الحمد لله

telegram

النسب الرضاع الحضانة الولاية

حقوق الأولاد والأقارب

وهي النسب وما يترتب عليه من أحكام

      الباب الأول  : في النسب.

      الباب الثاني : في الرضاع.

      الباب الثالث : في الحضانة.

      الباب الرابع : في الولاية.

      الباب الخامس     : في نفقة الأولاد والأقارب.

البَاب الأول

في النسب

الفَصل الأول

بيان أقل مدة الحمل وأقصاها، وإثبات الولادة:

      - أقل مدة الحمل: اتفق الفقهاء على أن أقل مدة الحمل التي يتكون فيها الجنين ويولد بعدها حياً هي ستة أشهر استنبطوا ذلك من مجموع آيتين في كتاب الله هما قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15].

      وقوله جل شأنه: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان: 14].

      فقد قدرت الآية الأولى للحمل والفصال ثلاثين شهراً، وقدرت الثانية للفصال أي الفطام عامين، وبإسقاط الثانية من الأولى يبقى للحمل ستة أشهر وهو تقدير العليم الخبير.

      ومما يؤيد ذلك الاستنتاج ما روي أن رجلاً تزوج امرأة فجاءت بولد لستة أشهر من تاريخ الزواج، فرفع أمرها إلى عثمان رضي الله عنه فهم بإقامة الحد عليها، فقال له ابن عباس رضي الله عنهما: "إنها لو خاصمتكم بكتاب الله لخصمتكم" أي غلبتكم، قال تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} وقال: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ}، فإذا ذهب للفصال عامان لم يبق للحمل إلا ستة أشهر، فمنع عثمان الحد عنها، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر أحد ذلك، وإذا اعتبرت هذه المدة في درء الحد لأن الحدود تدرأ بالشبهات اعتبرت أيضاً في إثبات النسب، لأنه مما يحتاط في إثباته محافظة على النسل وصيانة للعرض.

      - أما أقصى مدة الحمل: فقد اختلف الفقهاء في تحديدها اختلافاً كبيراً، نشأ هذا الاختلاف عن عدم ورود نص يحددها في كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما اعتمد تحديدهم لها على ما جرت به العادة في ولادة النساء كما يرى البعض، أو على أثر يروى عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كما يرى فريق آخر، أو على إخبار بعض النسوة في وقائع نادرة كما يرى غير هؤلاء وهؤلاء.

      ولو صح الأثر المروي عن عائشة عند كل الفقهاء لقالوا بمقتضاه، لأنه في التقديرات التي لا تعلم إلا بإخبار من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإليك بعض هذه الأقوال بترتيبها التصاعدي.

      وذهب الحنفية إلى أن أقصاها سنتان إستناداً إلى ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "لا تزيد المرأة في الحمل على سنتين قدر ما يتحول ظل عمود المغزل" تريد أن الجنين لا يبقى في بطن أمه أكثر من سنتين ولو لفترة يسيرة عبرت عنها بتحول ظل عمود المغزل.

      ذهب الشافعية والمالكية في القول المشهور عندهم إلى أن أقصاها أربع سنوات، وفي القول الآخر إنها خمس سنوات، وهناك من يزيد على ذلك.

      - إثبات الولادة بعد إنكارها:

      إذا ادعت المرأة أنها ولدت هذا المولود فإما أن يصدقها الرجل في دعواها أو ينكرها، فإن صدقها ثبت النسب إذا توفرت شروط ثبوته، وإن لم يصدقها بأن أنكر دعواها كان على المرأة إثبات دعواها، فبم تثبت هذه الدعوى؟

      هذا الإنكار إما أن يكون لأصل الولادة، وإما أن يكون لنوع المولود بعد الاعتراف بأصل الولادة، فإن كان الإنكار لأصل الولادة بأن يكون جوابه على دعواها : زوجتي أو مطلقتي لم تلد شيئاً وهذا الذي تدعي ولادته لقيط، وفي هذا الإنكار تختلف طرق الإثبات باختلاف حالات المرأة عند ادعائها، لأنها قد تكون زوجة أو مطلقة رجعياً أو بائناً أو معتدة من وفاة، وحال ظهور الحمل أو اعتراف الزوج به أولاً.

      فقد ثبت الدعوى بقول المرأة نفسها، وقد تثبت بشهادة امرأة مقبولة الشهادة سواء كانت هي القابلة أو غيرها، وقد تحتاج إلى بينة كاملة رجلين أو رجل وامرأتين من العدول وهذه عند أبي حنيفة.

      تفصيل مذهب أبي حنيفة: إذا كان الحبل ظاهراً أو كان الزوج معترفاً بوجوده أو ورثته بعد وفاته فلا تحتاج إلى إثبات بل يكفي قول المرأة نفسها، لأن الحمل المفضى إلى الولادة ثابت بظهور أمارته أو الإعتراف به فيثبت ما يفضى إليه وهو الولادة بمجرد إخبار المرأة بها.

      وإن لم يكن الحمل ظاهراً ولم يكن معترفاً به فلا يكفي قول المرأة، بل لا بد من بينة للإثبات، ويكفي شهادة امرأة من أهل العدالة إذا كانت المرأة المدعية زوجة أو كانت معتدة من طلاق رجعي والدعوى بعد مضي سنتين أو أكثر من وقت الطلاق إذا لم تكن أقرت بانقضاء العدة، أما إذا كانت معتدة من طلاق بائن أو معتدة وفاة فلا بد من شهادة كاملة.

      أما المعتدة من طلاق رجعي إذا ادعت الولادة قبل مضي سنتين ففيها رأيان:

      رأي يجعلها كالزوجة.

      والآخر يجعلها كالمعتدة من طلاق بائن وهو أرجح لأن ادعاءها الوضع قبل مضي سنتين اعتراف منها بانقضاء عدتها فتكون كالمبتوتة، وإنما احتيج هنا إلى شهادة كاملة، لأن الشهادة وإن كانت لإثبات الولادة إلا أنها سيترتب عليها ثبوت النسب من الزوج المطلق أو المتوفى، وثبوت النسب يحتاج إلى حجة كاملة لأن المرأة بعد الولادة تكون مقرة بانقضاء عدتها، وبانقضائها تصير أجنبية، ودعوى النسب من الأجنبية تحتاج إلى بينة كاملة.

      وذهب المالكية والشافعية في إثبات الولادة إلى تعدد الشهود من النساء.

      فالشافعية لابد من أربع منهن.

      ويكتفي المالكية بشهادة امرأتين.

الفَصل الثّاني

طرق إثبات النسب أو الأمور التي يثبت بها:

      يثبت النسب بأحد أمور ثلاثة: الفراش، والإقرار، والبينة.     

المبحث الأول

- الفراش:

- تعريف الفراش: الفراش في الأصل ما يبسط للجلوس أو النوم عليه، ويكنى به عن المرأة التي يستمتع بها الرجل يقول جل شأنه: {وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ * إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لأَصْحَابِ الْيَمِينِ} [الواقعة: 34 - 38].

      فكنى بالفراش عن النساء وهن الحور العين.

      والمراد بالفراش هنا: الزوجية القائمة بين الرجل والمرأة عند ابتداء حملها بالولد، أو كون المرأة معدة للولادة من شخص معين، وهو لا يكون إلا بالزواج الصحيح وما ألحق به، فإذا ولدت الزوجة بعد زواجها، ثبت نسبة من ذلك الزوج دون حاجة إلى إقرار منه بذلك أو بينة تقيمها الزوجة على ذلك لما رواه الجماعة إلا أبا داود عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" يريد أن الولد لصاحب الفراش كما جاء في لفظ البخاري وهو الزوج، وللعاهر وهو الزاني الرجم عقوبة على جريمته إن كانت تستوجب الرجم، أو الخيبة والخسران ولا نسب له لو نازع فيه.

      والسبب في ثبوت النسب بالفراش دون توقف على إقرار أو بينة هو أن عقد الزواج الصحيح يبيح الاتصال الجنسي بين الزوجين، ويجعل الزوجة مختصة بزوجها يستمتع بها وحده وليس لغيره أن يشاركه ذلك الاستمتاع، بل ولا الاختلاء بها خلوة محرمة، فإذا جاءت بولد فهو من زوجها، واحتمال أنه من غيره احتمال مرفوض، لأن الأصل حمل أحوال الناس على الصلاح حتى يثبت العكس.

- شروط ثبوت النسب بالفراش:

      وإذا كانت الشريعة جعلت الفراش طريقاً لإثبات النسب بمفرده، لكن ذلك يتوقف على توفر شروط بعضها متفق عليه بين الفقهاء، وبعضها مختلف فيه، وهذه الشروط:

      1- إمكان حمل الزوجة من زوجها بأن يكون الزوج ممن يتأتى منه الحمل، بأن يكون بالغاً أو مراهقاً على الأقل، فلو كان صغيراً دون ذلك لا تعتبر الزوجة فراشاً، لأنه لا يتصور أن تحمل منه زوجته، ومن ثم لا يثبت نسب ولد وضعته زوجته مهما كانت المدة بين العقد والوضع، وهذا متفق عليه بين الفقهاء.

      2- إمكان التلاقي بين الزوجين عادة بعد العقد، وهو شرط عند الأئمة الثلاثة (مالك والشافعي وأحمد) لأن العقد جعل المرأة فراشاً باعتبار أنه يبيح هذا الاتصال الذي هو سبب حقيقي للحمل، فلو انتفى إمكان التلاقي عادة وجاءت بولد بعد مضي ستة أشهر من حين العقد عليها لا يثبت نسبه منه.

      وذهب الحنفية إلى عدم اشتراط ذلك فقالوا: إن مجرد العقد يجعل المرأة فراشاً لأنه مظنة الاتصال، فإذا وجد كفى، لأن الاتصال لا يطلع عليه بخلاف العقد.

      3- أن تلد الزوجة لستة أشهر على الأقل من تاريخ العقد عليها عند المذاهب الأربعة ولكن مع إمكان التلاقي، لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر كما قدمنا، ومن وقت المخالطة في الزواج الفاسد لأن المرأة لا تصير فراشاً إلا بها فلو أتت به لأقل من ذلك لا يثبت نسبه إلا إذا ادعاه ولم يصرح بأنه من الزنا، فيثبت نسبه ويحمل ذلك على أن المرأة حملت به منه قبل العقد الصحيح عليها بناء على عقد آخر صحيح أو فاسد أو مخالطة لها بشبهة حفاظاً على الولد من الضياع وستراً على الأعراض، ويكون ثبوت النسب هنا بالإقرار لا بالفراش.

      4- أن تلده لأقل من أقصى مدة الحمل - على الاختلاف السابق فيها - من وقت الفرقة بالطلاق البائن أو الموت، فإذا جاءت به لسنتين فأكثر من حين الفرقة لا يثبت نسبه بالفراش السابق عند الحنفية، لأنه تبين أنها حملت به بعد انتهاء الفراش يقيناً.

      وإذا كان الطلاق رجعياً ثبت نسبه منه في أي وقت تجئ به ولو مضى سنتان فأكثر من وقت الطلاق ما لم تقر بانقضاء عدتها بعد طلاقها منه، ويجعل ذلك على أنه راجعها بعد الطلاق في عدتها التي قد يطول وقتها إذا امتد طهرها ويكون ثبوته بالفراش الذي استدامته الرجعة.

      تلك هي شروط ثبوت النسب بالفراش، فإذا تخلف منها شرط لا يثبت النسب منه إلا إذا ادعاه عند الحنفية، ويكون ثبوته في هذه الحالة بالدِّعوة لا بالفراش، ولا يملك نفيه إلا بعد إجراء اللعان الشرعي إذا توفرت شروطه، وهي تتلخص فيما يلي:

      1- أن ينفي الولد عند الولادة أو في مدة التهنئة بالمولود عند أبي حنيفة، أو في مدة النفاس في رأي آخر في المذهب الحنفي إذا كان حاضراً وقت الولادة، أو وقت حضوره أو وقت التهنئة إن كان غائباً عند أبي حنيفة، ومن مقدار مدة النفاس في رأي آخر في المذهب الحنفي.

      2- ألا يكون الزوج أقر بالولد صراحة أو دلالة كقبوله التهنئة أو سكوته عندها ولم يرد.

      3- أن يكون كل من الزوجين أهلاً للعان عند ابتداء الحمل بالولد.

      4- أن يكون الولد حياً عند الحكم بقطع النسب بعد إجراء اللعان والقضاء بنفيه عنه، فلو مات قبل القضاء بنفي نسبه لا ينتفى نسبه، لأن النسب يتقرر بالموت.

      وإذا انتفى نسبه باللعان لا يجوز عند الحنفية أن يلحق بغيره لو ادعاه لاحتمال أن يكذب الزوج نفسه ويعترف بنسبه على ما بيناه من قبل.

- ثبوت النسب في الزواج الفاسد:

      الزواج الفاسد لا تصير به المرأة فراشاً بالعقد بل بالدخول الحقيقي على المفتى به في المذهب الحنفي، فإذا ولدت المتزوجة زواجاً فاسداً لأقل من ستة أشهر من حين الدخول الحقيقي لا يثبت نسبه من الزوج إلا إذا ادعاه ولم يصرح إنه من الزنا، وإن جاءت به لستة أشهر فأكثر ثبت نسبه بدون دعوة منه.

      وإذا أتت به بعد المتاركة لأقل من سنتين من تاريخ الفرقة عند الحنفية، وإذا ولدته لأكثر من ذلك لا يثبت نسبه.

      ويلاحظ هنا: أن الولد إذا ثبت نسبه بالزواج الفاسد لا ينتفى بنفيه، لأن النسب الثابت بالفراش لا ينتفي إلا باللعان، ولا لعان إلا في الزواج الصحيح، وبناء عليه يكون الفراش الثابت بالزواج الفاسد أقوى من الفراش الثابت بالزواج الصحيح. هكذا يقولون:

      ثبوت النسب بالمخالطة بشبهه: هذه المخالطة لا تصير بها المرأة فراشاً، بل يثبت بها شبهة الفراش فإذا ولدت بعد أن خالطها بشبهة لا يثبت نسبه بتلك الشبهة إلا إذا انضم إليها الدِّعوة، وحينئذ يكون ثبوت النسب بالإقرار لا بالفراش.

- أما ثبوت النسب بعد الفرقة بين الزوجين فهو على التفصيل الآتي:

      1- المطلقة قبل الدخول: إذا ولدت ولداً لستة أشهر من وقت العقد ولأقل من ستة أشهر من وقت الطلاق ثبت نسبه من زوجها لإمكان الحمل منه وقت الفراش عند الحنفية الذي يثبت عندهم بمجرد العقد كما قدمنا، وإن جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت العقد لا يثبت نسبه، لأنه يدل على أنها حملت قبل أن تكون فراشاً لهذا الزواج، وإن جاءت به لستة أشهر من وقت الطلاق لا يثبت نسبه منه، لاحتمال أنها حملت بعد الطلاق من غيره، واحتمال أنها حملت قبل الطلاق لا يكفي لإثبات النسب هنا، لأن زوجيتها انقطعت بهذا الطلاق البائن حيث لا عدة عليها.

