرد ذكر القلب المعنوي مثل قوله - صلى الله عليه وسلم: «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك» (أخرجه مسلم), وفي رواية الترمذي والحاكم: «يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك». 
وأخرج النسائي وابن ماجه والحاكم قوله - صلى الله عليه وسلم: «القلب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء» وفي لفظ: «إن شاء أن يقيمه أقامه, وإن شاء أن يزيغه أزاغه». 
وأخرج ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمر - وصححه الزين العراقي - أنه سئل - صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله من خير الناس؟ فقال: «كل مؤمن مخموم القلب». فقيل: وما مخموم القلب؟ قال: «هو القلب التقي النقي الذي لا غش فيه ولا بغي ولا غدر». 
ومثله قوله - صلى الله عليه وسلم: «لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء». 
وقد وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القلوب فقال:
«القلوب أربعة, قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر, وقلب أغلف مربوط على غلافه, وقلب منكوس, وقلب مصفح؛ فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن سراجه فيه نوره, وأما القلب الأغلف فقلب الكافر, وأما القلب المنكوس فقلب المنافق عرف ثم أنكر, وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق.
فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب, ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم, فأي المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه» أخرجه الإمام أحمد في مسنده ج 3/17 والطبراني في الصغير عن أبي سعيد الخدري. 
وفي هذه الآيات والأحاديث المذكورة آنفا لا يتبادر إلى الذهن سوى القلب المعنوي واضحا جليا لكل ذي فهم ولب. 
ولكن هناك بعض الآيات والأحاديث التي قد يشتبه فيها الأمر ويتبادر إلى الذهن أنها مرتبطة بالقلب العضلي, وإن كان القصد منها على الحقيقة ينصرف إلى القلب المعنوي. 
وذلك كقوله تعالى: {مّا جَعَلَ اللّهُ لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ}(الأحزاب 4), فمما لا شك فيه أن الله لم يجعل لبشر قلبين في جوفه, يقول ابن كثير في تفسيره: «إنه كما لا يكون للشخص الواحد قلبان في جوف, ولا تصير زوجته التي يظاهر منها بقوله أنت علَيَّ كظهر أمي أُمَّا له, كذلك لا يصير الدعي للرجل - إذا تبناه فدعاه - ابنا له, ثم حكى الأقوال الأخرى حيث كان رجل من قريش يزعم أن له قلبين في جوفه يعقل بكل واحد منهما كعقل محمد فكذبه الله تعالى». 
وقوله تعالى: {فَإِنّهَا لاَ تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَـَكِن تَعْمَىَ الْقُلُوبُ الّتِي فِي الصّدُورِ} (الحج 46). وهذه أقوى آية وأصرحها في هذا الباب. ولا شك أن القلب العضلي موجود في الصدر, وأما القلب المعنوي الذي يصيبه النور أو العمى وهو خاصية الإنسان فليس هو القلب العضلي, وإن كان له به نوع تعلق كما مر معنا. ويوضح ابن كثير ذلك في تفسيره ج3/227 حيث يقول: «أي ليس العمى عمى البصر, وإنما العمى عمى البصيرة, وإن كانت القوة الباصرة سليمة فإنها لا تنفذ إلى العبر ولا تدري ما الخبر». 
وقال الإمام الغزالي: «وحيث ورد في القرآن والسنة لفظ القلب فالمراد به المعنى الذي يفقه من الإنسان ويعرف حقيقة الأشياء وقد يكنى عنه بالقلب الذي في الصدر لأن بين تلك اللطيفة وبين جسم القلب علاقة خاصة». 
ومن الأحاديث التي ذكرت القلب العضلي بوضوح وأشارت إليه قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله, ألا وهي القلب», (متفق عليه) 
وفي هذا الحديث إعجاز طبي, إذ أن أي مرض يصيب القلب يؤثر دون ريب على سائر الجسد فيفسد. فإذا فقد القلب جزءا من وظيفته في ضخ الدم غير المؤكسد من البطين الأيمن إلى الرئتين ومن الرئتين يأتي الدم المؤكسد إلى القلب فيضخه البطين الأيسر إلى كافة أرجاء الجسم, بل إلى كل خلية فيه يمدها بالهواء (الأوكسجين) والغذاء, فإذا اضطربت هذه الوظيفة وفسدت فسدت لها سائر الأعضاء

  • Moslem Ali
    Moslem Ali

    أمراض القلوب و أدوية القلوب

baraa

براء علي

أحدث التعليقات