تسجيل الدخول


بحث عن أنواع البيع بالدين في الفقه الاسلامي

ا

       بيع الدين :

      الدين : كثمن مبيع، وبدل قرض، ومهر بعد دخول بالمرأة أو قبل الدخول بها، وأجرة مقابل منفعة، وأرش جناية، وغرامة متلف، وعوض خلع، ومسلم فيه. وبيع الدين : إما أن يكون لمن في ذمته الدين، أو لغير من عليه الدين. وفي كل من الحالين إما أن يباع الدين نقداً في الحال، أو نسيئه مؤجلاً.

      وبيع الدين نسيئة : هو ما يعرف ببيع الكالئ أي الدين بالدين وهو بيع ممنوع شرعاً لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكالئ بالكالئ، وقد قيل : أجمع الناس على أنه لا يجوز بيع دين بدين، وذلك سواء أكان البيع للمدين، أم لغير المدين.

      مثال الأول وهو بيع الدين للمدين : أن يقول شخص لآخر اشتريت منك مداً من الحنطة بدينار على أن يتم تسليم العوضين بعد شهر مثلاً. أو أن يشتري شخص شيئاً إلى أجل، فإذا حل الأجل، لم يجد البائع ما يقضي به دينه، فيقول للمشتري : بعني هذا الشيء إلى أجل آخر بزيادة شيء فيبيعه ولا يجري بينهما تقابض. فيكون هذا رباً حراماً تطبيقاً لقاعدة : "زدني في الأجل، وأزيدك في القدر".

      ومثال بيع الدين لغير المدين : أن يقول رجل لغيره : بعتك العشرين مداً من القمح التي لي عند فلان بكذا تدفعها لي بعد شهر.

      وبيع الدين نقداً في الحال :

      أولاً- بيع الدين للمدين : أجاز أئمة المذاهب الأربعة بيع الدين لمن عليه الدين أو هبته له، لأن المانع من صحة بيع الدين بالدين هو العجز عن التسليم، ولا حاجة إلى التسليم ههنا، فما في ذمة المدين مسلم له. ومثاله : أن يبيع الدائن للمدين ديناً له في ذمته بدين آخر من غير جنسه، فيسقط الدين المبيع، ويجب عوضه.

      ثانياً- بيع الدين لغير المدين : قال الحنفية بما أنه لا يجوز بيع معجوز التسليم، فلا ينعقد بيع الدين من غير من عليه الدين، لأن الدين غير مقدور التسليم إلا للمدين نفسه في حق البائع، لأن الدين عبارة عن مال حكمي في الذمة، أو عبارة عن فعل تمليك المال وتسليمه، وكل ذلك غير مقدور التسليم من البائع. ولو شرط التسليم على المدين لا يصح البيع أيضاً، لأن البائع شرط التسليم على غيره، فيكون شرطاً فاسداً، فيفسد البيع.

      وقال الشافعية : يجوز بيع الدين المستقر للمدين ولغير المدين قبل القبض، لأن الظاهر القدرة على التسليم من غير منع ولا جحود، ومثال الدين المستقر : قيمة المتلفات، والمال الموجود عند المقترض.

      وأما إن كان الدين غير مستقر : فإن كان مسلماً فيه في عقد السلم، فلا يجوز التصرف فيه قبل قبضه، لعموم النهي عن بيع مالم يقبض، ولأن الملك في المسلم فيه غير مستقر، لأنه ربما تعذر تسليمه لفقدانه، فانفسخ البيع فيه.

      وإن كان الدين ثمناً ففي قول للشافعي : يجوز التصرف فيه قبل قبضه لخبر ابن عمر في هذا الشأن عن الرسول صلى الله عليه وسلم : "لا بأس مالم تتفرقا، وبينكما شيء" رواه الترمذي ولأنه لا يخشى انفساخ العقد فيه بالهلاك، فصار ذلك مثل المبيع بعد القبض.

      وقال الحنابلة : يصح في الصحيح من المذهب بيع الدين المستقر للمدين كبدل قرض ومهر بعد الدخول. ولا يصح بيع الدين لغير المدين، كما لا تصح هبة الدين لغير من هو في ذمته، لأن الهبة تقتضي وجود معين، وهو منتفٍ هنا. كما لا يصح بيع الدين غير المستقر كأجرة عقار قبل مضي مدة الإِيجار، ومهر قبل دخول بالمرأة، ومسلم فيه قبل القبض.

      وقال المالكية : يجوز بيع الدين لغير المدين بشروط ثمانية تبعده عن الغرر والربا وأي محظور آخر كبيع الشيء قبل قبضه، وتتلخص هذه الشروط هنا في شرطين هما :

      1- ألا يؤدي البيع إلى محظور شرعي كالربا والغرر ونحوهما : فلا بد من أن يكون الدين مما يجوز بيعه قبل قبضه، كأن يكون من قرض ونحوه ويكون الدين المبيع غير طعام، وأن يباع بثمن مقبوض أي معجل لئلا يكون ديناً بدين، وأن يكون الثمن من غير جنس الدين المبيع أو من جنسه مع التساوي بينهما حذراً من الوقوع في الربا، وألا يكون الثمن ذهباً إذا كان الدين فضة، حتى لا يؤدي ذلك إلى بيع النقد بالنقد نسيئة من غير مناجزة، فهذه أربعة شروط في شرط.

      2- أن يغلب على الظن الحصول على الدين بأن يكون المدين حاضراً في بلد العقد، ليعلم حاله من عسر أو يسر، وأن يكون المدين مقراً بالدين، حتى لا ينكره بعدئذ، فلا يجوز بيع حق متنازع فيه وأن يكون أهلاً للالتزام بالدين بألا يكون قاصراً ولا محجوراً عليه مثلاً ليكون الدين مقدور التسليم، وألا يكون بين المشتري وبين المدين عداوة حتى لا يتضرر المشتري أو حتى لا يكون في البيع إعنات للمدين بتمكين خصمه منه.

      فهذه أربعة شروط أخرى في شرط. ويظهر لنا أن مذهب المالكية هو الراجح بين المذاهب.

      خصم الكمبيالة : ذكر الحنفية أن بيع أوراق الكمبيالة المتعارف في زماننا إلى غير الغريم (المدين) أو لمن عليه أموال أميرية بأنقص من الحق غير صحيح.

      3- بيع الغرر :

      الغرر في اللغة : الخطر، والتغرير : التعريض للهلاك، وأصل الغرر لغة : هو ماله ظاهر محبوب، وباطن مكروه. ولذلك سميت الدنيا متاعالغرور.

      الغرر في اصطلاح الفقهاء : بيع الغرر : هو البيع الذي يتضمن خطراً يلحق أحد المتعاقدين، فيؤدي إلى ضياع ماله. أو هو بيع الأشياء الاحتمالية غير المحققة الوجود أو الحدود، لما فيه من مغامرة وتغرير يجعله أشبه بالقمار. والغرر الذي يبطل البيع : هو غرر الوجود : وهو كل ما كان المبيع محتملاً للوجود والعدم. وأما غرر الوصف فمفسد للبيع.

      إذاً : الغرر هو الخطر بمعنى أن وجوده غير متحقق، فقد يوجد وقد لا يوجد. وبيع الغرر : بيع ما لا يعلم وجوده وعدمه، أو لا تعلم قلته وكثرته، أو لا يقدر على تسليمه.

      حكم بيع الغرر : قد اتفق الفقهاء على عدم صحة بيع الغرر، مثل بيع اللبن في الضرع، والصوف على الظهر، واللؤلؤ في الصدف، والحمل في البطن، والسمك في الماء، والطير في الهواء قبل صيدهما، وبيع مال الغير على أن يشتريه فيسلمه، أي بيع ما سيملكه قبل ملكه له، لأن البائع باع ما ليس بمملوك له في الحال، سواء أكان السمك في البحر، أو في النهر، أو في حظيرة لا يؤخذ منها إلا باصطياد، وسواء أكان الغرر في المبيع أو في الثمن.

      ومن البيوع غير الصحيحة بسبب الغرر : بيع المضامين والملاقيح، وبيع الملامسة والمنابذة والحصاة، وبيع ضربة القانص (بأن يقول البائع : بعتك ما يخرج من إلقاء هذه الشبكة مرة بكذا) وضربة الغائص (بأن يقول : أغوص غوصة، فما أخرجته من اللآلئ، فهو لك بكذا) فالمبيع في الأنواع الخمسة الأخيرة مجهول الذات أو المقدار، وقد ثبت النهي عنها، وهي من بيوع الجاهلية.

      ومنها بيع المزابنة : وهو بيع الرطب أو العنب على النخل أو الكرمة بتمر مقطوع، أو زبيب مثل كيله خرصاً أي بتقديره حَزْراً أو تخميناً. وبيع المحاقلة : أي بيع الحنطة في سنبلها بحنطة مثل كيلها خرصاً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن المزابنة والمحاقلة" متفق عليه لما في ذلك من الربا لجهالة مقدار المبيع، إذ أنه كما هو معلوم يشترط التماثل حقيقة في الأموال الربوية. لكن للحاجة رخص الشافعية والحنابلة، وفي الراجح عند المالكية بيع العرايا : وهو عند الشافعية بيع الرطب على النخل خرصاً بتمر في الأرض كيلاً، أو بيع العنب على الشجر خرصاً بزبيب في الأرض كيلاً، فيما دون خمسة أوسق بشرط التقابض في المجلس عند الفقهاء ما عدا المالكية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمر بالتمر، ورخص في العرايا متفق عليه. وأما الحنفية فقد أجازوا بيع العرايا للضرورة فقط.