      وقد عللوا ذلك: بأن القاعدة عندهم. أن كل امرأة لا تجب عليها العدة لا يثبت نسب ولدها من زوجها إلا إذا علم يقيناً أنه منه بأن تأتي به لأقل من ستة أشهر من حين الطلاق، وكل امرأة تجب عليها العدة يثبت نسب ولدها من زوجها إلا إذا علم يقيناً أنه ليس منه بأن تجيء به لأكثر مدة الحمل.

      2- المطلقة بعد الدخول: ولها حالتان. إما أن تقر بانقضاء عدتها قبل الولادة أولاً. فإذا أقرت بانقضاء عدتها في مدة يحتمل انقضاء العدة فيها، ثم جاءت بولد لستة أشهر فأكثر من وقت الإقرار فلا يثبت نسبه من مطلقها سواء كان الطلاق رجعياً أم بائناً، لاحتمال أن يكون الحمل من غيره بعد العدة، وإن ولدته لأقل من ستة أشهر من وقت الإقرار بانقضاء عدتها ثبت نسبه وتكون كاذبة في إقرارها لأنها وقت الإقرار كانت حاملاً بيقين.

      وإذا لم تقر بانقضاء عدتها وجاءت بولد لأقل من سنتين من وقت الطلاق ثبت نسبه من مطلقها سواء كان الطلاق رجعياً أم بائناً.

      وإن جاءت به لسنتين فأكثر من وقت الطلاق ثبت نسبه إذا كان الطلاق رجعياً، ويحمل على أن زوجها خالطها أثناء العدة وتكون رجعة.

      وإن كان الطلاق بائناً لا يثبت نسبه، لأن الحمل كان بعد زوال الفراش إلا إذا ادعاه، فإنه يثبت نسبه بالدَّعوة لا بالفراش، ويحمل هذا الادعاء على أنه خالطها بشبهة أثناء العدة.

      3- المتوفى عنها زوجها: إما أن تدعي الحمل أولاً.

      فإن ادعت الحمل وجاءت بولد لأقل من سنتين من تاريخ الوفاة ثبت نسبه من زوجها لقيام الفراش حتى حملها، وإن جاءت به لسنتين فأكثر لا يثبت نسبه للتيقن بأن علوقها به كان بعد الموت.

      وإن لم تدع الحمل وأقرت بانقضاء عدتها بمضي أربعة أشهر وعشرة أيام ثم جاءت بولد لأقل من ستة أشهر من وقت انقضاء عدتها الذي زعمته ثبت نسبه لإمكان علوقها به قبل وفاته وظهور كذبها في دعوى انقضاء عدتها.

      وإن جاء به لستة أشهر فأكثر من وقت انقضاء عدتها لا يثبت نسبه لاحتمال أن يكون حملها من غير زوجها بعد انقضاء عدتها.

المبحث الثاني

- الإقرار:

      كما يثبت النسب بالفراش، وهو قاصر على إثبات نسب الأولاد، لأنه يكون بين رجل وامرأة بينهما علاقة حصل بينهما اتصال جنسي مشروع ولو بوجه، وولادة من المرأة في ظل هذه العلاقة أو آثارها بعد انقطاعها في العدة، وهو في الواقع منشئ للنسب، ولا يحتاج إلى إقرار.

      كما يثبت بذلك يثبت بالإقرار، ويسميه الفقهاء بثبوت النسب بالدِّعوة.

      ومعنى الإقرار بالنسب: إخبار الشخص بوجود القرابة بينه وبين شخص آخر.

      وهذه القرابة تتنوع إلى نوعين:

      1- قرابة مباشرة: وهي الصلة القائمة بين الأصول والفروع لدرجة واحدة كالبنوة والأبوة والأمومة.

      2- قرابة غير مباشرة: وهي قرابة الحواشي الذي يجمعهم أصل مشترك دون أن يكون أحدهما فرعاً لآخر كالأخوة والعمومة، ومثلها قرابة الأصول والفروع بعد الدرجة الأولى كالأجداد والحفدة.

      ومن هنا تنوع الإقرار بالنسب إلى نوعين:

      الأول: إقرار الشخص بالنسب على نفسه وهو الإقرار بأصل النسب وهذا يكون بالولد الصلبي إبناً أو بنتاً والوالدين المباشرين له. كأن يقول : هذا ابني أو أبي، أو هذه ابنتي أو أمي.

      وفي هذا النوع إذا توفرت شروط صحة الإقرار يثبت النسب وأصبح المقر بنسبه ابناً أو بنتاً أو أباً أو أماً، ولا يجوز له الرجوع عن هذا الإقرار. وإنما كان هذا إقراراً بالنسب على نفس المقر لأن النسب فيه علاقة بينه وبين المقر له فقط وليس فيه تحميل النسب على غيرهما، وإذا ثبتت هذه القرابة ترتبت جميع الآثار عليها وتتعدى هذه الآثار إلى جميع الأقارب والأرحام دون استثناء.

      ويشترط لثبوت النسب به في حالة الإقرار بالبنونة الشروط الآتية:

      1- أن يكون المقر له بالبنونة مجهول النسب حتى يمكن إثبات بنوته للمقر، فلو كان له نسب معروف لم يصح الإقرار، لأن الشخص لا يكون له أبوان، ونسبه الثابت قبل الإقرار لا يقبل الفسخ كما لا يقبل التحويل.

      ويلاحظ أن ولد المتلاعنين وإن حكم بنفي نسبه من الزوج الملاعن إلا أنه يعتبر في حكم ثابت النسب فلا يثبت نسبه بإقرار غير الملاعن لجواز أن يكذب الملاعن نفسه فيثبت نسبه منه، ولأن في قبول هذا الاقرار تسجيلاً للفاحشة على المرأة.

      2- أن يكون المقَر له بالبنوة مما يولد لمثل المقِر بأن تكون سنهما تحتمل ذلك، فلو كانا في سنين متساويين أو متقاربين بحيث لا يولد أحدهما للآخر لم يصح الإقرار، لأن الواقع يكذبه في هذا الإقرار.

      3- أن يصدق المقَر له المقِر في هذا الإقرار إذا كان من أهل المصادقة، وهو المميز عند الحنفية، لأن الإقرار حجة قاصرة على المقر فلا يتعدى إلى غيره إلا ببينة أو تصديق من الغير، وهذا الإقرار يتضمن دعوى البنوة على المقَر له، ويترتب على هذا النسب حقوق لكل من المقِر والمقَر له على الآخر.

      فإن كان المقَر له غير مميز ثبت النسب دون حاجة إلى تصديق، لأن غير المميز ليست له عبارة معتبرة، ولأن هذا الإقرار - من ناحية أخرى - فيه منفعة أدبية لهذا الصغير بإثبات نسبه بعد أن كان مجهولاً، ومنفعة مادية غالباً لحاجته إلى من يقوم بشئونه والإنفاق عليه، ولو كان مميزاً لبادر إلى التصديق ما لم يمنعه مانع منه.

      وإذا كان ثبوت النسب بالإقرار يتوقف على تصديق المقر له، فلو صدقه ثبت النسب، ولو كذبه لا يثبت النسب بعد هذا التكذيب، لكنه لا يبطل الإقرار بل يظل قائماً ما دام المقَر له حياً لجواز أن يرجع عن تكذيبه ويصدقه فيثبت النسب، لأن الإقرار بالنسب لا يبطل بالرد من المقر له بخلاف الإقرار بالحقوق المالية فإنه يبطل بالرد.

      وفي حالة التكذيب لو أقام المقِر البينة على دعواه ثبت النسب بالبينة لا بالإقرار.

      4- ألا يصر المقر بأن هذا ابنه من الزنا، فإن صرح بذلك لا يثبت به النسب، لأن الزنا جريمة لا تصلح أن تكون سبباً للنسب الذي هو نعمة من نعم الله التي امتن بها على عباده يقول جل شأنه: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً} [النحل:72].

      ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الولد للفراش وللعاهر الحجر".

      ولأن المقر بالنسب لا يلزم ببيان السبب في تلك البنوة إذا لم يصرح به، لأن الأصل حمل حال الناس على الصلاح حتى يثبت عكس ذلك، ولأنه لو صرح بالسبب من زواج صحيح أو فاسد كان النسب ثابتاً بالفراش بعد إثباته لا بالإقرار المجرد.

      وكما يقبل الإقرار من الرجل بالبنوة بالشروط السابقة كذلك يقبل من المرأة الإقرار بالبنوة بشروط ثلاثة: ألا يكون للولد أم معروفة.

      وأن يولد مثله لمثلها.

      وأن يصدقها الولد في هذا الإقرار إن كان مميزاً عند الحنفية.

      ويقتصر النسب عليها إذا لم تكن زوجة ولا معتدة، فإن كانت زوجة أو معتدة من زواج صحيح أو فاسد وادعت أن الولد ليس من هذا الزوج يثبت نسبه منها بإقرارها، لأن هذا الإقرار إلزام لنفسها لا لغيرها وهي أهل للالتزام بالنسب كالرجل.

      فإن لم تدع أنه من غير زوجها لا يثبت النسب من زوجها إلا إذا صدقها الزوج في ذلك الإقرار، لأن إقرارها في هذه الحالة يتضمن تحميل النسب على غيرها وهو الزوج، فإن صدقها أو أقامت البينة على أنه ولد على فراشه بشهادة القابلة أو امرأة أخرى من أهل العدالة ثبت النسب منهما معاً.

      وبهذا يظهر الفرق بين إقرار المرأة ببنوة ولد من الزنا وإقرار الرجل بذلك.

      فيصح إقرار المرأة إذا أثبتت ولادته له دون الرجل عند الحنفية بلا خلاف.

      الإقرار بالأبوة أو الأمومة:

      وكما يصح إقرار الرجل والمرأة ببنوة الولد يصح إقرار الولد بأبوة شخص معين، أو بأمومة امرأة معينة، وتثبت الأبوة والأمومة إذا توفرت شروط ثلاثة.

      1- أن يكون المقِر مجهول الأب أو الأم.

      2- وأن يولد مثله لمثل المقَر له منهما.

      3- وأن يصدقه المقَر له مطلقاً، لأنه لا يكون إلا كبيراً أو كبيرة.

      ويزيد إقراره بالأبوة ألا يصرح بأنه أبوه من الزنا، أما إذا صرح في إقراره بالأمومة بأنها أتت به من سفاح، وتوفرت الشروط الثلاثة السابقة، وأثبتت ولادته من الزنى ثبت نسبه منها.

      ومما ينبغي ملاحظته هنا: أن المقر بالنسب إذا أنكر أنه أقر فأقام المستفيد من هذا الإقرار بينة على إقراره ثبت ذلك الإقرار بتلك البينة وثبت النسب بذلك الإقرار.

      الثاني: وهو إقرار الشخص بالنسب على الغير، ويكون بالإقرار بالنوع الثاني من القرابة، ويسمى الأقرار بفرع النسب. كالإقرار بالأخوة والأعمام والأجداد وأولاد الأولاد.

      فإذا قال: هذا أخي كان إقراراً بالنسب على أبيه، لأن معناه هذا ابن أبي، وإذا قال : هذا عمي كان إقراراً بالنسب على جده، لأن معناه هذا ابن جدي وهكذا بقية القرابات.

      وهذا الإقرار يتضمن أمرين:

      1- تحميل النسب على الغير.

      2- استحقاق المقَر له في مال المقَر عليه بعد وفاته.

      والإقرار حجة قاصرة لا تتعدى المقر إلى غيره فلا يكون له أثر فيما يتعلق بالغير فيرد إقراره بالنسب فلا يثبت به نسب المقر له على ذلك، لأنه لا يملك أحد أن يلحق نسب شخص بآخر بمجرد دعواه حتى ولو صدقه المقَر له في ذلك الإقرار، لأنه متهم في هذا التصديق حيث يجر إليه نفعاً لا يوجد بدون الإقرار.

      ولا يثبت النسب إلا بأحد أمرين:

      أولهما: أن يصدقه المقَر عليه بالنسب، ويكون هذا التصديق من النوع الأول من الإقرار، وهو الإقرار على النفس، ولا يكون لإقرار المقر هنا أثر في ثبوت النسب بل يعتبر تصديق المقر عليه إقراراً مبتدأ بالنسب، لأنه لو أقر به ابتداء ثبت إذا توفرت شروطه.

      ثانيهما: إذا أقام المقر بينة على دعواه أو صدقه ورثة المقَر عليه بعد وفاته، لأن تصديقهم يعتبر بينة فيثبت النسب بالبينة لا بالإقرار، وهو النوع الثالث من مثبتات النسب.

      وإذا لم يكن للإقرار على الغير أثر في ثبوت النسب جاز له الرجوع عنه بعد صدوره منه.

      وإذ ثبت على إقراره قُبل في حق نفسه فيعامل بمقتضى ذلك الإقرار في الحقوق المالية إذا توافرت بقية شروط صحة الإقرار من كون المقر له مجهول النسب، وكونه مما يتصور أن يولد مثله لمثل المقر عليه، وأن يصدق المقر له المقر في هذا الإقرار، فلو كان المقر له عاجزاً عن الكسب ولا مال له لزم المقر نفقته إن كان سراً.

      فإذا مات من يرثه المقِر بالقرابة النسبية وورث منه شاركه المقَر له في نصيبه عند الحنفية والمالكية الحنابلة على اختلاف بينهم في مقدار المشاركة.

      وذهب الشافعية إلى أنه إن ثبت نسبه ورث في مرتبته، وإن لم يثبت لا يرث لا بنسب ولا بغيره لأن إقرار المقر بالنسب باطل وهو أساس الإرث، فإذا لم يثبت لا يثبت ما يترتب عليه ثم قالوا: إن هذا في الظاهر أي في القضاء، وهل يلزمه ديانة قولان أصحهما لا يلزمه.

      وإذا مات المقر بهذا النسب ولم يوجد له وارث بأي سبب من الأسباب استحق المقر له تركته كلها بطريق الميراث عند الحنفية، لأنه لما بطل إقراره بهذا النسب بقي إقراره بالمال صحيحاً، لأنه لا يعدوه إلى غيره إذا لم يكن له وارث معروف، ولذلك جعلوه آخر مراتب الورثة فيستحق كل التركة إذا لم يكن له وارث أصلاً، وباقيها بعد فرض أحد الزوجين لأنهم لا يقولون بالرد على الزوجين.

- الفرق بين الإقرار بالبنوة والتبني:

      إن الإقرار بالبنوة هو اعتراف بنسب حقيقي لشخص مجهول النسب، فهو يعترف ببنوة ولد مخلوق من مائه فيكون ابناً له ثابت النسب منه وليس له نسب آخر يتساوى مع ابنه الثابت نسبه بالفراش لا فرق بينهما إلا في طريق الإثبات تثبت له كافة الحقوق الثابتة للأبناء من النفقة والإرث وحرمة المصاهرة، واحتمال أنه كاذب في الواقع لا يلتفت إليه، لأنه لا يوجد ما يثبت كذبه، فالظاهر يصدقه، والله يتولى سرائره.

      أما التبني فهو استلحاق شخص ولداً معروف النسب لغيره أو مجهول النسب كاللقيط ويصرح أنه يتخذه ولداً له مع كونه ليس ولداً له في الحقيقة.

      وهذا النوع هو الذي كان في الجاهلية، وقد كانوا يجعلونه كالابن الحقيقي يأخذ أحكامه من النفقة والميراث وتحريم زوجته على متبنيه.

