تسجيل الدخول


تسوية الصفوف في الصلاة

الأمر بتسوية الصوف
قال المصنف رحمه الله: [وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في أصحابه تأخرا، فقال: تقدموا فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم ).
رواه مسلم ].


هذا الحديث يبين لنا تنظيم الصفوف، ويبين لنا فضائل أوائل الصفوف، فالنبي صلى الله عليه وسلم رأى في أصحابه تأخرا فقال: (تقدموا فائتموا بي) -أي: الصف الأول- وليأتم بكم من بعدكم، أي من الصفوف الأخرى الثاني والثالث، وما بعدهما.
فقوله: (رأى في أصحابه تأخرا) هل هو قبل أن يدخل في الصلاة، أم بعد أن دخل فيها نبههم؟ جاء أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( أقيموا الصفوف فإني أراكم خلف ظهري ).
فيمكن أن يكون رأى هذا التأخر بعد أن دخل في الصلاة، ثم نبه على ذلك، أو أنه رأى ذلك قبل أن يدخل في الصلاة وهو الأغلب؛ لأن على الإمام أن ينظر في صفوف المصلين قبل أن يدخل في الصلاة، وقد كان صلى الله عليه وسلم ينظر في الصفوف ويسويها، وكما جاء في بعض الروايات: ( كأنه يسوي القداح ) أي: على صف معتدل.
وإذا رأى من شخص بروزا رده، وإذا رأى من شخص تأخرا حثه على التقدم، وهكذا.

حد المسافة التي تكون بين الصفين
ما حد التأخر وما حد التقدم؟ وما هي المساحة التي تكون بين الصف الأول والإمام، وبين الصف الأول والذي يليه؟ معلوم أن أقل ما يمكن هو ما يتسع لسجود المصلين في الصف من غير تضييق.
ولذا قال العلماء فيما يتعلق بسترة المصلي: إن موقعها بينه وبين موقفه ثلاثة أذرع، أي: من قدمه إلى موضع سجوده؛ لأن هذه المسافة هي التي يتأتى للمصلي أن يتحرك فيها بيسر.
وعليه قالوا: السنة فيما يكون بين الصفوف من الفراغ هو قدر ما تكون السترة من المنفرد، أي أن عليه أن يجعل بينه وبين الصف الذي أمامه قدر ما يجعل المنفرد بينه وبين سترته، أي: ثلاثة أذرع.
ولو أن الصفوف قد ازدحمت فماذا يفعل؟ لقد بوب الفقهاء بابا فيمن زحم يوم الجمعة، فـ عمر رضي الله تعالى عنه أمرهم أن يركعوا ويسجدوا على ظهور بعضهم، فيمكن أن يكون بين الصف والصف طول الفخذ فقط، وهو ذراع، ويسجد على ظهر الذي أمامه، وهكذا في شدة الزحام.
ثم ذكر الفقهاء أيضا أنه إذا لم يستطع أن يصل إلى الأرض ليسجد فإنه ينتظر حتى يقوم الصف الذي أمامه ويسجد، ثم ينهض فيدرك الإمام.
فهذه مسائل في صلاة الأعذار، ولكن الذي يهمنا الآن في تنظيم الصفوف، فالواجب على المأمومين أن يتراصوا مع إمامهم، ولا تكون هناك الفجوات الطويلة بين الصف والإمام.
وربما تجد في بعض المساجد من يصف دون الصف الذي أمامه بمسافات ومراحل تزيد على عشرة وعشرين وخمسين مترا، وهذا لا يجوز، لقوله صلى الله عليه وسلم: (تقدموا فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم)، أي: تقدموا فاقتدوا بي، وليقتد بكم من وراءكم.
وتجد بعض الأحيان الإمام في المحراب والصفوف وراءه، ثم تجد صفا بينه وبين الصف الذي يليه عشرات الأمتار، فلا يجوز ذلك ولا ينبغي، وليس من سنة الجماعة هذا العمل.
فتسوية الصف أولا، ومراعاة الإمام للمأمومين، وقد كان صلى الله عليه وسلم يرسل بلالا يمر بين الصفوف يعدلها، وكان بلال يقول: (لا تسبقني بآمين)، حيث يكبر صلى الله عليه وسلم ويقرأ، و بلال يتخلل الصفوف لينظر المتخلف أو المتقدم أو المتأخر ليعدله، فيقول للرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تسبقني بآمين) أي: إن فضل آمين فضل عظيم، ولا أريد أن أسبق به وأنا أؤدي المهمة.