      ويلاحظ أن هذه البيوع غير الصحيحة بسبب الغرر، منها الباطل، ومنها الفاسد في اصطلاح الحنفية، فالفاسد منها فقط : هو بيع ضربة القانص والغائص والمزابنة والمحاقلة والملامسة والمنابذة وبيع الحصاة، وبيع ثوب من أثواب ونحوها مما فيه جهالة. وأما ماعداها فهو باطل. فبيع الملاقيح والمضامين وحبل الحبلة باطل، لنهيه صلى الله عليه وسلم عنه، ولما فيه من الغرر، كما بينا في بحث بيع المعدوم.

      والدليل على عدم صحة بيع الغرر في الجملة : هو أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر. وعن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لا تشتروا السمك في الماء، فإنه غرر"، ولأنه غير مقدور على تسليمه، وفيه جهالة فاحشة بمحل العقد أو بمقدار المبيع، ولأنه غير مملوك للبائع محل العقد.

      الغرر اليسير : الغرر والجهالة ثلاثة أقسام : كثير ممتنع إجماعاً كالطير في الهواء. وقليل جائز إجماعاً كأساس الدار وقطن الجبة. ومتوسط اختلف فيه : هل يلحق بالأول أو الثاني، فلارتفاعه عن القليل ألحق بالكثير، ولانحطاطه عن الكثير، ألحق بالقليل. وقد أجاز الحنفية بيع ما يشتمل على غرر يسير، كالأشياء التي تختفي في قشرها كالجوز واللوز والفستق والباقلاء الأخضر، والأرز والسمسم في قشرها الأعلى، والحنطة في سنبلها، والبطيخ والرمان على أن يكون للمشتري خيار الرؤية كما سيأتي بيانه في بحث هذا الخيار.

      أما المالكية والحنابلة فقد أجازوا مطلقاً كل ما فيه غرر يسير، أو التي تدعو إليه الضرورة، كهذه الأشياء التي ذكرناها.

      وأما الشافعية : فإنهم أجازوا بيع هذه الأشياء في قشرها الأسفل. أما بيعها بقشرها الأعلى فاختلفوا فيه على رأيين مشهورين في المذهب.

      يرجح جواز بيع هذه الأشياء مطلقاً كما رأى المالكية والحنابة لتعارف الناس هذه البيوع، فإذا وجد فيها عيب أمكن فسخ العقد بمقتضى خيار العيب.

      حكم التأمين مع شركات التأمين في الإسلام :

      التأمين حديث النشأة، فقد طهر بمعناه الحقيقي في القرن الرابع عشر الميلادي في إيطاليا في صورة التأمين البحري. والتأمين (أو السوكرة) نوعان : تأمين تعاوني وتأمين بقسط ثابت.

      أما التأمين التعاوني : فهو أن يتفق عدة أشخاص على أن يدفع كل منهم اشتراكاً معيناً، لتعويض الأضرار التي قد تصيب أحدهم إذا تحقق خطر معين. وهو قليل التطبيق في الحياة العملية.

      وأما التأمين بقسط ثابت : فهو أن يلتزم المؤمَّن له بدفع قسط محدد إلى المؤمِّن : وهو شركة التأمين المكونة من أفراد مساهمين، يتعهد (أي المؤمن) بمقتضاه دفع أداء معين عند تحقق خطر معين. وهو النوع السائد الآن. ويدفع العوض إما إلى مستفيد معين أوإلى شخص المؤمن أو إلى ورثته، فهو عقد معاوضة ملزم للطرفين.

      والفرق بين النوعين : أن الذي يتولى التأمين التعاوني ليس هيئة مستقلة عن المؤمن لهم، ولا يسعى أعضاؤه إلى تحقيق ربح، وإنما يسعون إلى تخفيف الخسائر التي تلحق بعض الأعضاء. أما التأمين بقسط ثابت فيتولاه المؤمن (أي الشركة المساهمة) الذي يهدف إلى تحقيق ربح، على حساب المشتركين المؤمن لهم. وكون المؤمن له قد لا يأخذ شيئاً في بعض الأحيان لا يخرج التأمين من عقود المعاوضات، لأن من طبيعة العقد الاحتمالي ألا يحصل فيه أحد العاقدين على العوض أحياناً.

      التأمين التعاوني : لا شك في جواز التأمين التعاوني في الإسلام، لأنه يدخل في عقود التبرعات، ومن قبيل التعاون على البر، لأن كل مشترك يدفع اشتراكه بطيب نفس لتخفيف آثار المخاطر وترميم الأضرار التي تصيب أحد المشتركين، أياً كان نوع الضرر، سواء في التأمين على الحياة، أو الحوادث الجسمانية، أو على الأشياء (بسبب الحريق أو السرقة أو موت الحيوان) أو ضد المسؤولية من حوادث السير، أو حوادث العمل، ويجوز أيضاً للمؤمن له التأمين الإلزامي كالتأمين المفروض على السيارات ضد الغير، وتجوز التأمينات الأجتماعية ضد العجز والشيخوخة والمرض والتقاعد.

      التأمين بقسط ثابت- فتوى ابن عابدين : أفتى ابن عابدين بحرمة التأمين البحري، لضمان ما قد يهلك من البضائع المستوردة بطريق النقل البحري، بالمراكب، فلا يحل للتاجر أخذ بدل الهالك من مال المؤمن لأسباب ثلاثة :

      1- إن هذا العقد التزام مالا يلزم، لعدم وجود سبب شرعي من أسباب الضمان الأربعة وهي العدوان من قتل وهدم وإحراق ونحوها، وتسبب الإتلاف كحفر بئر بدون ترخيص في الطريق العام، ووضع اليد غير المؤتمنة كالغصب والسرقة وبقاء المبيع في يد البائع، والكفالة. وليس المؤمن متعدياً، ولا متسبباً في الإتلاف، ولا واضع يد على المؤمن عليه، ويس في التأمين مكفول معين.

      2- ليس التأمين من قبيل تضمين الوديع إذا أخذ أجراً على الوديعة إذا هلكت، لأن المال ليس في يد المؤمن، بل في يد صاحب المركب، ولو كان صاحب المركب هو المؤمن، فإنه يكون أجيراً مشتركاً، لا وديعاً، وكل من الوديع والأجير المشترك لا يضمن ما لا يمكن الاحتراز عنه، كالموت والغرق والحرق الغالب.

      3- ليس التأمين من قبيل تضمين التغرير : لأن الغارّ لا بد من أن يكون عالماً بالخطر، وأن يكون المغرور جاهلاً به غير عالم. والمؤمن (شركة التأمين أو الضمان) لا يقصد تغرير التجار (المؤمن لهم)، ولا يعلم بحصول الخطر - الغرق مثلاً، هل يكون أم لا، أي لا يعلم : هل تغرق المركب أم لا؟

      أما في حال العلم بالخطر من المؤمن والتاجر كالخطر من اللصوص وقطاع الطرق، فيجوز الضمان، ولكن ليس التأمين منطبقاً عليها. فلو قال شخص لآخر : أسلك هذا الطريق، فإن كان مخوفاً وأخذ مالك، فأنا ضامن : ضمن.

      وأضاف ابن عابدين : أنه إن جرى عقد التأمين الفاسد في بلاد الحرب بين المؤمن وشريك حربي غير مسلم للمؤمن له، أو بين التاجر المؤمن له الموجود في دار الحرب وبين المؤمن، وأخذ بدل الهالك، وأرسله في الحالة الأولى إلى التاجر المسلم، أو قبض التاجر البدل في بلادنا في الحالة الثانية، فالظاهر أنه يحل للتاجر أخذه، لأن العقد الفاسد جرى بين حربيين في بلاد الحرب، وقد وصل إلى التاجر ما لهم برضاه، فلا مانع من أخذه. أما إن كان العقد في بلادنا، والقبض في بلاد الحرب، فلا يحل أخذ البدل، ولو برضا الحربي، لانبنائه على العقد الفاسد الصادر في بلاد الإسلام.

      ولا يصح اعتبار التأمين من قبيل شركة المضاربة التي هي مال من طرف وعمل من طرف آخر، لسببين :

      أولهما- أن الأقساط التي يدفعها المؤمن له تدخل في ملك شركة التأمين (المؤمن)، وهي مطلقة اليد في أن تتصرف بها كيفما تشاء. ويخسرها المؤمن له إن لم يقع الحادث.

      ثانيهما- أن شرط صحة المضاربة أن يكون الربح بين صاحب المال والقائم بالعمل شائعاً بالنسبة كالربع أو الثلث، وفي التأمين يشترط للمشترك المؤمن له قدر معين في الربح 3% أو 4% فتكون هذه المضاربة غير صحيحة. ولو تجاوز العاقد هذا السبب، يظل السبب الأول، كما أنه في حال موت المؤمن له قد لا يذهب المبلغ المؤمن عليه للورثة مطلقاً وإنما للمستفيد، بخلاف حال موت رب المال في المضاربة.

      ولا يصح اعتبار التأمين من قبيل الضمان أو الكفالة، لأنه ليس واحداً من أسباب الضمان الأربعة المشروعة المتقدمة، كما أنه في كثير من صور عقد التأمين لا يوجد فيه ما يمكن أن يعتبر مكفولاً، وإن وجد المكفول كما في التأمين من حوادث السيارات، فهو مجهول.