      فلما جاء الإسلام أبطله وبين أنه مجرد دعوى لا أساس لها يقول الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 4، 5].

      ومع أن هذا التبني كذب وافتراء على الله والناس كما صرح القرآن بذلك يؤدي إلى مفاسد كثيرة.

      منها: أنه يأتي بشخص أجنبي يعيش مع أجنبيات عنه لا تربطه بهم رابطة مشروعة، فيطلع منهن على ما حرم الله الاطلاع عليه ويحرم عليه الزواج منهن مع أنهن محللات له.

      ومنها: أنه يحمل الأقارب واجبات تترتب على ذلك فتجب نفقة ذلك المتبنى عليهم إن كان محتاجاً إليها، ويشاركهم الميراث فيحرمهم من بعض ما يستحقونه منه.

      وقد يستعمل وسيلة للحرمان منه، بأن يعمد الرجل صاحب المال فيتبنى ابناً ليرث ماله ويحرم منه أصحاب الحق في الميراث بشرع الله من أخوة وأخوات فيغرس بذلك بذور الشقاق والحقد بين الأسر، ويفككها ويقطع حبل المودة بين أفرادها.

      ولو لم يكن في التبني من هذه المفاسد إلا إحداها لكان خليقاً بالإلغاء والإهدار.

      وإذا كان الشارع قد حرم التبني لما فيه من المفاسد وأغلق بابه فلم يغلق باب الإحسان بل فتحه على مصراعيه، وجعل للشخص إذا وجد طفلاً بائساً محروماً ممن يقوم بشأنه ويتولاه برعايته أن يأخذه ليربيه وينفق عليه ليمسح بيده الرحيمة عن هذا المخلوق آثار البؤس والفاقة، كما لم يمنعه من أن يهبه بعض ماله أو يوصي له ببعضه إذا لم يبلغ الغاية من التربية دون أن يلحقه بالنسب إليه، ودون أن يجوز بفعله على حقوق أبنائه أو أقاربه.

المبحث الثالث

في البينة

      كما يثبت النسب بالإقرار بشروطه السابقة يثبت النسب بالبينة، بل هي أقوى من الإقرار، لأنها حجة متعدية إلى الغير، والإقرار حجة قاصرة تقتصر على المقر.

      ولذلك لو تعارض إقرار وبينة في دعوى النسب رجح جانب صاحب البينة.

      فلو كان هناك ولد ليس له نسب معروف فأخذه رجل وادعى نسبه، وتوفرت شروط الإقرار السابقة ثبت نسبه بذلك الإقرار، فلو جاء رجل آخر وادعى نسبه وأقام بينة صحيحة على أنه ابنه كان أحق به من المقر، لأن النسب وإن ثبت في الظاهر بالإقرار إلا أنه غير مؤكد فاحتمل البطلان بالبينة لأنها أقوى منه.

      والبينة التي يثبت بها النسب هنا هي شهادة رجلين أو رجل وامرأتين.

      فإذا ادعى رجل: أن فلاناً ابنه أو أبوه أو أخوه أو عمه أو جده أو ابن ابنه وأنكر المدعى عليه هذه الدعوى فأقام المدعي البينة على دعواه قبلت هذه الدعوى وثبت النسب وترتبت كل الحقوق والأحكام التي تبنى على هذا النسب بعد توافر الشروط المصححة لتلك الدعوى وقد قدمناها في الإقرار.

      ومما يلاحظ هنا: أن دعوى النسب تقبل مجردة في بعض الحالات، ولا تقبل في بعضها إلا إذا كانت ضمن حق آخر على التفصيل الآتي.

      فإذا كانت بأصل النسب وهو الأبوة والبنوة. فإن كانت حال حياة الأب أو الابن سمعت الدعوى مجردة بالنسب، ويجري الإثبات على النسب قصداً، وأولى أن يقبل ضمن حق آخر كالنفقة والميراث.

      وإن كانت الدعوى بعد وفاة الأب أو الابن فلا تسمع الدعوى بالنسب استقلالاً، لأنها دعوى على ميت وهو غائب، والغائب لا يصح القضاء عليه قصداً ويصح تبعاً.

      أما إذا كانت ضمن حق آخر كدعوى الميراث مثلاً، فإنها تقبل لأن النسب هنا ليس مقصوداً لذاته بل هو وسيلة لإثبات الحق المتنازع فيه، والخصم هنا ليس هو الميت بل الورثة أو من بيده التركة.

      وإذا كانت الدعوى بما يتفرع على أصل النسب كالأخوة والعمومة مثلاً فلا تسمع الدعوى بالنسب على سبيل الاستقلال حياً كان المدعى عليه بالنسب أو ميتاً، لأنه هذه الدعوى فيها تحميل النسب على الغير، ولا يثبت النسب إلا إذا ثبت من الغير أولاً وهو الأب أو الجد فلا يكون النسب هنا مقصوداً بالذات للمدعي، بل المقصود ما يترتب عليه من الحقوق كالنفقة والإرث.

      فإذا ادعى النسب مجرداً عن حق آخر كانت دعوى بحق غير مقصود له فلا تقبل، وإن كانت ضمن دعوى حق آخر لا يثبت إلا إذا ثبت النسب، كالنفقة أو الميراث كان دعوى مقبولة سواء كان المدعى عليه حياً أو ميتاً لأن المقصود الأصلي هو الحق المترتب على ثبوت النسب، والخصم هنا من بيده التركة، فيقضي له بالحق الذي يدعيه ويثبت النسب ضمناً وتبعاً.

      كما يلاحظ أيضاً: أن هذه الطرق الثلاثة ليست كلها في مرتبة واحدة، بل إن الفراش هو السبب الحقيقي للنسب لأنه المنشيء له، أما الإقرار والبينة فهما سببان ظاهريان يدل كل منهما على وجود السبب الحقيقي وهو الفراش، لأن الولد الشرعي لا يكون إلا ثمرة فراش.

  • محمد الشافعي
    محمد الشافعي

    البَاب الثالث

    في الحضانة:

    الفَصل الأول

    في التعريف بها وأصحاب الحق فيها

    تعريف الحضانة:

          الحضانة لغة: ضم الشيء إلى الحضن. وهو الجنب (ما بين الإبط إلى الكشح) أو الصدر أو العضدان وما بينهما، تقول: حضنت الشيء واحتضنته إذا ضممته إلى جنبك، وحضنت الأم طفلها إذا ضمته إلى صدرها.

          والحضانة شرعاً: هي القيام على تربية الطفل الذي لا يستقل بأمره برعاية شئونه من تدبير طعامه وملبسه ونومه وتنظيفه ووقايته عما يهلكه أو يضره.

          والحضانة: أمر يتوقف وجوده على شخصين حاضن ومحضون، والمحضون هو الطفل الصغير، والحاضن إما امرأة أو رجل، والصغير محتاج إلى الحضانة فهي في جانبه حق لأنه المنتفع بها، ولأنه ليس أهلاً للوجوب، وأما الجانب الآخر وهو الحاضن فهو مكلف بعمل وهو أهل للوجوب عليه.

    - فهل الحضانة حق أو واجب؟

          إذا نظرنا إلى شخص معين كالأم مثلاً نقول: إنها أحق الناس بحضانة طفلها ما لم يمنع من ذلك مانع، فإذا تمسكت به أجيبت إليه، وإذا تنازلت عنه عند وجود من يصلح له صح ذلك التنازل، وهذا يعني أنه حق لها، وإذا لم يوجد من يصلح له أجبرت عليه، وإذا استعاضت عنه بشيء لا يصح، وهذا يعني أنه واجب عليها.

          وعلى هذا نستطيع أن تقول : إنه حق لكل من الحاضنة والمحضون وإن كان في جانب المحضون أقوى، لأنه يجب توفره له في كل حال سواء وجدت حاضنة واحدة أو تعددت الحاضنات، فإن لم يكن له إلا حاضنة واحدة تعين عليها فيكون واجباً لا مجرد حق.

          وإن تعددت الحاضنات كانت حقاً لمن كانت في المرتبة الأولى لا يقبل منها إسقاطه إلا إذا وجد من يقوم به ممن تأهل للحضانة.

          ويتفرع على كونها حقاً للصغير الأحكام الآتية:

          1- إذا تعينت الحاضنة أماً كانت أو غير أم أجبرت عليها إذا امتنعت عنها حتى لا يفوت على الصغير حقه.

          2- إذا خالعت الأم زوجها على أن تترك حضانتها لولدها وتتركه لأبيه صح الخلع وبطل الشرط، لأنه يبطل حق الصغير في الحضانة، وهي وإن ملكت إبطال حقها فيها فلا تملك إبطال حق الصغير.

          3- إذا صالحت زوجها على إسقاط حقها في الحضانة في مقابلة دين عليها له كان صلحاً باطلاً، لأنه يترتب عليه إسقاط حق الصغير، ولذلك لو صالحته على إسقاط حقها في أجرة الحضان في مقابلة الدين صح ذلك الصلح لأن الأجرة حق خالص لها.

          ويتفرع على كونها حقاً للحاضنة ما يلي :

          1- ليس للأب ولا لغيره أن ينزع الصغير من صاحبة الحق في حضانته ليعطيه لحاضنة أخرى تليها في هذا الحق إلا بمسوغ شرعي، لأن نزعه منها في هذه الحالة تفويت لحقها في الحضانة.

          2- إذا كانت المرضعة غير الحاضنة وجب عليها إرضاعه على وجه لا يفوت حق الحاضنة بأن ترضعه عندها أو ينقل إليها الطفل وقت الرضاعة ثم يرد إلى حاضنته.

          3- لا تجبر الحاضنة على القيام بالحضانة إذا امتنعت عنها عند وجود حاضنة أخرى تقبلها، لأنها أسقطت حقها دون أن تفوت على الصغير حقه.

    - متى يثبت له حق الحضانة على الصغير:

          إذا كان الطفل يخرج إلى الحياة عاجزاً عن كل شيء فيحتاج إلى من يقوم بأموره كلها، فإذا بلغ حد التمييز واستطاع أن يقوم ببعض شؤونه ظهرت حاجته إلى نوع آخر من الخدمة كالتعليم والتهذيب والصيانة عن الفساد، فهو في طوريه محتاج إلى خدمة، ولما كان النساء أقدر على النوع الأول لما لهن من الخبرة في هذه الأمور والصبر عليها جعله الشارع إليهن وقدمهن على الرجال في حق الحضانة، ولما كان الرجال أقدر على النوع الثاني وكله الشارع إليهم، فتوزعت المسؤولية بين النساء والرجال.

          ولما كانت الأم بطبيعتها أحنى على وليدها من غيرها فشفقتها لا تعد لها شفقة، وعطفها لا يقاربه عطف جعلت في المرتبة الأولى من الحاضنات.

          وبهذا مضى قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده دون أن يخالف أحد في ذلك.

          روى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص: ان امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وحجري له حواء، وثديي له سقاء وإن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني فقال: "أنت أحق به ما لم تنكحي".

          وروى أن عمر بن الخطاب طلق زوجته أم عاصم ثم أتى عليها وفي حجرها عاصم فأراد أن يأخذه منها فتجاذباه بينهما حتى بكى الغلام، فانطلقا إلى أبي بكر، فقال: مسحها وحجرها وريحها خير له منك حتى يشب الصبي فيختار لنفسه"، وفي رواية أخرى: "ريقها خير له من شهد وعسل عندك يا عمر" وكان ذلك بمحضر من كثير من الصحابة.

          وفي رواية ثالثة أن النزاع كان بين عمر وجدة الغلام بعد أن تزوجت أمه، وأنه رآه في الطريق فأخذه، فلما ترافعا إلى أبي بكر قال: "ريحها ومسها وريقها خير له من الشهد عندك يا عمر".

          ويثبت هذا الحق للأم سواء كانت زوجة لأبي الصغير أو معتدة أو غير معتدة مادامت أهلاً للحضانة ولم يمنع من حضانتها مانع كتزويجها بأجنبي أو بقريب غير محرم.

          فإن ماتت أو منع من حضانتها مانع انتقلت الحضانة إلى محارم الصغير من النساء الأقرب فالأقرب فتنتقل إلى الجدة لأم وإن علت درجتها، ثم إلى أم الأب وإن علت، وإنما تأخرت مرتبتها عن الجدة لأم لأن قرابتها من جهة الأب وهو مؤخر عن الأم.

          فإن لم توجد واحدة من الجدات انتقلت الحضانة إلى الأخوات على أن تقدم الأخت الشقيقة وتليها الأخت لأم، فإن لم تكن تكون للأخت لأب على الرواية الراجحة في المذهب، وفي الرواية الأخرى أن الأخت لأب مؤخرة عن الخالة.

          فإن لم توجد واحدة من الأخوات المؤهلات للحضانة انتقل الحق إلى بنت الأخت الشقيقة ثم بنت الأخت لأم، فإن لم يوجد منهن من تصلح للحضانة انتقل الحق إلى الخالات فتقدم الشقيقة ثم تليها الخالة لأم ثم الخالة لأب، فإن لم يوجد من الخالات من يصلح انتقل الحق إلى بنت الأخت لأب، ويجيء بعدها بنات الأخوة على الترتيب تقدم بنت الأخ الشقيق ثم بنت الأخ لأم ثم بنت الأخ لأب، فإن لم يوجد من تصلح انتقل الحق إلى العمات على الترتيب السابق.

          فإن لم يوجد من العمات من تصلح انتقل الحق إلى خالات الأم على الترتيب السابق، ثم يليهن خالات الأب تقدم خالة الأب الشقيقة ثم خالته من الأم ثم خالته من الأب، ثم عمات الأم على الترتيب السابق، ثم عمات الأب كذلك على الترتيب السابق.

          ومما يلاحظ هنا في هذا الترتيب: أن قرابة الأم مقدمة على قرابة الأب في جميع الأصناف عند اتحاد الدرجة، لأن الأم مقدمة في الحضانة على الأب فتكون قرابتها كذلك، ولأن قرابة الأم أعطف على الصغير من قرابة الأب.

          وأن الجدة مقدمة على الأخت مطلقاً، لأن الجدة أعطف على الصغير من الأخت، ولأن اتصالها بالصغير من طريق الولادة فهو كالجزء منها.

          وأن القرابة الشقيقة مقدمة على غيرها لقوتها بتعدد جهتها وتوفر الشفقة.

          وأن بنت الأخت مقدمة على العمة لأنها فرع الأبوين أو أحدهما، والعمة فرع الجدين أو أحدهما.

          وإذا لم يوجد من النساء المحارم من تصلح للحضانة، أو وجدت ولم تكن أهلاً لها انتقلت الحضانة إلى الرجال من العصبات مطلقاً إن كان الطفل ذكراً، وإلى العصبة المحارم إن كان أنثى ويرتبون كترتيبهم في الميراث فيقدم الأب ثم الجد لأب وإن علا، ثم الأخ الشقيق ثم الأخ لأب، ثم ابن الأخ الشقيق، ثم ابن الأخ لأب، ثم العم الشقيق ثم العم لأب، ثم عم الأب الشقيق، ثم عم الأب لأب. فهؤلاء تثبت لهم الحضانة بهذا الترتيب على الصغير مطلقاً ذكراً كان أو أنثى، لأن كل هؤلاء من المحارم.

