تسجيل الدخول


ما هي الحكمة من خلق الانسان

حكمة خلق الإنسان

 محمد بن عبد الله بن صالح السحيم


سبق الحديث في الفقرة السابقة أن الله خلق آدم ، وخلق له زوجه حواء وأسكنهما الجنة ، ثم عصى آدم ربه ، ثم استغفره فتاب عليه وهداه ، وأمره بأن يخرج من الجنة ، وينزل إلى الأرض ، ولله سبحانه وتعالى في ذلك من الحكم ما تعجز العقول عن معرفته ، والألسن عن صفته ، وسنستعرض في هذه الوقفات شيئا من هذه الحكم فمنها :
1 - أن الله - سبحانه - خلق الخلق لعبادته ، وهي الغاية من خلقهم قال تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } (1) ، ومعلوم أن كمال العبودية المطلوب من الخلق لا يحصل في دار النعيم والبقاء ، إنما يحصل في دار المحنة والبلاء ، أما دار البقاء فدار لذة ونعيم ، لا دار امتحان وتكليف .
_________
(1) سورة الذاريات ، الآية : 56 .

2 - أنه - سبحانه - أراد أن يتخذ منهم أنبياء ورسلا وأولياء وشهداء يحبهم ويحبونه ، فخلى بينهم وبين أعدائه وامتحنهم بهم ، فلما آثروه وبذلوا نفوسهم وأموالهم في مرضاته ومحبته ، نالوا من محبته ورضوانه والقرب منه ما لم يكن لينال بدون ذلك أصلا ، فدرجة الرسالة والنبوة والشهادة من أفضل الدرجات عند الله ، ولم يكن ينال الإنسان هذا إلا على هذا الوجه الذي قضاه الله سبحانه من إهباط آدم - عليه السلام - وذريته إلى الأرض .
3 - أنه - سبحانه - الملك الحق المبين ، والملك هو الذي يأمر وينهى ويثيب ويعاقب ، ويهين ويكرم ، ويعز ويذل ، فاقتضى ملكه سبحانه أن أنزل آدم وذريته دارا تجرى عليهم فيها أحكام الملك ، ثم ينقلهم إلى دار يتم فيها جزاؤهم على أعمالهم .
4 - أن الله خلق آدم - عليه السلام - من قبضة من جميع الأرض ، والأرض فيها الخبيث والطيب ، والحزن والسهل ، فعلم سبحانه أن في ذرية آدم - عليه السلام - من لا يصلح لمساكنته في داره ؛ فأنزله إلى دار استخرج فيها الطيب والخبيث ، ثم ميزهم - سبحانه - بدارين : فجعل الطيبين أهل جواره ومساكنته ، وجعل الخبيثين أهل دار الشقاء دار الخبثاء .

5 - أنه - سبحانه - له الأسماء الحسنى ، فمن أسمائه : الغفور ، الرحيم ، العفو ، الحليم ، . . . ولا بد من ظهور آثار هذه الأسماء ، فاقتضت حكمته سبحانه أن ينزل آدم - عليه السلام - وذريته دارا يظهر عليهم فيها أثر أسمائه الحسنى ، فيغفر لمن يشاء ، ويرحم من يشاء ، ويعفو عمن يشاء ، ويحلم على من يشاء إلى غير ذلك من ظهور أثر أسمائه وصفاته .
6 - أن الله - سبحانه - خلق آدم - عليه السلام - وذريته من تركيب قابل للخير والشر ، ومستلزم لداعي الشهوة والفتنة ، وداعي العقل والعلم ، فإنه - سبحانه - خلق فيه العقل والشهوة ، ونصبهما داعيين بمقتضياتهما ليتم مراده ، ويظهر لعباده عزته في حكمته وجبروته ، ورحمته وبره ولطفه في سلطانه وملكه ؛ فاقتضت حكمته أن أنزل آدم - عليه السلام - وذريته إلى الأرض ليتم الامتحان وتظهر آثار استعداد الإنسان لهذه الدواعي واستجابته لها ، وتكريمه أو إهانته تبعا لذلك .

7 - أن الإيمان بالغيب هو الإيمان النافع ، أما الإيمان بالمشاهدة فكل أحد يؤمن يوم القيامة ، فلو خلقوا في دار النعيم لم ينالوا درجة الإيمان بالغيب الذي تعقبه اللذة والكرامة الحاصلة بسبب الإيمان بالغيب ، فلذلك أنزلهم إلى دار يكون لإيمانهم فيها بالغيب مجال .
8 - أن الله - سبحانه - أراد من ذلك أن يعرف عباده الذين أنعم عليهم تمام نعمته عليهم وقدرها ، ليكونوا أعظم محبة وشكرا ، وأعظم التذاذا بما أعطاهم من النعيم ، فأراهم - سبحانه - فعله بأعدائه وما أعد لهم من العذاب ، وأشهدهم تخصيصهم بأعلى أنواع النعيم ، ليزداد سرورهم ، وتكمل غبطتهم ، ويعظم فرحهم ، وكان ذلك من تمام الإنعام عليهم ومحبتهم ، ولم يكن بد في ذلك من إنزالهم إلى الأرض وامتحانهم واختيارهم ، وتوفيق من شاء منهم رحمة منه وفضلا ، وخذلان من شاء منهم حكمة منه وعدلا ، وهو العليم الحكيم .
9 - أن الله أراد أن يعود إليها آدم - عليه السلام - وذريته وهم على أحسن أحوالهم ، فأذاقهم قبل ذلك من نصب الدنيا وغمومها وهمومها وأوصابها ما يعظم به عندهم مقدار دخولهم إليها في الدار الآخرة ؛ فإن الضد يظهر حسنه الضد (1) .
_________
(1) انظر مفتاح دار السعادة ، جـ 1 ، ص : 6 - 11 .

وبعد أن أوضحت بداية الإنسان فيحسن أن نبين احتياجه إلى الدين الصحيح .

شكرا لدعمكم

تم تأسيس موقع القرآن الكريم بالرسم العثماني و موقع الحمد لله كبادرة متواضعة بهدف خدمة الكتاب العزيز و السنة المطهرة و الاهتمام بطلاب العلم و تيسير العلوم الشرعية على منهاج الكتاب و السنة , وإننا سعيدون بدعمكم لنا و نقدّر حرصكم على استمرارنا و نسأل الله تعالى أن يتقبل منا و يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم .
مجتمعنا القرآن الكريم

الإنجليزية | العربية | Dutch | الألمانية | Galician | الفرنسية | الإسبانية | الإيطالية | البرتغالية البرازيلية