      والحقيقة أن عقد التأمين من عقود الغرر - العقود الاحتمالية المترددة بين وجود المعقود عليه وعدمه، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر. ويقاس عليه عقود المعاوضات المالية، فيؤثر الغرر فيها كما يؤثر في عقد البيع.

      وعقد التأمين مع الشركات من عقود المعاوضات المالية، فيؤثر فيه الغرر، كما يؤثر في سائر عقود المعاوضات المالية. وقد وضعه رجال القانون تحت عنوان "عقود الغرر"، لأن التأمين لا يكون إلا من حادث مستقبل غير محقق الوقوع، أو غير معروف وقوعه، فالغرر عنصر لازم لعقد التأمين.

      والغرر في التأمين كثير، لا يسير، ولا متوسط، لأن من أركان التأمين : "الخطر" والخطر هو حادث محتمل لا يتوقف على إرادة العاقدين.

      والحاجة التي من أجلها يجوز العقد المشتمل على الغرر ولو كان كثيراً : (وهي أن يصل المرء إلى حالة بحيث لو لم يتناول الممنوع يكون في جهد ومشقة، ولكنه لا يهلك) يشترط فيها أن تكون عامة، أو خاصة، وأن تكون متعينة.

      والحاجة العامة : هي ما يكون الاحتياج فيها شاملاً لجميع الناس. والحاجة الخاصة : هي ما يكون الاحتياج فيها خاصاً بطائفة من الناس كأهل بلد، أو حرفة.

      ومعنى كون الحاجة متعينة : أن تسد جميع الطرق المشروعة للوصول للغرض، سوى ذلك العقد الذي فيه الغرر.

      ولو سلمنا بوجود حاجة عامة للتأمين في الوقت الحاضر، فإن الحاجة إليه غير متعينة، إذ يمكن تحقيق الهدف منه بطريق التأمين التعاوني القائم على التبرع، وإلغاء الوسيط المستغل لحاجة الناس الذي يسعى إلى الربح، وهو شركة الضمان. فيكون التأمين عقد معاوضة مشتملاً على غرر كثير من غير حاجة، فيمنع في الإسلام.

      وبناء عليه لا يحل للتاجر وغيره من المستأمنين أخذ بدل الهالك من مال السوكرة، لأنه مال لا يلزم من التزم به، ولأن اشتراط الضمان على الأمين باطل.

      4- بيع النجس والمتنجس :

      قال الحنفية : لا ينعقد بيع الخمر والخنزير والميتة والدم، لأنها ليست بمال أصلاً. ويكره بيع العَذِرة، ولا بأس ببيع السرقين أو السرجين : وهو (الزبل) وبيع البعر، لأنه منتفع به، لأنه يلقى في الأرض لاستكثار الريع، فكان مالاً، والمال محل للبيع بخلاف العذرة، لأنه لا ينتفع بها إلا مخلوطة ويجوز بيع المخلوط كالزيت الذي خالطته النجاسة.

      ويصح عندهم بيع كل ذي ناب من السباع، كالكلب والفهد والأسد والنمر والذئب والهر ونحوها، لأن الكلب ونحوه مال، بدليل أنه منتفع به حقيقة، مباح الانتفاع به شرعاً على الإطلاق كالحراسة والاصطياد، فكان مالاً. ويصح بيع الحشرات والهوام كالحيات والعقارب إذا كان ينتفع به.

      ويصح بيع المتنجس والانتفاع به في غير الأكل كالدبغ والدهان والاستضاءة به في غير المسجد، ما عدا دهن الميتة، فإنه لا يحل الانتفاع به.

      والضابط عندهم : أن كل ما فيه منفعة تحل شرعاً، فإن بيعه يجوز، لأن الأعيان خلقت لمنفعة الإنسان بدليل قوله تعالى : {خلق لكم ما في الأرض جميعاً}.

      وقال المالكية : لا ينعقد بيع الخمر والخنزير والميتة لحديث جابر، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الله ورسوله حرما بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل : يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس ؟ فقال : لا، هو حرام، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قاتل الله اليهود إن الله تعالى لما حرم عليهم شحومها جملوه - أذابوه - ثم باعوه فأكلوا ثمنه" رواه البخاري ومسلم وقال في الخمر : "إن الذي حرم شربها حرم بيعها" رواه مسلم.

      ولا ينعقد بيع الكلب مع كونه طاهراً، سواء أكان كلب صيد أم حراسة، لأنه نهي عن بيعه، ففي الحديث : "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن".

      ولا ينعقد بيع المتنجس الذي لا يمكن تطهيره، كزيت وعسل وسمن وقعت فيه نجاسة. أما المتنجس الذي يمكن تطهيره، كثوب، فإنه يجوز بيعه.

      ولا ينعقد أيضاً بيع ما نجاسته أصلية كزبل ما لا يؤكل لحمه، وكعذرة وعظم ميتة، وجلدها، ويصح بيع روث البقر وبعر الغنم والإبل ونحوها للحاجة إليها لتسميد الأرض وغيره من ضروب الانتفاع.

      وقال الشافعية والحنابلة : لا يجوز بيع الخنزير والميتة والدم والخمر، وما أشبه ذلك من النجاسات، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : "إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والصنام" ولأنه يجب اجتناب النجس وعدم الاقتراب، والبيع وسيلة إلى الاقتراب.

      ولا يجوز بيع الكلب ولو كان معلماً للنهي الوارد فيه في الحديث السابق : "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب ..".

      ولا يصح بيع ما لا منفعة فيه كالحشرات وسباع البهائم التي لا تصلح للاصطياد، كالأسد والذئب، والطيور التي لا تؤكل، ولا تصطاد، كالرخمة والحدأة والغراب، لأن ما لا منفعة فيه لا قيمة له، فأخذ العوض عنه من أكل المال بالباطل، وبذل العوض فيه من السفه.

      ولا يجوز بيع المتنجس الذي لا يمكن تطهيره من النجاسة كالخل والدبس، ولكن يصح بيع المتنجس الذي يمكن تطهيره كالثوب ونحوه.

      ولا يجوز بيع السرجين ونحوه من النجاسات، إلا أن الحنابلة أجازوا بيع السرجين الطاهر كروث الحمام وكل ما يؤكل لحمه.

      والخلاصة : أن فقهاء الحنفية يجيزون بيع النجاسات للانتفاع بها إلا ما ورد النهي عن بيعه منها، لأن جواز البيع يتبع الانتفاع، فكل ما كان منتفعاً به جاز بيعه عندهم. وأما فقهاء المالكية والشافعية والمشهور عند الحنابلة : فلا يجيزون بيع النجاسات، لأن جواز البيع يتبع الطهارة، فكل ماكانطاهراً أي مالاً يباح الانتفاع به شرعاً يجوز بيعه عندهم.

      5- بيع العربون :

      في العربون ست لغات أفصحها فتح العين والراء، وضمن العين وإسكان الراء. وعربان بالضم والإِسكان، وهو أعجمي معرب، وأصله في اللغة : التسليف والتقديم.

      وبيع العربون : هو أن يشتري الرجل شيئاً، فيدفع إلى البائع من ثمن المبيع درهماً، أو غيره مثلاً، على أنه إن نفذ البيع بينهما احتسب المدفوع من الثمن، وإن لم ينفذ، يجعل هبة من المشتري للبائع. فهو بيع يثبت فيه الخيار للمشتري : إن أمضى البيع كان العربون جزءاً من الثمن، وإن رد البيع فقد العربون، ومدة الخيار غير محددة بزمن، وأما البائع فإن البيع لازم له.

      وقال بعض الحنابلة : لا بد أن تقيد فترة الانتظار بزمن محدد وإلا فإلى متى ينتظر البائع ؟

      وقد اختلف فيه العلماء، فقال الجمهور : إنه بيع ممنوع غير صحيح، فاسد عند الحنفية، باطل عند غيرهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العربان ولأنه من باب الغرر والمخاطرة وأكل المال بغير عوض، ولأن فيه شرطين فاسدين : أحدهما - شرط الهبة، والثاني - شرط الرد على تقدير ألا يرضى، ولأنه شرط للبائع شيئاً بغير عوض، فلم يصح، كما لو شرطه لأجنبي، ولأنه بمنزلة الخيار المجهول، فإنه اشترط أن يكون له رد المبيع من غير ذكر مدة، فلم يصح، كما لو قال : ولي الخيار متى شئت رددت السلعة ومعها درهماً. وهذا هو مقتضى القياس.

      وقال أحمد بن حنبل : لا بأس به ودليله ما أخرجه عبد الرازق في مصنفه من حديث زيد بن أسلم أنه "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العربان في البيع فأحله" وما روي فيه عن نافع بن عبد الحارث : "أنه اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم، فإن رضي عمر، كان البيع نافذاً، وإن لم يرض فلصفوان أربعمئة درهم". وضعف أحمد الحديث المروي في بيع العربان، وقد أصبحت طريقة البيع بالعربون في عصرنا الحاضر أساساً للارتباط في التعامل التجاري الذي يتضمن التعهد بتعويض ضرر الغير عن التعطل والانتظار.