          ويأتي بعد هؤلاء ابن العم الشقيق، ثم ابن العم لأب بالنسبة للذكر، وليست لهما حضانة على الأنثى لأنهما من غير المحارم، والحضانة تمتد إلى سن المراهقة وفيها يخشى الوقوع في الفتنة.

          فإذا لم يكن للصغيرة إلا ابن عمها يختار لها القاضي حسب رأيه ما يراه صالحاً لها فيضعها عند امرأة ثقة مأمونة إن لم يكن ابن عمها صالحاً مأموناً. وإن وجده صالحاً مأموناً ضمها إليه.

          فإن لم يوجد للصغير عاصب مطلقاً من الرجال ولا عاصب محرم للصغيرة أو وجد ولكنه ليس أهلاً للحضانة انتقلت الحضانة إلى المحارم من غير العصبة، وهم ذووا الأرحام الأقرب فالأقرب فتثبت للجد أبي الأم، ثم الأخ لأم، ثم ابن الأخ لأم، ثم العم لأم، ثم الخال الشقيق، ثم الخال لأب، ثم الخال لأم.

          فإن لم يوجد واحد من هؤلاء انتقلت الحضانة إلى الأقرباء من غير المحارم كأولاد الخال وأولاد الخالة على أن لا يكون للرجال حضانة الإناث، ولا للإناث حضانة للذكور، لأن القرابة غير المحرمية يحل معها الزواج فيخشى أن يترتب على الضم مفسدة.

          فإن لم يكن أحد من هؤلاء كان الرأي للقاضي يضمه إلى رجل أو امرأة ممن يثق في صلاحهم وقدرتهم على هذا العمل.

          ويلاحظ هنا أنه إذا تعدد المستحقون للحضانة من الرجال والنساء وكانوا في درجة واحدة وقوة واحدة كأخوة أشقاء أو أعمام أشقاء أو خالات شقيقات أو أخوات شقيقات قدم أصلحهم لتربية الطفل وأقدرهم على رعايته، فإن تساووا في الصلاح فأورعهم، فإن تساووا فيه فأسنهم لأنه يكون أكثر تجربة من غيره. هذا هو مذهب الحنفية في من له حق الحضانة.

    الفَصل الثّاني

    - شروط أهلية الحضانة:

          لما كان الغرض من الحضانة تحقيق المصلحة للطفل ودفع كل ما يُلحق به الضرر شُرط في الحاضنة من النساء والحاضن من الرجال توافر صفات معينة بها تتحقق الأهلية للحضانة، فإن اختلت واحدة منها في شخص سقط حقه فيها وانتقل إلى من يليه.

    - شروط أهلية النساء للحضانة:

          1- أن تكون بالغة، لأن غير البالغة ولو كانت مميزة لا تستطيع أن تقوم بشئونها كلها فكيف يوكل إليها القيام بشئون غيرها.

          2- أن تكون عاقلة لأن غير العاقلة لا تحسن القيام على شئون الصغير لعدم معرفتها ما ينفعه بل يخشى عليه الضرر منها فلا تكون أهلاً للحضانة.

          3- أن تكون قادرة على القيام بما تتطلبه الحضانة من أعمال، فلو كانت عاجزة عن ذلك لكبر سن أو مرض أو عاهة تحول بينها وبين أداء وظيفتها كالعمى لم تكن أهلاً للحضانة، وكذلك لو كانت قادرة على أعمال الحضانة ولكنها مريضة مرضاً يخشى على حياة الطفل منه لا تكون أهلاً لها.

          ولو كانت محترفة لحرفة تحول بينها وبين رعاية الصغير لا يكون لها حق في الحضانة، أما إذا كان عملها لا يمنعها من رعايته بأن تتمكن من التوفيق بين عملها وما تتطلبه الحضانة لا يسقط حقها فيها.

          4- أن تكون أمينة على أخلاق الصغير، فإن كانت فاسقة كاحترافها الرقص أو النشل أو ارتكاب الفاحشة فإنه يسقط حقها في الحضانة بأحد أمرين. عدم قيامها بشئون الطفل وإهماله، والخوف على أخلاق الصغير أن تتأثر بها، فإن لم يوجد شيء منهما لا يسقط حقها فيها.

          5- ألا تكون متزوجة بغير ذي رحم محرم من الصغير، بأن تكون غير متزوجة أو متزوجة بقريب محرم منه كعمه أو جده مثلاً.

          فإن كانت متزوجة من أجنبي، أو من قريب غير محرم كابن عمه، أو من محرم غير قريب كأخيه من الرضاع سقط حقها في الحضانة، لأن الغالب في هؤلاء ألا يعطفوا على الصغير كعطف قريبه المحرم، ويزيد الأجنبي أنه يبغضه ويقسو عليه، لأن الزوج غالباً لا يحب ابن زوجته فينشأ الطفل في جو يسوده البغض والكراهية فيتعقد نفسياً.

          ولأن وقت الزوجة لزوجها وله الحق في منعها من القيام بشئون ذلك الطفل الذي لا صلة له به، بخلاف ما إذا كان الزوج محرماً للصغير، لأن القرابة المحرمية داعية إلى العطف والشفقة على الصغير فلا خوف عليه.

          6- ألا تقيم بالصغير عند من يبغضه ولو كان قريباً له، لأن الحضانة مشروعة لمصلحة الصغير، وسكناها عند من يبغضه يعرضه للأذى وإلحاق الضرر به، فلو فعلت ذلك ولم تخرج إلى بيت آخر سقط حقها.

          7- ألا تكون مرتدة عن الإسلام، فإذا كانت الأم مسلمة وارتدت عن الإسلام سقط حقها في الحضانة لأن المرتدة عند الحنفية تحبس حتى تعود إلى الإسلام أو تموت، ومثلُ هذه لا تستطيع القيام بأعمال الحضانة.

          هذا ولا يشترط إسلام الحاضنة سواء كانت أماً أو غير أم، فالكتابة تستحق الحضانة لأن أساس الحضانة الشفقة على الصغير وهي متوفرة عند كل حاضنة ولا تأثير للدين في ذلك، ويبقى معها إلى أن تنتهي مدة الحضانة إلا إذا خيف عليه أن يتأثر بدينها أو أن يتعود تناول ما حرمه الإسلام من لحم الخنزير وشرب الخمر فإنه يؤخذ منها ويسلم لمن تستحق الحضانة بعدها.

    - شروط أهلية الحضانة للرجال:

          يشترط في الحاضن من الرجال: أن يكون بالغاً عاقلاً قادراً على القيام بمصالح الصغير أميناً على تربيته كما يشترط في النساء.

          ويزاد على ذلك: أن يتحد مع المحضون في الدين، لأن الحضانة نوع من الولاية على النفس، ولا ولاية مع اختلاف الدين، ولأن حق الرجال في الحضانة مبني على الميراث، ولا توارث مع اختلاف الدين، فلو كان للصغير قريبان في درجة واحدة واختلفوا في الدين تكون الحضانة لمن يوافقه في الدين.

          هذا ومن كان له الحق في الحضانة رجلاً كان أو امرأة وسقط حقه لسبب من الأسباب ثم زال ذلك السبب يعود إليه الحق مرة ثانية.

    الفصل الثالث

    في أجرة الحضانة واستحقاقها، ومن تجب عليه

          لما كانت الحضانة تتمثل في خدمة الطفل والقيام بشؤونه فهي عمل مشروع يمكن الاعتياض عنه بالمال ويسمى ذلك العوض في عرف الفقهاء بأجرة الحضانة. غير أن ذلك العوض ليس أجرة خالصة بل فيه شبه بالنفقة وكيفما كان فلمن يكون؟

          الحنفية يقولون: الحاضنة إما أن تكون أماً للطفل أو غير أم، فإن كانت غير الأم استحق الأجرة على الحضانة ما لم تتبرع بها، وإن كانت الأم فإنها لا تستحق أجراً على الحضانة إذا كانت زوجة لأبي الصغير أو معتدة له من طلاق رجعي بلا خلاف في المذهب، وكذلك إذا كانت معتدة له من طلاق بائن في إحدى الروايتين، لأنها في تلك الحالات تستحق النفقة على أبي الصغير للزوجية أو للعدة فلا تستحق عليه نفقة أخرى في نظير حضانة ولده لأن الأولى كافية كما قدمنا في أجرة الرضاع فإذا لم يكن لها نفقة على الأب لانتهاء عدتها أو لمنعها من المطالبة بنفقة أثناء العدة لمضي سنة من وقت الفرقة بينهما أو لكونها أبرأت زوجها من نفقة العدة في نظير طلاقها استحقت أجرة على الحضانة.

    - متى تستحق الحاضنة الأجر؟

          لما كانت الحاضنة تشبة الرضاع إلى حد كبير فما قدمناه في استحقاق أجرة الرضاع من تفصيل بين الأم وغيرها يجري هنا.

          وخلاصته: أن الأم تستحق الأجرة على الحضانة في الحالات التي تجب لها فيها من وقت قيامها بأعمال الحضانة ولا يتوقف الاستحقاق على سبق اتفاق بينها وبين أبي الطفل أو قضاء بذلك.

          أما غيرها فلا تستحق الأجر إلا من تأريخ الاتفاق عليها أو قضاء القاضي بها، فلو قامت بها قبل الاتفاق أو القضاء لا يحق لها المطالبة بالأجر على تلك المدة، لأنهما كسائر الأجور على الأعمال لا تجب إلا بالاتفاق أو القضاء فإقدامها على العمل قبلهما دليل على تبرعها، بخلاف الأم التي تحملها الشفقة الكاملة على خدمة وليدها دون الانتظار إلى اتفاق أو قضاء.

          ولأن الطفل غالباً يكون معها في فترة الرضاعة وأثناء العدة وقد كانت تقوم بحضانته فلا يعقل أنها تتركه بعد انقضاء الفترة التي كانت تستحق فيها نفقة بدون خدمة حتى يتم اتفاقهما على الأجر وقد يتنازع فيه فيقتضي رفع الأمر للقضاء.

          وإذا وجبت الأجرة للحاضنة سواء كانت أماً أو غيرها فإنها تكون ديناً لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء ولا يتأثر بمضي المدة، ولا بموت الصغير، ولا بموت من وجبت عليه، ولا بموت الحاضنة نفسها حتى كان لورثتها حق المطالبة بها بعد وفاتها لأنها جزء من تركتها.

    - على من تجب أجرة الحضانة؟

          تجب أجرة الحضانة على من تجب عليه نفقة الصغير، لأنها بعض نفقته كأجرة الرضاع.

          فإن كان للصغير مال وجبت في ماله، وإن لم يكن له مال وجبت على أبيه، فإن كان الأب موسراً أمر بأدائها إلى الحاضنة، وإن كان معسراً فلا يخلو إما أن يكون قادراً على الكسب أو لا.

          فإن كان قادراً على الكسب وجبت عليه وكانت ديناً في ذمته، وأمر بالأداء عنه من تجب عليه نفقة الصغير عند عدم وجود الأب ويرجع بها على الأب إذا أيسر.

          وإن كان الأب المعسر عاجزاً عن الكسب اعتبر غير موجود وفرض الأجرة على من تجب عليه نفقة الصغير عند عدم الأب ويؤديها في الحال إلى الحاضنة.

    - أجرة المسكن والخادم:

          إذا لم يكن للحاضنة مسكن خاص بها أو مسكن تسكن فيه مع زوجها القريب للطفل قرابة محرمية في مكان الحضانة وجب إعداد مسكن لها أو إعطاؤها أجرة مسكن مناسب تقوم فيه بالحضانة، لأنها مضطرة إلى ذلك لئلا يسقط حقها في الحضانة، كما يجب إعداد كل ما يحتاج إليه الطفل من فرش وغطاء حتى يكون المسكن كاملاً.

          وإذا احتاجت إلى استئجار خادم يقوم بمساعدتها في خدمة الصغير وجب إحضار الخادم لها أو إعطاؤها أجرته إذا كان للصغير مال أو كان من تجب عليه نفقته موسراً تخدم أولاده.

          بهذا يتبين أن أجرة الرضاعة غير أجرة الحضانة وغير نفقة الطفل.

    - الحضانة بين المتبرعة بها وطالبة الأجر عليها:

          إذا أبت صاحبة الحق في الحضانة أن تقوم بها إلا بأجر ووجدت متبرعة بها فلمن تكون الحضانة منهما؟ الحكم يختلف باختلاف الحالات: لأن المتبرعة إما أن تكون من أهل الحضانة أو لا، فإن لم تكن من أهل الحضانة بأن كانت أجنبية أو قريبة قرابة غير محرمية فصاحبة الحق في الحضانة أحق بها مطلقاً أماً كانت أو غير أم، كان للطفل مال أو لا، كان الأب موسراً أو معسراً، لأن تسليمه للمتبرعة لا مصلحة فيه للصغير، لأن رعايتها لا تكون كرعاية صاحبة الحق نظراً لتوفر الشفقة عليه منها، ودفع الأجر وإن كان فيه ضياع جزء من المال إلا أنه لا يوازي ما يتحقق له من المصلحة المقصودة.

          وإن كانت المتبرعة من أهل الحضانة ولم يكن للصغير مال وكان أبوه أو من تجب عليه نفقته بعد أبيه موسراً قدمت صاحبة الحق في الحضانة على المتبرعة، لأن إعطاءه لصاحبة الحق فيه مراعاة لحق الصغير لأنها أكثر حناناً وشفقة عليه من المتبرعة، ولا ضرر على الأب في دفع الأجر ليساره ومصلحة الصغير مقدمة على كل حال.

          وإذا كان الأب معسراً قدمت المتبرعة دفعاً للضرر عن الأب بإلزامه بالأجر ومداينته به وهو معسر، وكذلك لو كان للصغير مال، لأن الأجرة واجبة في ماله في هذه الحالة، وفي إعطائه لطالبة الأجر ضياع لجزء من ماله مع إمكان الاستغناء عنه بدفعه للمتبرعة وهي من محارمة والشفقة متوفرة عندها، ونقصان شفقتها عن الأخرى لا يوازي ضياع جزء من ماله.

          وبهذا يتبين الفرق بين التبرع بالحضانة والتبرع بالرضاع: حيث تقدم المتبرعة بالرضاع على الأم وغيرها ممن تطلب الأجر مطلقاً سواء كانت المتبرعة محرماً للطفل أو لا، وسواء كانت الأجرة من مال الصغير أو من غيره كان ذلك الغير موسراً أو معسراً، لأن الغرض من الرضاعة هو تغذية الطفل وهو متحقق بلبن أي امرأة فلا معنى لأخذ الأجر مع وجود المتبرعة، لأنه لا ضرر في إرضاعها.

          أما الحضانة فإنه لا يقدم فيها المتبرعة إلا في صورتين:

          الأولى إذا كانت أجرة الحضانة من مال الصغير.

          والثانية إذا كانت الأجرة واجبة على الأب وكان معسراً، ومع ذلك يشترط في المتبرعة أن تكون قريبة قرابة محرمية أي عندها أهلية الحضانة.

