الحمد لله

صفات النبي الخلقية والخلقية

محمد ﷺ  أول المائة الأوائل

نشر منذ سنوات في الولايات المتحدة الأمريكية كتاب للدكتور : "ما يكل هارت " عنوانه: ( المائة الأوائل ). 

وقد أثار هذا الكتاب في حينه ضجة كبيرة هناك، ما لبثت أن انتقلت إلى أنحاء عديدة في العالم ؛ لكون المؤلف . وهو غير مسلم . قدم محمدا ﷺ  على غيره من أبرز شخصيات الدنيا وعلمائها وفلاسفتها وأبطالها ومصلحيها وأصحاب الفكر فيها ، في التاريخ القديم والحديث ، وجعله أول المائة الأوائل.

والمؤلف حاصل على عدة شهادات علمية عالية، في الرياضيات والعلوم والقانون والفلك، وقد عمل في مراكز أبحاث الفضاء والفيزياء التطبيقية، وفي مراصد الأفلاك...

استيعاب شاق للتاريخ : وذكر المؤلف في كتابه الذي ترجم إلى اللغة العربية: أنه بذل جهدا جبارا خارقا في قراءة تاريخ العالم وحضاراته بكل وجوهها، واطلع على حياة وتراجم عشرات الآلاف من الشخصيات التي أثرت في حياة الأمم والشعوب القديمة والحديثة ، ثم قرر هذه الأسماء والشخصيات، وظل يصطفيها ويختار الأفضل منها ، حتى حصرها في مائة 

شخصية عالمية ، ثم رتب هذه المائة وفق معايير وضوابط موضوعية إنسانية . حسب اجتهاده . فكان أول هذه المائة هو محمد بن عبد الله ﷺ 

إيماننا مطلق بأولية النبي القدوة ﷺ  : لاشك لدى المسلمين أن تقديم شخصية النبي محمد على غيره من العظماء والفلاسفة والمصلحين والمخترعين في التاريخ في العالم كله ، لا يزيد ولا ينقص من مكانته وقدره، فهو سيد الخلق أجمعين، المبعوث رحمة للعالمين، قال الله تعالى : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ). الأنبياء / ۱۰۷.

صفات النبي الخلقية و الخلقية

أهم شخصيات هؤلاء المائة : لقد قدم المؤلف محمدا ﷺ  على النبي عيسى المسيح ، وعلى النبي موسى عليهما السلام ، وعلى أرسطو ، وأينشتاین ، والإسكندر الأكبر ، وأفلاطون ، ودیکارت ، وفولتير، وماني، وقورش ، وشارلمان ، ومالتوس ، وغيرهم ممن ذكرهم في الكتاب ، ممن يعتبرون من مشاهير التاريخ الإنساني القديم والحديث ...

مبررات التقديم على هؤلاء وغيرهم : برر المؤلف اختياره لمحمد ﷺ  وجعله أول المائة الأوائل، بكونه الرجل الوحيد في التاريخ كله الذي نجح أعلى نجاح وأعظمه على المستويين: الديني والدنيوي.

فهو الذي بدأ الرسالة الدينية والدنيوية وأتمها ، وآمنت به شعوب بأسرها ، ونشر دینا عالميا وأقام دولة بنفسه ، في حين أن غيره من الأنبياء والمصلحين لم يفعلوا ذلك ...

بل إنه . وهو الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب . وحد القبائل في شعب، والشعوب في أمة، من خلال الأسس الدينية، والتعاليم الدنيوية والأخلاقية التي جاء بها، فكانت بداية الانطلاق الحضاري في ذلك العصر وفي العصور اللاحقة.

وأضاف: أن معظم الذين غيروا التاريخ ظهروا في قلب أحد المراكز الحضارية ، أو المدن الرئيسية المشهورة في العالم القديم، لكن محمدا ﷺ  هو الوحيد الذي نشأ في بلاد صحراوية جرداء ، لا تملك ما هو معروف من مقومات الحضارة والتقدم ، ولذلك استحق أن يكون أول المائة الأوائل ...

بیان مزيد من الصفات والشمائل النبوية:

جدير بنا في هذا المقام ونحن نعرض السيرة النبوية، أن نبادر إلى ذكر أمرين اثنين:

صفات النبي الخلقية والخلقية

 

الأمر الأول: بيان صفات النبي محمد ﷺ  الجسمية، التي تكسب المسلم مزيدا من التعرف عليه وحبه.