      6- بيع الماء :

      عرفنا سابقاً أنه يشترط في المعقود عليه كونه مالاً محرزاً أي مملوكاً لواحد من الناس، فلا ينعقد بيع شيء غير محرز كالماء والهواء والتراب، فما هو المقصود بالماء، وما هي مذاهب العلماء في تملكه وبيعه ؟

      قال الحنفية : المياه أربعة أنواع :

      الأول- ماء البحار : وهو مشاع لجميع الناس، ولكل إنسان حق الانتفاع به على أي وجه شاء كالانتفاع بالشمس والقمر والهواء، فله أن ينتفع به لحوائجه الخاصة ولسقاية أراضيه أي أن له ما يسمى بحق الشفة وحق الشرب أو سقي الأراضي الزراعية والأشجار.

      الثاني- ماء الأودية العظام، مثل أنهار دجلة والفرات والنيل وبردى والعاصي وسيحون وجيحون ونحوها من الأنهار العامة. وللناس فيها حق الشفة مطلقاً، وحق سقي الأراضي إن لم يضر السقي بمصلحة الجماعة، فإن أضربهم فلا يجوز السقي، لأن دفع الضرر العام واجب، ويجوز أيضاً تركيب المطاحن المائية على هذه الأنهار إن لم يكن هناك ضرر عام.

      الثالث- الماء المملوك لجماعة مخصوصة كأهل قرية تختص بنهر صغير أو عين ماء أو بئر. ومنه الماء المأخوذ من الأنهار العامة الذي يجري في المقاسم أي المجاري المملوكة بشق الجداول ونحوها. ويثبت فيه لكل إنسان حق الشفة فقط للضرورة المقتضية إباحته لاحتياج الناس إليه، ولعدم إمكان استصحاب الماء إلى كل مكان.

      الرابع- الماء المحرز في الأواني، وهو مملوك لمن أحرزه، ولا حق فيه لأحد غير صاحبه، ولا يجوز الانتفاع به إلا بإذن مالكه.

      وبهذا يظهر أن الماء بالنسبة للتملك والبيع إما مباح، أو غير مباح، والمباح حق للجميع لقوله صلى الله عليه وسلم : "المسلمون شركاء في ثلاث : الماء، والكلأ، والنار" والمقصود بالمباح : ما يشمل النوعين الأولين، وهو ما لا يختص به أحد من الناس. وغير المباح أو المملوك : هو ما يدخل تحت الملكية سواء أكانت لفرد أم لجماعة، ويشمل النوعين الآخرين.

      وهذا هو المعنى المقصود أيضاً عند المالكية والشافعية والحنابلة وقد يسمى هذان النوعان : الماء الخاص والماء العام. فالأول : هو الماء الممتلك في الأرض المملوكة كالبئر والعين. والثاني : هو غير المتملك في أرض غير مملوكة كالأنهار والعيون.

      حكم بيع الماء : اتفق العلماء على أنه يستحب بذلك الماء بغير ثمن حتى ولو كان مملوكاً ولا يجبر المالك على بذل الماء، إلا في حال الضرورة بأن يكون قوم اشتد بهم العطش، فخافوا الموت، فيجب عليه سقيهم، فإن منعهم، فلهم أن يقاتلوه عليه.

      ولكن الحنفية فصلوا فيما يباح به القتال فقالوا : يجوز للمضطر أن يقاتل بالسلاح مالك الماء في الحوض أو البئر أو النهر الذي في ملكه لأنه قصد اتلافه بمنع حقه وهو الشفة، والماء في البئر مباح غير مملوك. أما إن كان الماء محرزاً في الأواني، فيقاتل المضطر بغير السلاح، ويضمن له ما أخذ كما في حال أخذ الطعام عند المخمصة، لأن حل الأخذ للاضطرار لا ينافي الضمان. هذا ااذا كان الماء فاضلاً عن حاجة مالكه بأن كان يكفي لدفع الرمق لكل منهما، وإلا وجب تركه لمالكه.

      أما بيع الماء فللعماء فيه رأيان مشهوران : رأي الجمهور، ورأي الظاهرية.

      أولاً- قال الفقهاء : يجوز بيع غير المباح للناس جميعاً كماء البئر والعين والمحرز في الأواني ونحوها، ولصاحبه أن ينتفع به لنفسه، ويمنع غيره من الانتفاع. فله أن يمنع صاحب الحق في الشفة من الدخول في ملكه إذا كان يجد ماء بقربه، فإن لم يجد، يقال لصاحب البئر ونحوه : إما أن تخرج الماء إليه، أو تتركه ليأخذ الماء.

      المطلب الثاني- أنواع البيع الفاسد :

      البيع الفاسد في اصطلاح الحنفية كما قدمنا : ما كان مشروعاً بأصله لا بوصفه ويفيد الملك بالقبض. وعند غير الحنفية : البيع إما صحيح أو باطل، وغير الصحيح لا يفيد الملك أصلاً.

      وسنذكر هنا نموذجاً من أنواع البيوع الفاسدة عند الحنفية، مع الإشارة إلى حكمها عند غيرهم.

      1- بيع المجهول :

      قال الحنفية : إذا كان المبيع أو الثمن مجهولاً جهالة فاحشة وهي التي تفضي إلى المنازعة، فسد البيع، لأن هذه الجهالة مانعة من التسليم والتسلم، فلا يحصل مقصود البيع.

      فإن كان مجهولاً جهالة يسيرة وهي التي لا تؤدي إلى المنازعة، لا يفسد البيع، لأن هذه الجهالة لا تمنع من التسليم والتسلم، فيحصل مقصود البيع.

      والعرف هو المحكم في بيان نوع الجهالة : يسيرة أو فاحشة. فإذا لم يبين مثلاً جنس الحيوان أو لم يبين "ماركة" المذياع أو آلة التصوير، يعتبر المبيع مجهولاً جهالة فاحشة تمنع من صحة العقد على بيعه، إذ تؤدي حتماً إلى نزاع شديد بين المتعاقدين.

      2- البيع المعلق على شرط والبيع المضاف :

      البيع المعلق على شرط أو العقد المعلق عموماً : هو ما علق وجوده على وجود أمر آخر ممكن الحصول بإحدى أدوات التعليق نحو إن وإذا ومتى ونحوها. مثاله : أن يقول شخص لآخر : بعتك داري هذه بكذا إن باع لي فلان داره، أو إن جاء والدي من السفر مثلاً.

      والبيع المضاف أو العقد المضاف عموماً : هو ما أضيف فيه الإيجاب إلى زمن مستقبل، كأن يقول شخص لغيره : بعتك هذه السيارة بكذا من أول الشهر القادم.

      والفرق بين هذين النوعين عند الحنفية : أن العقد المعلق لا يعد موجوداً ولا ينعقد سبباً في الحال، وإنما هو معلق على وجود الشرط، والشرط قد يوجد وقد لا يوجد.

      وأما العقد المضاف فهو عقد تام يترتب عليه حكمه وآثاره إلا أن هذه الآثار يتأخر سريانها إلى الوقت الذي عينه العاقدان لها.

      حكمها : اتفق الفقهاء على عدم صحة البيع المعلق أو المضاف، لكن يسمى ذلك فاسداً في اصطلاح الحنفية، وعند غيرهم هو باطل.

      3- بيع العين الغائبة أو غير المرئية :

      العين الغائبة : هي العين المملوكة للبائع الموجودة في الواقع، ولكنها غير مرئية.

      قال الحنفية : يجوز بيع العين الغائبة من غير رؤية ولا وصف، فإذا رآها المشتري كان له الخيار : فإن شاء أنفذ البيع، وإن شاء رده. وكذلك المبيع على الصفة يثبت فيه خيار الرؤية، وإن جاء على الصفة التي عينها البائع كأن يشتري فرساً مجللاً "مغطى" أو متاعاً في صندوق أو مقدار من الحنطة في هذا البيت.

      واستدلوا أيضاً بحديث "من اشترى شيئاً لم يره، فهو بالخيار إذا رآه" رواه الدارقطني

      وقال المالكية : يجوز بيع الغائب على الصفة إذا كانت غيبته مما يؤمن أن تتغير فيه صفته قبل القبض. فإذا جاء على الصفة المذكورة كان البيع لازماً، إذ أن هذا من الغرر اليسير، والصفة تنوب عن المعاينة بسبب غيبة المبيع، أو المشقة التي تحصل في إظهاره، وما قد يلحقه من الفساد بتكرار الظهور والنشر مثلاً، وإن خالف الصفة المتفق عليها فللمشتري الخيار. وكذلك أجاز المالكية في المشهور عندهم بيع الغائب بلا وصف لنوعه وجنسه بشرطين : أن يذكر الخيار للمشتري إذا رأى المبيع، وألا يدفع المشتري الثمن للبائع. ويسمى هذا البيع عند المالكية : البيع على البَرْنامِج أو البرامج.

      وقال الشافعية في الأظهر عندهم : لا يصح مطلقاً بيع الغائب وهو ما لم يره المتعاقدان، أو أحدهما، وإن كان المبيع حاضراً، لما فيه من الغرر، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، وفي بيع ما لا يعرف جنسه أو نوعه غرر كبير، وكذا ما عرف جنسه أو نوعه، مثل بعتك فرسي العربي، لا يصح بيعه في المذهب الجديد لوجود الغرر فيه بسبب الجهل بصفة المبيع، كما لا يصح السلم مع جهالة صفة المسلم فيه، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر.

      وقال الحنابلة في أظهر الروايتين عندهم : إن الغائب الذي لم يوصف ولم تتقدم رؤيته لا يصح بيعه، فإن صححناه بحسب الرواية الأخرى، فيثبت الخيار للبائع والمشتري عند الرؤية. ودليل الرواية الأولى أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر.