          والسبب في ذلك أن المقصود من الحضانة هو تربية الصغير ورعايته والعناية به، وهذه أمور تحتاج إلى الشفقة والعطف والحنان وكل ذلك لا يتوف إلا عند الأم أو ما يقاربها من المحارم وقلما توجد عند غير المحرم، وكلما توافرت هذه عند الحاضنة تحقق الغرض المقصود من الحضانة على أكمل وجه فيبقى ذلك الحق لصاحبته ولا يعدل عنه إلا لعذر قوي كإعسار الأب أو من تجب عليه الأجرة بعده أو لمصلحة قوية كالمحافظة على مال الصغير. وفي الحضانة لا موضع لغير المحرم لأنها ليست أهلاً لها أصلاً فلا يفيد تبرعها شيئاً.

          وإذا لم توجد متبرعة بالحضانة وامتنعت عنها صاحبة الحق فيها إلا بأجر ولم يكن للصغير مال وكان الأب معسراً أجبرت الحاضنة عليها سواء كانت أماً أو غيرها وتكون أجرتها ديناً في ذمة الأب يؤمر بأدائه عند اليسار وهو دين صحيح لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء.

                الفَصْل الرَّابع

    - مكان الحضانة، وانتقال الحضانة منه:

          إذا كانت الحاضنة هي الأم وكانت زوجيتها قائمة بينها وبين أبي الصغير فمكان الحضانة هو بيت الزوجية الذي يقيمان فيه، ولا يجوز للأم الخروج منه أو السفر بدون إذن زوجها سواء كان الولد معها أو لا، لأن قرارها في بيت الزوجية واجب عليها ما دام أوفاها حقوقها.

          وإن كانت معتدة من طلاق رجعي أو بائن لا يكون لها الخروج من البيت الذي تعتد فيه طوال مدة العدة حتى ولو أذن لها المطلق بالخروج أو السفر، لأن قرارها في مسكن العدة حق للشرع وهو واجب عليها، ولا يجوز لهما إبطال حق الشرع، يقول جل شأنه: {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [الطلاق: 1].

          وإذا انقضت عدتها فلا يبقى معنى لإلزامها بالبقاء بالمحضون في بيت الزوجية فلها أن تنتقل بولدها إلى مكان آخر من نفس البلد الذي بدأت الحضانة فيه.

    - وهل يجوز لها الانتقال به إلى بلد آخر؟

          الحكم يختلف تبعاً لقرب البلد الذي تريد الانتقال إليه وبعده عن البلد الأول.

          فإن كان ذلك البلد قريباً جاز لها الانتقال عليه بشرط أن يكون من نوع البلد الأول أو أفضل منه، فيجوز لها الانتقال من مدينة إلى مدينة، ومن قرية إلى قرية، ومن قرية إلى مدينة، ولا يجوز لها الانتقال من مدينة إلى قرية، لأن الحياة في القرية لطفل ولد في المدينة يلحق به الضرر، لأن في أخلاق أهل القرى بعض الجفاء فيخشى على الطفل التخلق بأخلاقهم، كما أن وسائل العيش فيها تختلف عما في المدينة إلا إذا كان انتقالها إلى قريتها الأصلية التي عقد عليها أبوه فيها، لأنها تكون في وسط أهلها فيحاط الطفل بالعطف والحنان منهم.

          وإن كان ذلك البلد الذي تريد الانتقال إليه بعيداً فلا يجوز الانتقال إليه ولو كان من المدن إلا بإذنه لما في ذلك من الإضرار بالأب لبعد ابنه عنه والإضرار بالولد لفقده رعاية أبيه ورقابته إلا إذا كان بلدها الأصلي وأبوه قد عقد زواجه عليها فيه لما قلناه.

          ومع ذلك فوجودها وسط أهلها بولده يورث الإطمئنان عليه حيث يعيش وسط أناس لا يكنون له إلا العطف والشفقة، فجواز الانتقال إلى البلد البعيد مقيد بقيدين:

          1- أن يكون وطنها الأصلي.

          2- أن يكون عقد عليها فيه، فإذا انتفيا أو انتفى أحدهما لا يجوز، لأن المعنى الذي جعل مرخصاً للانتقال إليه لا يوجد في واحد منهما.

          حد القرب والبعد عند الفقهاء:

          يقرر الفقهاء أن البلد يعتبر قريباً إذا استطاع الأب أو الولي السفر إليه ليرى الولد ويعود إلى محل إقامته قبل دخول الليل، فإن كان لا يستطيع ذلك عُد البلد بعيداً.

          وإذا لاحظنا أن ضبطهم هذا تأثر بأمرين كانا في زمنهم -أولهما- وسائل الانتقال وقد كانت بدائية لأنها إما السير على الأقدام أو ركوب الدواب -وثانيهما- أن الليل كان مظنة الخوف للظلام الذي يلفه وخطر السفر فيه لعدم الأمان لكثرة اللصوص وقطاع الطريق فيكون المعول عليه في مثل هذا هو العرف وقد تغير، ففي زمننا هذا تنوعت المواصلات، وأصبح الليل كالنهار بعد أن أنيرت الطرق فالمسافر فيه لا يشعر بوحشة ولا يخشى ضرراً فيترك ذلك إلى مقدرة الرجل على تحمل نفقات السفر لرؤية ولده.

          أما إذا كانت الحاضنة غيرها كالجدة أو الأخت أو الخالة أو العمة فليس لها الحق في الانتقال إلى بلد غير بلد أبيه إلا بإذنه، فإذا فعلت ذلك كان للأب أو وليه إذا لم يكن الأب موجوداً أن يمنعها من ذلك سواء كان البلد قريباً أو بعيداً وطناً أصلياً لها أولا، لأن المعنى الذي من أجله أبيح للأم الانتقال بالولد وهو العقد عليها فيه ليس موجوداً هنا حيث لا عقد.

          هكذا أطلق الفقهاء الحكم بدون تفرقة بين البلد القريب والبعيد غير أن بعض الفقهاء المتأخرين أجاز لغير الأم الانتقال بالمحضون إلى البلد القريب وسوى بينها وبين الأم في ذلك لأن علة تجويز انتقال الأم إلى البلد القريب بدون إذن هي أنها بمثابة الانتقال إلى أحد جوانب البلدة الواحدة.

          وإذا عرفنا أن مصلحة الطفل في فترة الحضانة لا تتم إلا بالجمع بين حضانة أمه أو قريباته المحارم وبين إشراف أبيه عليه، وأن القرآن منع مضارة الأب والأم بسبب ولدهما {لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} [البقرة: 233] إذا عرفنا ذلك أدركنا السر في تشريع تلك الأحكام التي تحتم وجود الولد وحاضنته مع أبيه في بلد واحد أو في بلدين قريبين إلا إذا وجدت ضرورة أو أذن الأب في ذلك حتى لا يحرم الولد شفقة أمه ولا رعاية أبيه.

          ولهذا لا يجوز للأب أن يخرج الصغير من البلد الذي تقيم فيه أمه ما دام في حضانتها إلا بإذنها سواء كان البلد قريباً أو بعيداً، لأن في هذا الإخراج تفويت حق الأم في حضانتها وحق الولد في عيشه في عطف أمه وحنانها.

          فإذا سقط حقها في الحضانة بسبب زواجها من أجنبي أو بغيره ولم تكن التي انتقل إليها حق الحضانة تعيش في هذا البلد فله نقله إلى بلد الحاضنة، فإذا عاد حقها في الحضانة رده إليها.

          وإذا جاز له إخراج الولد من البلد الذي تعيش فيه أمه بعد سقوط حقها في الحضانة فهل يثبت له ذلك مطلقاً سواء كان البلد قريباً أو بعيداً؟

          المذكور عند الحنفية رأيان للمشايخ:

          رأي بالإطلاق.

          ورأي يقيد بالبلد القريب بحيث تستطيع الأم أن تراه كل يوم.

          وإذا كان لكل من الأب والأم حق في الولد ورؤيته في فترة الحضانة وقد نفى الشارع المضارة عنهما بسببه فقد يكون في الأخذ بأحد الرأيين بإطلاق ضرر بأحدهما، فلو أخذنا بالأول ربما استغل الأب ذلك في حرمان الأم من رؤية ولدها، ولو أخذنا بالثاني وهو التقييد بالبلد القريب ربما لحق الأب منه الضرر، فقد يكون عمله يقتضيه السفر إلى البعيد، فمنعاً للإضرار بأحدهما يفوض الأمر إلى القاضي لينظر في خروج الأب والداعي إليه، فإن رأى أنه مضطر للخروج إلى البلد البعيد من أجل وظيفة أو تجارة أذن له فيه دفعاً للضرر عنه، وإن رأى أنه لا مصلحة له في ذلك قيده بالقريب لعدم مضارة الأم.

          أثر انتقال الحاضنة إلى بلد منعت من الانتقال إليه:

          إذا خالفت الحاضنة وانتقلت إلى بلد آخر لا يجوز لها الانتقال إليه فهل يسقط حقها في الحضانة ؟.

          إذا كانت الحاضنة أمّا وهي زوجة أو معتدة كان للأب أن يطلب إليها الرجوع باعتبارها زوجة أو معتدة وليس له أن يأخذ الولد منها، لأنه يكون إبطالاً لحقها في الحضانة مع أنه يستطيع إرجاعها إلى مقر الحضانة.

          أما إذا كانت غير ذلك وطلب منها إرجاع الولد إلى البلد الأول ولم تمتثل فلم يرد عن فقهاء الحنفية نص صريح بإبطال حق الحضانة أو بقائه وكل ما ورد عنهم أنها ممنوعة من الانتقال، وأن لوليه منعها من الانتقال، أو يطلب إليها العودة إلى بلد الحضانة، ومن هنا كانت موضع اجتهاد القضاة في مصر، فمنهم من تمسك بالنصوص الفقهية وقال : إن حقها لا يسقط بهذا الانتقال لأنه لم يعد من شروط أهلية الحضانة عدم انتقال الحاضنة فيبقى حقها فيها ومن ثم تستحق الأجرة عليها.

          ومنهم من يرى أن حقها يسقط، لأن عدم النص على كونه شرطاً لا يقتضي إهدار معناه، لأنها إذا كانت ممنوعة من الإنتقال إلى بلد بعيد إلا إذا كان وطنها الأصلي الذي عقد عليها فيه، وكان للأب منعها منه فيكون الأثر العملي للانتقال الممنوع هو سقوط حقها في الحضانة، لأنه لا يجوز أن يكون أثر مخالفتها مجرد أن تكون آثمة فقط، لأن أحكام الحضانة أحكام عملية يراد ترتب آثارها عليها في الدنيا لمصلحة الصغير، ولا يجوز أن يكون أثره إجبار الأم على العودة بالقوة إلى بلد الأب، لأن الأب لا يملك إجبارها إلا في حالتي الزوجية أو العدة وفي غيرهما لا سلطان له عليها، وإذا كانت لا تجبر على الحضانة إلا في حالة تعينها لها فلا تجبر على بلد معين للحضانة من باب أولى، فلم يبق لهذه المخالفة من أثر إلا نزع الولد منها، ولا يمكن نزع الولد منها ولها حق حضانته.

          لكن سقوط حقها في الحضانة شيء واستحقاقها الأجر على قيامها بالحضانة شيء آخر، فإذا انتقلت إلى بلد آخر وقامت بحضانة الصغير استحقت الأجرة على فترة قيامها لأنها قامت بعمل تستحق الأجر عليه.

          هذا هو مذهب الحنفية في انتقال الحاضنة إلى بلد آخر.

    - حق رؤية الولد لمن ليس في يده:

          وإذا كان الولد عند حاضنته أما كانت أو غيرها فليس لها أن تمنع أباه من رؤيته غير أنها لا تجبر على إرساله إليه في مكان إقامته، بل عليها أن تخرجه إلى مكان أن يراه فيه.

          وكذلك لو كان عند أبيه لضمه إليه بعد انتهاء حضانته أو لسقوط حقها في الحضانة لسبب من الأسباب يجب عليه أن يمكنها من رؤية على الوجه السابق، لأن لكل منهما حقاً في الولد فلا يملك أحدهما إبطال حق الآخر، ولم يحدد الفقهاء مدة لهذه الرؤية، ويمكن أن يقال إنها بالنسبة للأب والأم كل أسبوع مرة قياساً على ما قرروه من أن الزوجة لها الحق في الخروج لرؤية أبويها كل أسبوع مرة لعلاقة الأصلية والفرعية، أما غير الأم من أقارب الصغير المحارم فلها رؤيته كل شهر مرة.

    الفَصل الخامِس

    في مدة الحضانة ومصير الصغير بعدها

    - مدة الحضانة: وقد اختلف الفقهاء في تقدير هذه السن فقدرها بعضهم بإحدى عشرة سنة، وقدرها آخرون بتسع سنين، وعليه الفتوى.

          فالذي عليه الفتوى في المذهب الحنفي هو أن حضانة الصغير تنتهي ببلوغه سبع سنين، وحضانة الصغيرة تنتهي ببلوغها تسع سنين، والعبرة في ذلك بالسنين القمرية، لأنها المعهودة في التقديرات الشرعية يعمل بها ما لم يوجد نص قانوني على خلاف ذلك.

          وإنما زيدت سن الحضانة للفتاة عن سن حضانة الغلام، لأن الفتاة بعد بلوغها سن الاستغناء عن خدمة حاضنتها لا تزال بحاجة إلى البقاء تحت إشرافها لتقوم على تعليمها خدمة البيت وتعويدها ما يليق بالمرأة من عادات وأخلاق، فإذا بلغت من الاشتهاء كانت في حاجة إلى من يقوم بصيانتها والمحافظة عليها والرجال أقدر على ذلك من النساء.

    - الصغير والصغيرة بعد انتهاء الحضانة:

          إذا انتهت مدة حضانة النساء سلم الولد ذكراً كان أو أنثى إلى الأب إن كان موجوداً وعنده أهليه لضم الولد إليه، فإن لم يكن موجوداً أو كان موجوداً غير أهل لذلك الضم انتقل الحق إلى غيره من العصبات الأقرب فالأقرب بتربيتهم السابق في استحقاق الحضانة مع ملاحظة أن الأنثى لا تسلم إلى عاصب غير محرم كابن عمها مثلاً، لأنها تكون في سن تشتهى وهي لا تحرم عليه فيكون في وجودها معه خطر عليها، أما الغلام فلا خطر في ضمه إلى العاصب غير المحرم.

          وهذا الضم لا خيار فيه لا للأب ولا للعاصب ولا للولد لأن الشارع هو الذي حكم بذلك لما فيه من المصلحة، وليس لأحد الخيار فيما قضى به الشارع.

          ويبقى الغلام عند من ضم إليه حتى يبلغ مأموناً على نفسه، فإذا بلغ غير مأمون على نفسه بقي عند من ضم إليه حتى يصير مأموناً. أما البنت فإنها تبقى في يد من ضمت إليه حتى تتزوج، فإذا لم تتزوج بقيت عند أبيها أو عاصبها المحرم إن كانت بكراً يخشى عليها الفتنة ولو كانت أمينة على نفسها، وكذلك إذا كانت ثيباً غير مأمونة على نفسها، فإذا أمنت الثيب على نفسها، وتقدمت السن بالبكر وصارت ذا دراية وحكمه وعرف عنها العفة صارت أحق بنفسها، وليس لأحد جبرها على المقام معه.

  • محمد الشافعي
    محمد الشافعي

    -الباب الرابع

    الولاية:

    الفَصل الأول

    في الولاية على النفس

     - تعريف ولاية النفس:

          - ويراد بها هنا: سلطة الولي التي تتعلق بنفس المولى عليه من صيانته وحفظه وتأديبه وتعليمه العلم أو الحرف وتزويجه.

