الإحرام عند المذاهب الأربعة : الحمد لله

الإحرام عند المذاهب الأربعة

شُروط صِحَّة الحج

      شروط صحة الحج أمور تتوقف عليها صحة الحج وليست داخله فيه، فلو اختلَّ شيء منها كان الحج باطلاً.

      شروط صحة الحج خمسة :

      الأول والثاني : الإسلام والعقل.

      الشرط الثالث : الميقات الزماني.

      وقت أعمال الحج ورد في قوله تعالى : {الحَجُّ أَشهُرٌ مَّعلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَ الحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوَقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحَجِ} [البقرة : 197].

      فلو فعل شيئاً من أفعال الحج خارخها لا يجزيه، حتى لو صام المتمتع أو القارن ثلاثة أيام قبل أشهر الحج لا يجوز، وكذا السعي بين الصفا والمروة عقب طواف القدوم لا يقع عن سعي الحج إلا فيها.

      ذهب الحنفية والمالكية والحنبلية إلى إجازة الإحرام بالحج قبلها مع الكراهة، لقوله تعالى {يسألونك عن الأَهِلَّةِ قل هي مَوَاقِيتُ للناس والحج} [البقرة: 189]. ولأن الإحرام عند الحنفية ليس من أركان الحج بل من شروطه.

      وذهب الشافعية إلى أنه يصح الإحرام بالحج قبل وقته، فلو أحرم به في غير وقته انعقد عمرة على الصحيح عندهم.

      ووقع الخلاف في نهار يوم النحر :

      فقال الحنفية والحنابلة: هو من أشهر الحج.

      وقال الشافعية: آخر أشهر الحج ليلة النحر، وليس نهار يوم النحر منها.

      وقال المالكية: آخر أشهر الحج نهاية شهر ذي الحجة.

      وامتداد الوقت بعد ليلة النحر إلى آخر ذي الحجة عند المالكية إنما هو بالنظر لجواز التحلل من الإحرام وكراهة العمرة فقط.

      الشرط الرابع : الميقات المكاني :

      هناك أماكن حددها الشارع لأداء أركان الحج لا تصح في غيرها، كالوقوف بعرفة مكانه: أرض عرفة، والطواف بالبيت مكانه: حول البيت، والسعي مكانه: المسافة بين الصفا والمروة.

 

      الشرط الخامس : الإحرام :

      الإحرام لغةَ: هو الدخول في الحرفة.

      والمراد هنا الدخول في حرمة أداء الحج أو العمرة.

      والإحرام: هو النية مع التلبية، فهو بالنسبة للحج كالنية للصلاة.

      ذهب الحنفية إلى أنه لا بُدَّ فيه مع النية من التلبية.

      وذهب الجمهور: إلى أن ركن الإحرام هو النية، والتلبية ليست بشرط في الإحرام بل هي سنة.

      وذلك بأن ينوي في قلبه ما يريد من النسك : الحج، أو العمرة، أو هما معاً، ثم يقول : "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك".

      وعلى كل فإن لبس ثياب الإحرام ليس هو الفرض، ولو اقتصر عليها دون نية لا يكون محرماً، أما لو نوى الحج أو العمرة ولبى في ثيابه المخيطة فإنه يصير محرماً ويجب عليه نزعها في الحال.

      اختلف الفقهاء في الإحرام، هل هو ركن أو شرط ؟:

      فذهب الحنفية إلى أنه شرط.

      وذهب الشافعية إلى أنه ركن.

      وعند الحنفية لا يصير محرماً بمجرد النية، لكن بالنية عند التلبية.

      وعند الشافعي وأحمد مالك في الأصح يصير محرماً بمجرد النية.

      ونسوق هنا مسائل تتعلق بالإحرام يُحتاج إلى معرفتها وهي :

      أ- المسألة الأولى : إبهام الإحرام :

      كثيراً ما يحدث للحجاج أن يلبس بعضهم ثياب الإحرام ويلبي بقصد النسك، ولا يعين في إحرامه حجاً ولا عمرة لا بقلبه ولا بلسانه:

      ذهب الحنفية والمالكية إلى أنَّ هذا الإحرام صحيح وعليه التعيين، ثم إن عين ما يريده قبل الطواف فالعبرة لهذا التعيين، وإن لم يعين ثم طاف بالبيت جعل إحرامه للعمرة، فيتم مناسك العمرة ثم يحرم بالحج ويصير متمتعاً، أما إذا لم يعين ولم يطف بالبيت بل وقف بعرفة قبل أن يطوف ينصرف إحرامه للحج وعليه أن يتمم مناسك الحج.

