تسجيل الدخول


نظام الحكم في الاسلام

هل جاء الإسلام بنظام للحكم ؟

لقد جعل الله شريعة الإسلام خاتمة الشرائع وأكمله سبحانة بما يصلح لآخر الزمان يقول تعالى: ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا )، ومن مظاهر كماله شمول أحكامه لاحتياجات البشر في جميع مناحي الحياة: الأسرية والاجتماعية، والتربوية، والاقتصادية، والسياسية،... وغيرها، يقول تعالى:( ونزلنا عليك الكتاب تبايناً لكل شيء )، فمن زعم قصور الشريعة وأنها تركت البشر هملاً من غير بيان احتياجاتهم فقد أعظم الفرية على الله القائل في محكم التنزيل:( مافرطنا في الكتاب من شيء ).

ومعلوم عند أهل الديانة أن للبيان أوجه تنوعت بين التفصيل والإجمال وذلك من يسر الشريعة وسر صلاحها لعموم الأزمان، فقد أرست كليات اشتملت على جزئيات، وأصولاً يسيرة تُقاس عليها فروع كثيرة باعتبار العلل، فجمعت بين المتشابهات وفرقت بين المختلفات وفق قواعد الاستدلال وطرق الاستنباط.

ومما لا يسع المسلم إنكاره أن الحكم والتحاكم من أصول الديانة التي قرنها ربنا بالعبودية له سبحانه فقال:( إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه )، وأن الشريعة بينت نظام الحكم فيها، حيث وضعت الأصول والمرتكزات وضبطت الوسائل والآليات، تارة على وجه الإجمال مبيحة للمسلمين الاجتهاد في الوسائل بما لا يتعارض مع القواعد والأصول وتارة على وجه التفصيل حاسمة للجدل والخلاف، وكان من أبرز ركائزه الآتي:

- أساس الحكم في الإسلام وجوب الحكم بالشريعة والتحاكم إليها، إذ لا يسع أحد الخروج عنها والتحاكم لغيرها من القوانين الوضعية، يقول تعالى:( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، ويقول أيضاً: ( فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما).
- قيام نظام الحكم في الإسلام على أساس الشورى في كافة مفاصله يقول تعالى: ( وأمرهم شورى بينهم )، وقد أمر الله رسوله بالتزام الشورى بين المسلمين فقال سبحانه: ( وشاورهم في الأمر )، وامتثلها الصحابة رضوان الله عليهم في حياتهم السياسية، وفي ذلك يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: « من دعا إلى إمرة من غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه » .
- العمل بنظام البيعة القائم على أساس الشورى، فالبيعة عقد بين الحاكم والأمة تلتزم الأمة بالطاعة مقابل التزام الحاكم بإقامة الدين وصيانة دنيا الناس، وتعتبر الشورى من أهم ركائز هذا العقد، فالبيعة ليست طاعة مطلقة عمياء بل هي طاعة مشروطة بالتزام الحاكم بما أوكل إليه من مهام، فما الحاكم إلا وكيل عن الأمة ونائب عنها، فإن أخلّ بذلك الالتزام فقد أخل بالعقد بينه وبين الأمة وبالتالي سقطت شرعيته، لذا قال الصدّيق: « فلا طاعة لي عليكم » .
- تسمية نظام الحكم الجامع لعموم المسلمين بالخلافة كما ورد ذكره في جملة من الأحاديث منها حديث حُذيفة بن اليمان وفيه يقول نبينا ﷺ :(تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت). ففي حديث حذيفة إجمال للتحولات السياسية العامة عبر مراحل البشرية، وفيها بشارة للأمة بعودة نظام الخلافة في آخر الزمان، ففي الحديث ذكر لمرحلة الخلافة الراشدة التي على منهاج النبوة، ثم مرحلة الملوك والأمراء ثم الجبابرة ثم العودة إلى نظام الخلافة من جديد.
- قيام نظام الحكم على مبدأ العدل يقول تعالى: ( إن الله يأمر بالعدل )، ويقول أيضاً: ( وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ).
- وجوب التأمير ومشروعية التمثيل من خلال العرفاء والوزراء والرسل وعدم جواز تقلد النساء الولايات العامة لحديث النبي ﷺ: ( ما أفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة ).

فيما سبق ذكره مرتكزات عامة لنظام الحكم وأصوله في الإسلام ومحل التفصيل فيه تصانيف الأئمة الأعلام كالأحكام السلطانية والسياسية الشرعية وغيرهما.

ومن الجدير بالذكر عندما نطالع ما وصل إليه الفكر السياسي الأوربي من خلال كتابات مفكريها أمثال: جون لوك ، وجان جاك روسو وغيرهم، ونقرأ ما سطّروه حول نظرية العقد الاجتماعي ندرك أنه لم يرتق الفكر السياسي في الثقافة الأوربية إلى مستوى الفكر السياسي في الإسلام، علماً أن أطروحاتهم ظهرت بعد قرون من العمل بالثقافة السياسية الإسلامية، والتاريخ يشهد على أن جلّ تصوراتهم مستمدة من الثقافة الإسلامية حيث كان علماء أوربا ومفكريها يتلقون علومهم في المدارس الإسلامية في بلاد المغرب وغيرها، فمن الأهمية بمكان اعتزاز المسلمين بدينهم ونظام حكمهم، فما أوجبته الشريعة أو حرمته أو أباحته من الوسائل في أنظمة الحكم فهو من شرع الله من حيث التوصيف.

وعليه فلايصح - إطلاقات - المتأثرين بالثقافة الغربية بأن ( نظام الحكم هو الصورة التي ترتضيها الأمة لإدارة الشأن العام وتكييفه متأثر بالواقع المعاش ويحكمه التوافق السياسي والاجتماعي بين مكونات المجتمع )
بل نقول أن الشريعة جاءت بنظام للحكم لايخرج تكييفه عن المرتكزات العامة المقررة فيها، وقد حرمت بعض الوسائل وأوجبت بعضها وأجازت بعضها الآخر، ولايصح قبول ما ترتضيه الأمة إذا خالفت ما ارتضاه رب الأمة للأمة، وما يقع كرهاً لايسمى شرعاً.

كتبه الشيخ نضال جميل حسن حفظه الله
١٨ / ربيع الأول / ١٤٤٠ هجري

شكرا لدعمكم

تم تأسيس موقع القرآن الكريم بالرسم العثماني و موقع الحمد لله كبادرة متواضعة بهدف خدمة الكتاب العزيز و السنة المطهرة و الاهتمام بطلاب العلم و تيسير العلوم الشرعية على منهاج الكتاب و السنة , وإننا سعيدون بدعمكم لنا و نقدّر حرصكم على استمرارنا و نسأل الله تعالى أن يتقبل منا و يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم .
مجتمعنا القرآن الكريم