الحمد لله

شرح حديث ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت

شرح حديث: (ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت)
قال رحمه الله: [ وعن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت ) أخرجه أبو داود و الترمذي ].
هذا الحديث ختام هذا الباب المبارك، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ( ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت ) ، وفي بعض الروايات: ( ما قطع من حي فهو ميت )، وفي رواية: ( ما قطع من حي فهو كميتته )، وهذه أعم.
قوله: (ما قطع) أي: فصل، كفصل اليد، أو الرجل، أو الأذن، أو أي عضو انفصل من بهيمة فحكمه حكم ميتته، فإن كانت ميتتها حراماً فهو حرام، وإن كانت حلالاً فهو حلال، فمثلاً: صياد السمك إذا أمسك طرف الحوت وقطع منه قطعة، ففلت، فهذا قطع من حي، لكنه حلال؛ لأن ميتة السمك حلال .

سبب هذا الحديث ومناسبته لباب المياه
يقول العلماء: إن الحديث الذي له سبب، فصورة السبب قطعية الدخول، ولكن العبرة بعموم اللفظ، وسبب ورود هذا الحديث: أنهم في الجاهلية في وقت الشدة، كان يأتي أحدهم إلى سنام البعير، فيقطع الجلد ويأخذ من تحت جلد السنام الشحم، أو يقطع إلية الضأن ويأخذ منها الشحم ويرد عليها الجلد، والسنام يبرأ ويرجع الشحم فيه على ما كان عليه، وكذلك شحم إلية الضأن، وكانوا يفصدون الدم من الحيوان ويشربونه، وقد يضعونه في مصارين الشاة ويشوونه، أو يصبونه على الرماد الحار فيجمد فيأكلونه، وفصد الدم باقٍ في أفريقيا إلى الآن عند الوثنيين.
فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن هذه الأعمال التي فيها تعذيب للحيوان، وجعل هذا الذي أخذ من الحيوان وهو حي حكمه حكم الميتة، والميتة محرمة.
ومناسبة هذا الحديث لباب المياه: أنه لو سقط ذلك المقطوع من الحيوان في الماء فكأنما سقط فيه نجس، سوا غيّره أو لم يغيره، وسنرجع إلى قاعدة الماء القليل سواء تغير أو لم يتغير.
الحكمة من تحريم ما قطع من البهيمة
وهنا وقفة: البهيمة إذا ماتت حرمت، وسبب تحريم الميتة احتباس الدم فيها، وما فيه من ثاني أكسيد الكربون الذي لم يتخلص منه، فإذا قيل: فكيف يحرم هذا العضو؟ فنقول: كل علة في التشريع لها سببان: سبب لحق الله، وسبب لحق المخلوق، أي: سبب راجع لحق الله، وسبب راجع لمصلحتنا، فهذه الميتة حرمت علينا، وعلة والقضية العامة في حكمة التحريم تشمل جانبين: الجانب الأول: أن الله نهى عنها، فمن أكلها فقد تعدى النهي، وانتهك حرمة أوامر الله ونواهيه؛ لأن الواجب امتثال الأمر واجتناب النهي.
الجانب الثاني: إذا وجدت الله ينهاك عن شيء فثق وتأكد -وأنت مغمض العينين- بأن وراءه حكمة تنفعك وتعود عليك في دينك وفي بدنك وفي أخلاقك، وفي أي جانب من الجوانب، سواء أدركت ذلك أو لم تدركه، وبالتتبع والاستقصاء وجدنا أنها كلها مدركة.
فالله سبحانه وتعالى قد قال: { وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } [الأنعام:121]، فنهى أن نأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، فلو جاء رجل وثني بسيف حاد ونحر الناقة أمامك، وخرج دمها كله، لكنه قال: باسم العزى، أو باسم اللات، أو باسم الصنم، فإن ثاني أكسيد الكربون الموجود في الدم قد انتهى، لكن بقي حق الله؛ لأن الذي خلق هذه الدابة هو الله، وهو الذي أنزل إليها الماء وأنبت لها الأرض، وهو الذي كونها وجعلها تنمو من هذا النبات، وهو الذي سخرها لنا، فإن البعير قوته تعادل عشرين أو ثلاثين رجلاً، وإذا بطفل صغير يضربه بالعصا ويقوده، فمن الذي سخر لنا هذه الدابة؟ إنه الله.
وبعد هذا كله، وبكل وقاحة، وبكل جرأة يقول: باسم اللات والعزى! فهل خلقه اللات أو العزى أو رزقه أو أحياه أو سخره له؟! ليس له أي علاقة، فهذا ظلم وتعدي.
إذاً: علة التحريم هنا موجودة.
فإذا قطع شيء من بهيمة فهو -أولاً- اعتداء على البهيمة.
والعلة الثانية: احتباس الدم في ذلك العضو، فإنه لم يتخلص منه، وأنت تجد عند الذبح أن الدم يجري؛ لأن القلب يضخ الدم فيخرج من هذا المنفذ، أما الجزء الذي قطع فالدم قد جمد في عروقه؛ لأنه ليس هناك ما يحركه، فيبقى الدم محبوساً بقسميه الأوكسجين وثاني أكسيد الكربون، ويكونان في هذه القطعة التي قطعت، ففيها مضرة عليك، ولهذا جاءت القاعدة عامة: ما قطع من بهيمة فهو كميتته، أو ما قطع من حي فهو ميت.