      أما إذا وصف المبيع للمشتري فذكر له من صفاته ما يكفي في صحة السلم، صح بيعه في ظاهر المذهب، وعن أحمد : لا يصح حتى يراه، لأن الصفة لا تحصل بها معرفة المبيع، فلم يصح البيع بها كالذي لا يصح السلم فيه.

      استدلوا على ظاهر المذهب : بأنه بيع بالصفة فصح كالسلم، ولا يقال بأنه لا تحصل به معرفة المبيع، فإن تلك المعرفة تحصل بالصفات الظاهرة التي يختلف بها الثمن ظاهراً، وهذا يكفي بدليل أنه يكفي في السلم.

      والخلاصة : أن الحنفية والمالكية، والحنابلة في الأظهر، يجيزون بيع العين الغائبة على الصفة. أما بيعها بغير رؤية ولا وصف فقد أجازه الحنفية والمالكية على الراجح عندهم.

      بيع ما يكمن في الأرض أو بيع ما في رؤيته مشقة أو ضرر : قد تكون مع رؤية المبيع مشقة أو ضرر مثل بيع الأطعمة المحفوظة ونحوها من الأدوية والسوائل والغازات التي لا تفتح إلا عند الاستعمال، ومثله بيع المغيب في الأرض كالجزر واللفت والبطاطا، فإن الحنفية أجازوه كإجازة بيع العين الغائبة، كما أجازه المالكية، لأن المبيع معلوم بالعادة، والغرر فيه يسير، وأبطله الشافعية والحنابلة إذ لا يمكن وصفه، فيتحقق فيه الغرر والجهالة المنهي عنهما.

      4- بيع الأعمى وشراؤه :

      هذا النوع مفرع على شرط رؤية المبيع على الخلاف السابق في بيع الغائب.

      فقال الحنفية والمالكية والحنابلة : يصح بيع الأعمى وشراؤه وإجارته ورهنه وهبته، ويثبت له الخيار بما يفيد معرفته بالمبيع كالجس والشم والذوق فيما يعرف بذلك، وكالوصف في الثمار على رؤوس الأشجار والدور والعقارات. ودليلهم حديث : "إنما البيع عن تراض" رواه ابن ماجه والبيهقي وقد رضي الأعمى بالبيع، وأنه يمكنه الاطلاع على المقصود ومعرفته، فأشبه بيع البصير، ولأن إشارة الأخرس تقوم مقام نطقه، فكذلك شم الأعمى وذوقه.

      إلا أن الحنفية كما هو معلوم لا يثبتون خيار الرؤية للبائع سواء أكان بصيراً أم أعمى.

      وقال الشافعية : لا يصح بيع الأعمى وشراؤه إلا إذا كان قد رأى شيئاً قبل العمى مما لا يتغير كالحديد ونحوه، ودليلهم قصور الأعمى عن إدراك الجيد والرديء، فيكون محل العقد بالنسبة له مجهولاً.

      5- البيع بالثمن المحرّم :

      إذا كان البيع بثمن محرم كالخمر والخنزر : يكون فاسداً عند الحنفية لوجود حقيقة البيع : وهي مبادلة المال بالمال، فإن الخمر والخنزير مال متقوم عند بعض الكفار، وهما وإن كانا مالين عند الحنفية، إلا أنهما ليسا بمتقومين شرعاً، والقاعدة المقررة في هذا الشأن : أن أحد العوضين إذا لم يكن مالاً في دين سماوي، فالبيع باطل سواء أكان مبيعاً أم ثمناً، فبيع الميتة والدم والإنسان الحر باطل، وكذا البيع به وهو الصحيح عند الحنفية، لأن المسمى ثمناً ليس بمال أصلاً، وكون الثمن مالاً في الجملة شرط من شروط الانعقاد.

      وإن كان العوض في بعض الأديان مالاً دون بعض : فإن أمكن اعتباره ثمناً، فالبيع فاسد، فبيع الثوب بالخمر أو الخمر بالثوب فاسد، وإن تعين كونه مبيعاً، فالبيع باطل، فبيع الخمر بالدراهم أو الدراهم بالخمر باطل.

      وعلى هذا : إذا كان الثمن محرَّماً : ينعقد البيع بالقيمة ومن الواضح أن هذا البيع عند غير الحنفية يقع باطلاً.

      6- البيع نسيئة ثم الشراء نقداً- بيوع الآجال :

      إذا اتخذ العقد وسيلة لتحقيق غرض غير مباح شرعاً، فهل ينعقد العقد لوجود أركانه من الايجاب والقبول أو يعتبر غير صحيح لسببه غير المشروع ؟ وذلك مثل أن يبيع الشخص مالاً إلى آخر بثمن مؤجل، ثم يشتريه منه بثمن عاجل كأن يبيع مائة قنطار من القطن بخمسة آلاف ليرة لا تقبض إلا بعد سنة، ثم يشتريها البائع من المشتري بأربعة آلاف يدفعها إليه فوراً، فقد حصل ههنا عقدا بيع: كلاهما ظاهره الصحة لاشتماله على أركان العقد وشروطه. فمثل هذه البيوع تسمى عند المالكية "بيوع الآجال" لاشتمالها دائماً على الأجل، وقد تسمى هذه البيوع عند بعض العلماء "بيوع العينة" وهي في الحقيقة نوع من بيوع الآجال التي يقصد منها التحيل على الربا، والوصول إلى ما هو ممنوع شرعاً، ومع ذلك اختلف العلماء في حكم بيع الأجل، علماً بأن المالكية فرقوا بين النوعين، فقالوا : بيوع الآجال : هي بيع المشتري ما اشتراه لبائعه أو لوكيله، لأجل. وبيع العينة : أن يقول شخص لآخر : اشتر سلعة بعشرة نقداً، وأنا آخذها منك باثني عشر لأجل.

      فقال الشافعية : يصح هذا العقد لتوافر ركنه وهو الإيجاب والقبول، ويترك أمر النية لله وحده يعاقب صاحبها عليها.

      وقال المالكية والحنابلة : العقد باطل متى قام الدليل على وجود قصد آثم سداً للذريعة. وتطبيقات هذا الخلاف تظهر في زواج المحلل وبيع العينة وبيع العنب لعاصر الخمر.

      وأما أبو حنيفة فيحكم في الظاهر بصحة زواج المحلِّل، وبيع العنب لعاصره خمراً، ما لم يصرح في العقد بشرط يخل به، ويجعل بيع العينة فاسداً إن خلا من توسط شخص ثالث.

      بيع العينة :

      هو بيع يراد منه أن يكون حيلة للقرض بالربا، بأن يبيع رجل شيئاً بثمن نسيئة أو لم يقبض، ثم يشتريه في الحال، وسمي بالعينة لأن مشتري السلعة إلى أجل يأخذ بدلها عيناً أي نقداً حاضراً، وعكسها مثلها. مثاله : أن يبيعه الرجل سلعة بثمن إلى أجل معلوم، ثم يشتريها بثمن آخر إلى أجل آخر، أو نقداً بثمن أقل، وفي نهاية الأجل الذي حدد في العقد الأول يدفع الثمن الأول كله، فيكون الفرق بين الثمنين فائدة أو ربا لصاحب المتاع الذي يبيع بيعاً صورياً، مثل أن يبيع شخص لآخر ثوباً باثنتي عشرة ليرة مؤجلاً دفعها إلى شهر مثلاً، ثم يبيع المشتري هذا الثوب نفسه -قبل أو بعد تسلمه- إلى بائعه الأول بعشر ليرات تدفع حالاً إلى المشتري، وفي نهاية الأجل المحدد لدفع الثمن في العقد الأول يدفع المشتري كامل الثمن وهو "12" ليرة فيكون الفرق بين الثمنين فائدة أو ربا لصاحب الثوب الذي بيع بيعاً صورياً، والعملية كلها للتحايل على الإقراض بالربا عنطريق البيع والشراء.

      وقد يوسط المتعاقدان بينهما شخصاً ثالثاً يشتري العين بثمن حال من مريد الاقتراض، بعد أن اشتراها هذا من مالكها المقرض، ثم يبيعها للمالك الأول بالثمن الذي اشترى به، فيكون الفرق ربا له.

      اختلف العلماء في الحكم على العقد الثاني، مع أن قصد التعامل بالربا واضح من البائع والمشتري.

      فقال أبو حنيفة : هو عقد فاسد إن خلا من توسط شخص ثالث بين المالك المقرض والمشتري المقترض، كما مثلنا، إلا أنه يلاحظ أن أبا حنيفة خالف أصله السابق الذكر الذي يقتضي القول بصحة هذا العقد وذلك استحساناً بنص الحديث الذي سيأتي في قصة زيد بن أرقم، ولأن الثمن إذا لم يستوف لم يتم البيع الأول، فيصير البيع الثاني مبنياً عليه، فليس للبائع الأول أن يشتري شيئاً ممن لم يتملكه بعد، فيكون البيع الثاني فاسداً.

      وقال الشافعي : هذا العقد صحيح مع الكراهة لتوافر ركنه وهو الإيجاب والقبول الصحيحان، ولا عبرة في إبطال العقد بالنية التي لا نعرفها لعدم وجود ما يدل عليها أي أو القصد الآثم مرجعه إلى الله، والحكم على ظاهر العقد شيء آخر. لذا فإنه يحمل العقد على عدم التهمة.