      وذهب الشافعية والحنبلية إلى أنه لا بُدَّ عندهم من التعيين، فلو عمل شيئاً من أركان الحج أو العمرة قبل التعيين لا يجزئه ولا يصح فعله.

      ب- المسألة الثانية : الإحرام بإحرام الغير :

      بأن يقصد المحرم الاقتداء بشخص من أهل العلم والفضل في أعماله ليرافقه ويحذو حذوه فيحرم بما أحرم به فلان، وهو لا يعلم ماذا أحرم به فلان، فهذا الإحرام صحيح، وينعقد إحرامه مثل إحرام ذلك الشخص عند الجمهور.

      واستدلوا على ذلك بالحديث الصحيح عن علي رضي الله عنه، أنه قدم من اليمن ووافى النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : "بم أهللت؟" قال : "بما أهل به النبي صلى الله عليه وسلم" فقال : "لولا أن معي الهدي لأحللت".

      زاد في رواية : "قال فاهْدِ وامكث حراماً كما أنت". أخرجه الشيخان.

      د- المسألة الثالثة : فسخ الإحرام بالحج إلى العمرة :

      اتفق جمهور الفقهاء على أنه متى انعقد الإحرام لزم متابعة أداء المناسك التي نواها حتى يتحلل، لا يجوز أن يلغيه أو يحوّله.

      وذهب الحنابلة إلى خلاف الجمهور، وقالوا: إن من أحرم بالحج مُفْرِداً أو قارناً إذا لم يكن ساق الهدي، فأجازوا له إذا طاف وسعى أن يفسخ نيته بالحج ويجعله عمرة ويتحلل، ثم ينوي الحج بعد ذلك ويصير متمتعاً.

      - مواقيت الإحرام :

      ميقات الإحرام : هو مكان الإحرام وزمانه.

      أما الميقات الزماني فقد سبق الكلام عليه.

      وأما الميقات المكاني باختلاف التي يفد الحجاج والعمار منها.

       أ- وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ميقات كل بلد :

      ففي الصحيحين عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : "إن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وقَّتَ لأهلِ المدينةِ ذا الحُلَيْفَةَ، ولأهلِ الشام الجُحْفَةَ، ولأهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المنَازِل، ولأهل اليَمن يَلَمْلَمْ، هن لهن، ولم أتى عليَهن مِنْ غيرِ أهلهنّ ممنْ أرادَ الحجَّ والعمرة، ومَن كان دون ذلك فمن حيثُ أنشأ حتى أهلُ مكةَ من مكة".

      والجُحْفَةُ هذه قد اندثرت، ويُهِلُّ حجاج بلاد الشام ومناطق الشمال من بلدة (رابغ) قبل الجُحْفَة بقليل.

      أما العراق ومناطق الشرق فقد أخرج مسلم عن أبي الزبير عن جابر قال : سمعته - وأحسبه رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال : مُهَلُّ أهل المدينة ... إلى أن قال : "ومُهَلُّ أهل العراق من ذاتِ عِرْقٍ".

      هذه مواقيت أهل الآفاق، فإذا انتهى الآفاقي إلى الميقات وهو يريد الحج أو العمرة أو القِران حرم عليه مجاوزته غير محرم بالإجماع.

      ب- ومن لم يمر من المكان المحدد نفسه يحرم إذا حاذى الميقات، لذلك تُعْلِمُ الطائرات والبواخر الحجاج قبل محاذاتها الميقات حتى يستعدوا ويحرموا، فإذا وصلت بمحاذاته أعلنت لهم حتى ينووا ويلبوا بالحج، أو العمرة، أو بهما معاً.

      جـ- أما من كان في المناطق بين مكة والمواقيت فيهل بالحج من داره.

      د- مَنْ أراد العمرة وهو في مكة عليه أن يخرج من منطقة الحرم إلى أدنى مكان من الحل، فيحرم بالعمرة.

      دليل ذلك : "أنه صلى الله عليه وسلم أرسلَ عائشةَ بعد قضاءِ الحجِّ إلى التّنْعِيم فاعتمرت منه" أخرجه الشيخان.