          ولما كان الطفل بعد انتهاء فترة الحضانة عاجزاً عن القيام بتلك الأمور بنفسه حيث لا يدرك وجه المصلحة فيها كان في أشد الحاجة إلى من يقوم بها، ويسمى ذلك الشخص بالولي.

          ولما كان مدار ثبوتها عجز المولى عليه من إدراك وجه المصلحة فيما يحتاج إليه ثبتت على كل عاجز سواء كان صغيراً أو كبيراً مجنوناً أو معتوهاً.

      فتثبت على الصغير حتى يبلغ عاقلاً مأموناً على نفسه، وعلى الصغيرة والكبيرة حتى تتزوج أو تتقدم بها السن وتصبح مأمونة على نفسها بكراً كانت أو ثيباً، كما تثبت على المجانين والمعاتيه حتى تزول علتهم.

    - من تثبت له هذه الولاية؟

          تثبت الولاية على النفس لأقارب المولى عليه من العصبات الذكور، وهم أصوله من الأب والجد أبي الأب وإن علا، وفروعه من الأبناء وأبناء الأبناء، وفروع الأبوين من الأخوة الأشقاء والأخوة لأب وأبنائهم، وفروع الأجداد وهم الأعمام وأبناؤهم، غير أن الولاية على الأنثى لا تكون إلا للعاصب المحرم فلا تثبت لابن العم، فإن لم يوجد من العصبات غيره أبقاها القاضي عند حاضنتها أو اختار لها شخصاً أميناً وضعها عنده.

          وتثبت الولاية لهؤلاء على حسب ترتيبهم في الميراث. فالفروع ثم الأصول ثم الأخوة وأبناؤهم، ثم الأعمام وأبناؤهم بالنسبة لغير الصغار، أما الصغار فتثبت الولاية عليهم أولاً للأصول لعدم وجود أبناء يصلحون للولاية، فإن لم يوجد إلا واحد كانت الولاية له، وإن تعددوا قدم الأقرب، وإن تساووا في الدرجة قدم الأقوى قرابة كالأخ الشقيق على الأخ لأب، والعم الشقيق على العم لأب، فإن تساووا في الدرجة وقوة القرابة تثبت لهم جميعاً، ويختار القاضي أصلحهم للولاية. هذا في مذهب الحنفية.

    - متى تنتهي هذه الولاية؟

     تنتهي هذه الولاية بالنسبة للفتى بالبلوغ بالعلامات الطبيعية، فإن لم تكن فبالسن وهو خمس عشرة سنة عند جماهير الفقهاء، وهو ما يجري عليه العمل في القضاء، لأنه الراجح في مذهب الحنفية، فإذا بلغ بأحدهما وكان مأموناً على نفسه انتهت هذه الولاية، وكان له الخيار في الإقامة مع وليه أو الانفراد عنه في السكنى كما يقول الفقهاء.

          أما الفتاة فلا تنتهي الولاية عليها بالبلوغ بل تستمر إلى أن تتزوج أو تتقدم بها السن حتى تصير مأمونة على نفسها فلها أن تنفرد بالسكنى أو تسكن مع أمها.

    - شروط الولي على النفس:

          يشترط في من تثبت له الولاية على النفس الشروط الآتية :

          1- أن يكون بالغاً عاقلاً، لأن غير البالغ العاقل لا ولاية له على نفسه بل هو محتاج لمن يلي عليه.

          2- أن يكون قادراً على القيام بما تتطلبه الولاية من أعمال، فلو كان عاجزاً لا يكون أهلاً لها.

          3- أن يكون أميناً على المولى عليه في نفسه ودينه، فلو لم يكن أميناً بأن كان فاسقاً مستهتراً لا يبالي بما يفعل لا يكون أهلاً للولاية، لأنها شرعت لمصلحة الصغير وليس من مصلحته أن يوضع عند هذا الفاسق لأنه يخشى عليه أن يتخلق بأخلاقه، وكذلك لو كان مهملاً كأن يترك الصغير مريضاً بلا علاج أو يحرمه من التعليم وعنده استعداد له، فإذا كان كذلك انتقلت الولاية إلى من يليه من الأولياء محافظة على مصلحة الصغير.

          4- أن يكون متحداً مع المولى عليه في الدين، لأن اختلاف الدين يؤثر في رابطة القرابة الموجودة بينهما فيتعرض الصغير لخطر التأثر بدين وليه، فلو كانت الولاية للأخوة وكان للصغير أخوان أحدهما موافق له في الدين والآخر يخالفه فيه كانت الولاية للموافق في الدين.

          وهذا الشرط في غير القاضي، لأنه نائب عن الحاكم صاحب الولاية على جميع الرعايا مسلمين وغير مسلمين، وكما تشترط هذه الشروط في ثبوت الولاية ابتداء يشترط بقاؤها طوال مدة الولاية، فإذا تغير شرط منها سلبت الولاية منه لأنه أصبح غير أهل لها.

    الفَصل الثّاني

    في الولاية على المال

    - تعريف ولاية المال:

          يراد بالولاية على المال: السلطة التي يملك بها الولي التصرفات والعقود التي تتعلق بمال المولى عليه من البيع والشراء والإجارة والرهن والإعارة وغيرها.

          وهذه الولاية تثبت على العاجزين عن تدبير شئونهم المالية من الصغار والمجانين والمعاتيه باتفاق الفقهاء، كما تثبت على السفهاء وذي الغفلة عند جماهير الفقهاء خلافاً لأبي حنيفة.

          أما الصغير: فيمر بمرحلتين حتى يبلغ. المرحلة الأولى: مرحلة عدم التمييز وتنتهي عادة ببلوغ سن السابعة وفي هذه المرحلة تكون الولاية عليه تامة، فجميع التصرفات لوليه، لأن الصغير فيها لا إدراك له ولا تمييز ومن ثم لا تكون له عبارة معتبرة، فأي تصرف يصدر منه يكون باطلاً.

          فإذا بلغ سن السابعة من عمره بدأت المرحلة الثانية وهي مرحلة التمييز وفيها يدرك الفرق بين النافع والضار بصورة إجمالية، كما يعرف معاني العقود إجمالاً، فيدرك أن معنى بقت إخراج للشيء من حيازته، ومعنى اشتريت إدخال للمشتري في حيازته، فيتحقق له بهذا أهلية للتصرف لكنها ناقصة يحتاج معها إلى رأي وليه، ومن هنا قرر فقهاء الحنفية إن تصرفاته في هذه المرحلة ثلاثة أنواع :

          1- تصرفات نافعة نفعاً محضاً. كقبول الهبة أو الهدية، وهذه تصح منه وتنفذ ولا تتوقف على إذن وليه.

          2- تصرفات ضارة ضرراً محضاً كهبة ماله وإهدائه وإبراء المدين له من الدين وإقرار بالدين، وهذه باطلة لا تنفذ حتى ولو أجازها وليه، لأن الولي لا يملكها ابتداء فلا يملك تمليكها لغيره بالإجازة.

          3- تصرفات مترددة بين النفع والضرر كالبيع والشراء والإجازة وعقود المعاوضات كلها، وهذه تصح باعتبار ما عنده من إدراك وتمييز وأهلية ناقصة، ولكنها تتوقف على رأي الولي. إن أجازها - في حدود ما يملكه من الولاية - ونفذت لظهور أن نفعها أكثر من ضررها، وإن ردها بطلت لظهور أن ضررها أكبر وتستمر هذه المرحلة إلى البلوغ، وهو يكون بالعلامات الطبيعية إن وجدت وبالسن إن لم توجد، وهو مقدر عند جمهور الفقهاء بخمس عشرة سنة، وعليه العمل في القضاء، وخالف أبو حنيفة فجعله ثماني عشرة سنة للفتى، وسبع عشرة سنة للفتاة، وجعله مالك ثماني عشرة سنة لها استناداً لقول ابن عباس في تفسيره لقوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الأنعام: 152] فقد فسر أشد اليتيم بثماني عشرة سنة فكان حد البلوغ بالسن، ولكن أبا حنيفة أنقص الفتاة سنة لأنها أسرع إلى البلوغ عادة من الفتى.

          أما الجمهور فقد استندوا إلى ما رواه الجماعة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : "عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يُجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني".

          فإجازة الرسول وإذنه بالقتال وهو ابن خمس عشرة سنة دليل على أن أدنى سن البلوغ مبلغ الرجال هو ذلك.

          وإذا بلغ عاقلاً كملت أهليته ولكن لا يسلم إليه المال إلا إذا ثبت رشده، وهو الإحسان في التصرف في المال بحيث لا ينفقه إلا على مقتضى العقل والشرع، وما دام لم يسلم إليه ماله تبقى الولاية المقيدة لتصرفاته فلا يتصرف إلا بالإذن.

          ولم يحدد الفقهاء للرشد سناً معينة، لأنه أمر يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان، بل وكلوا ذلك إلى التجربة والاختيار وهو قول الجمهور، أيضاً وزادوا أنه يثبت بشهادة رجلين عدلين في الذكور والإناث وبشهادة النساء وحدهن أو مع الرجال في الإناث فقط.

          وسند هذا الرأي قوله تعالى: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا * وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 5-6] فإذا ثبت الرشد بالفعل سلم إليه ماله.

          وذهب أبو حنيفة إلى أن ذلك يستمر إلى خمس وعشرين، فإذا بلغها سلم إليه ماله وإن لم يرشد بالفعل، لأن الغرض من منع المال عنه تهذيبه وتأديبه بصورة حسية، فإذا بلغ هذه السن ولم تفد التجارب معه لم يكن هناك أمل في ذلك، وحينئذ يدور الأمر بين منع ماله عنه وفيه إهدار لكرامته وهو عاقل وبين دفع المال إليه والمحافظة على كرامته كإنسان، وإذا دار الأمر بين الإنسانية والمال رجحت كفة الإنسانية ومنع الحجر عليه، ولأنه يكون في هذه السن إمكان أن يكون جداً.

          ولأنه مخاطب بالتكاليف الشرعية مأمور بالوفاء بالعقود في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] وفي الحجر عليه معارضة لهذه الآية.

          أما المجنون: وهو عديم العقل فيأخذ حكم الصغير قبل سن التمييز إذا كان جنونه مطبقاً أو متقطعاً في حال الجنون، أما في حال الإقامة فهو كالعاقل.

          أما المعتوه: وهو قليل الفهم فاسد التدبير مختلط الكلام فيأخذ حكم الصغير بعد سن التمييز.

          وأما ذو الغفلة: وهو الذي لا يهتدي إلى التصرفات النافعة ويغبن في البياعات لضعف إدراكه فيأخذ حكم السفيه، وهو البالغ العاقل غير الرشيد يحجر عليه ويمنع عنه ماله.

          من تثبت له الولاية المالية:

          ذهب الحنفية إلى أنَّ الولاية المالية تثبت على الصغير على الصغير عند الحنفية للأب ثم لوصيه ثم لوصي وصيه، ثم للجد الصحيح وهو أبو الأب وإن علا، ثم لوصيه ثم لوصي وصيه، ثم للقاضي ثم لوصي القاضي.

          فهي تثبت للأب أولاً، فإن لم يوجد وكان قد أختار وصياً ليدير شئون أولاده المالية ثبتت لهذا الوصي وإن كان الجد موجوداً، وكذلك إذا اختار وصي الأب وصياً ليقوم بدله، فإن لم يوجد هذا الوصي أو كان وتوفي كانت الولاية للجد، ثم من بعده لوصيه ولوصي وصيه إن وجد، فإن لم يوجد واحد من هؤلاء كانت الولاية للقاضي الذي يعين في الغالب وصياً يتولى ذلك الإشراف.

          وذهب المالكية والحنابلة إلى أن الولاية عندهم للأب ثم لوصيه ثم للقاضي ثم وصيه فلم يجعلوها للجد أصالة وإن كان يصح أن يكون وصياً من قبل الأب أو القاضي قالوا: لأنه لا يدلي إلى الصغير بنفسه وإنما يدلى إليه بالأب فلا تكون له الولاية على مال الصغير كالأخ.

          ذهب الشافعية إلى جعل الولاية أولاً للأب ثم للجد ثم لوصي من تأخر موته منهما ثم للقاضي ثم لمن يقيمه وصياً، لأن الجد عندهم ينزل منزلة الأب عند عدمه لوفر الشفقة عنده مثل الأب ولذلك تثبت له الولاية في التزويج فتثبت ولايته في المال أيضاً.

          وتقديم الأب على غيره أمر طبيعي لأنه أشفق الناس على أولاده وأحرصهم على مصالحهم، وكان وصي الأب مقدماً على الجد لأن اختيار الأب وصياً مع وجود الجد دليل على أنه أولى من الجد، لأنها تعتمد على الأمانة والتجربة والخبرة أكثر من اعتمادها على الشفقة التي يتميز بها الجد عن الوصي، وإرادة الأب في شئون ولده محترمة في حياته فكذلك تحترم بعد وفاته.

          هذا وليس لأحد من العصبات غير الأب والجد حق في الولاية على المال إلا إذا جاءت بطريق الوصايا من الأب والجد أو الإختيار من القاضي وكذلك لا حق للنساء إلا من هذا الطريق.

          أما الولاية على المجنون والمعتوه: فإذا كان الجنون أو العتة مصاحباً للبلوغ فإن الولاية تكون للأولياء السابقين لأنها كانت ثابتة بسبب الصغر ولم يوجد ما يقتضي رفعها فتستمر إلى الإفاقة قولاً واحداً في المذهب الحنفي.

          أما إذا بلغ الصغير عاقلاً سليماً ثم طرأ عليه الجنون أو العته بعد رفع الولاية عنه فالراجح في المذهب الحنفي عود الولاية إلى الولي السابق لوجود العجز المقتضى للولاية وهو قول أبي حنيفة.

     شروط الولي على المال:

          شرط الفقهاء لأهلية الولاية على المال الشروط الآتية:

          1- أن يكون كامل الأهلية بالبلوغ والعقل والحرية، لأن ناقصها لا ولاية له على ماله، فلا تكون له ولاية على غيره.

          2- ألا يكون سفيهاً يخشى على مال القاصر من تصرفاته، فإن كان محجوراً عليه بالفعل فالأمر ظاهر، لأن الممنوع من التصرف في ماله يمنع من التصرف في مال غيره من باب أولى، وإن كان غير محجور عليه بالفعل لكن يستحق الحجر فلا ولاية له أيضاً لعدم ائتمانه على المال.

          3- أن يكون متحداً مع القاصر في الدين، فإن كان الأب غير مسلم وأولاده مسلمون. كأن تكون أمهم قد أسلمت وهم صغار وبقي الأب على دينه فيكون الأولاد مسلمين تبعاً لأمهم، لأنهم يتبعون خير الأبوين ديناً فلا تثبت الولاية للأب عليهم في هذه الحالة، وكذلك لو كان الأب أسلم وتوفي وترك أولاده المسلمين فلا يكون لجدهم المخالف له في الدين ولاية عليهم.

          وهذا الشرط في غير القاضي، لأن ولاية القاضي ولاية عامة مستمدة من رئيس الدولة الذي هو ولي من لا ولي له من رعاياه مسلمين وغير مسلمين.