حكم العظم والشعر والصوف المقطوع من البهيمة
يذكر الأصوليون أن قوله: (ما قطع) من صيغ العموم، وقالوا: إن القرآن خصص عموم السنة، فالشعر والصوف والوبر قطع من حي، فهو ميت، ويجوز استعماله، إذاً: ما أبين من حي فهو ميت ما عدا الشعر والصوف والوبر، وهذا نص الله تعالى عليه في قوله: { وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ } [النحل:80]، فالقرآن خصص السنة.
وهنا مبحث فقهي وأعتقد أنه من المضايق، وهو مسألة: الأعضاء التي لا تسري فيها الحياة، قالوا: إن الشعر والصوف والوبر لا تسري فيها الحياة؛ لأنك لو قصصته وقطعته فلا تتألم ولا تحس؛ لأن عصب الإحساس مفقود، لكنه في الجلد موجود، وطرف السن من أعلى لو وخزنة بالدبوس فلن تحس، لكن العصب داخل اللثة موجود، فما لم تسر فيه الحياة هل يدخل تحت هذا الحديث.
قال الجمهور: إنه لا يأخذ حكم ما قطع؛ بدلالة أنه لم تسر فيه الحياة.
لكن يرد عليهم أنه ينمو ويزيد، فكيف قالوا هذا؟ قالوا: النمو يكون من حويصلة الشعر داخل الجلد، وليس من طرف الشعر، فلو أخذت شعرة طولها (2سم) وعلّمت في وسطها بلون أبيض، فإذا صار طولها (4سم) ستجد أن العلامة قد ارتفعت إلى أعلى، وليس الجزء الأعلى هو الذي طال، فالنمو ليس من الطرف، بل النمو من أسفل.
إذاً: الإحساس في حويصلات الشعر يكون من أسفل، ولهذا لو قلعتها فإنك تحس بالألم، أما إذا قصصتها أو حرقتها بالنار فلا تحس بشيء، وقاسوا على هذا كل عضو لا تسري فيه الحياة، وقالوا: يجوز الانتفاع به ولو أبين من الحي، وذلك مثل ناب الفيل (العاج) فإنه يتخذ منه أمشاط للنساء، ويتخذ منه أدوات زينة، ونحو ذلك، وكذلك أظلاف الحيوانات يتخذون منها مادة الغراء للخشب، وهكذا قرون الحيوانات يتخذون منها مقابض للسلاح أو للسكاكين أو غير ذلك، فهل هذه العظام داخلة في قوله: (ما أبين من حي فهو كميتته) أم أنها خارجة عنه؟ الجمهور على أنها خارجة عنه، وذهب الإمام ابن تيمية في المجموع إلى خطوة أوسع، فرجح أن العظام طاهرة حتى التي تكون في الميتة، ونجاسة الميتة لا تؤثر في عظم جاف جامد لا تسري فيه الحياة، فلا تتنجس العظام بالموت.
ومسألة: سن الفيل -الذي هو العاج المستعمل الآن- يختلف فيه الناس، والتحقيق: أنه يجوز استعماله؛ لأنه لا تسري فيه الحياة، فهو بمثابة الظفر والشعر، والله سبحانه وتعالى أعلم.

الكتاب : شرح بلوغ المرام
المؤلف : عطية بن محمد سالم (المتوفى : 1420هـ)