      والتنعيم أقرب أطراف الحل إلى مكة يبعد عنها حوالي (10) كيلو مترات تقريباً، واتصل بنيان مكة به حالياً.

      هـ- مَن دخل منطقة المواقيت للعمل، أو الإقامة أي قاصداً إياها لأمر ما لا للنسك، ثم أراد الحج أو العمرة يُحرِمُ من موضعه الذي هو فيه.

      و- الإحرام قبل الميقات :

      يجوز تقديم الإحرام على الميقات المكاني إجماعاً.

      ذهب الحنفية إلى أنَّ الأفضل تقديم الإحرام على الميقات المكاني إذا أمن على نفسه مخالفة أحكام الإحرام.

      وذهب مالك والشافعي في رواية والإمام أحمد إلى أن الأفضل أن لا يحرم قبل ميقاته، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحرموا من الميقات، ولا يفعلون إلا الأفضل. ولأنه يشبه الإحرام بالحج قبل أشهره فيكون مثله في الكراهة.

      10- الحرم وأحكامه :

      المراد بالحرم عند الإطلاق المنطقة المحرمة المحيطة بمكة.

      أ- الحرم: بمعنى المسجد الحرام المبني في مكة حول الكعبة المشرفة.

      ب- الحرم: منطقة محرمة تحيط بمكة يحرم صيدها وقطع شجرها. وهذا المعنى هو المراد إذا اطلقت كلمة "حرم".

      ج- منطقة المواقيت، وهي أبعد عن دائرة الحرم.

      والحرم المكي أي المحيط بمكة له حرمة جليلة وأحكام خاصة به منذ غابر الأزمان في عهد إبراهيم عليه السلام، وقد زاده الإسلام حرمة وقرر له أحكاماً خاصة، وأهم هذه الأحكام في هذا المقام ما يلي :

      أ- حظر دخول الحرم بغير نسك :

      ذهب الجمهور الحنفية والمالكية والحنبلية إلى أنَّ مَن مرَّ بالمواقيت يريد دخول الحرم لحاجة له، فيجب أن يكون محرماً وعليه العمرة إن لم يكن محرماً بالحج، لما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لا تجاوزوا الوقت إلا بإحرام" رواه ابن أبي شيبة، ولأن وجوب الإحرام لتعظيم هذه البقعة الشريفة، فيستوي فيه الحاج والمعتمر وغيرهما. ومن خالف كان حكمه حكمَ من جاوز الميقات بغير إحرام.

      وعند الحنفية من كان في الميقات له أن يدخل مكة بغير إحرام لحاجته، وعلى ذلك لو سافر الحاج من مكة إلى جدة - مثلاً - لبيع أو شراء أو حجز مكان للسفر أو نحو ذلك، ثم عاد إلى مكة يقصد استمرار الإقامة فيها فلا يجب عليه الإحرام بالعمرة عند الحنفية.

      وذهب الشافعية إلى أنه إذا قصد منطقة الحرم أو مكة نفسها لحاجة غير النسك فإن الدخول بالإحرام سنة له ويجوز له ألا يحرم، ووافقهم الحنابلة فيمن له حاجة متكررة، كالحطاب وناقل الميرة وغيرهما، استدلوا بما صح أنه صلى الله عليه وسلم "دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام".

      ب- تحريم صيد الحرم :

      يحرم الصيد في مكة والحرم المحيط بها على الحَلاَل كما يحرم على المحرم أيضاً، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن هذا البلدَ حَرّمه الله، لا يُعْضَدُ شَوْكُه، ولا يُنَفَّرُّ صَيْدهُ، ولا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إلا مَنْ عَرَّفها" أخرجه الشيخان.

      ج- تحريم نبت الحرم :

      فلا يجوز قطع شجر الحرم والزروع التي تنبت فيه بنفسها، كالحشيش ونحوه، لا يجوز ذلك للمحرم ولا لغير المحرم، لما سبق في الحديث فقد صرح بالنهي "لا يعضد شوكه" يعني لا يقطع، وورد في مسلم: "ولا يُخْتَلَى خلاها" يعني لا يقطع ولا يقلع. والخلا هو النبات الرطب الرقيق.

      أما الذي يزرعه الناس ويستنبتونه بأنفسهم كالحبوب والأشجار المثمرة فليس بحرام.