    - سلطة الولي في التصرفات:

          الأصل في تصرفات الولي أنها غير مطلقة بل مقيدة بما فيه مصلحة المولى عليه، وعلى ذلك لا يملك التصرفات الضارة ضرراً محضاً، كهبة جزء من مال المولى عليه أو التصدق به، فإذا صدرت منه كانت باطلة، ويملك التصرفات النافعة نفعاً محضاً. كقبول الهبة والصدقة والوصية، ومثلها التصرفات الدائرة بين النفع والضرر كالبيع والشراء والإجارة والشركة بشرط ألا يكون فيها ضرر، فإن كان فيها ضرر كانت باطلة، هذا إجمال لحكم التصرفات، أما تفصيلها فإنها تختلف بإختلاف الشخص الذي يتولاها، وإليك البيان.

          تصرفات الأب: يفصل الحنفية في الآباء فيصنفونهم أصنافاً أربعة.

          الصنف الأول: أب معروف بالتبذير والإسراف وعدم الأمانة على المال، وهذا لا يستحق الولاية على أموال أولاده، فلو أعطيت له الولاية ثم ظهر كذلك سلبت ولايته وأخذ منه المال وسلم إلى من يستحقها إن كان موجوداً، وإلا سلم إلى وصي يختاره القاضي ليحقق للصغار ما ينفعهم ويحافظ على مصلحتهم.

          الصنف الثاني: أب معروف بفساد الرأي وسوء التدبير لكنه أمين على المال غير مبذر فيه، وهذا يستحق الولاية نظراً لأمانته وعدم تبذيره، ولأنه أقرب الناس إلى أولاده وموفور الشفقة عليهم، ولكنه يراقب في تصرفاته فيمنع من كل ما يضر بمصلحة الصغير، فيشترط لصحة تصرفاته الدائرة بين النفع والضرر أن تكون فيها منفعة ظاهرة، فإن تحققت نفذت وإن لم تتحقق ألغى التصرف.

          ولقد وضع بعض الفقهاء معياراً للمنفعة الظاهرة في بيع العقار أن يكون بضعف قيمته، وفي شرائه أن يكون بنصف القيمة، وفي بيع المنقول أن يكون بزيادة تساوي نصف قيمته وفي شرائه أن يكون بنقص يساوي ثلث قيمته فيبيع ما قيمته ستة بتسعة، ويشتري ما قيمته تسعة بستة.

          وقيل غير ذلك لكن الفتوى على الأول.

          الصنف الثالث: أب معروف بحسن الرأي والتدبير والتصرف. وهذا والذي قبله تثبت لهما الولاية الكاملة ومطلق التصرف في أموال من في ولايتهما صغاراً كانوا أو غير صغار.

          فيملك الواحد منهما كافة التصرفات التي يملكها في ماله، ولا يستثنى منها إلا ما فيه ضرر محض كالتبرع والصدقة وما في معناهما، لأن التبرع إخراج المال الصغير بدون عوض فيكون ضرراً محضاً.

          وعلى هذا يكون له بيع أموال المولى عليهم عقاراً كانت أو منقولاً ويشتري لهم مادام ذلك البيع والشراء بمثل القيمة أو بغبن يسير مما يتغابن فيه الناس عادة، ولا يملك أحد نقص تصرفه حتى الصغير إذا بلغ لا يملك ذلك، لأنه صدر عن ولاية تامة.

          أما إذا كان البيع والشراء بغبن فاحش فإنه لا يكون صحيحاً، لأنه في معنى التبرع وهو ممنوع منه فيبطل البيع وينفذ الشراء على الأب لإمكان تنفيذه بدون ضرر بالمولى عليه.

          ويجوز له أن يشتري مال الصغير لنفسه أو يبيع ماله له مادام خالياً من الغبن الفاحش، ويتم العقد بعبارته وحدها. كبعت هذا إلى ابني أو اشتريت هذا من ابني، وهي من الصور المستثناة من القاعدة العامة عندهم التي تمنع تولي الشخص الواحد طرفي العقد في العقود المالية بعبارة واحدة، وخالف في ذلك بعض الحنفية تمسكاً بالقاعدة كما يجوز أن يؤجر ماله ويتأجر له بدون غبن فاحش، ولا يجوز له أن يؤجر أموال الصغير لمدة طويلة لأنها غالباً تكون بأجرة ناقصة ففيها ضرر بأموال الصغير.

          وله أن يودع أموال القاصر ولو كان الإبداع بأجر، لأنه من طرق المحافظة على أموال القاصر.

          كما أن له أن يعير أموال الصغير إذا كان العرف يجري بذلك، لأنه كما يعير آلاته يستعير له من غيره فهو من قبيل تبادل الخدمات.

          تصرفات الجد في ولايته:

          اختلف أئمة المذهب الحنفي في تحديد نطاق تصرفات الجد على رأيين:

                فيرى أبو حنيفة أنه لا يملك كل ما يملكه الأب من تصرفات، بل تقتصر ولايته على ما يملكه وصي الأب -وسيأتي بيانها- لأنه يلي الوصي في المرتبة فلا يكون له اختصاص أكثر من ذلك الوصي، ولو كان مساوياً للأب لتلاه في المرتبة وتقدم على وصي الأب في الولاية المالية.

          وفي رواية في المذهب أنه يملك ما يملكه الأب لا فرق بينهما، لأن ولايته أصلية أثبتها له الشارع ولم يستمدها من أحد حيث ثبتت له باعتباره أبا عند فقد الأب، ولأنه موفور الشفقة كالأب فيملك ما يملكه، وتأخره في المرتبة عن وصي الأب لاحترام إرادة الأب لا لأنه أضعف في ولايته من وصي الأب.

          ومع وجاهة رأي الثاني فقد اختار الفقهاء الرأي الأول للفتوى.

          وعلى القول بتساوي الجد مع وصي الأب في نطاق الولاية فرقوا بينهما في أمرين.

          أولهما: أن الجد يملك التعاقد لنفسه بالبيع والشراء من مال القاصر من غير غبن فاحش، أما الوصي فلا يملك ذلك إلا إذا كان في البيع والشراء مصلحة ظاهرة، كأن يشتري عقار الصغير بضعف قيمته وأن يبيع عقاره للصغير بنصف قيمته عند أبي حنيفة.

          وثانيهما: أن وصي الأب يملك بيع أعيان التركة عقاراً أو منقولاً في سداد الديون وإن كان بعض الورثة كباراً لقيامه مقام الأب في تركته، فيتولى تسديد ديونه بمقتضى الإيصاء، وكذلك له تنفيذ الوصية.

          أما الجد فلا يملك ذلك إلا إذا كان بعض الورثة كباراً، لأن ولايته بحكم الشرع على الصغار فقط فيقتصر تصرفه على بيع ما يخص الصغار فقط.

    - الوصاية: وصي الأب:

          إذا اختار الأب شخصاً ليكون خليفة عنه في الولاية على أولاده القصر بعد وفاته تكون له الولاية بعد وفاته إذا توفرت فيه شروط الوصاية، ومرتبته في الولاية مقدمة على ولاية الجد كما قدمنا.

          وقد أجاز الفقهاء للجد أن يوصي قبل وفاته ويكون وصي الجد، ويتولى الأموال بعد وفاة الجد كذلك.

          شروط الوصي:

          شرط الفقهاء في أهلية الوصي مطلقاً مختاراً من الأب أو معيناً من القاضي. أن يكون كامل الأهلية عدلاً أميناً قادراً على إدارة شئون من له الوصاية عليه، وأن يكون متحداً في الدين مع من جعلت له الوصاية عليه.

          وهذه الشروط معتبرة بعد وفاة الموصى في الوصي المختار، لأنه الوقت الذي تنفذ فيه الوصاية، فلا اعتبار لتخلفها قبل ذلك، لأنها شروط لنفاذ الوصاية لا لإنشائها، فإن لم يكن أهلاً في هذا الوقت عدل عنه وعين القاضي غيره إن لم يوجد من يستحق الولاية كما في إيصاء الأب والجد غير موجود.

          ويستوي في الوصي بعد توفر الشروط الرجل والمرأة والقريب الوارث وغير الوارث والأجنبي.

    - تخصيص الوصي المختار:

          لا خلاف في أن الوصي يتصرف في كافة الأموال بما يخوله له حق الإيصاء إذا كانت الوصية مطلقة غير مقيدة بشيء مخصوص بأن قال الموصي : جعلتك وصياً، أو أنت وصيي.

          أما إذا كانت مقيدة بنوع من التصرفات كأن يقول : جعلتك وصياً في الأموال المنقولة أو في التجارة أو بمكان كأن يقول: جعلتك وصياً في الأموال الموجودة في بلد كذا أو ما شابه ذلك من التقييدات فهل يجوز لهذا الوصي التصرف في غير ما قيد به أو لا ؟

          ذهب أبو حنيفة أن الوصاية لا تقبل التخصيص، فإذا قال: جعلتك وصياً في أمور التجارة أو في قبض مالي على الناس صار وصياً على كل الأموال، لأن الموصي رضيه متصرفاً في بعض الأمور ولم يرض بتصرف غيره في شيء أصلاً، فيكون أولى من غيره بالتصرف في الباقي، على أن الوصي قائم مقام الموصي فيتصرف تصرفه لأن الوصاية خلافة تثبت كاملة لا تتجزأ.

    - تعيين المشرف:

          هذا وكما يجوز للأب شرعاً أن يوصي لأكثر من واحد يجوز له أن يقيم مشرفاً يشرف على أعمال الوصي فلا يتصرف الوصي إلا بعلمه ورأيه، أما إمساك المال وحفظه فيستقل به الوصي، ولا يكون المشرف وصياً على المفتى به في المذهب الحنفي، فلا يمكنه التصرف في مال القاصر حتى ولو كان التصرف مستعجلاً أو لا ضرر فيه، ولا يتقيد الموصى في اختيار المشرف كما لم يتقيد في اختيار الوصي فيصح أن يكون المشرف الأم أو غيرها.

    - تصرفات الوصي المختار:

          أما وصي الأب فيعتبر قائماً مقام الأب فيملك جميع التصرفات التي يملكها الأب في المذهب إلا في مسائل مستثناة لا يكون فيها مثل الأب. وهي ما يأتي:

          1- بيع العقار المملوك القاصر، فللأب أن يبيعه بمثل القيمة أو بغبن يسير، أما وصيه فلا يملك بيعه إلا بمسوغ شرعي أو يكون في بيعه نفع ظاهر له، والمسوغات هي ما يلي:

          أ- أن تكون التركة عليها ديون لا يمكن إيفاؤها إلا ببيع العقار، وكذلك إذا كان على القاصر دين كهذا.

          ب- وجود وصية مرسلة أي بمقدار من المال كألف مثلاً ولا يوجد في التركة نقود أو عروض تباع لتنفيذها فإن العقار يباع حينئذ لتنفيذها لأنه لا ميراث إلا بعد تنفيذ الوصية، أما إذا كانت مقيدة بالربع أو الخمس مثلاً فلا يباع العقار ويكون الموصى له شريكاً للورثة فيه بمقدار الوصية.

          جـ- أن يكون القاصر في حاجة إلى النفقة ولا يمكن تدبيرها إلا ببيع العقار فيجوز للوصي أن يبيع منه بقدر النفقة، ويتكرر البيع بتجدد الحاجة إليها.

          د- أن يكون العقار مبنياً وبناؤه آيل إلى السقوط، ولا توجد نقود عند الوصي لترميمه وتلافي سقوطه.

          هـ- إذا كان العقار يخشى عليه النقصان أو الضياع كالأراضي التي تكون بجوار البحار أو الأنهار وتتعرض لتآكلها عاماً بعد عام.

          و- أن تكون ضريبة العقار وما ينفق عليه لصيانته أو لزراعته تزيد عن غلاته وما شاكل ذلك.

          فإن لم يوجد مسوغ من المسوغات لبيعه فلا يباع إلا بنفع ظاهر، كأن يرغب شخص في شرائه بضعف قيمته فيجوز، لأن الوصي في هذه الحالة لا يستطيع أن يشتري للقاصر بالثمن عقاراً آخر.

          فإن باعه بدون مسوغ كان البيع باطلاً حتى لو بلغ الصبي وأجاز ذلك البيع لا تصح هذه الإجازة لأن الباطل لا تلحقه إجازة.

          والفرق بين الأب والوصي في ذلك أن الشفقة متوفرة عند الأب فيكفي في تصرفه ألا يكون فيه ضرر، أما الوصي فلا تتوفر له تلك الشفقة فكان الاعتبار الأول في ولايته هو الحفظ والصيانة والعقار محفوظ مصون بنفسه فلا يجوز له بيعه إلا عند الخطر عليه أو النفع الظاهر.

          2- بيع الوصي مال نفسه للقاصر وشراء ماله لنفسه، فبينما يصح للأب أن يبيع ماله للصغير وأن يشتري مال الصغير لنفسه متى كان البيع أو الشراء بمثل القيمة أو بغبن يسير. لا يصح هذا من الوصي إلا إذا كان فيهما نفع ظاهر للقاصر، ويتحقق هذا النفع الظاهر كما صوره بعض الفقهاء بأن يبيع عقاره للقاصر بنصف القيمة، ويشتري عقاره بضعف القيمة، وفي غير العقار يكون البيع بنقصان ثلث القيمة، والشراء بزيادة نصف القيمة، كأن يبيع له ما قيمته خمسة عشرة بعشرة، ويشتري منه ما قيمته عشرة بخمسة عشر، وجواز البيع والشراء على هذا الوجه هو قول أبي حنيفة وعليه الفتوى.

          وكذلك لا يجوز للوصي أن يبيع مال القاصر لمن لا تقبل شهادته له من الأصول والفروع والأزواج ولا أن يشتري منهم له إلا ما فيه مصلحة واضحة.

          وإنما فرق بين تصرف الأب وتصرف الوصي لأن وفور شفقة الأب وحرصه على مصلحة أولاده لا يحتاج معها إلى ضمان آخر، بخلاب الوصي الذي قد يؤثر مصلحة نفسه على مصلحة القاصر فاحتاج تصرفه إلى دليل ينفي ذلك عنه وهو بيعه وشراؤه بما يحقق له النفع الظاهر.

          3- رهن الوصي شيئاً من أموال نفسه عند اليتيم نظير دين عليه له وارتهانه شيئاً من أموال اليتيم عند نفسه نظير دين له على اليتيم لا يصح ذلك من الوصي بينما يصح ذلك من الأب.

          وفيما عدا هذه الأمور فإنه يتصرف كل التصرفات التي يملكها الأب.

          أما وصي القاضي فهو كوصي الأب إلا في بعض مسائل خاصة أهمها:

          1- ليس لوصي القاضي عقد المعارضة في مال القاصر مع نفسه ولا مع من لا تقبل شهادتهم له، لأنه نائب عن القاضي، والقاضي لا يملك ذلك فكذلك نائبه، أما وصي الأب فله ذلك بشرط أن يكون فيه نفع ظاهر كما بيناه.

          2- الوصي المختار له أن يقيم وصياً بعد وفاته على مال القاصر الذي له عليه وصاية، وليس ذلك لوصي القاضي إلا إذا جعل له القاضي ذلك في قرار تعيينه، والسبب في ذلك أن القاضي الذي يستمد منه الوصي المعين من قبله ولايته موجود دائماً بخلاف الوصي المختار للأب فإن من اختاره غير موجود فلا يمكن الرجوع إليه.

