الحمد لله

معنى كيلو طعامكم يبارك لكم

#كنوز_السنة

أخرج البخاري في صحيحه عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كيلوا طعامكم يبارك لكم".
وفي سنن ابن ماجه عن عبد الله بن بسر المازني، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه".
في حاشية السندي على ابن ماجه:
(قوله ( كيلوا طعامكم ) قال المظهري الغرض من كيل الطعام معرفة مقدار ما يبيع الرجل ويشتري لئلا يكون مجهولا، وكذا إذ لم يكل ما ينفق على العيال ليعرف ما يدخر لتمام السنة فأمروا بالكيل ليكونوا على علم ويقين. ومن راعى أمره صلى الله عليه وسلم يجد بركة عظيمة في الدنيا وأجرا عظيما في الأخرى.)

وفي الفتاوي السعدية للشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله:

(هل كيل الطعام سبب لبركته؟

ج - قوله ﷺ في حديث المقدام: «كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه» أصح ما قيل فيه وفي معناه أنه الطعام الذي يخرجه صاحب البيت على عائلته، وهو الذي يدل عليه، وهو المناسب للمعنى، وهذا الكلام من النبي ﷺ أصل كبير، وقاعدة أساسية، وميزان لما دلت عليه الآية الكريمة: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: ٦٧]. فمعنى: «كيلوا طعامكم». أي قدروه بمقدار كفاية المنفق عليهم من غير زيادة ولا نقصان، فإن في ذلك سلوكا لطريق الاقتصاد، والحزم والعقل والبركة المعقولة في هذا من وجوه:

أولًا: امتثال أمر الشارع الذي هو البركة، وخير وسعادة وصلاح.

ثانيًا: أن في الكيل المذكور يخرج المنفق من خلقين ذميمين، وهما التقتير والتقصير في النفقات الواجبة والمستحبة، وإذا حصل التقصير، اشتغلت الذمم بالحقوق الواجبة والمآثم الحاضرة، ولم يقع الإحسان والإنفاق موقعه، بل لا يصير له في هذه الحالة موقع أصلا، فيقع الذم موقع الحمد والتضجر والتسخط بدل الشكر والدعاء والثناء.

والخلق الثاني: التبذير والإسراف، فإن هذا خلق ينافي الحكمة وهو من أخلاق الجاهلية، وما أسرع ما يؤدي هذا الخلق بصاحبه إلى القلة والذلة، فإذا سلم من هذين الخلقين اتصف بخلق الحكمة والعدل، والقوام الذي هو أصل الخير ومداد الصلاح.

ثالثًا: أن في سلوك هذا الطريق النافع السالم من التقصير والتبذير تمرينا للنفس على التوازن والتعادل في كل الأمور، وفي هذا من الخير والبركة ما لا يخفى.

رابعًا: أن النفقات إذا خرجت عن طورها وموضوعها، تفرع عنها الشره والفساد، فإنه إذا لم يكل ويقدر ما يطعمه لمن يعوله، فإما أن يكون أزيد من الكفاية، فالزائد إما أن يأكلوه وهو عين ضررهم إذا كان زائدا عن الحاجة، فكثير من الأضرار البدنية والآلام إنما تنشأ من زيادة الطعام.
وإما أن يتلف عليه، وذلك فساد، وقد يوجد الأمران.
وقد يتصدق به بعض الناس، لكن الصدقة في هذه الحال لا يكون لها موقع في حق المعطى، لأنه يعرف أنه لا يعطى إلا ما زهد فيه صاحبه، وقد يكون قد اكتفى واستعد لنفسه بطعام، ولا في حق المتصدق، لأن النية غير تامة لكون الحامل له من الإنفاق خوف تلفه لا الإخلاص المحض.

فإذا سلك الطريق الذي أرشده إليه النبي ﷺ، وهو الكيل والتقدير بحسب ما يليق بالحال سلم من هذه الأمور، فهذا الحديث ينبغي أن يكون أصلا من أصول التربية المنزلية والنفقات العائلية، وأن يكون عليه المعول، فقد بعث ﷺ بكل أمر فيه صلاح العباد في معاشهم ومعادهم، فأخلاقه وإرشاداته وهديه يغني عن كل شيء، والحمد لله على نعمه.) انتهى

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

قناة محمد بن عبدالله بن جابر القحطاني العلمية

قال الشيخ المبارك محمد بن عثيمين رحمه الله في شرحه لما جاء في دعاء القنوت "وبارك لنا فيما أعطيت" :

(«وبارك لنا فيما أعطيت» البركة هي الخير الكثير الثابت...

والمعنى أي: أنزل لي البركة فيما أعطيتني.

«فيما أعطيت» أي أعطيت من المال والولد والعلم وغير ذلك مما أعطى الله عزَّ وجلَّ، فتسأل الله البركة فيه؛ لأن الله إذا لم يبارك لك فيما أعطاك، حرمت خيرًا كثيرًا.
ما أكثر الناس الذين عندهم مال كثير لكنهم في عداد الفقراء؛ لأنهم لا ينتفعون بمالهم، يجمعونه ولا ينتفعون به. وهذا من نزع البركة.
كثير من الناس عنده أولاد، لكن أولاده لا ينفعونه لما فيهم من عقوق، وهؤلاء لم يُبَارَكْ لهم في أولادهم.

تجد بعض الناس أعطاه الله علمًا كثيرًا لكنه بمنزلة الأمي، لا يظهر أثر العلم عليه في عبادته، ولا في أخلاقه، ولا في سلوكه، ولا في معاملته مع الناس، بل قد يُكْسِبه العلم استكبارًا على عباد الله، وعلوًّا عليهم، واحتقارًا لهم، وما علم هذا أن الذي منَّ عليه بالعلم هو الله، تجده لم ينتفع الناس بعلمه، لا بتدريس، ولا بتوجيه، ولا بتأليف، بل هو منحصر على نفسه، وهذا بلا شك حرمان عظيم، مع أن العلم من أبرك ما يعطيه الله للعبد؛ لأن العلم إذا علَّمْته غيرك ونشرته بين الناس، أُجِرتَ على ذلك من عدة وجوه:

الأول: أن في نشرك للعلم نشرًا لدين الله ـ عزَّ وجلَّ ـ فتكون من المجاهدين في سبيل الله؛ لأنك تفتح القلوب بالعلم، كما يفتح المجاهد البلاد بالسلاح والإيمان.

الثاني: من بركة نشر العلم وتعليمه أن فيه حفظًا لشريعة الله عزَّ وجلَّ، وحماية لها؛ لأنه لولا العلم لم تحفظ الشريعة.

الثالث: من بركة نشر العلم، أنك تُحْسِن إلى هذا الذي علمته؛ لأنك تبصره في دين الله ـ عزَّ وجلَّ ـ فإذا عبد الله على بصيرة كان لك مثل أجره؛ لأنك أنت الذي دللته على الخير، والدال على الخير كفاعله.

الرابع: أنَّ في نشر العلم وتعلميه زيادة له، فعلم العالم يزيد إذا علّم الناس؛ لأنه استذكار لما حفظ وانفتاح لما لم يحفظ، كما قال القائل: يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفًّا شددتا أي: إذا أمسكته ولم تعلمه نقص.)

فاللهم ربنا بارك لنا فيما أعطيت.