      وقال المالكية والحنابلة : إن هذا العقد يقع باطلاً سداً للذرائع.

      والخلاصة : أن جمهور الفقهاء غير الشافعية : قالوا بفساد هذا البيع وعدم صحته، لأنه ذريعة إلى الربا، وبه يتوصل إلى إباحة ما نهى الله عنه، فلا يصح.

      7- بيع العنب لعاصر الخمر:

      قال أبو حنيفة والشافعي : يصح في الظاهر مع الكراهة بيع العنب لعاصر الخمر، وبيع السلاح لمن يقاتل به المسلمين، لعد تحققنا أنه يتمكن من اتخاذه خمراً أو يقاتل بالسلاح المسلمين، ويؤاخذ الإنسان على مقاصده. أما الوسائل فقد يحال بين الإنسان وبينها، والمحرم في البيع هو الاعتقاد الفاسد، دون العقد نفسه، فلم يمنع صحة العقد، كما لو دلس العيب أي أن الحكم على العقد بظاهره شيء، والدافع إليه شيء آخر.

      وقال المالكية والحنابلة : بيع العصير ممن يتخذه خمراً باطل، وكذا بيع السلاح لأهل الحرب أو لأهل الفتنة، أو لقطاع الطرق، سداً للذرائع، لأن ما يتوصل به إلى الحرام فهو حرام، ولو بالقصد، ولقوله تعالى : {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] وهذا نهي يقتضي التحريم، وإذا ثبت التحريم فالبيع باطل.

      8- البيعتان في بيعة أو الشرطان في بيع واحد :

      لقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعتين وعن شرطين في بيع، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يَضْمن، ولا بيع ما ليس عندك" رواه أحمد والترمذي.

      واختلف في تفسير البيعتين في بيعة : فقال الشافعي : "أنه تأويلان : أحدهما - أن يقول : بعتك بألفين نسيئة، وبألف نقداً، فأيهما شئت أخذت به، على أن البيع قد لزم في أحدهما وهذا بيع فاسد "أي باطل" لأنه إبهام وتعليق. والثاني - أن يقول : "بعتك منزي على أن تبيعني فرسك".

      وحكمة منع صورة الصفقة الأولى هو اشتمالها على غرر بسبب الجهل بمقدار الثمن، فإن المشتري لا يدري وقت تمام العقد هل الثمن عشرة مثلاً أو خمسة عشر.

      ومن الحكمة في تحريم العقد الثاني منع استغلال حاجات الآخرين، وذلك في حالة كون المشتري مضطراً إلى شراء شيء، فيكون اشتراط البائع عليه في شراء شيء منه من قبيل ال

  • محمد الشافعي
    محمد الشافعي

    ومن الحكمة في تحريم العقد الثاني منع استغلال حاجات الآخرين، وذلك في حالة كون المشتري مضطراً إلى شراء شيء، فيكون اشتراط البائع عليه في شراء شيء منه من قبيل الاستغلال مما يؤدي إلى فوات حقيقة الرضا في هذا العقد، ثم إن فيه غرراً أيضاً لا يدري البائع هل يتم البيع الثاني أو لا.

          واختلف في تفسير الشرطين في بيع : فقيل : هو أن يقول : بعت هذا نقداً بكذا، وبكذا نسيئة. وقيل : هو أن يشترط البائع على المشتري ألا يبيع السلعة ولا يهبها. وقيل : هو أن يقول : "بعتك هذه السلعة بكذا على أن تبيعني السلعة الفلانية بكذا".

          وبهذا يظهر أن البيعتين في بيعة والشرطين في بيع واحد بمعنى واحد. وقد اختلف العلماء في حكمه.

          فقال الحنفية : البيع فاسد، لأن الثمن مجهول، لما فيه من تعليق وإبهام دون أن يستقر الثمن على شيء : هل حالاً أو مؤجلاً. فلو رفع الإِبهام وقبل على إحدى الصورتين، صح العقد.

          وقال الشافعية والحنابلة : إن هذا العقد باطل، لأنه من بيوع الغرر بسبب الجهالة، لأنه لم يجزم البائع ببيع واحد، فأشبه ما لو قال : بعتك هذا أو هذا، ولأن الثمن مجهول، فلم يصح كالبيع بالرقم المجهول، ولأن أحد العوضين غير معين ولا معلوم، فلم يصح كما لو قال : بعتك أحد منازلي.

          وقال مالك : يصح هذا البيع، ويكون من باب الخيار، فيذهب العقد على إحدى الحالتين، وهو محمول على أنه جرى بينهما بعدئذ ما يجري في العقد، فكأن المشتري قال : أنا آخذهبالنسيئة بكذا، فقال : خذه، أو قد رضيت، ونحو ذلك فيكون عقداً كافياً.

          9- بيع الأتباع والأوصاف مقصوداً :

          إذا كان الشيء تبعاً لغيره، فبيع مستقلاً عنه كبيع الألية من الشاة الحية والذراع والرأس ونحوهما، وكبيع ذراع من ثوب، فقال الحنفية : إن بيع اللحم في الشاة الحية، أو الشحم الذي فيها، أو أليتها، أو أكارعها، أو رأسها : كل هذا باطل لا ينعقد، لأنه بيع لمعدوم، لأن اللحم لا يصير لحماً إلا بالذبح والسلخ.

          ومثله بيع ياقوتة فإذا هي زجاج، أو بيع قطعة جوخ، فإذا هي قطن، لا ينعقد البيع لأن المبيع معدوم.

          وأما بيع ذراع من ثوب : فإن كان يضره التبعيض، كالثوب المهيأ للبس، نحو القميص : كان العقد فاسداً، لأن المبيع تبع لغيره، ولا يمكن تسليمه إلا بضرر لم يوجبه العقد يلحق بالبائع، وهو قطع الثوب.

          وكذا بيع جذع من سقف أو آجر من حائط يكون العقد فاسداً. فإن قطع البائع الذراع من الثوب أو قلع الجذع قبل أن يفسخ المشتري العقد، وسلمه إلى المشتري : يعود العقد صحيحاً، لزوال المفسد قبل نقض البيع، فلو فعل ذلك بعد الفسخ : لا يجوز.

          10- بيع الشيء المملوك قبل قبضه من مالك آخر :

          قال الحنفية : لا يجوز التصرف في المبيع المنقول قبل القبض، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع مالم يقبض والنهي يوجب فساد المنهي عنه، ولأنه بيع فيه غرر الانفساخُ بهلاك المعقود عليه، أي أنه يحتمل الهلاك فلا يدري المشتري هل يبقى المبيع أو يهلك قبل القبض، فيبطل البيع الأول وينفسخ الثاني، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع فيه غرر رواه مسلم.

          وأما العقار، كالأراضي والدور، فيجوز بيعه قبل القبض عند أبي حنيفة. والخلاصة : أن العلة عند الحنفية في عدم جواز بيع الشيء قبل قبضه هي الغرر.

          وقال المالكية : لا يجوز بيع الطعام قبل القبض ربوياً كان أو غير ربوي، لحديث ابن عباس وابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه" متفق عليه وأما ما سوى ذلك أو بيع الطعام جزافاً فيجوز بيعه قبل قبضه لغلبة تغير الطعام، بخلاف ما سواه.

          والعلة في منع بيع الطعام قبل قبضه عند المالكية : هي أنه قد يتخذ البيع ذريعة للتوصل إلى ربا النسيئة، فهو شبيه ببيع الطعام بالطعام نساء، فيحرم سداً للذرائع.

          وقال الحنابلة : لا يجوز بيع الطعام قبل قبضه إذا كان مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً (أي المقدرات)، لسهولة قبض المكيل والموزون والمعدود عادة، فلا يتعذر عليه القبض، واشتراط الكيل أو الوزن أو العدد، لأن المكيل والموزون والمعدود لا يخرج من ضمان البائع إلى ضمان المشتري إلا بالكيل أو الوزن أو العدد، وقد نهى الرسول عليه السلام عن بيع ما لم يضمن، فالعلة في منع هذا البيع عند الحنابلة هي الغرر كالحنفية.

          وأما ما عدا المكيل والموزون والمعدود أي غير المقدرات، فيصح بيعه قبل قبضه.

          وقال الشافعي : لا يجوز بيع مالم يستقر ملكه عليه مطلقاً قبل قبضه، عقاراً كان أو منقولاً، لعموم النهي عن بيع مالم يقبض، روى أحمد عن حكيم بن حزام رضي الله عنه، قال : قلت : "يا رسول الله، إني أشتري بيوعاً، فما يحل لي منها وما يحرم عليه ؟ قال : إذا اشتريت شيئاً فلا تبعه حتى تقبضه" وقال صلى الله عليه وسلم : "لا يحل سلف وبيع، ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك" وهذا من باب بيع مالم يضمن.

          واستدلوا من طريق المعقول : وهو أنه بيع باطل لعدم القدرة على تسليم المبيع، ولأن ملكه عليه غير مستقر، لأنه ربما هلك، فانفسخ العقد، وفيه غرر من غير حاجة، فلم يجز. فالعلة في منع البيع عند الشافعية هي الغرر كالحنفية.

          11- اشتراط الأجل في المبيع المعين والثمن المعين : إذا اشترط الأجل لتسليم المبيع المعين أو الثمن المعين، كان البيع فاسداً عند الحنفية، لأن الأصل وجوب التسليم حال العقد، بسبب أن البيع عقد معاوضة : تمليك بتمليك وتسليم بتسليم، والتأجيل ينفي وجوب التسليم للحال، فكان مغيراً مقتضى العقد، فيوجب فساد العقد.