          3- وصي القاضي قابل للعزل وإن كان عدلاً كفؤاً إذا كانت مصلحة القاصر تقتضي ذلك، لأنه وكيل القاضي وكل موكل يملك عزل وكيله، أما الوصي المختار فلا يجوز للقاضي عزله إذا كان عدلاً كافياً، لأنه لم يعينه فلا يملك عزله دون سبب مبرر لذلك العزل.

          استحقاق الوصي الأجر على الوصاية:

          لفقهاء الحنفية في ذلك آراء ثلاثة:

          أولها: أنه يستحق الأجر مطلقاً غنياً كان أو فقيراً.

          وثانيها: أنه يستحق الأجر مطلقاً غنياً كان أو فقيراً.

          وثالثها: التفصيل بين ما إذا كان غنياً فلا يستحق الأجر وبين ما إذا كان فقيراً فيستحقه

          ومنشأ هذا الاختلاف هو الاختلاف في فهم قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 6]. فإنها جاءت في سياق الآيات المبينة أحكام من يتولى أموال اليتامى.

          فصاحب الرأي الأول يقول: إن الآية طالبت الغني بالاستعفاف، وسوغت للفقير الأكل بالمعروف، وليس الأكل بالمعروف أجراً، ولأن الوصاية الأصل فيها التبرع ممن يقوم بها.

          وصاحب الرأي الثاني يقول: إن الآية تفيد استحباب التبرع إذا كان غير محتاج، ولا تفيد إلزامه بذلك فله أن يطلب الأجر إذا شاء إذ لا يمكن إلزام شخص أن يؤدي عملاً بغير مقابل.

          ولأنه يضيع جزءً من وقته في العمل للقاصر لو أضاعه في شئون نفسه لزادت ثروته فيكون مستحقاً للأجر، ويترك ذلك لرأيه إن شاء طالب به، وان شاء تنازل عنه.

          وصاحب الرأي الثالث يقول: إن الآية فرقت بين الغني والفقير فطالبت الغني بالاستعفاف، وسوغت للفقير أن يأكل بالمعروف، ولأن الأصل في الوصاية أن تكون تبرعاً ابتغاء ثواب الآخرة والغني لا يتضرر من ذلك، أما الفقير فيلحقه الضرر فيستحق الأجر دفعاً لهذا الضرر عنه استثناء من الأصل، ولهذا قال بعض الفقهاء : إن هذا هو مقتضى الاستحسان وهو مقدم على القياس الذي يمنع مطلقاً.

    - انتهاء الولاية والوصاية:

          تنتهي الولاية شرعاً - كما قدمنا - ببلوغ القاصر عاقلاً رشيداً، والرشد ليس له سن معينة عند جماهير الفقهاء بل يثبت الرشد بالتجربة، فإن ثبت بالفعل انتهت الولاية وسلم المال إلى صاحبه وإن لم يثبت يبقى المال تحت يد الولي.

          أما إذا بلغ مجنوناً أو معتوهاً فإن الولاية تستمر عليه ولو لم تقرر المحكمة استمرارها.

          انتهاء الوصاية:

          تنتهي الوصاية:

          أولاً: ببلوغ القاصر سن الرشد كما في الولاية.

          ثانياً: بعودة الولاية للولي أباً أو جداً فيما إذا كانت المحكمة سلبت الولاية لسبب من الأسباب وعينت وصياً بدله، ثم زال سبب سلب الولاية وأمرت المحكمة بإعادتها.

          ثالثاً: بعزل الوصي لسبب من الأسباب الموجب لذلك أو قبول استقالته.

          رابعاً: بفقد الوصي أهليته أو ثبوت غيبته بحيث لا يمكن القاصر الانتفاع من وصايته، أو موته أو موت القاصر. 

    الباب الخامس

    في نفقة الأولاد والأقارب:

    تمهيد

    - دليل وجوب النفقة:

          نفقة الأقارب نوع من التكافل الاجتماعي الذي أرسى الإسلام قواعده وشيد أركانه، وأصل وجوب هذه النفقة مقرر في كتاب الله إجمالاً في أكثر من آية، وجاءت السنة مفصلة وشارحة في أحاديث عديدة، وطبق ذلك في المجتمع الإسلامي في عصوره المختلفة.

          يقول جل شأنه: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ....} إلى أن قال: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة: 233].

          وفي آية أخرى يقول عز من قائل: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى} [النساء: 36].

          وفي آية ثالثة يقول سبحانه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23].

          وفي رابعة يقول جل ثناؤه: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} [الإسراء: 26].

          وفي خامسة يقول جل وعلا: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15] نزلت في الأبوين الكافرين والمصاحبة بالمعروف كما فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسن العشرة بأن يطعمهما إذا جاعا، ويكسوهما إذا عريا.

          أما السنة: فالأحاديث كثيرة نكتفي ببعضها منها:

          ما رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "دخلت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه فهل عليّ في ذلك من جناح؟، فقال: "خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك".

          وما رواه النسائي عن طارق المحاربي قال: قدمنا المدينة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يخطب الناس ويقول: "يد المعطي العليا وأبدأ بمن تعول أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك".

          وما رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن بَهز بن حكيم عن أبيه عن جده معاوية بن حَيْدة القشيري قال: قلت يا رسول الله من أبَرّ؟ قال أمك، قلت: ثم من؟، قال : أمك، قلت ثم من؟، قال أمك، قلت ثم من؟، قال: أباك، ثم الأقرب فالأقرب".

          وما رواه النسائي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت".

          فهذه النصوص توجب النفقة للأقارب في جملتها، ولما كانت دلالتها متنوعة منها القطعي والظني، وكما أن الأحاديث كلها من أخبار الآحاد وثبوتها ظني، وكما أن منها ما صح عند بعض الأئمة بينما لم يصح عند الآخرين لذلك اختلف الأئمة فيمن تجب له هذه النفقة على آراء:

          1- فذهب مالك أن نفقة الأقارب تنحصر في قرابة الولاد المباشرة، فتجب للأب والأم على الولد ذكراً كان أم أنثى، وتجب على الأب لأولاده، ولا تجب على الأم نفقة لأولادها، ولا تجب لغير هؤلاء نفقة على أحد من أقاربهم.

          ودليله على وجوب النفقة للوالدين الآيات التي أوجبت ذلك صراحة من قوله تعالى: {وبالوالدين إحساناً}، وقوله : {وصاحبهما في الدنيا معروفاً}، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنت ومالك لأبيك".

          أما وجوبها للأولاد فبقوله تعالى: {وعلى المولود له زرقهن وكسوتهن بالمعروف} وبقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خذي ما يكفيك وبنيك بالمعروف" قالوا: فهذه النصوص صريحة في ذلك فيقتصر على مورد النص، أما غير هؤلاء فلا يصلون إلى مرتبتهم فلا يقاسون عليهم.

          2- وذهب الشافعي أن النفقة تجب للأصول على الفروع وبالعكس، فالقرابة الموجبة هي قرابة الولاد مطلقاً مباشرة وغير مباشرة.

          ودليله على ذلك الأدلة السابقة بتوسع في معنى الوالدين ليشمل الأجداد، والأولاد يشمل أولاد الأولاد لأن الأجداد آباء، وأولاد الأولاد أولاد.

          ولا تجب لغير هؤلاء، أما قوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} فلا يدل على وجوب النفقة على القريب الوارث لأنه معطوف على قوله تعالى: {لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده} لا على قوله: {وعلى المولود له رزقهن} ولكننا نقول: إن هذا مجرد احتمال لأن الظاهر أنه معطوف على الأول، لأن الأحاديث صرحت بوجوب النفقة للأقارب غير الأصول والفروع كقول الرسول: "وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك بعد قوله أمك وأباك.

          4- وذهب الحنفية إلى أن القرابة الموجبة للنفقة هي القرابة المحرمة للزواج فتجب على الشخص لكل قريب تربطهما قرابة محرمية، وهي تشمل الأصول والفروع والمحارم من الحواشي كالإخوة والأخوات وأولادهم، والأعمام والعمات والأخوال والخالات، أما القريب غير المحرم فلا تجب له نفقة كأولاد العم والعمة وأولاد الخال والخالة.

          وسندهم في ذلك الأدلة السابقة في أول الفصل التي توجب النفقة للأصول والفروع والأقارب الوارثين، ولكنهم قيدوا الوارثين بالمحارم بما روي أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان يقرأ آية البقرة {وعلى الوارث مثل ذلك} بزيادة: {ذي الرحم المحرم} وهي وإن لم تثبت قرآنيتها لعدم تواترها إلا أنها تعتبر تفسيراً وبياناً مسموعاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

          ولأن القرابة المحرمية قرابة قوية تستحق العناية والمحافظة عليها من القطيعة بإيجاب النفقة لها دون غيرها، ولهذا كانت سبباً في تحريم الزواج عند وجودها لما في الزواج من بسط سلطان الزوج على زوجته مما قد يؤدي إلى قطع الرحم، فاقتصر إيجاب النفقة على من اتصف بها دون من هو أدنى منه قرابة.

          5- وذهب الحنابلة إلى أن وجوب نفقة القريب على قريبه يدور مع الإرث وجوداً وعدماً، فإذا كان القريب وارثاً وجبت له النفقة لا فرق بين أصل وفرع ولا بين محرم وغيره.

          وسندهم في ذلك قوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} فإنها أوجبت على الوارث مثل ما أوجبته الآية في أولها على الأب من النفقة، وذلك لأن القرابة التي تجعل القريب أحق بتركة قريبه وهو غنم تقتضي أن يقابله غرم وهو وجوب النفقة على الوارث، ولذلك شرطوا اتحاد الدين بين من تجب له النفقة ومن تجب عليه حتى ولو كانوا من الأصول والفروع، في الرواية الراجحة في المذهب.

          وفي رواية أخرى يشترط في غير الأصول والفروع، وهذه الرواية - في نظري - هي التي تتفق مع صريح النصوص لأنها مطلقة لم تفرق بين المتفقين في الدين والمخالفين فقوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} مطلق في كل مولود له، وقوله: {وصاحبهما في الدنيا معروفاً} نزل بخصوص الوالدين الكافرين، وكذلك أدلة وجوب النفقة للأولاد مطلقة، وأما قوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} فظاهرها أنها في الأقرباء الآخرين. 

    الفَصل الأول

     - نفقة الفروع على الأصول:

          المراد بالفروع هم الأولاد وأولاد الأولاد وإن نزلوا ذكوراً كانوا أو أناثاً.

          إذا كان للولد مال وجبت نفقته في ماله ولو كان صغيراً، وإذا لم يكن له مال وكان قادراً على الكسب ولم يمنعه مانع منه وجب عليه السعي ليحصل على نفقته، ولا تجب له نفقة على غيره أباً كان أو غير أب، أما إذا لم يكن له مال وكان عاجزاً عن الكسب لسبب من الأسباب كالصغر، أو لكونه أنثى ولو كبيرة قادرة على الكسب ولكنها لا تكسب بالفعل، أو لكونه مريضاً مرضاً يمنعه من العمل كالعمى والشلل، أو لكونه مجنوناً أو معتوهاً، أو لعدم تيسر الكسب لبطالة عامة.

          ففي هذه الحالات تجب له النفقة على غيره، فوجوب النفقة له مشروط بحاجته التي تتحقق بألا يكون له مال بحيث تحل له الصدقة، أو بعجزه عن التكسب عند الحنفية فلو كان له مال لا يكفي حاجاته الضرورية أو كان كسبه لا يكفيه وجب على الأب أن يكمل له ما يكفي حاجته وكذلك إذا كان له مال غائب لا تصل يده إليه، كما إذا ورث مالاً ولم يتسلمه بعد فعلى الأب أو من يليه من أصوله أن ينفق عليه من مال نفسه حتى يتسلم ماله، وله أن يرجع بما أنفق عليه، إذا كان الإنفاق بإذن القاضي أو كان بغير إذنه لكنه أشهد عند الإنفاق أنه ينفق ليأخذه من مال عند تسلمه، وفي غير هاتين الحالتين لا يرجع عليه بشيء قضاء، لأنه يكون متبرعاً له الرجوع ديانة إذا كان نوى ذلك، يستوي في ذلك الصغير والكبير العاجز والذكر والأنثى.

          وإذا امتنع الولد القادر على الكسب عنه فهل يملك الأب إجباره عليه؟

          إذا كان أنثى فليس لأبيها جبرها على العمل لأن الشأن فيها ألا تعمل، وتكون نفقتها على أبيها حتى تتزوج فتكون نفقتها على زوجها، فإن انتهت زوجيتها لأي سبب عادت نفقتها إلى من كانت عليه قبل زواجها.

          أما الذكر فيعتبر غير محتاج بقدرته على الكسب لأنه بهذه القدرة يعتبر غنياً لإمكانه الاستغناء بها فلأبيه أو غيره إجباره على العمل، ولا يستثنى من ذلك إلا طالب العلم فإنه لا يجبر على التكسب حتى لا يشغله عن طلب العلم، وتجب له النفقة ما دام جاداً في طلبه ناجحاً فيه، أما إذا كان غير ذلك فلا تجب له نفقة على غيره.

          والمراد بالنفقة الواجبة هي كل ما يحتاج إليه الشخص من طعام وكسوة وسكنى وأجرة خادم إذا كان محتاجاً إليه لصغره أو لعجزه، أما نفقة زوجة الابن المستحق للنفقة فلا تجب على أبيه ولا على غيره من الأصول باتفاق الحنفية وإنما يقضي لها بالنفقة على زوجها، ويأذن لها القاضي بالاستدانة عليه إذا طلبت ذلك، ويؤمر من تجب نفقتها عليه بالانفاق ويرجع بها على الزوج إذا أيسر.

          وهنا يذكر فقهاء الحنفية مسألة ما إذا كان الشخص يملك منزلاً للسكنى وليس له سواه فهل تجب له النفقة على غيره أو لا تجب، ويذكرون في ذلك روايتين في المذهب.

          الأولى: لا تجب له النفقة لأنه لا يعتبر محتاجاً إليها من الغير حيث يستطيع بيعه ويسكن بالأجر أو يبيع جزءً منه إن كان فسيحاً ينفق من ثمنه ويسكن باقيه.

          والثانية: أنه تجب النفقة على قريبه ولا يجبر على بيعه أو بيع جزء منه، وعللوا ذلك. بأن بيع المنزل لا يحصل إلا نادراً، ولا يمكن لكل أحد أن يسكن بالأجر أو المنزل المشترك لأنه تحل له الصدقة ولا يؤمر ببيع المنزل، ولكن الرواية الأولى هي الصحيح من المذهب وهذا أوجه لأن النفقة للقريب لا تجب إلا عند الحاجة، والحاجة مندفعة بملكه هذا لأنه لا يعتبر معها محتاجاً، أما ما قيل: بأن بيع المنزل لا يحصل إلا نادراً، فلو سلم ذلك في زمنهم فغير مسلم في زماننا، ولعل التطور في المنازل ينفي ذلك، وحل الصدقة له - إن جاز - لا يسوغ وجوب النفقة له على الغير، لأن حل الصدقة لشخص لا يتنافى مع ملكية الشخص لما لا يصير به