والأمر الثاني: بيان صفاته النفسية وسيرته الحياتية التي لازمته في حياته ﷺ 

أولا: صفاته الجسمية باعثة على محبته ﷺ  :

انفرد محمد ﷺ  من بين جيله ، بل الأجيال كلها بميزات جسمية وخلقية ليست في سائر الناس ، وإن كان هو من الناس ، ولهذا لم يكن بدعا من الأمر أن يكون تكوينه مسترعيا

للأنظار ، فهو جميل في جسمه كما هو حسن في خلقه ، ولا شك أن ذلك التناسق له أثر في الاستجابة لدعوته ، خاصة إذا صاحبه إشراق روحي

روی ابن سعد في الطبقات: أن أعرابي رأى النبي ﷺ  فأعجب بمنظره وإشراق وجهه، فسأله: من أنت ؟ فقال محمد بن عبد الله، فقال الرجل: أنت الذي تقول عنه قريش: إنه كذاب ؟ قال : نعم ، قال الأعرابي : والله ليس هذا بوجه كذاب! ! فما الذي تدعو إليه ؟ فعرفه النبي ﷺ  في حقيقة الإسلام فأسلم .

لقد أكثر الواصفون وصفهم لرسول الله وإعجابهم بتكوين الجسمي ، فقد أخرج الترمذي في الشمائل المحمدية والبيهقي والطبراني عن الحسن بن علي عنه قال : سألت خالي هند بن أبي هالة انه عن حلية رسول الله ﷺ  وكان رجلا وصافا ، فقال: كان رسول الله فخما، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، ليس بالطويل ولا بالقصير، رجل الشعر، أزهر اللون، واسع الجبين، أكحل العينين وليس بأكحل، كث اللحية، سهل الخدين، ضليع الفم، معتدل الخلق، بادنا متماسكا، سواء البطن والصدر، بعيد ما بين المنكبين، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري کالخط، مسیح القدمين ينبو عنهما الماء، إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت، التفت جميعا

 

نظره  إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء،جل نظره  الملاحظة، يبدأ من لقيه بالسلام...

كان منظر رسول الله ﷺ   يشد الأنظار إليه، لأنه الجمال والكمال ، جمال الرجولة وكمال الإنسان ، ومن أجل ذلك قام أصحابه يصفون دقائق جسمه فضلا عن عظيمه ، أخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه أنه سئل: أكان وجه النبي ﷺ  طويلا ؟ قال: لا، بل مثل الشمس والقمر مستديراً. وقال عنه علي رضي الله عنه نه : من رآه بديهة هابه، ومن خالطه أحبه.

في جسمه خاتم النبوة : كان في جسم النبي ﷺ  خاتم النبوة، وهو جزء من لحمه، كان بين كتفيه، ومن مجموع الروايات التي وصفته يظهر أنه كان ناتئاً نتوءاً واضحاً، غير أن حجمه كان صغيرا بحيث لا يرى من وراء الثوب ، أخرج مسلم والبيهقي عن جابر رضي الله عنه قال: رأيت خاتم النبوة بين كتفي رسول الله ﷺ  له مثل بيضة الحمامة يشبه جسده .

لقد خلق الله هذا الخاتم اللحمي ، وصفاً جسديأً لذات النبي، كي لا يماري فيه من رآه، وكانت الكتب السماوية من قبل قد ذكرت: أنه سيبعث نبي بين كتفيه خاتم النبوة، كما قال الله تعالى : ( الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ) البقرة /146 .

ثانيا: صفاته النفسية وسيرته الحياتية :

حفلت سيرة المنقذ الأعظم بجلائل الأعمال، التي يمكن اتخاذها نبراسا للذين يريدون الإصلاح والنهوض، فقد جاء إلى هذه الدنيا والناس عاكفون على أصنامهم وشركهم ، غارقون في الحيرة والضلال، فقام بتحطيم الشرك في عالم النفس والضمير كما حطمه في عالم الواقع والحسن ، فانحسر حینئذ طوفان الجهالة واستقر التوحيد ، ينزه الله الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.

مع الإصلاح الاجتماعي : أما الحياة الاجتماعية التي كان يحياها الناس وما فيها من جاهلية وخرافات، فقد أبادها النبي ﷺ وصنع أمة لها خصائص حضارية عالمية، تكرم الإنسان وتعلمه العدل والمساواة، وتطبعه على الصدق والوفاء والنبل. وغدت المرأة في المجتمع الإسلامي إنسانة مكرمة، تعطي من جهدها لهذا المجتمع الذي تنتمي إليه، بعد أن كانت ضائعة القيمة ، منسية الذات، محطمة الضمير ...

تغيير وبناء ونهوض في فترة وجيزة : لقد حقق رسول الله في حياته مهمته التي بعثه الله من أجلها، فبلغ ما أنزل إليه من ربه، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وتحققت بشارات الأنبياء السابقين به، فامتلأت الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا ، وكان مبعث ذلك العدل من مكة التي بشر بها موسى وعيسى عليهما السلام .