          ولكن يجوز التأجيل في المبيع المؤجل وهو السلم، بل لا يجوز بدون الأجل عند الحنفية، وكذا يجوز التأجيل في الثمن الثابت ديناً في الذمة إن كان الأجل معلوماً، لأن التأجيل يلائم الديون، ولا يلائم الأعيان لمساس حاجة الناس إليه في الديون، لا في الأعيان، وذلك لتمكين صاحب الأجل من اكتساب الثمن في المدة المعينة، ولا حاجة لهذا في الأعيان.

          12- البيع بشرط فاسد :

          لإِيضاحه نبين أنواع الشروط في البيوع :

          الشروط في المبايعات ثلاثة أنواع :

          شرط صحيح، وشرط فاسد، وشرط لغو باطل.

          آ- الشرط الصحيح : أي "المعتبر الملزم للمتعاقدين" أربعة أقسام :

          1- ما يقتضيه العقد : كأن يشتري شخص شيئاً بشرط أن يسلم البائع المبيع، أو يسلم المشتري الثمن، أو بشرط أن يملك المبيع أو الثمن، أو بشرط أن يحبس البائع المبيع حتى أداء جميع الثمن، فهذه شروط تبين مقتضى العقد، لأن ثبوت الملك، والتسليم والتسلم، وحبس المبيع من مقتضى المعاوضات.

          2- ما ورد الشرع بجوازه : كشرط الأجل والخيار لأحد المتعاقدين، فقد أثبت الشرع في وقائع عن النبي عليه الصلاة والسلام جواز التأجيل لمدة معلومة لحاجة الناس إليه، لما فيه من المصلحة، كما ثبت في الشرع جواز خيار الشرط في إمضاء البيع أو رده خلال مدة معلومة.

          3- ما يلائم مقتضى العقد، كالبيع بثمن مؤجل على شرط أن يقدم المشتري كفيلاً أو رهناً معينين بالثمن، فإن الكفالة والرهن : استيثاق بالثمن، فيلائم البيع ويؤيد التسليم.

          ب- الشرط الفاسد : أو بتعبير أوضح : المفسد : وهو ما خرج عن الأقسام الأربعة السابقة أي لا يقتضيه العقد ولا يلائمه ولا ورد به الشرع ولا يتعارفه الناس، وإنما فيه منفعة لأحد المتعاقدين، كأن اشترى حنطة على أن يطحنها البائع، أو قماشاً على أن يخيطه البائع قميصاً، أو اشترى حنطة على أن يتركها في دار البائع شهراً، أو يبيع شخص داراً على أن يسكنها البائع شهراً، ثم يسلمها إليه، أو أرضاً على أن يزرعها سنة أو دابة على أن يركبها شهراً، أو على أن يقرضه المشتري قرضاً، أو على أن يهب له هبة ونحوها.

          فالبيع في هذا كله فاسد، لأن زيادة منفعة مشروطة في العقد تكون ربا، لأنها زيادة لا يقابلها عوض في عقد البيع، وهو تفسير الربا.

          والبيع الذي فيه الربا فاسد، أو فيه شبهة الربا، وأنها مفسدة للبيع كحقيقة الربا.

          جـ- الشرط اللغو أو الباطل :

          وهو ما كان فيه ضرر لأحد العاقدين، كأن يبيع شيئاً بشرط ألا يبيعه المشتري أو لا يهبه، فالبيع جائز والشرط باطل على الصحيح عند الحنفية، لأن هذا شرط لا منفعة فيه لأحد، فلا يوجب الفساد، لأن فساد البيع في مثل هذه الشروط لتضمنها الربا، بزيادة منفعة مشروطة في العقد لا يقابلها عوض، ولم توجد المنفعة في هذا الشرط، لأنه لا منفعة فيه لأحد إلا أنه شرط فاسد في نفسه، لكنه لا يؤثر في العقد، فيكون العقد جائزاً، والشرط باطلاً. ويلاحظ أن الحنفية اتفقوا على أنه لو ألحق المتعاقدان بالعقد الصحيح شرطاً صحيحاً كالخيار الصحيح في البيع البات ونحوه يلتحق به.

          وعند الحنفية : لا يلتحق به ولا يفسد العقد ويلغو الشرطن لأن إلحاق الشرط الفاسد بالعقد يغير العقد من الصحة إلى الفساد، فلا يصح فبقي العقد صحيحاً، كما كان، لأن العقد كلام لابقاء له، والالتحاق بالمعدوم لا يجوز، فكان ينبغي ألا يصح الإلحاق أصلاً، إلا أن إلحاق الشرط الصحيح بأصل العقد ثبت شرعاً للحاجة إليه، حتى صح قرانه بالعقد، فيصح إلحاقه به.

          حكم البيع وشرط عند غير الحنفية :

          أما تفصيل مذهب الشافعية فهو ما يأتي : إذا شرط في البيع شرط فإِن كان شرطاً يقتضيه العقد كتسليم المبيع والرد بالعيب ونحوهما، صح العقد، لأن الشرط المذكور مبين لما يقتضيه العقد. وكذلك يكون العقد صحيحاً إن شرط شرط لا يقتضيه العقد، ولكن فيه مصلحة لأحد العاقدين كالخيار والأجل والرهن والضمان أو الكفالة، لأن الشرع ورد بجوزاه، ولأن الحاجة تدعو إليه.

          فإِن شرط ما سواه من الشروط التي تنافي مقتضى البيع كأن اشترط البائع على المشتري ألا يبيع المبيع، أو لا يهبه، أو أن يبيعه شيئاً أو يقرضه مبلغاً من المال أو اشترط أن يسكن الدار مدة، أو اشترط المشتري على البائع أن يخيط له الثوب الذي اشتراه منه، أو يحصد له الزرع الذي اشتراه منه، أو يحذو له قطعة الجلد التي اشتراها، ففي كل هذه الحالات يكون البيع باطلاً، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع وشرط.

          وقال الحنابلة : يبطل البيع إذا كان فيه شرطان، ولا يبطله شرط واحد لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا بيع ما ليس عندك" رواه أبو داود والترمذي والمراد بالشرطين : ما ليسا من مصلحة العقد، كأن اشترى ثوباً واشترط على البائع خياطته وقصارته، أو طعاماً واشترط طحنه وحمله، فإِن اشترط أحد هذه الأشياء، فالبيع جائز.

          والشروط عند الحنابلة أربعة أقسام :

          أحدها- ما هو من مقتضى العقد كاشتراط التسليم، وخيار المجلس، والتقابض في الحال فهذا وجوده كعدمه، لا يفيد حكماً معيناً، ولا يؤثر في العقد.

          الثاني- ما تتعلق به مصلحة لأحد العاقدين أو لكيلهما، كالأجل والخيار والرهن والضمين أي الكفيل، والشهادة على البيع، أو اشتراط صفة مقصودة في المبيع، فهذا شرط جائز يلزم الوفاء به. قال ابن قدامة : ولا نعلم في صحة هذين القسمين خلافاً.

          الثالث- ما ليس من مقتضى العقد، ولا من مصلحته، ولا ينافي مقتضاه، وهو نوعان :

          1- اشتراط منفعة للبائع في المبيع، فإن كان شرطاً واحداً فلا بأس به كاشتراط المشتري على البائع أن يخيط له الثوب المشترى، أو اشتراط حمل حزمة الحطب إلى موضع معلوم، أو سكنى الدار مدة شهر مثلاً، أو حملانه على الدابة إلى محل معين. والدليل على الجواز حديث جابر، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من جابر بعيراً، واشترط حُملانه عليه إلى أهله في المدينة. رواه أحمد.

          2- أن يشترط عقد في عقد، نحو أن يبيعه شيئاً بشرط أن يبيعه شيئاً آخر، أو يشتري منه، أو يؤجره، أو يزوجه، أو يسلفه، أو يصرف له الثمن أو غيره، فهذا شرط فاسد يفسد به البيع، للنهي عن بيعتين في بيعة.

          الرابع- اشتراط ما ينافي مقتضى البيع، مثل أن يشترط ألا يبيع المبيع أو ألا يهبه، أو يشترط عليه أن يبيعه أو يقفه، ففي هذا روايتان عن أحمد، أصحهما أن البيع صحيح، والشرط باطل.

          وقال المالكية : في المذهب تفصيل :

          فإن كان الشرط يقتضي منع المشتري من تصرف خاص أو عام، فيبطل الشرط والبيع، مثل أن يشترط عليه ألا يبيع المبيع أو لا يهبه، فلا يجوز لأنه من الثُنْيا وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الثُنْيا في البيع إلا أن تعلم، فإِن أسقط هذا الشرط عن المشتري، جاز البيع.

          وإن اشترط البائع منفعة لنفسه كركوب الدابة، أو سكنى الدار مدة معلومة يسيرة كشهر وقيل : سنة، جاز البيع والشرط، عملاً بحديث جابر الآنف الذكر.

          وإن اشترط البائع شرطاً يعود بخلل في الثمن، فيجوز البيع ويبطل الشرط مثل أن يشترط "إن لم يأته بالثمن إلى ثلاثة أيام، فلا بيع بينهما". فإن قال البائع للمشتري : "متى جئتك بالثمن رددت إلي المبيع" وهو المعروف ببيع الوفاء عند الحنفية، لم يجز البيع.