ائتمام كل صف بالذي قبله واتخاذ المبلغين
بقي هنا قوله: (فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم).
فقبل وجود هذه الأجهزة التي تقوم بنقل الصوت وإبلاغه كان صوت الإنسان محدودا، فمن كان في الصفوف المتأخرة عن الإمام لا يرى الإمام ولا يسمع صوته، ولكنه يرى الصف الذي أمامه، وكذلك كل صف -وإن تأخر- يرى أمامه الصف الذي أمامه، فكل صف يقتدي بالصف الذي أمامه في الحركة، في الركوع والرفع، والسجود والجلوس.
وفي كون المتأخرين يقتدون بالذين أمامهم يقول الشارح: لو أن متأخرا مسبوقا جاء ووجد الصف الذي يليه راكعا فأدرك الركوع معه فإنه يكون قد أدرك الركعة، ولو أن الإمام قد رفع رأسه؛ لأن حكمه أن يقتدي بالذي يليه، وهو لا يدري عن الإمام رفع أم لم يرفع.
ويدل لهذا قصة أبي بكرة حينما جاء مسبوقا، ووجد الرسول صلى الله عليه وسلم راكعا والناس ركوعا، فكبر للصلاة قبل أن يصل إلى الصف ليدرك تكبيرة الإحرام، وركع حيثما كبر، ودب راكعا حتى وقف في الصف، فقال له صلى الله عليه وسلم: ( زادك الله حرصا ولا تعد ) وروي (تعد) و(تعد)، وكل هذه الألفاظ جاءت وهي في الكتابة سواء.
فـ(لا تعد) من العود، والفعل الأجوف معتل العين إذا سكنت لامه سقطت عينه.
و(لا تعد) من أعاد يعيد.
و(لا تعد)، واوي اللام من العدو، وواوي اللام أو معتل اللام إذا جزم تكون علامة الجزم حذف حرف العلة، أو حذف لام فعله.
ويهمنا في هذا اقتداء الصف المتأخر بالصف الذي أمامه.
وهنا نرجع إلى موقف أبي بكر رضي الله تعالى عنه بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، حيث كان يسمع الناس تكبير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالرسول صلى الله عليه وسلم مريض، ويكبر للركوع، ويسمع، ويحمد في الرفع، ويكبر للسجود وغيره، والناس وراءه صفوف، لم يسمعهم ولم يروه، فكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يسمع من وراءه من المصلين التكبير في الانتقال، ومن هنا أخذوا أن للإمام إذا كان عاجزا عن إبلاغ الناس بصوته أن يتخذ مبلغا.
ولذا قال مالك في الرواية الأخرى عنه فيما لو صلى الإمام الأعظم أو الراتب قاعدا، وصلى المأمومون خلفه قياما، يقول: أحب إلي أن يقوم بجانبه واحد منهم يبلغهم تكبيراته، أي: يطبق الصورة التي جاءت في صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واتخاذ المبلغ في الصلاة له أصل من السنة، ولا نقول: إنه بدعة.
ولا نقول: إنه خلاف الواقع، فإذا دعت الحاجة إليه فلا مانع، أما أن يكون إمام يصلي ومعه عشرة مأمومين، أو خمسون، أو صف واحد، أو صفان فيتخذ مبلغا يبلغهم صوته فلا حاجة لذلك، أما إذا كانو صفوفا متعددة فهناك يحتاج الأمر إلى من يبلغ، ثم إن التبليغ ليس خاصا بالصلاة، بل كان العلماء رحمهم الله تعالى في بادئ الأمر يتخذون مبلغين عنهم، يبلغون من في الحلقة ما يروون من الأحاديث.
وقيل لـ مالك رحمه الله لما اتسعت حلقة درسه في المسجد النبوي: اتخذ مبلغين يبلغون عنك.
قال: لا، أخشى أن أكون ممن يرفع صوته فوق صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتخذ مبلغين.
فالتبليغ تدعو إليه الحاجة، وقد وجدنا نظير ذلك، ألا وهو تعداد الأذان في المسجد الواحد، فإذا كبرت القرية وكان المؤذن الواحد لا يسمعها فيجوز أن يتعدد المؤذنون، فيقفون كل يؤذن إلى جهة من الجهات، ويكون عددهم بقدر الحاجة اثنان أو ثلاثة أو أربعة، وهل يؤذنون متتالين واحدا بعد الآخر، أو مجتمعين في مكان واحد وفي وقت واحد؟ جاء عن أحمد وعن مالك جواز في اجتماعهم في وقت واحد ما لم يكن هناك تشويش.
وقد يقول قائل: الآن أصبحت الأجهزة والمكبرات تبلغ أكثر من المبلغ، فما حاجتنا إلى مبلغين الآن؟ والجواب: يمكن أن يقال: هذا وجه له نظر، ولكن هناك أيضا احتمال آخر، فالأصل المشروعية، سواء أجاء هذا الجهاز يبلغ عن المبلغ، أم يبلغ عن الإمام؛ لأن هذا جهاز يعمل بطاقة وآلة فهو معرض للتوقف والتلف، وفي بعض الحالات تتعطل الكهرباء في الضوء وفي الصوت، وكم يحصل من اضطراب واختلال.
فمادام أن الأصل المشروعية، وجاء هذا الجهاز لزيادة بيان وزيادة خير فلا مانع، ولا نجعل مثل ذلك موضع تشكيك، أو موضع تبديع للناس.
وقوله: (تقدموا فائتموا بي) هذا خاص بالرجال، أما النسوة فلا تقدم لهن، وقد جاء ما يخصهن: ( خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها )، ولا يوجد شر في الصلاة، ولكن هذا شر نسبي، أي: بالنسبة لفضيلة الصف الأول، فإن الصف الأخير لم يحصل على فضيلة الصف الأول.
قال: ( وشر صفوف النساء أولها )؛ لأنها تلي الرجال، والمرأة كلما بعدت عن الرجال كان أصون لها، وسيأتي التنبيه على صلاة المرأة في المسجد في الحديث الذي يأتي بعد ذلك إن شاء الله.

شرح بلوغ المرام للشيخ عطية محمد سالم رحمه الله

شكرا لدعمكم

تم تأسيس موقع القرآن الكريم بالرسم العثماني و موقع الحمد لله كبادرة متواضعة بهدف خدمة الكتاب العزيز و السنة المطهرة و الاهتمام بطلاب العلم و تيسير العلوم الشرعية على منهاج الكتاب و السنة , وإننا سعيدون بدعمكم لنا و نقدّر حرصكم على استمرارنا و نسأل الله تعالى أن يتقبل منا و يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم .
مجتمعنا القرآن الكريم

الإنجليزية | العربية | Dutch | الألمانية | Galician | الفرنسية | الإسبانية | الإيطالية | البرتغالية البرازيلية