      د- جواز صلاة النافلة فيه مطلقاً :

      ذهب الشافعية إلى جواز صلاة النافلة فيه مطلقاً، مثل ركعتي الإحرام وركعتي الطواف فرضاً أو نفلاً وغيرهما من النوافل والتطوع، في كل الأوقات ولو في أوقات الكراهة.

      وذهب الحنفية إلى عدم جواز النافلة في الحرم في الوقت المكروه، وذلك يشمل صلاة الطواف وجوباً ونفلاً ويوافقهم المالكية في الأوقات الثلاثة: شروق الشمس واستوائها واصفرارها.

      11- سنن الإحرام :

      أ- الاغتسال :

      وهو سنة مؤكدة عند الأئمة الأربعة، ويقوم الوضوء مكانه في تحصيل أصل السنة عند الحنفية، لكن الاغتسال هو السنة الكاملة.

      عن زيد بن ثابت : "أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل" رواه الترمذي.

      واتفق الفقهاء على أن الغُسْلَ سنة لكل محرم صغير أو كبير ذكر أو أنثى، ويطلب من المرأة الحائض والنفساء.

      وفي حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسماء بنت عُمَيْس لمّا ولدت: "اغتسلي واسْتَثْفِري بثوب وأحرمي".

      وعن ابن عباس رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إن النفساءَ والحائضَ تغتسلُ وتحرمُ وتَقْضِي المناسكَ كلها غير أنْ لا تطوفَ بالبيت حتى تطهُرَ".

      وحكمة هذا الغسل أنه للنظافة، لأن المحرم يستعد لعبادة يجتمع لها الناس، فيسن له الغسل كما يسن لصلاة الجمعة.

      ب- التطيب :

      1) التطيب في البدن :

      ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنَّ التطيب استعداداً للإحرام سنة.

      وذهب الحنفية إلى أنه مستحب.

      والأصل فيه ما ورد من فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

      عن عائشة رضي الله عنها قالت : "كنت أُطَيِّبُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت" متفق عليه.

      وذهب المالكية إلى تحريم الطيب عند الإحرام للبدن.

      2) أما تطييب ثوب الإحرام :

      ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى جواز تطييب ثوب الإحرام عند الحنفية والشافعية والحنابلة عند إرادة الإحرام ولا يضر بقاء الرائحة في الثوب بعد الإحرام، كما لا يضر بقاء الرائحة الطيبة في البدن اتفاقاً، قياساً للثوب على البدن، لكن نصوا على أنه لو نزع ثوب الإحرام أو سقط عنه، فلا يجوز أن يعود إلى لبسه مادامت الرائحة فيه، بل يزيل منه الرائحة ثم يلبسه.

      وذهب المالكية إلى تحريم الطيب عند الإحرام تحريماً باتاً للبدن وللثوب.

      ج- ركعتا الإحرام :

      يُسَنُّ أن يصلي ركعتين قبل الإحرام :

      اتفق الفقهاء المذاهب الأربعة أن صلاة ركعتين قبل الإحرام سنة، عن ابن عمر : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركع بذي الحُلَيْفَة ركعتين" رواه مسلم.

      ولا يصليهما في الوقت المكروه اتفاقاً بين المذاهب الأربعة، إلا من كان في الحرم عند الشافعية.

      وتجزئ المكتوبة عنهما اتفاقاً بين المذاهب الأربعة، كتحية المسجد.

      د- التلبية :

      وهي أن يقول الصيغة المأثورة "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك".

      وقد اتفق الفقهاء على سنيتها واستجاب الإكثار منها إجمالاً، واختلفوا في حكمها عند الإحرام بالحج أو العمرة.

      ذهب الحنفية إلى أنها جزء من الإحرام لا يصح ولا يعتبر ناوياً للنسك إلا إذا قرنه بالتلبية، ويحل محلها عمل خاص بالحج كسَوْق الهدي أو تقليده.

      وذهب المالكية إلى أنها أبيض.

      وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنها أبيض، لأنها ذكر فلا تجب في الحج كسائر أذكار الحج.

      والأفضل أن يلبي عقب صلاة الإحرام ناوياً الحج أو العمرة، أو كليهما معاً، وإن لبى بعد الركوب جاز.

      عن ابن عمر " أنه صلى الله عليه وسلم أهَلَّ حين استوت به راحلته قائمة" رواه البخاري ومسلم.

      لكن التلبية عقب الصلاة افضل، إذا فعل المحرم ذلك الذي فصلناه فقد تم إحرامه بشروطه وسننه.