حمل هذه المهمة الجسيمة بنفسه، واستقل بأعبائها وأبلغها كمالها،  فآتت أكلها في جزيرة العرب أمام عينيه، وفي العالم الخارجي بعد حين يسير، وقام بتأسيس دولة الإسلام القائمة على دين الإسلام في نحو عشرين عاما، بل في عشرة، لأنه أمضى وقته بمكة بين قوم عميت أبصار كثير منهم عن رؤية الحق فلم يسلموا، ولم يستجيبوا لدعوته ...

قائد وإمام : كان رسول الله ﷺ هو قطب الرحى في نشر الدين وبناء الدولة، فهو المرجع الأوحد في كل الأمور، وهو المدبر المنقذ لكل طارئ، وهو المرشد الهادي للجماعات والأفراد، كما أنه القائد الذي يتقدم جيشه في حمل السلاح.

كان هو إمام الناس في الصلوات وخطيبهم في المواسم، و مستقبل الوفود والمبعوثين ، كما كان إلى كل ذلك يصوم الوصال ، ويقوم كثيرا من الليل مصليا، متعبدة داعيا متهجدا ، أو ليس الله تعالى يقول له: ( يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا ). المزمل /1.

صبر وثبات ومواساة : كانت الحوادث والمفاجآت تنهال عليه انهيال الرمال، فيتلقاها بثبات وتدبير محگم، ويبادرها بهمة شماء وعزيمة قوية، مستعينا بالله الذي لن يخذله.

وفوق هذه المشاغل الفكرية فقد كان يواسي أصحابه في الأعمال البدنية والنفسية، ويتقدمهم ليصنع منهم نفوسا زكية بطريق الفعل والاقتداء؛ لذا رأيناه يوم الخندق ينقل التراب مع أصحابه، ورأيناه يعود المرضى، ويتفقد الضعفاء، ويهدئ روع الخائفين، ويعين العاجزين ...

سلوكه ﷺ في بيته : كان كل ما تقدم في حياته الخارجية، لا يشغله أن يكون مساعدا الأهله في حياته الداخلية في بيته، فقد كان يعين زوجاته، ويحلب شاته بيده، ويصلح نعله بنفسه، ويرقع ثوبه، وهو مع ذلك رئيس دولة المسلمين.

زهده في الدنيا : لقد وقف رسول الله ﷺ من الحياة موقف الكريم المتفضل، فأعطاها كل شيء ولم يأخذ منها شيئا، روى الترمذي عن ابن مسعود عنه قال: نام رسول الله على حصير فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا: يا رسول الله، لو اتخذت لك وطاء تجعله بينك وبين الحصير ؟ فقال : مالي وللدنيا، ما أنا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها.

صفح وعفو عند المقدرة: كان رسول الله ﷺ إذا ملك صفح، وإذا قدر عفا، ألم يقل لأهل مكة يوم الفتح . وهم الذين آذوه وأخرجوه وحاربوه حتى في بلده الجديد المدينة . : اذهبوا فأنتم الطلقاء !.

یا لسمو هذه النفس !! لأن عفو المرء عن معذبيه يحتاج إلى قدر عظیم من الشهامة والصبر، وخاصة عندما يكون أولئك المعذبون تحت رحمته ...

آمال كبيرة نحو نهضة كريمة: إن حياة رسول الله ﷺ مليئة بالأعمال والأقوال التي تصلح أن تكون أساسا لنهضة كريمة يتطلع إليها المسلمون اليوم.

لقد امتدت الشقة بين جيلنا المعاصر والجيل الذي رباه محمد رسول الله ﷺ ، وندرت تلك النماذج الحية التي كانت تمثل آثار التربية النبوية، وفتن كثير من شباب المسلمين بالثقافات الدخيلة الغريبة، فعرفوا عنها أكثر مما عرفوا عن الإسلام ورسوله، فكان لا بد من إيقاظ ما همد من روح الإيمان، وإبراز ما جاء به الإسلام؛ لتغذية هذا الجيل بالمعاني المحركة للهمم ، فيقتبس من نور النبي ﷺ الذي صنع للتاريخ خير أمة أخرجت للناس، حتى استحق أن يكون . بجدارة . أول المائة الأوائل، وإن كان نبينا ﷺ لا يقارن عظمة بالآخرين ، فهو قد فاق الأولين والآخرين، بشهادة رب العالمين ، فصلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين.

قبسات تربوية من السيرة النبوية
تأليف أ.د. حسن أبو غدة حفظه الله