          13- بيع الثمار أو الزروع :

          هذه الحالة تعرض كثيراً في الحياة العملية التجارية، لهذا نفصل الكلام فيها :

          أجمع العلماء على أن بيع الثمار قبل أن تخلق لا ينعقد، لأنه من باب النهي عن بيع مالم يخلق ومن باب بيع السنين والمعاومة.

          وقد روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه "نهى عن بيع السنين وعن بيع المعاومة" وهو بيع الشجر أعواماً، لأنه بيع المعدوم، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، والغرر كما عرفنا : هو ما انطوى عنه أمره، وخفي عليه عاقبته، ونوع الغرر : هو أن المبيع مجهول الوجود قد يظهر وقد لا يظهر، ومجهول المقدار إن وجد.

          وأما بيع الثمار بعد القطع أو الصرام، فلا خلاف في جوازه.

          وأما بيع الثمار على الشجر أو بيع الزرع في الأرض بعد أن يخلق، فاختلف فيه العلماء : فقال الحنفية : إما أن يكون البيع قبل بدو الصلاح أو بعد بدو الصلاح بشرط القطع، أو مطلقاً أو بشرط الترك.

    أولاً- فإن كان البيع قبل بدو صلاح الزرع أو الثمر، فهناك حالات :

          1- إن كان بشرط القطع جاز، ويجب القطع للحال، إلا بإذن البائع.

          2- وإن كان البيع مطلقاً عن الشرط : جاز أيضاً عند الحنفية خلافاً للشافعي ومالك وأحمد، لأن الترك ليس بمشروط نصاً، إذ العقد مطلق عن الشرط أصلاً، فلا يجوز تقييده بشرط الترك من غير دليل، خصوصاً إذا كان في التقييد فساد العقد. وجواز بيعه على الصحيح عند الحنفية لأنه مال منتفع به ولو علفاً للدواب، وإن لم يكن منتفعاً به في الحال عند الإنسان.

          3- وإن كان بشرط الترك فالعقد فاسد باتفاق علماء الحنفية، لأنه شرط لا يقتضيه العقد، وفيه منفعة لأحد العاقدين : وهو المشتري ولا يلائم العقد، ولا جرى به التعامل بين الناس، ومثل هذا الشرط مفسد للبيع كما لو اشترى حنطة بشرط أن يتركها في دار البائع شهراً، ولأنه لا يتمكن من الترك إلا بإعارة الشجر والأرض، وهما ملك البائع، فصار بشرط الترك شارطاً الإعارة، فكان شرطه صفقة في صفقة، وهذا منهي عنه كما عرفنا. ثم إنه مشتمل على الغرر إذ لا يدري المشتري هل يبقى الثمر أم تصيبه آفة فيهلك، فعلة فساد البيع إذاً ثلاثة أمور : فيه غرر، وشرط فاسد، وصفقة في صفقة.

          ثانياً- وأما إن كان البيع بعد بدو الصلاح :

          1- فإِن باع بشرط القطع جاز.

          2- وكذا إن باع مطلقاً عن الشرط يجوز أيضاً كما قدمنا.

          3- وإن باع بشرط الترك، فإِن لم يتناه عِظمه، فالبيع فاسد بلا خلاف، كما بينا في الحالة الثالثة السابقة.

          وإن تناهى عظمه فالبيع فاسد عند أبي حنيفة، لأن شرط الترك فيه منفعة للمشتري، والعقد لا يقتضيه، ولا يلائمه، كما إذا اشترى حنطة على أن يتركها في دار البائع شهراً. وفي قول في المذهب : يجوز استحساناً لتعارف الناس وتعاطيهم بذلك. والجواز ليس لتعامل الناس شرط الترك في المبيع، وإنما التعامل بالمسامحة بالترك من غير شرط في عقد البيع. وبه يفتى.

          حكم ترك الثمار بعد بدو الصلاح حالة الشراء مطلقاً :

          لو اشترى الشخص مطلقاً عن شرط، فترك الثمار حتى نضجت، ففيه تفصيل :

          آ- إن كان قد تناهى عظمه، ولم يبق إلا النضج : لم يتصدق المشتري بشيء سواء ترك بإذن البائع أو بغير إذنه، لأنه لا يزداد بعد التناهي، وإنما يتغير إلى حال النضج. وأما الزرع فالنماء فيه يكون للمشتري طيباً، حتى وإن تركه بغير إذن البائع لأنه نماء ملك المشتري، لأن الساق ملكه، حتى يكون التبين له بخلاف الشجرة.

          ب- وإن لم يتناه عظمه ينظر : إن كان الترك بإذن البائع، جاز وطاب له الفضل. وإن كان بغير إذنه تصدق بما زاد على ما كان عند العقد، لأن الزيادة حصلت بسبب محظور، فأوجب خبثاً فيها، فكان سبيلها التصدُّق.

          حكم الثمرة المتجددة في مدة الترك غير المشروطة : إذا أخرجت الشجرة في مدة الترك ثمرة أخرى، فهي للبائع سواء أكان الترك بإذنه أم بغير إذنه، لأنه نماء ملك البائع، فيكون له، ولو حللها له البائع جاز.

          وإن اختلط الحادث بعد العقد بالموجود عنده، بحيث لا يمكن التمييز بينهما ينظر :

          إن كان ذلك قبل أن يخلي البائع بين المشتري والثمار، بطل البيع، كما قرر الكاساني في البدائع، لأن المبيع صار معجوز التسليم بالاختلاط، للجهالة وتعذر التمييز.

          وإن كان بعد التخلية لم يبطل البيع، لأن التخلية قبض، ويتم البيع، والثمرة تكون بينهما، لاختلاط ملك أحدهما بالآخر اختلاطاً لا يمكن التمييز بينهما، فكان الكل مشتركاً بينهما، والقول في مقدار الزيادة قول المشتري، لأنه صاحب يد لوجود التخلية. هذا هو مذهب الحنفية في بيع الثمار أو الزروع.

          وقال المالكية والشافعية والحنابلة : إن بدا صلاح الثمر بيعه مطلقاً أو بشرط القطع أو بشرط الترك على الشجر.

          أما قبل بدو الصلاح فإن كان البيع بشرط الترك أو البقاء فلا يصح إجماعاً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع" والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على القول بجملة هذا الحديث، وذلك لأن له خطر المعدوم.

          وإن كان البيع بشرط القطع في الحال فيصح بالإجماع أيضاً.   

          وأما إذا كان البيع قبل بدو الصلاح مطلقاً دون اشتراط تبقية ولا قطع، فالبيع باطل.

          والخلاصة لا خلاف في عدم جواز بيع الثمار قبل أن تظهر، ولا في عدم جوازه بعد الظهور قبل بدو الصلاح بشرط الترك، ولا في جوازه قبل بدو الصلاح بشرط القطع فيما ينتفع به، ولا في الجواز بعد بدو الصلاح، والخلاف إنما هو في بيعها قبل بدو الصلاح.

          ورجح بعض الحنفية جواز بيع الثمار مطلقاً قبل بدو الصلاح أو بعده إذا جرى العرف بترك ذلك، لأن الشرط الفاسد إذا جرى به العرف صار صحيحاً ويصح العقد معه استحساناً.

          بيع الثمار المتلاحقة الظهور أم المقاثي والمباطخ :

          إذا بيع ثمر أو زرع بعد بدو الصلاح ولو بعضه، وكان يغلب تلاحقه واختلاط حادثه بالموجود كتين، وقثاء، وموز، وورد، وبطيخ، وباذنجان، وخيار، وقرع، فقال الحنفية في ظاهر الرواية والشافعية والحنابلة يجوز بيع ما ظهر منها من الخارج الأول. وأما بيع ما ظهر وما لم يظهر، فلا يجوز، لأن العقد اشتمل على معلوم ومجهول، قد لا يخرجه الله تعالى من الشجرة. ولا يصح أيضاً البيع، لعدم القدرة على تسليم المبيع، والحاجة تندفع ببيع أصوله، ولأن مالم يبد صلاحه يجوز إفراده بالبيع بخلاف ما لم يخلق.

          إلا أن الحنفية يقولون فيما لا يجوز : إن البيع فاسد. وغيرهم يقولون : إنه باطل. وهناك قول ثان عند الحنفية بجواز هذا البيع، لأن الناس اعتادوا بيع الثمار على هذه الصفة، وفي نزع الناس عن عادتهم حرج وضيق وهو المرجح.

          وقال المالكية وهو الراجح عند متأخري الحنفية : يصح البيع عملاً بحسن الظن بالله تعالى وبمسامحة الإنسان لأخيه بجزء من الثمن المقابل للذي يخرجه الله تعالى من الثمرة، ولجريان العرف وعادة الناس به، ولأن ذلك يشق تمييزه، فجعل مالم يظهر تبعاً لما ظهر، كما أن ما لم يبد صلاحه تبع لما بدا.

شكرا لدعمكم

تم تأسيس موقع القرآن الكريم بالرسم العثماني و موقع الحمد لله كبادرة متواضعة بهدف خدمة الكتاب العزيز و السنة المطهرة و الاهتمام بطلاب العلم و تيسير العلوم الشرعية على منهاج الكتاب و السنة , وإننا سعيدون بدعمكم لنا و نقدّر حرصكم على استمرارنا و نسأل الله تعالى أن يتقبل منا و يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم .
مجتمعنا القرآن الكريم